شهرٌ على عملية «طوفان الأقصى» كانت حصيلته الأبرز حرب إبادة إسرائيلية وحشية على سكّان غزة تعجز الكلمات عن وصفها، يتم بثّ وقائعها على الشاشات ويعترف مرتكبوها بمحطات منها في وضح النهار. وبينما تتواصل الحرب دون أن يظهر أفقٌ لنهايتها، فإن طرفيها الأساسيين يواجهان خيارات ومُمكنات صعبة، بعد أن بدأت بما هو غير مسبوق على صعيد الهجمات التي تعرّضت لها إسرائيل في تاريخها، واستمرّت بما هو غير مسبوق على صعيد حجم العنف الإسرائيلي والدعم غير المحدود لهذه العنف من حلفاء إسرائيل.

حماس التي «نجحت» أكثر من اللازم

ما تزال كتائب القسام قادرة على إطلاق الصواريخ من غزة وصولاً إلى تل أبيب، ويواصل مقاتلوها خوض اشتباكات مباشرة في كل مكان تقدّمَ إليه جيش الاحتلال في غزة، وذلك رغم أطنان المتفجرات وحشود الدبابات وقوات المُشاة. يعني ذلك أن الجناح العسكري لحركة حماس قد أعدّ نفسه فعلاً لمعركة طويلة الأمد، ولكن هل يكفي هذا للقول إن حركة حماس أعدّت لعملية طوفان الأقصى بشكل جيد وكانت مستعدة لكل تبعاتها المُحتملة؟

بالعودة إلى يوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، فإن ثمة وقائع كثيرة تشير إلى أن العملية «نجحت» أكثر ممّا كان مُتوّقعاً، أو بعبارات أخرى فإنه يمكن الافتراض أن العملية خرجت عن سيطرة القسّام لأسباب شتى لعلّ أبرزها أن الجيش الإسرائيلي واستخباراته لم يكونوا مستعدين. تُشير إلى هذا مشاهدُ لفلسطينيين يقتحمون السياج الفاصل بملابس مدنية وجرافات وبعضهم لا يحمل سلاحاً حتى، وكذلك أَسْرُ إسرائيليين على يد فصائل أخرى أبرزها الجهاد الإسلامي رغم عدم علم أي من هذه الفصائل بالعملية قبل بدئها، ووقائع أخرى كثيرة من بينها اعتراف قادة في حماس نفسها بأن جهات أخرى دخلت على خط العملية، ومشاهد إجرامية لقتل وأسر مدنيين حاولت قيادة حماس القول إنها من فعل جهات أخرى غير مُنظّمة، وحاولت التخلّص من عبئها بالقول إن الأسرى المدنيين «ضيوف» وليسوا موضوع تفاوض. يعني كلّ هذا أن عدد القتلى والأسرى الإسرائيليين كان أكبر ممّا توقّعته وخطّطت له القسّام، وهو قد يعني بالتالي أن حركة حماس لم تكن قد أعدّت نفسها لردّ الفعل الرهيب الذي نشاهد فصوله الآن.

تحكم حماس قطاع غزة الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني، نصفهم لم يعد لديهم بيوت يعودون إليها في حال توقّفت الحرب اليوم، وهي لم تتوقف بعد. وقد مات منهم أكثر من عشرة آلاف وأُصيب أكثر من خمسة وعشرين ألفاً وتم تدمير حياة مئات الآلاف على نحو لا يمكن تَداركُه، والحرب لم تتوقف بعد. لكن هل توقعت كتائب القسام ثمناً كهذا ومع ذلك خطّطت لعمليتها ونفذتها؟

وفضلاً عن الخسائر المدنية المهولة في الأرواح والمنشآت، يبدو أن القضاء على كتائب القسّام هدفٌ إسرائيلي أميركي مشترك، وهو ممكن التنفيذ إذا سمحت الظروف الدولية والإقليمية باستمرار حرب الإبادة وسمحت التوازنات الداخلية الإسرائيلية لنتنياهو بمواصلتها، ما يعني أن وجود كتائب القسّام في غزة بات على المحكّ. هل توقعت القسّام أن تواجه حرباً كهذه ومع ذلك خطّطت لعمليتها ونفذّتها؟

