مرَّ العام الماضي كما مر شهر البرايد فيه؛ مرور الكرام، ولم يتبقَّ من بريق قوس قزح سوى إعلانات فيلم باربي التي تكاد تكون صورة هزلية عن ثنائيات المجتمع المعيارية أكثر من قربها لأي حقيقة: ذكر وأنثى، جميل وقبيح، نحيف وسمين، أبيض وأسود. في هذا السياق يكثر ورود مصطلحات كالمثلية والعبور وخلطها في الوعي الشائع دون فهم أو تفريق، وفي حالة تجهيل يساهم فيها الخطاب العام؛ فمن المحاولات المتكررة وحتى الجاهلة أحياناً لإعلاميين وإعلاميات على القنوات العربية للحوار مع أفراد من مجتمع الميم عين دون بذل أي جهود مسبقة للاطلاع على جوانب حيواتهم، إلى تصريحات شخصيات سياسية ودينية من قبل شخصيات مثل حسن نصرالله ممن لم يعد يشغلهم سوى ما يدور في غرف نوم الشعب وما يرتديه، وحتى بشار الأسد الذي حوَّل مجرى مقاومته وممانعته الى محاربة الليبرالية الحديثة التي تروج للمثلية بحسب مزاعمه.

هل هو جهل؟ أو قرار داخلي  بالرفض والوصم أجمع عليه الجميع دون رجعة؟ 

«هرمونات وطنطات ومسترجلات وأجندات غربية  تهدد الذكر العربي المسلم والمسيحي الأصيل حتى ما بين رجليه»، قرأت هذا في أحد التعليقات على تيكتوك بخصوص ظهور أشخاص من قلب مجتمعاتنا غير ممتثلين-ات للقوالب الجندرية، حيث اعتبرونا مستوردات غربية وكأننا لم نوجد قط، لكننا موجودون وموجودات، سواء في المنفى أو كما الكثير منا في وسط عرين الأسد.

طنط في الغربة

«طنط، طنطة، منَسوَن، مدام، مايع» 

«شو وين طريقك يا قطة؟!»

«هاد بت*يكه، وبعدها بتقتله!»

مجموعة كلمات أسمعها في غربتي كما اعتدت في سوريا بشكل شبه يومي. كلمات رنانة يلقيها القائل أو القائلة دون تردد على مسامع «طنطات» الغربة والوطن. تتردد في كل المناسبات من شهر رمضان الفضيل حتى ميلاد السيد المسيح أو خلال شهر الفخر. لم أدري أن تنورتي وهزة خصر صديقي المفضل قد تسبب كل هذا الغيظ. في السنوات الماضية عشت العديد من الحوارات الداخلية المرهقة عن موضوع الظهور إلى العلن كما أنا بقالبي الخاص. هل من حق أي شخص أن يكون سورياً في حال مخالفته لقوالب الوطن والمنفى؟ هل يحق للطنطات والمسترجلات الظهور إلى العلن؟ أو هل يحق لنا أن نكون موجودين وموجودات دون أن نظهر تحت ضغوط مجتمعات المنفى الغربي؟

ليس مثلياً أو عابراً بالضرورة من يتم تصنيفه كـ«طنط»، بل قد يكون صغير الحجم أو دون عضلات منفوخة أو بكل بساطة شخص هادئ ومهذب. الشب الطنط يمثِّل مقياس رجولة الغير، رجولة من يتنمر أو حتى من تتنمر. ترى النساء كما الرجال في وجوده تهديداً لتصوراتهم عن قصة الخلق والتكوين. خلق الله حواء من ضلع آدم لتكون امتداداً عن ذكورته، والشب الطنط يكاد يكون طفرة، وخوف يلاحق أسوياء الخلق والجنسانية. كل هذا ليس بجديد أو مستورد، بل إنه نموذجٌ مصغر عن الكره والتجريم الذي أخذ ينتعش من جديد في العديد من البلدان مؤخراً، كالعراق ولبنان أو أوغندا، تجاه أفراد مجتمع الميم عين، وتجاه كل ما يخرج عن العادات والتوقعات الاجتماعية بخصوص الجنسانية.

الطنطات يمثلون نقطة ضعفٍ لمجتمع يحرق أولاده كالحطب في سبيل عيون الدكتور بشار أو سيادة النبي. هم يعانون ويعيشون الحياة بألوانها، يتزوجون، يحلمون ويحملون، يلعقون ما يشتهون، وما تشتهيه عقائدهم، أما الطنطات يختبئون وراء أصابع أهاليهم ويخافون تارة ثم يتجرؤون على الحياة.

