عشر سنوات مرّت على تغييب امرأتي سميرة الخليل، مع أصدقائنا رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي في دوما قرب دمشق. عشر سنوات كاملة، 3652 يوماً. هذا لا يكاد يُصدَّق، لا يُطاق، لا يُعقل، ولا يُغتفَر. لكنه هو ما وقع وما يستمر في الوقوع، وقد عشنا معه، نحن عائلات المرأتين والرجلين، يوماً بيوم، بلَوعةٍ وأسى يُداهماننا في هجمات حادة، لا تفتر حيناً إلا لتعود مُشتدّة بعد حين. 

لكن هذه المادة لا تسعى لغير إعادة رواية القصة، دون إضافة جديد لم يكن معروفاً للمهتمين. نُعيد الرواية لأنه تبيَّنَ لنا مراراً أن ما نفترض أنه معروف، يغلب أن يكون معروفاً للبعض وليس للجميع، وهو ما يدعو إلى التكرار والاستعادة مرة وراء أخرى. هناك شخص واحد إضافي على الأقل يمكن أن يعرف، ويهتم، إذا روينا القصة من جديد، وهذا الشخص الجديد، القارئ المجهول، هو الذي يحاول هذا النص مخاطبته.

 القصة

اختُطفت سميرة، وكذلك رزان ووائل وناظم، من مكتب «مركز توثيق الانتهاكات» في دوما قُبيل منتصف ليل 9 كانون الأول (ديسمبر) 2013 من قبل ملثمين، وأُخِذَت معهم حواسيبهم وهواتفهم. ولم يُعرَف شيء قطعي عن مصير الأربعة منذ ذلك الحين. تتجه كل الترجيحات إلى اتهام «جيش الإسلام»، وهو تشكيل سلفي مسلح دوماني المنشأ والقيادة، بالمسؤولية عن جريمة التغييب هذه، وتتوفر لدى عوائل المُغيَّبين الأربعة والمتعاونين معها من جهات حقوقية مهتمة قرائن بالغة القوة لاتهام التشكيل السلفي المذكور، وهي قرائن عرضناها تباعاً، دون أن تُتاح لنا قرائن لاتهام أي أطراف أخرى، ودون أن يستطيع الطرف المتهم الردَّ بشيء يقبل التصديق.

من هذه القرائن ما اعترفَ به حسين الشاذلي، وهو أحد أمنيي جيش الإسلام، من أنه كان وراء كتابة تهديد بالموت لرزان زيتونة في أواخر أيلول 2013، وذلك بأمر من «شرعي» التشكيل السلفي سمير كعكة. صورة التهديد وصلتنا من رزان قبل شهرين ونيِّف من تغييبها (وهي متاحة هنا ضمن ملف يتضمن تفاصيل أوسع). الشاذلي اعترف بذلك إثرَ اعتقاله من قبل جسم قضائي محلي في الغوطة الشرقية عام 2014. وقد زاره وهو في السجن زهران علوش، مؤسس جيش الإسلام وقائده قبل مصرعه في أواخر 2015، وطلب الاختلاء به، وحين رفض المحقق طلبه، هدَّدَ وتوعد بأن يُفرج عن الشاذلي بالقوة، وهو ما جرى فعلاً بعد أيام قليلة. الشاذلي شوهدَ بعدها مراراً على رأس حملات اعتقال وترهيب يقوم بها التشكيل المذكور. والمحقق في الجريمة، أبو تمام، هو الذي اضطر إلى النجاة بنفسه ومغادرة دوما إثرَ تهريب الشاذلي. 

