جلستُ داخل خيمة ابتسام، الدكتورة الجامعية ذات العقد الرابع من عمرها، والتي افترشت الأرض وحولها مجموعة من الأدوية التي بدأت بتناولها. كنتُ إلى جوار ابتسام والعرقُ يتصبّبُ من كلتانا تحت خيمة وَصفَتها بأنها «نار بالنهار وبرد بالليل»، وهي واحدةٌ مما لا يقلّ عن خمسين خيمة أنشأتها الأونروا داخل أحد مراكز الإيواء في غرب مدينة خانيونس، والذي كان سابقاً كلية تدريب مهني تابعة للأونروا. في صباح الجمعة، الثالث عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، تحوَّلَ المكان إلى مركز لإيواء ما لا يقل عن 20000 نازح. تبلغ مساحة الخيمة ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار طولاً وعرضاً، أرضُها مفروشة بقطعة من النايلون بُنيت فوقها الخيمة على شكل هرمي بقماش أبيض، تتناثر فيه ممتلكات العائلة وبعض الأغطية والفرش.

تصف موقف والدها البالغ من العمر 85 عاماً عندما رأى الخيَم. قال: « بدنا نرجع نتهجّر!». والدها اللاجئ تعود أصوله إلى بلدة حمامة، اضطرت عائلتها إلى وضعه في بيت أحد الأقارب في خانيونس، في حين بقي أفراد الأسرة ذات العدد الكبير في المخيم داخل خيمة واحدة: «نحن عائلتان في هذه الخيمة، لا توجد مقومات للحياة هنا، لكن لا خيار لدينا. قبل اندلاع الحرب خضعت لعملية فتق بالحجاب الحاجز، أعاني من تليّف الرئتين، أنام مباشرة على الأرض، ووضعي الصحي متدهور، أشعر أن ضلوعي مكسرة».

 

وفقاً لمصادر حكومية فلسطينية، نزح 70 بالمئة من سكان قطاع غزة جنوباً، وتُقدَّرَ أعدادهم بحوالي مليون ونصف المليون، يتوزعون على 220 مركزاً للإيواء، فيما أعلنت الأونروا أنها استقبلت 544 ألف نازحٍ من إجمالي هذا العدد. نور الشابة العشرينية التي جلست برفقة أخواتها أمام خيمتهم هي نازحة من شمال قطاع غزة؛ تروي: «في يوم الجمعة حين أخطر جيش الاحتلال السكان بالإخلاء، غادرنا جباليا سيراً على الأقدام حتى وصلنا خانيونس، كنا 45 فرداً، حملنا أغراضاً أساسية على ظهورنا، مشينا من بعد صلاة الظهر ووصلنا بعد العشاء. مكثنا ليلة واحدة عند أحد أقاربنا لكن مربعهم السكني هُدِّدَ بالقصف ليلاً. خرجنا تحت القصف مرعوبين، ومن ثم نزحنا إلى مركز الإيواء، بقينا في العراء داخل مركز الإيواء لثلاثة أيام قبل إنشاء المخيم».

تؤوي خيمة نور وعائلتها 11 فرداً، هي وأخواتها الستة ووالديها وعائلة عمتها، تتحدث: «الوضع مأساوي. نرتدى ملابس الصلاة طوال الوقت، نصحو وننام فيها، لا خصوصية على الإطلاق، عندما نحتاج الحمام نضطر للمشي على الأقل عشر دقائق وانتظار دور لا يقل عن ساعة في حمام واحد للنساء في مبنىً بعيد، ولا توجد مياه فيها على الإطلاق، نأخذ معنا زجاجة مياه لأغراض التشطيف وغسل اليدين، نعبيء مياه الشرب من مكان بعيد بينما المياه الموجودة قريباً لا تصلح للشرب. نرى الشوائب فيها ولونها العَكِر. في بداية وصولنا كنا نضطر لشرب رشفات منها لنروي ظمأنا فقط».

تتذمّر نور من نوعية المساعدات المقدمة، فهي تحتوى على المعلبات وبضع أرغفة من الخبز، ولا توجد فيها أي منتجات للرعاية الصحية، وتنضم أختها للحديث: « تخيلي ما نواجهه كنساء من آلام الدورة الشهرية، وحاجتنا لتغيير الفوط بانتظام. لا توجد فوط ولا توجد مسكنات، أجسامنا يفتكّ بها الوجع ونضطر للمشى بعيداً للحمام وانتظار الدور، وهو غير نظيف ابداً».

