على مدى ثلاثة أيام، خاض زوج ديانا رحلة العبور من تركيا إلى اليونان في طريق بري يمرّ بالغابات، قبل أن يتوجه نحو هولندا. كان يُفترض بالرحلة أن تكون خطوة جذرية لتحسين حال العائلة ومستقبلها، وكان انتظار أخبارها شديد الوطأة على الشابة التي تبلغ من العمر 20 عاماً، والتي أصيبت بالحمّى ونُقلت على إثرها إلى المستشفى. تصف ديانا صعوبة وضعها في انتظار أخبار الرحلة مع توافد الأنباء اليومية عن وفاة شباب في الغابات جرّاء التعب الشديد والإرهاق أو ابتزاز تجّار البشر لهم وتَعرُّضِهم للضرب، إضافة إلى المخاوف من عمليات الترحيل إلى سوريا من قبل الجانب التركي في حال تم ضبط المهاجرين قبل عبور الأراضي التركية، أو في حال تمّ إلقاء القبض عليهم من قبل الجانب اليوناني وإعادتهم إلى تركيا. بقيت ديانا في ظل هذه الاحتمالات تنتظر أخبار زوجها تحت وطأة مرض أعاقها عن رعاية طفلتها الوحيدة خلال تلك الأيام. تقول ديانا في حديثها معي إنه وعلى الرغم من مشقة هذه التجربة، فقد كانت الخيار الأخير أمامهم لحياة أفضل مع الظروف التي يعيشها اللاجئون السوريون في تركيا، والتي تجعل مستقبلهم مجهولاً.

لم يعنِ وصول زوجها إلى هولندا انتهاء رحلة المتاعب. استقرَّت مع طفلتها في منزل والدتها في مدينة أنطاكيا التركية على أمل أن تقضي هذه المدة ريثما يحين موعد لم الشمل، ليأتي الزلزال بعد ستة أشهر ويُغيَّرَ مسار أحداث حياتها مرة أخرى. قررت والدتها العودة إلى سوريا مع إخوتها بعد دمار منزلهم، لتبقى ديانا وحيدة مع طفلتها بانتظار لمّ الشمل لتلتحق بزوجها. انتقلت ديانا إلى اسطنبول في هذه الفترة، وقامت باستئجار منزل مع إحدى معارفها التي تنتظر أيضاً لمّ الشمل للانضمام إلى زوجها في فرنسا. تمرّ الأيام بطيئة جداً بانتظار «اللحظة الموعودة» كما تصفها ديانا، وهي بمفردها تتولى مسؤولية طفلتها في بلد غريب وفي مواجهة بكوابيس الترحيل وتقلّبات الوضع في تركيا.

بلغ عدد اللاجئين الذين لقوا مصرعهم في البحر الأبيض المتوسط أثناء محاولة عبورهم إلى أوروبا بطريقة غير نظامية أكثر من 2500 مهاجر خلال ما انقضى من عام 2023 وحده، وذلك بحسب ما ذكرت روفين مينيكدويويلا المسؤولة في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال حديثها أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي. وقد تضاعف هذا العدد ثلاث مرات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022. ولا تنتهي آلام العائلات بمجرد وصول المهاجر منها إلى أوروبا، إذ تبدأ فوراً رحلة انتظار أخرى، وهي رحلة إجراءات اللجوء للزوج عادة، وتليها إجراءات لمّ الشمل التي قد تمتد لأعوام وتختلف شروطها ومُددها بين بلدٍ وآخر في أوروبا. وتقع على عاتق النساء عادة في هذه الحالة مسؤولية رعاية من تبقى من العائلة والأطفال إن وجدوا في دول الجوار كتركيا، وفي حال كُنَّ مقيمات مع عائلة زوجهنّ المسافر، تُضاف إلى أعباء النساء الوصايةُ والرقابة الأسرية التي تمارسها أسرة الزوج بالنيابة عنه إلى حين يأتي قرار لمّ الشمل، وهي وصاية لا تواجه شركاءهنَّ على الطرف المقابل في دولة اللجوء التي وصلوا إليها، حيث يمكنهم ممارسة شؤون حياتهم بحرية تامة.

سارة، هي صاحبة شهادة أخرى في هذا النص، تحدثت عن تجربتها وكيف اتخذت مع زوجها قرار الهجرة بعد سنواتٍ من النقاش. اختار زوجها طريق البحر وتوجَّه نحو مدينة أزمير التركية للخروج منها عبر يخت نحو مدينة أثينا اليونانية. تروي قصتها: «كانت أصعب اللحظات هي عند الوداع، عندما حضنَ أطفاله وبقيت أراقبهم من بعيد. بدأت الكثير من الأفكار تخطر في بالي: هل الحياة في أوروبا تستحق كل هذا الحزن والفراق، هل تستحق كل هذه التضحية؟ لكن ماذا لو حلَّ بنا أي مكروه هنا في تركيا، ماذا لو كان أحد أولادي ضحية العنصرية وتعرَّضَ للقتل أو الخطف؟ هَوَّنتُ الأمر على نفسي بالتفكير بأننا لسنا الأسرة الوحيدة التي تعيش هذه اللحظات. امتلأتْ عيوني بالدموع. ماذا لوكان الوداع الأخير وحلَّ مكروه لزوجي وفقدناه في البحر كما يحصل مع مئات المهاجرين. وَدَّعتُهُ على عجل وهو يخبئ دموعه أيضاً، طفلي الذي يبلغ من العمر عامين لم يدرك ما يحصل حوله لكن طفلتي البالغة من العمر ثماني سنوات والاخرى بنت الخمس سنوات تَمسَّكَتا بقدمي والدهما محاولتين منعه من الذهاب. كانتا تبكيان بشدة. لن أنسى هذه اللحظات طيلة حياتي».