«الشرعي» كعكة، شيخ سلفي رثُّّ الشخصية غثُّ المعرفة، متعصّب ومتعطش للدماء، وهو وراء أكثر ما وقع من اغتيالات وجرائم في دوما والغوطة الشرقية، بما فيها اغتيال الشهيد عدنان فليطاني، والشيخ أبو أحمد عيون، ومحاولة اغتيال الشيخ أبو سليمان طفور، والتحريض على قتل أسامة نصار، مُحرِّر مجلة طلعنا عالحرية، المدافع المعروف عن حقوق الإنسان، والمعتقل السياسي السابق. وهناك من يذهب إلى أن كعكة وراء مقتل زهران علوش نفسه. كان زهران قبل مقتله قد شكك في تسجيل مسرب بولاء كعكة، وطالب بعض أنصاره بحصر ولائهم به. 

ومن القرائن أننا نعرف اسمَ الشخص الذي دخل على كمبيوتر رزان، واسمه يونس النسرين، وهو من إعلاميي «جيش الإسلام» وقتها. النسرين اختفى عن وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن عَرِف أننا عرفنا أنه هو من دخل على كمبيوتر رزان. 

وغير ذلك قرائن وافرة، تُشكّل بمجموعها ملفاً متيناً ضد الجماعة التي كانت سلطة الأمر الواقع في دوما، وفي سجلّها جرائم أخرى متنوعة، مع مزيج من التعصب الشديد والكذب والعنجهية والاستئثار والجشع، وصولاً في النهاية إلى الاستزلام لتركيا بعد التهجير من دوما في نيسان (أبريل) 2018، حيث يتابع الجماعة سيرتهم العاطلة نفسها في عفرين ومناطق من الشمال السوري.   

خاطبنا، نحن أهالي وأصدقاء المخطوفتين والمخطوفَين، جهات متنوعة طالبين منها المساعدة، وإما إنه جرى تجاهلنا (المجلس الإسلامي السوري)، أو قيل لنا كلام لا يقدم ولا يؤخر (الإئتلاف). أما «جيش الإسلام» ذاته فقد سلمنا كتاباً باليد لرئيس مكتبه السياسي محمد مصطفى، أبو معن، نعرض فيه قضيتنا، ونطلب تحرير أحبابنا أو كشف المعلومات عنهم، ووقتها وعد الرجل بالرد لكنه أخلف وعده. ثم أننا توجهنا بدعوة للتحكيم بيننا وبين «جيش الإسلام» في نيسان 2015 وقت كان زهران علوش في تركيا، ولم يستجب التشكيل المشبوه.

وُوجِهت القرائن المذكورة إما بالتجاهل والصمت، أو بمزيج من التكذيب والسفاهة، أو برد هزيل مليء بالمراوغات والأكاذيب، جاء بعد 3 سنوات من الجريمة. وقد جرى الرد عليه هنا بالتفصيل  وقتها.      

من هم سميرة ورزان ووائل وناظم؟

سميرة مناضلة من أجل الحرية في سورية، معتقلة سياسية يسارية سابقة بين 1987 و1991. قدِمت تهريباً لاجئة إلى دوما يوم 18 أيار (مايو) بعد أن صارت مطلوبة من قبل النظام إثر تقرير من أحد مخبريه. عملت سميرة في دوما في منظمة النساء الآن، لمساعدة نساء محليات على تدبر أمر معيشتهن في ظروف الحصار الصعبة. كانت سميرة قريبة من قلب كل من عرفها، لا تفرض نفسها، لكنها تترك أثراً طيباً عند الجميع، وتُسهّل حياة من هم حولها. 

رزان مناضلة من أجل الحرية والحقوق، أدارت بكفاءة «مركز توثيق الانتهاكات»، وكانت المؤلف الرئيسي لمعظم تقاريره، بما فيها تقريرين بالغي الأهمية عن المجزرة الكيماوية عام 2013. وهي كاتبة متمكنة، ولها الفضل في تثوير فكرة حقوق الإنسان في سورية. قدمت رزان تهريباً لاجئة إلى دوما يوم 25 نيسان 2013، بعد عامين ونيّف من التواري في دمشق منذ بداية الثورة. كانت رزان تُكرّس كل وقتها في كل أيامها للثورة وقضية الحق، بدأب لا يكلّ وحسٍّ بالعدالة نادر المثال.

