تعيش إسرائيل حالة صدمة من عملية طوفان الأقصى، بعدما تعرّضت لهجمات متتابعة من قبل مقاتلي حماس، من بينها هجمات على طول الساحل الإسرائيلي شمال غزة باستخدام قوارب مصنوعة من المطاط والألياف الزجاجية. ربما تَرجعُ الصدمة إلى اعتقاد إسرائيل بأن الحصار البري والبحري، الذي فرضته على غزة منذ 2009، سيُجبر الشعب الفلسطيني على الرضوخ. 

من الآثار التي لم تظهر أهميتها على الفور كان ما حدثَ في 9 تشرين الأول (أكتوبر) عندما أكّدت شركة شيفرون أنها تلقت تعليمات من وزارة الطاقة الإسرائيلية بوقف إنتاج الغاز الطبيعي من منصّتها البحرية في حقل تمار شرقي البحر الأبيض المتوسط، خوفاً – على الأغلب – من حدوث عمليات تخريب بحرية أو تعرُّض الحقل إلى هجمات صاروخية من قبل حماس. يمكن رؤية منصّة تمار على بُعد 24 كم من شاطئ غزة في الجو الصافي؛ يساهم الحقل – الذي تديره شركة شيفرون وشركة مبادلة الإماراتية للطاقة، بالإضافة إلى العديد من الشركات الإسرائيلية والإسرائيلية-الأميركية الأُخرى – بما يصل إلى 70% من احتياجات الكهرباء الإسرائيلية، كما يزوّد الأردن ومصر بالغاز. 

يُبرِزُ التوقف المؤقت عن إنتاج الغاز في حقل تمار عُمقَ تأثير العمليات العسكرية والبحرية الفلسطينية التي انطلقت من غزة، ومدى عدم جهوزية قوات الأمن الإسرائيلية لمواجهتها. لقد اعتمدت إسرائيل استراتيجية الخنق الطويل لقطاع غزة، فيما نقلت كثيراً من قواتها العسكرية للدفاع عن مستوطنات الضفة الغربية، أما على طول حدود غزة البرية والبحرية، فقد اعتمدت أجهزة الأمن الإسرائيلية على تقنيات المراقبة الرقمية لرصد حركات الفلسطينيين في أعقاب مَسيرات العودة التي شهدتها عامَي 2018-2019.

عانت غزة من الحصار منذ بداية القرن الحادي والعشرين، لكنها وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية في 1967، ونحو 70% من سكانها تمّ تهجيرهم إليها خلال النكبة عام 1948. وخلال هذه الفترة، هدف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي إلى التحكم بالسكان والأراضي والثروات الطبيعية، بما في ذلك الموارد البحرية. وبينما تحظى أغلب الدول الساحلية بمساحة تبلغ 200 ميل بحري يمكن للدولة الساحلية استغلالها اقتصادياً، إلا أن ذلك لا ينطبق على فلسطين. ففي عام 1995، إثرَ معاهدة أوسلو، حُدِّدت تخوم منطقة صيد الأسماك والاستخراج البحري الخاصة بفلسطين بِـ 20 ميلاً بحرياً، تم تقليصها في 2002 إلى 12 ميل بحري، ثم إلى 6 أميال بحرية بعد انتصار حماس في الانتخابات، وأخيراً إلى 3 أميال في 2009. واليوم، تنفذ سفن البحرية الإسرائيلية دوريات بين 1-3 أميال بحرية من الشاطئ، وتطلق النار على الصيادين الفلسطينيين الذين يتجاوزون هذه المنطقة، ولو بميل بحري واحد. 

خلال سنوات الحصار، أحكمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سيطرتها على حدود غزة البرية والبحرية، وشدَّدت مراقبتها للخط الساحلي والشواطئ. في 1994، كانت إسرائيل قد بدأت ببناء سياج حول غزة، وفي 2002، قامت بتدمير مطارها. وبالإضافة إلى تقليص مساحة المياه الإقليمية الخاصة بالقطاع، فقد خنقت إسرائيل اقتصاد غزة وقطعت أوصال الحياة اليومية فيه، وحَوَّلته إلى أحد أكبر السجون المفتوحة وأكثرها اكتظاظاً سكانياً في العالم. 