مع استعداده للانطلاق، أعلمها زوجها أنه سيُغلق هاتفه ولن يتمكن من التواصل معها إلا حين وصوله، إن تمكنو من الوصول إلى أثينا خلال خمس ساعات في حال لم يحدث شيء غير متوقع. كانت الساعة الحادية عشر ليلاً، وبقيت سارة تحاول إشغال نفسها ريثما ينقضي الوقت، بين أفكار تأنيب الضمير والخوف على مصيره والاحتمالات الكابوسية لرحلات البحر هذه: «لم أنم حتى جاءني ذلك الاتصال منه وأخبرني أنه وصل بخير وسلامة. ركضتُ وحضنتُ أطفالي، أخبرتهم أن والدهم بخير وهو الآن في مكان آمن وأننا سوف نذهب إليه قريباً».

في حالات أخرى، تواجه النساء ممن ينتظرنَ لمَّ الشمل مصاعب مُضاعفة في حال كُنّ قد قَدِمنَ مؤخراً إلى تركيا كمحطة انتظار لإتمام المعاملة والالتحاق بأزواجهن في أوروبا. تروي هبة وهي أم لطفلين كيف عبر زوجها بطريقة غير نظامية نحو الأراضي التركية في عام 2019 قادماً من مدينة إدلب، وبعدها إلى أوروبا. استمرت رحلته أربعة أشهر، قطع خلالها أكثر من خمسة بلدان مُجتازاً الغابات حتى يصل إلى وجهته. بقيت هبة في سوريا حتى وصول زوجها، ومن ثم بدأت رحلتها لتخرج من إدلب. بعد دفع مبالغ مالية كبيرة، ومعاناة استمرت لأيام على الحدود التركية السورية، وصلت هبة إلى مدينة اسطنبول وهي لا تملك أي أوراق رسمية لبقائها فيها، وهنا عاشت أيامها بخوف وقلق. كانت تخرج فقط لشراء حاجات أطفالها وتعود إلى منزلها لتختبئ فيه. بقيت على هذه الحال لمدة سنتين وشهرين حتى اجتمعت بزوجها الذي وصل إلى النمسا، عملت فيها على تجهيز الأوراق اللازمة بهدف السفر وتأمين كافة الأمور المطلوبة لعملية لمّ الشمل، منها بيان قيد العائلة ودفتر عائلي وجوازات سفر لها ولأطفالها.

تقول المحامية إيمان بكري في حديثها للجمهورية.نت إنّ هناك عوامل كثيرة تزيد معدلات الهجرة بشكل جماعي من تركيا نحو أوروبا مقارنة بالأعوام السابقة، أبرزها موجات العنصرية والكراهية المتزايدة ضد اللاجئين، والقوانين المتعلقة بإذن السفر وما تقوم به السلطات التركية من حملات ترحيل عشوائية خصوصاً من مدينة إسطنبول، ومن ثم جاء الزلزال المدمر كعامل إضافي حاسم بما سبَّبه من تشريد آلاف اللاجئين من جديد ونزوحهم عن ولاياتهم التي كانوا يقيمون بها، وذلك كله بالإضافة إلى غلاء الأسعار والظروف الاقتصادية الصعبة في تركيا واستمرار الحرب والعمليات العسكرية والاعتقالات في سوريا.

تُشكّل مواقع التواصل الاجتماعي متنفساً تتحدث من خلاله النساء ممّن ينتظرن لمّ الشمل، وتتبادلنَ تجاربهنَّ مع الأخريات من حيث المدة التي انتظرتها كلّ منهنّ ومكان تواجد الزوج والفترة اللازمة لحصوله على الإقامة. على تطبيق تيك توك تنشر عشرات النساء مقاطع فيديو صغيرة تتحدثنَ فيها عن الأمر، مع أسئلة عن مدة الانتظار وتاريخ اللقاء وتفاصيل الحياة التي يَعِشنها في ظل هذا الانتظار، لتتعاقبَ التعليقات حول تجارب كل سيدة. تُجمِعُ السيدات على أن المسؤولية صعبة لا سيما في الغربة، وبعضهن يروينَ تجربتهنَّ الإيجابية في ظل عدم وجود وصاية مباشرة عليهنّ، فهن قادرات على التصرف أفضل ممّا يكون عليه الحال مع وجود أشخاص يتدخلون في حياتهنّ. أخريات يرين أن كونهن وحيدات دون أهل أو وجود أقارب حتى للزوج من حولهن يزيد الضغط على حياتهن ويُفاقم من أعبائهنّ. وتبقى قصة النساء اللاجئات اللواتي ينتظرنَ لمَّ الشمل جانباً آخرَ متروكاً في الظلّ من سيرة رحلة اللجوء عبر المتوسط إلى أوروبا.