يبدو غريباً فعلاً أن يتوقع فصيلٌ مسلّحٌ نتائجَ كهذه لعمل يُخطط له ثم يقوم به مع ذلك، ولعلّ هذا ما يجعل التحليل القائل بأن العملية «نجحت» أكثر ممّا كان متوقّعاً تحليلاً معقولاً جداً. وإذا صح هذا التحليل، فإن ما يبدو «نجاحاً» هو «فشلٌ» بشكل أو بآخر؛ وهو «فشلٌ» باهظ الثمن.

 لكن ما الذي تملكه حماس اليوم لمواصلة المواجهة؟ يملك قادتها أوراقاً ثلاث. أقواها هو ثبات القسّام في المعارك بحيث تعجز إسرائيل عن تجريف البنية العسكرية للكتائب، ويتكبّدُ جيشها خسائر تفضي إلى قيام جهات في إسرائيل أو في الدول الحليفة لها بإيقاف خطة نتنياهو، وهي الورقة التي ما تزال حماس تستخدمها بقوة لافتة، لكن قوتها ستتراجع مع الوقت إذا نجح نتنياهو في مواصلة الحرب مهما كانت خسائرها ومهما تطّلبت من وقت، ذلك أنه ليس لحماس خط إمداد مفتوح ومستقرّ بالعتاد والذخيرة ومستلزمات الحرب.

ورقة حماس الثانية تصنعها الوحشية الإسرائيلية، ذلك أن استمرار الجرائم المروعة يُراكم رأياً عاماً عالمياً وعربياً قد ينجح أخيراً في فرض وقف إطلاق للنار إذا استطاع التأثير في سياسات الدول الفاعلة في الإقليم والعالم، وقد يفسح المجال أمام نجاح مبادرات لدول راغبة في إيقاف الحرب. أما ورقة حماس الأخيرة فهي الأسرى الإسرائيليون، وهي الورقة التي يحاول نتنياهو إفراغها من محتواها عبر إصراره على أن استعادتهم ستكون بالحرب لا بالتفاوض، الأمر الذي قد يتغيّر إذا تسبَّبَ استمرارُ الحرب وارتفاع كلفتها بضغوط داخلية يعجز نتنياهو عن مقاومتها.

ثمة ورقة رابعة هي حلفاء حماس في محور الممانعة الذي تقودة طهران، لكن يبدو أن فعاليتهم لن تُسهم في تغيير مسار الحرب في غزة ضمن الوضع الراهن، ذلك أنهم ليسوا بصدد خوض حرب شاملة، وعملياتهم الراهنة تربك إسرائيل وتضغط عليها لكنها لن تؤثّر في مصير حماس في غزة، والأرجح أنها لم تَعُد ورقة يمكن لقيادة حماس الرهان عليها ما لم تحدث تحولات دراماتيكية في الأيام والأسابيع القادمة.

هذا ما تملكه حماس لمواجهة الحرب الإسرائيلية التي لا يزال يعلنُ قادتها أن هدفهم إنهاء كتائب القسّام في غزة، ولكن ماذا عن إسرائيل؟

إسرائيل التي قد تفشل مجدداً

منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في شهر أيار (مايو) من العام الماضي كان من الواضح للجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة، أنّ نتنياهو فضَّلَ التحالف مع أكثر الخيارات تطرفاً مقابل استمراره في الحكم وتفادي ملاحقته قضائياً بتُهم فساد، وهو الملفّ الذي تصاعدَ داخلياً إلى حدّ خروج مظاهرات كبيرة في تل أبيب وعدد من المدن الإسرائيلية رفضاً لمشروع قانون يحد من السلطات القضائية، كان نتنياهو بصدد تقديمه للكنيست من أجل وقف متابعة ملفات فساده الخاصة. هكذا وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قضى أطول مدة في الحكم بين نظرائه منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، إلى تدهور شعبيته بين الإسرائيليين إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

كانت تلك الشهور جنة اليمين الصهيوني الديني الأكثر تطرفاً، والذي يمثله إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي في الحكومة الحالية وحزبه «القوة اليهودية». واليوم، تقول التسريبات التي حصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز إنّ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حذَّرت نتنياهو لأشهر من أنّ هذه الحكومة المتطرفة ستقود الأوضاع إلى الانفجار. لكن يبدو واضحاً أن هذا لم يكن هذا مهماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان مرتاحاً لدفن أي فرصة للحل السياسي، مدفوعاً بالمبادرة التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتطبيع بين إسرائيل ودول عربية.

