غالباً ما تُذكَر «الأربعون» بوصفها مناسبة حزن وعزاء، لكنّنا هنا نحتفل بولادة وبدايات. فـ «بناية ماتيلد» التي ولد معها حسن داوود الروائيّ، كانت من الأعمال التأسيسيّة للرواية العربيّة التي يكون الفرد موضوعها والفرديّ مدارها. ومن يراجع العقود التي تفصلنا عن زمن صدورها، لا سيّما العقدين الأخيرين، يلحظ كم انطوى الدفق الروائيّ الهائل الذي عرفناه على يقظة الفرد والفرديّة. واليقظة هذه كانت، في أغلب الظنّ، أشدّ حضوراً عند الكاتبات ممّا عند الكتّاب لأسباب ليس صعباً تبيُّنها.

صحيحٌ أنّ «بناية ماتيلد» هي بمعنى ما تأريخٌ لانهيار بيروت، وبمعنى ما لانهيار المدن الكوزموبوليتيّة في منطقتنا، وللاحتراب الأهليّ والنزاع بين القرابة والمدينة ممّا كان موضوعة ثابتة في الأدب العالميّ منذ التراجيديا الإغريقيّة المبكرة. لكنّ هذا التأريخ اندمج، في الحالة التي نحن بصددها، في تجريب الأفراد حياتَهم وتجريبهم أجسادَهم، وكانت خلافات الجماعات واختلافاتهم تُترجِمُ نفسها فوارقَ في تفاصيل الأفراد الصغرى، مَظهراً ومَلبساً ولكنةً وسلوكاً وتبادلاً كلاميّاً، فإذا بالصراعات تُواكب ميولاً إلى التقليد والتماثل والتشبّه والنفور، عند العمّة والأمّ وأُسرتيهما وعند باقي سكّان البناية من أبطال الرواية وبَطلاتها. وغالباً ما كان الغرق في تفاصيل الفرديّ يدفع بنا إلى البسيكولوجيّ، وإلى ما تحت البسيكولوجيّ، كما لو أنّ الكاتب، في ولائه للأدب الصعب، يقول لنا إنّ العالم لا يُفهَم من وعي أفراده فحسب، بل أيضاً من لاوعيهم الذي تجسّده حركات وسكنات وخاطرات قد يُفصَح عنها وقد لا يُفصَح.   

فحسن داوود فيما هو يتناول موضوعاً يمكن، بشيء من التسامح، وصفه بالسياسيّ، ينأى بنفسه عن السياسة ومعها التاريخ والاجتماع، ليُعيد تشكيل العالم من موقع فرد مطلق، أو بضعة أفراد مطلقين تبدو حياتهم للوهلة الأولى قليلة وفقيرة. وهو لاحقاً، في رواياته لُعَب حيّ البياض وغناء البطريق وفي أثر غيمة، ذهب بعيداً جدّاً في مذهبه هذا كما لو كان يقول إنّ الحفر في الفرد هو وحده الحفر في العالم، وهو هو الأدب الذي يكتشف غيرَ العاديّ المستتر وراء العاديّ.

هكذا فالذي ينتظر الحركة والحدث في خارج الفرد لن يجد منهما إلاّ القليل، وهذا ما قد يُضجر القارىء المُتعجّل الذي يريد أن يعرف «ماذا حصل» و«ماذا يحصل». فالبطل الداووديّ يتحرّك في داخل نفسه، ويحدث في داخل نفسه. إنّه يتحوّل ويتأمّل وتنعكس عليه الأشياء أكثر ممّا ينعكس عليها، وهو يحبّ أكثر ممّا يمارس الحبّ، ويتمنّى أكثر ممّا يحقّق، ويخبّىء تحت لسانه أكثر ممّا يقول، أمّا التغيّر فلا يكتفي بأن يسبق التغيير بل يشرطه أيضاً. لهذا يَلوحُ ذاك البطل، وليس فيه شيء من البطولة المعهودة، كأنّه دائماً يشي ويهمّ ويكاد، تاركاً لنا حيّزاً عريضاً من الاحتمال المعلّق.