ومثل سميرة ورزان، وائل حمادة مناضل من أجل العدالة والحرية في وطنه، وهو زوج رزان. اعتُقل مرتين من قبل النظام بعد الثورة وتعرّض للتعذيب الشديد. قدمَ وائل إلى دوما تهريباً هو الآخر في أيلول (سبتمبر) 2013. وكان يعمل كذلك في مركز توثيق الانتهاكات، ويساعد في جمع المعلومات، وفي ترتيب حياة المجموعة في دوما. وائل شخص هادئ، خجول، وأميلُ إلى ألا يكون مرئياً في ما يقوم به من عمل. 

ومع وائل، قدم ناظم حمادي إلى دوما تهريباً بعد عامين ونصف من التواري في دمشق. ناظم محامٍ وشاعر وناشط حقوقي. وهو رجل أراد أن يعيش للشعر والحب، ولكن حسّه بالعدالة والحق وضعه في صف المناضلين من أجل حرية وحقوق مواطنيه. 

وبهذا التكوين تُمثّل المرأتان والرجلان سورية الحرة، الغنية والمتعددة الأصوات، سورية ديمقراطية قائمة على المواطنة، لا تمييز فيها وفقاً للدين أو الطائفة أو الإثنية، أو الجنس. سورية الثائرة من أجل أن يمتلك أهل البلد بلدهم، لا يضيق بهم ولا يعيشون فيها أغراباً. سميرة ورزان ووائل وناظم هم من رموز الثورة السورية الأبرز، غيّبهم من وضعوا أنفسهم في علاقة استمرار بالحكم الأسدي، بلونه الواحد وصوته الواحد وأجهزة التعذيب والتغييب فيه. «جيش الإسلام» حكمَ فعلياً في دوما وهي تحت الحصار، وأظهر وجهاً اجتماعياً مكفهراً، واستطاع خلال خمس سنوات عاصفة ارتكاب جرائم شنيعة بحق جذع الثورة الأصلي، وفي أن يكون قوة حصار وحرب أهلية في منطقة محاصرة أصلاً.

أولاد بلد ضد عصابة

وفي تاريخ الثورة السورية تشغل هذه الجريمة موقعاً فاصلاً ومركزياً، تَوّجَ بالعار عام 2013 الفظيع الذي ظهرت فيه داعش، واستولى فيه «حزب الله» اللبناني التابع لإيران على القصير وهجَّرَ أهلها، ووقعت فيه المجزرة الكيماوية، وأعقبتها الصفقة الكيماوية المشينة بين الأميركيين والروس، ورفَّعَ تشكيل «لواء الإسلام» نفسه إلى مرتبة جيش، ثم قام باختطاف الأربعة، وبعدها يأيام قليلة ارتكب مجزرة عدرا العمالية ضد مدنيين علويين. وبقدر ما أظهر هذا الحدثُ أن السلفية، وعموم الإسلامية السورية في واقع الأمر، تغرق في شبر ماء من سلطة ضحلة ركيكة، فقد أجهز على الآمال بالثورة السورية من حيث أنه وأد الوعد بسورية تعددية، ومن حيث أنه وفَّرَ للنظام قضية حماية بعض التعدد الاجتماعي بعد أن لم تكن له قضية من أي نوع. 