كان فجر السابع من أكتوبر الماضي هو لحظة انفجار جميع تلك التناقضات في إسرائيل، إذ كان واضحاً أنّ فشلاً استخباراتياً إسرائيلياً هائلاً كان وراء الخسائر الضخمة التي ألحقتها كتائب القسّام بإسرائيل، ذلك بينما كانت الحكومة الهشّة التي يقودها نتنياهو عاجزة عن اتخاذ القرارات بسرعة، ما جعل الذهول يسيطر على الجيش والاستخبارات الإسرائيلية لساعات طويلة من نهار ذلك اليوم، قبل قيام الدبابات الإسرائيلية بسد الثغرات التي ألحقتها الهجمات بالسياج الأمني المحيط بغزة.

شبّهَ مسؤولون إسرائيليون العملية بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001، ورغم أن أصحاب التشبيه يهدفون بلا شك لاستغلال صداه عند الأميركيين وتجييش الرأي العام العالمي لصالحهم، لكن التشبيه لم يكن في غير محلّه من ناحية عدم قدرة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على رصد التحضيرات لهجوم لا بدّ أنّ التجهيز له استغرق أشهراً طويلة، وكذلك من حيث دفع الأطراف السياسية في إسرائيل للتحالف في مواجهة هذا التحدي.

أعلنت الحكومة الإسرائيلية الأمنية المُصغَّرة قرار الحرب على الفور، ثمّ انتقل نتنياهو إلى الكنيست حيث حصل على موافقة معارضيه على الدخول في حكومة حرب ائتلافية، يبدو أنّها ستسمح له بتوزيع النتائج السلبية للحرب التي يخوضها اليوم على الجميع بدل أن يتحمّل وحده تبعاتها. وقد أعلن نتنياهو والمسؤولون العسكريون الإسرائيليون بشكل واضح وفي مناسبات عديدة أنّ هدفهم الأساسي هو تفكيك قدرات حماس العسكرية والقضاء عليها تماماً، وهو هدفٌ أيدته بلا تردد كل من واشنطن والعواصم الغربية الكبيرة الأخرى، كما حصلت تل أبيب على دعمٍ عسكري من الولايات المتحدة كان هدفه الرئيسي تهديد إيران وحزب الله للحيلولة دون دخولهما المعركة.

مدفوعةً برغبة جارفة بالانتقام واستعادة الهيبة، وبالتناقضات الداخلية التي تدفع نتنياهو لمحاولة إنقاذ نفسه عبر تحقيق إنجاز عسكري، وبدعم غير مسبوق لها في الغرب وخاصة الولايات المتحدة وألمانيا، أعلنت إسرائيل هدفاً كبيراً جداً هو إنهاء حماس في غزة واستعادة أسراها دون تفاوض مع الحركة، وراحت ترتكب شتى أنواع جرائم الحرب بشكل علني دون أن تحفل بتأثير ذلك على سياسات حلفائها وخصومها على حد سواء . 

حتى اللحظة لم يوافق نتنياهو على أي عرض لوقف إطلاق النار ولا على التفاوض بشأن مصير الأسرى، وسيكون القضاء على كتائب القسّام في غزة رهناً بقدرة إسرائيل على تحمّل أعداد كبيرة من القتلى في صفوف جنودها، يبدو أنها ستكون الأكبر منذ غزو لبنان عام 1982، كما سيكون رهناً بقدرة المجتمع الدولي على الصمت أمام هول المذابح وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في غزة، ورهناً بقدرة نتنياهو وقادة جيشه على مقاومة الضغوط الداخلية سواء بشأن قضية الأسرى أو بشأن استمرار الحرب والكلفة اللازمة لإنجاز أهدافها المُعلنة.