 

في يوم الجمعة 13 تشرين الأول، أخطرَ الجيش الإسرائيلي سكّانَ مدينة غزة وشمالي قطاع غزة بالتوجه نحو جنوب وادي غزة عبر إبلاغه لمؤسسات دولية أممية، وعبر رسائل نصية إلى هواتف المواطنين ومنشورات تحذيرية ألقاها في الجو عبر طائراته على المناطق المذكورة. بعض السكان نزحوا في ذلك اليوم، وبعضهم نزح في اليوم التالي كما فعلت عائلة هالة 22 عاماً، أمٌّ لطفل وحاملٌ في النصف الأخير من شهرها الثامن: «كنا تسعة أفراد، جئنا بسيارة تاكسي تتسع لأربعة أفراد وفوق السيارة أغراضُنا. انطلقنا يوم السبت 14 تشرين الأول (أكتوبر) في الساعة الثامنة صباحاً ووصلنا بعد ساعة ونصف. كانت أصوات القصف والانفجارات من حولنا، في الخيمة نحن 14 فرداً، وضعنا مأساوي، أنام على الأرض، أشعر أن ظهري مقسوم إلى نصفين، أنا حامل وأحتاج إلى الراحة».

 

نزحت هالة من شمالي القطاع تحت النار، لم تستطع جلب احتياجات الولادة وتجهيزات الطفل، وهي واحدة من 50000 امرأة حامل في القطاع، و5050 امرأة من المُتوقَّع ولادتهن في تشرين الأول الجاري: « اقتربت ولادتي. كلما فكّرتُ في احتمال أن أَلِدَ هنا في المخيم وتحت النار أشعر بخوفٍ شديد. منذ اندلاع الحرب لم أفحص وضع الجنين، بالأمس أبلغونا بوجود مكان للرعاية الصحية، لكنه بعيدٌ عن الخيام، ،كلّما فكّرتُ بالذهاب إلى هناك أتراجعُ لأني سأشعر بالتعب، ولن أغامر بالذهاب بعيداً بينما هناك احتمال للقصف على أي مكان. لا يوجد أمان أبداً».

تطهو العائلات بعض الطعام البسيط على الحطب. يضع أحد الشباب كانوناً كبيراً فيه حطب مشتعل، وتعلوه بعض الطناجر وأباريق الشاي، وهذا كان ملجأ أم مالك لغلي بعض الأعشاب وتطبيب أفراد عائلتها عندما داهمهم المرض فور مكوثهم في الخيمة: «عانت ابنتاي من حساسية شديدة واستفراغ بسبب العث ورائحة الخيمة بعد نصبها، بينما أُصيبَ ابني بحالة من الاستفراغ. كنتُ أحمل بعض المسكنات وغلينا الأعشاب، لم نجد صيدلية قريبة لأننا لا نعرف المكان، ولا يوجد نارٌ لغلي الأعشاب. كنتُ أرسل غلاية فيها الماء والأعشاب لتغلي على الحطب من أجل أبنائي».  

وصلت عائلة أم مالك من شمال القطاع أيضاً، ونزحت برفقة 24 فرداً على الأقل، مشوا من تل الزعتر شمالاً حتى شارع الصناعة في قلب مدينة غزة، ومن هناك أقلَّهم باصٌ إلى خانيونس، ليبيتوا عند أقاربهم ليومين قبل أن يتوجهوا إلى مركز الإيواء. تقول ابنتها ضحى: «لا استطيع الجلوس في الخيمة دون فتحها من الجهتين لتجديد الهواء، تقتلني نوبات الحساسية ورائحة الخيمة. نرتدى لباس الصلاة طوال اليوم، يتعرَّقُ كل جسمي وليس بإمكاني خلع هذا اللباس».

في الخيمة المقابلة شَرَعَت أماني في لمِّ الغسيل الذي لفحته الشمس طويلاً، أماني أمٌّ لابنتين وأربع أبناء: «يعبئ ابني الماء وأَستخدمه في الغسيل وتنظيف أدوات الطعام التي تتكوّم داخل الخيمة إلى حين وصول الماء، وهذا عبء. الذهاب إلى الحمام كابوس، ولا يمكن أن تذهب ابنتي لوحدها فالمكان يعجّ بالغرباء. لا توجد خصوصية، ولا أعلم كيف تذهب السيدات الكبيرات في السنّ إلى هناك». وعن الحصول على فوط صحية: «لا يوزعون فوطاً صحية أو صابوناً. في البداية اضطررنا للبحث عن الفوط في أقرب دكّان وكان ذلك صعباً، لكن مؤخراً أصبحت بعض البسطات أمام باب المركز تبيعها. نشتريها رغم وضعنا المالي المنهار، فزوجي يعمل باليومية ومنذ اندلاع الحرب لم يعمل».

على الرغم من تواجد آلاف النازحين في مراكز الإيواء، حيث يُقدَّرُ عدد النساء النازحات بحوالي 500 ألف امرأة وفقاً لمكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، إلا أنه وحتى اللحظة لا تُراعي خطط الاستجابة الإنسانية الاحتياجات البيولوجية والفوارق الجندرية الخاصة بهنّ، ولا زلن يُعانين داخل أماكن نزوحهن، وهي معاناة أكثر شدة في الخيام التي تتركها هذه الاستجابات غير المُستجيبة في مهبّ الريح.