لو وقع حكم دوما بيد سميرة ورزان ووائل وناظم في شروط الحصار لكانت الأولوية لضمان حاجات السكان على نحو يساعد في صمودهم، ولعمِل الأربعة على ضمان العدالة وإقامة مؤسسة عدالة تقف في وجه المنتهكين الأقوياء، وبما يجسّد أقصى تباين للثورة عن الحكم الأسدي. وبالفعل كان «مركز توثيق الانتهاكات» يعمل على مستوى الرصد وعلى المستوى العملي من أجل توحيد الجهاز القضائي في الغوطة الشرقية واستقلاله عن سلطة الأمر الواقع. لو كان حكم دوما بيد سميرة ورزان ووائل وناظم لما جرى تغييب حتى مفتي القتل والكذب سميرة كعكة، ولا زهران علوش ولا عمر ديراني، أمني التشكيل السلفي المافيوي الذي حكم بالجريمة، فكان خير عون للحكم الأسدي على إعادة السيطرة على دوما والغوطة الشرقية، لكن لَجَرَتْ مُساءلتهم عمّا يفعلون ولعُوقبوا على ما يرتكبون من جرائم. كمحامية، كانت رزان دافعت عن حق إسلاميين من أمثال المذكورين في العدالة أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق، وكان الأربعة بين من يدافعون عن حق الإسلاميين في العمل العام في إطار نظام ديمقراطي تعددي. 

لو وقع حكم دوما بيد رزان وسميرة ووائل وناظم، لكان لدى الثورة السورية مثال عظيم على ما تتطلع إليه، ولكان ذلك نموذجاً مشجعاً يُقتدى به في مناطق أخرى من سورية، ولشكَّلَ ذلك حصاراً حقوقياً وأخلاقياً وسياسياً للنظام الذي كان يحاصر المنطقة عسكرياً ويقصفها يومياً.   

الفرق بين سميرة ورزان ووائل وناظم، وبين كعكة وعلوش وديراني والشاذلي هو أن الأولين أولاد بلد، يحبون مواطنيهم ولا يعملون من أجل أنفسهم حصراً، فيما الأخيرون ليسوا أولاد بلد، عصابة من أشخاص مفعمين بالكراهية والكيد والضغينة، لم يفعلوا خيراً لأيّ كان في الدنيا ليس من فصيلتهم. ولأنهم ليسوا أولاد بلد فقد وضعوا أنفسهم بعد التهجير في كنف حُماة أقوياء، يستقوون بهم على مواطنيهم المقهورين، ويحتمون بهم من العدالة. وهذا نهج النظام الأسدي حرفاً بحرف.  

سبيل للعدالة

جريمة تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم جريمة تتجدد كل يوم بفعل مجهولية مصيرهم وكتم المعلومات عنهم، وإنكار الجناة المسؤولية السياسية والقانونية، وعدم تعاونهم مع مبادرات عائلات المغيبين. بهذه الصفة الجريمة لا متناهية، والمجرمون مستمرون في ارتكابها كل يوم. 

هناك سبيل واضح لحد أدنى من العدالة بخصوصة قضية مغيبي دوما الأربعة: المشتبه بهم، كعكة وديراني والنسرين والشاذلي مقيمون في بلدة الباب في شمال سورية. توقيف هؤلاء والتحقيق معهم في هذه الجريمة وغيرها هو السبيل إلى معرفة الحقيقة الكاملة بخصوص هذه القضية، وقطع مسلسل الإفلات من العقاب الذي يُطبّع الحكم الأسدي أكثر من غيره. وهو بالمناسبة ما يُتيح لهؤلاء المشتبه بهم بالذات الدفاع عن أنفسهم. إن لم يكونوا مجرمين، فليقبلوا الآن، بعد عشر سنوات من تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم، بأن يجري التحقيق في الجريمة من قبل جسم قضائي سوري مستقلّ كامل الصلاحية. 

في غيابهم ومصيرهم المجهول، سميرة ورزان ووائل وناظم يُمثّلون سورية الغائبة بدورها، المجهولة المصير. سميرة ورزان ووائل وناظم ليسوا أغلى من أي أربع مُغيَّبين من الثائرين السوريين، إلّا على عوائلهم بالطبع. لكننا حيال جريمة محددة، المشتبه بهم معروفون بالأسماء والمقام، ومن شأن تحقيق العدالة في هذا القضية أن يُسهم في فتح باب للعدالة في قضايا أخرى.