بعد تأخر العملية البرية لأسابيع، فضّلَ الجيش الإسرائيلى عدم الدخول بزخمٍ كبير في المعارك، واتّجه للقيام بخطوات صغيرة ومتتابعة في سبيل عزل شمالي قطاع غزة الذي تقول تل أبيب أنّه يضم التهديد الأكبر لكتائب القسام. وفي حين أنه لا يمكن توقع مسار العمليات العسكرية المقبلة بدقة وسط استمرار الاشتباكات من المسافة صفر شمالي قطاع غزة، فإنّ خيار انفجار الأوضاع في الجبهة الشمالية مع لبنان ما يزال قائماً، بينما يستمر إجلاء الإسرائيليين في الجليل الأعلى بعيداً الحدود مع لبنان دون أفق واضح لعودتهم، وبينما يقول مسؤولون إسرائيليون إن الذين جرى إجلاؤهم من غلاف غزة لن يعودوا قبل نهاية العام على الأقل، وهو ما يرسم خطاً زمنياً طويلاً للعمليات العسكرية التي ليس واضحاً كيف ستقود إلى تحقيق هدفها المُعلن وبأي ثمن.

تدمير قطاع غزة وقتل أعداد كبيرة من أهله وتهجير سكان شماله إلى جنوبه مع طروحات غير رسمية لتهجير بعضهم أو كلهم إلى مصر، وخنق كتائب القسّام في مساحات محاصرة أو شبه محاصرة وتدمير مواقعها وأنفاقها وقتل عناصرها بكل صنوف الأسلحة؛ هذه هي الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى إنهاء القسّام واستعادة الأسرى دون تفاوض. أما الهدف الثاني فهو ليس جدياً لأن هذه الخطة ستُفضي إلى مقتل الأسرى كلّهم أو أغلبيتهم الساحقة، وأما الهدف الأول فهو غير ممكن دون حرب طويلة جداً ودموية جداً ومفتوحة على احتمالات الاتساع، وليس مؤكداً أن إسرائيل قادرة على مواصلتها إلى آخرها.

أي نهايات لهذه الحرب؟

يصعب تصوّر شكل لنهاية هذه الحرب. ذلك أن الأهداف الإسرائيلية الكبيرة صعبةُ التحقيق، وفي الوقت نفسه يصعب التراجع عنها دون أن يبدو هذا هزيمة كبرى لإسرائيل عموماً ونتنياهو وفريقه خصوصاً. وحماس من جهتها ليس لديها خيارات سوى القتال، وليس مطروحاً عليها حتى الآن خيارٌ غير هذا أصلاً، وهي بالتأكيد لا تستطيع القتال إلى ما لا نهاية في ظروف غزة. يبدو كما لو أن الطرفين عالقان في حرب لا مخرج منها غير هزيمة أحدهما، وهزيمة إسرائيل تكون بإيقاف الحرب قبل تدمير كتائب القسّام واستعادة أسراها، وهزيمة حماس تكون بإنهاء القدرات العسكرية للقسّام في غزة وإنهاء حكمها للقطاع دون صفقة لتحرير الأسرى الفلسطينيين. ليس لدينا بعد معالم لصفقة أو مبادرة تُشكّلُ مخرَجاً من هذا الوضع عبر حلّ وسط يعطي لكل طرف بعض المكاسب، وليس لدينا بالمقابل ما يؤكّد أن أياً من الطرفين قريبٌ فعلاً من تحقيق انتصاره.

ليس هناك مخرجٌ معروف من هذه الحرب حتى الآن، أما المخرج من المعارك والمذابح المتكررة في فلسطين فهو معروفٌ مهما حاول الإسرائيليون وحلفاؤهم البحث عن مخارج غيره: إنهاء الاحتلال والذهاب إلى حلّ عادل يمنح الفلسطينيين حقوقهم في تقرير المصير والحياة الكريمة.