مغالطات ومشاكل خاصة

«غيرتك ألمانيا» كتبت صديقة طفولتي التي طالت معاناتها من مضايقات الجيرة بسبب نمط حياتها المغاير عن وسطنا المحافظ في جمهورية جبلة الساحلية معقل الأسود والشبيحة. تشكو لي من كلام الناس عنها ونظراتهم وتعاتبني في الوقت ذاته لأنني تغيرت. ثيابي مظهري وحركاتي لا توحي بالرجولة وجميع صوري مطنطنة. هي لا تتغير ولكني أنا تغيرت. هي بحاجة تفهُّم المجتمع أما أنا فلست سوى عار على الجميع، أنشر الفحشاء والخروج عن الطبيعة بسبب «مشاكلي الخاصة».

يتداول أغلب من عرفتهم في ألمانيا أفكاراً معينة عن كون الساحل السوري متحرراً للغاية، متخذين من غياب الحجاب بين الأغلبية العلوية حجة على هذه الفكرة. في ذات الوقت يتذمر المغترب والمغتربة من تعصب الغرب تجاهنا حين ذكره لذات الأفكار. كشخص كبر في هذا المكان تبدو لي هذه الأفكار مضحكة، لو كان الساحل متحرراً لكان لَفَظَ الشبيحة ومتطرفي العقيدة والدين. 

هوا وهويات

في الغرب بعضنا «يتألمن» تقرباً من المجتمع الألماني المحيط بنا أو غيره، وبعضنا الأخر يتشبث بفكرة أو أسلوب حياة تعبر عن انتماء ما. نبحث عن أعذار لأهالينا ولأنفسنا أمام مجتمع جديد يعتمد تسييس خيارات حياتنا. هنا نتعلم من المجتمع عن أهمية الهوية والانتماء للتعبير عن رغباتنا في التغيير والمشاركة في المجتمع على مبدأ أنا أنتمي إذاً أنا موجود.

مصطلح سياسات الهوية يعبِّر عن جملة من النشاطات السياسية التي تهدف إلى تعزيز حقوق ورفاه مجموعة اجتماعية معينة معتمداً على الموروث الثقافي والسياسي والتاريخي للنضال الأفريقي الأميركي بخصوص الحقوق المدنية منذ منتصف القرن العشرين. ولكن من المثير للاهتمام ملاحقة سياسات الهوية مثلاً ضمن المجتمع السوري في الغرب، حيث ما يجمعنا كمنفيين ومنفيات عن سوريا هو ما يفرقنا: الاختلاف، والعديد من القنابل ودكتاتور. كل منا يبحث عن هوية في مجتمع أبيض ذي ماضٍ استعماري، وكأننا لم نوجد قبيل مجيئنا إلى بلدان الأجانب، وكأن تاريخ الغرب وإمبرياليته يحكيان كل قصصنا ويمسحان ذنوبنا وواجباتنا تجاه بعضنا: كيف يمكننا ربط الماضي ونواتجه بالحاضر والآتي؟

تخيفني الأفكار التي تجرِّد العالم من تواريخه أو تنظر إلى الحرية كمفهوم أحادي التوجه. قضايا التحرر بتقاطعيّتها ليست مجرد موروث استعماري بل نتيجة سلسلة من القرارات السياسية والعادات الاجتماعية التي دفعت شريحة كبيرة من المجتمع سواء في سوريا أو خارجها لتجريم الحريات الجنسية على سبيل المثال. هذه الشريحة ليست بالضرورة متعلمة أو غير متعلمة، مسلمة أو غير مسلمة، غنية أو فقيرة، بل هي شريحة عابرة للطبقات والأطياف الدينية والسياسية. هي شريحة تعزز بنية العائلة الصغيرة كمرتكز للمجتمع الأبوي وبذات الوقت تمحي هوامش الوجود خارج نطاق الأسرة أو داخله دون اتباع الإتيكيت العام.

كأفراد من مجتمع الميم عين يحول بيننا وبين الجميع أيضاً وجودنا كمسألة أمر واقع غير مرغوب فيه. يبعدنا عن أهل المنفى المشترك حصار من الذكريات والصور النمطية. بالنسبة للجميع ظهورنا للعلن لا يتعدى كونه وصمة أو مزحة أو قضية قابلة للتأطير والتأويل.