إحدى الأسباب الرئيسية لتقييد إسرائيل الحياة البَحرية للفلسطينيين هي منعهم من استغلال الموارد البحرية. ففي عام 2000، تم اكتشاف خزان هائل من الغاز الطبيعي داخل منطقة  الـ 20 ميلاً بحرياً التابعة لغزة، ولكن حقل غزّة مارين سرعان ما سُلِب من سكان القطاع، وفي حزيران (يونيو) 2023 أصدر بنيامين نتنياهو بياناً صحفياً أعلن فيه عن إقرار خطط تعاون بين إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية لتطوير حقل غزّة مارين، ولكن التفاصيل، بما في ذلك هوية الجهات المستفيدة من تطوير حقل الغاز، بقيت مبهمة حتى بالنسبة إلى الشركاء المُفترضين، مثل السلطة الفلسطينية.

تحدُّ المواجهات المتكررة مع دوريات البحرية الإسرائيلية من قدرة الصيادين الفلسطينيين على كسب رزقهم. الدوريات معروفة واعتداءاتها التعسفية على قوارب الصيادين، وحؤولها دون تجاوز القوارب المسافة والعمق الذي تتطلبه عمليات الصيد، الأمورُ التي أسفرت عن تعطيل معظم نشاط الصيادين. كذلك أصبح الاستجمام على شواطئ غزة محفوفاً بالمخاطر، حيث قُتل عدد من الأطفال والزوار برصاص قنّاصة وصواريخ إسرائيلية. وخلال الأيام الماضية، نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع فيديو تُظهِرُ قصفه للبنية التحتية الساحلية في غزة، وتدميره عدة قوارب صيد. وفي الوقت الذي تضرب فيه الطائرات الإسرائيلية القطاع من السماء، فإن السفن البحرية الإسرائيلية تستهدف القطاع من البحر، بينما تتمركز القوات البرية على الحدود.

خلال أوائل القرن العشرين، تصوّر زئيف جابوتنسكي، مؤسس حزب الليكود، أنه يمكن إخضاع فلسطين بواسطة «جدار حديدي لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه». إن الحصار الذي تواجهه غزة تجسيدٌ حقيقي لرؤية جابوتنسكي للجدار الحديدي، بمواده الصلبة وخرساناته في البر والبحر والجو. وقد تمكنت المقاومة من كسر هذا الجدار في عملية طوفان الأقصى.

في ذاكرة للنسيان، المرثية التي كتبها محمود درويش لبيروت، التي ستتعرض بعد وقت قصير إلى الدمار على يد القوات الإسرائيلية في 1982، كتَب: 

ما زال الفجر الرصاصي يتقدم من جهة البحر على أصوات لم أعرفها من قبل. البحر برمّته محشو في قذائف طائشة. البحر يبدّل طبيعته البحرية ويتمعدَن… لماذا ينصب هذا المطر الأحمر – الأسود – الرمادي على من سيخرج وعلى من سيبقى من بشر وشجر وحجر؟

لم يكن البحر بالنسبة للفلسطينيين دوماً المصدر المعدني للنيران المنبعثة من أساطيل السفن الحربية.

حاولت عدة سُفن تضامن من مختلف أنحاء العالم اختراق الحصار البحري الإسرائيلي على غزة، من خلال التوجه نحوها من موانئ البحر الأبيض المتوسط بين عامي 2010-2018. ولكن القوات البحرية الإسرائيلية اعترضتها جميعاً ووجهتها نحو الموانئ الإسرائيلية ثم احتجزت رُكّابها. وفي حالة سفينة التضامن «مرمرة الزرقاء»، تم اقتحامها وقتل تسعة من نشطاء السلام الذين كانوا على متنها. مع كل ذلك، يبقى البحر نافذة على العالم المتضامن مع الفلسطينيين.

فلسطين دولة ساحلية، يحلم شعراؤها بأمواج المتوسط، ويتعلم أطفالها الغوص والسباحة ولعب كرة القدم على الرمال، يتميز مطبخها بثمار البحر المُحضَّرة بطرق مبتكرة، وتتنزه العائلات الفلسطينية على شواطئها. المنازل الفلسطينية المطلة على البحر تفتح أبوابها لاستقبال الهواء النقي والمياه المالحة. صحيح أن موانئ فلسطين الشهيرة (حيفا، يافا، عكا)، قد سُلِبت خلال النكبة، إلا أن الشعب الفلسطيني ما يزال متمسكاً بحقه فيها، فالبحر جزء من الهوية الفلسطينية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون في غزة تحت ظلال الأساطيل الحربية الإسرائيلية والأميركية – التي تُحوِّلُ البحر «إلى أحد مصادر جهنم»، على حد تعبير محمود درويش – ينتظر البحر الأبيض المتوسط عودتهم.