في مشهدٍ عصيّ على النسيان، يظهر لاجئون سوريّون مُحمَّلون في قوافلَ مع أثاث منازلهم وخيامهم التي عاشوا فيها لسنواتٍ عديدةٍ في لبنان عائدين إلى سوريا، ضمن ما سُمّي العام الفائت برنامج «العودة الطوعيّة». وعلى الرغم من الاستخدام الُمتكرّر لكلمتَي «بشكلٍ طوعيٍّ»، وما يمكن أن ينطوي عليه ذلك من دلالاتٍ قد تُوحي «بالرّضى والرغبة»، غير أنّ تلك العودة كانت نتيجةً حتميّة لسياسات إفقارٍ وإذلال مارستها أحزابٌ وأجهزة سلطة لبنانيّة على هؤلاء اللاجئين. 

اشتملت هذه السياسات على تقييد تحركات اللاجئين وتنقّلاتهم، وتعقيد الإجراءات المتعلّقة باستصدار الإقامات وأذونات العمل، فضلاً عن خطابات سياسيّة عنيفة وطافحة بالعنصريّة أدت إلى حقن الشارع بالعنف ضد اللاجئين، وسرعان ما طورتْ حساسياتٍ وعلاقاتٍ مضطربة بين المجتمع اللاجئ والمُضيف. جميع هذه المتغيّرات كانت تسير بالتوازي مع قمعٍ للحريّات وخفتٍ لأصوات الناشطين-ات والحقوقيين-ات وملاحقتهم أمنياً.

كما خلقَ تَزايُدُ أعداد اللاجئين-ات السوريّين-ات وضعفُ البنية التحتيّة للبنان مشفوعاً بسلسلة من الأزمات المحلية والعالمية؛ مثل تفجير مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020، وجائحة كوفيد 19، وغرق البلد في أزمة مالية واقتصاديّة غير مسبوقة، مزيداً من الضغوط على المجتمع السوري اللاجئ المهمّش والمُفقَر أساساً، شملت استخدامه ورقةَ ضغطٍ لابتزاز المجتمع الدولي بقصد جلب المزيد من المنح المالية والهِبات، وفساداً في السُلطة التي حمّلت أسباب الانهيار على كاهل اللاجئين السوريّين، لتُشرّع بذلك أبواب انتهاك حقوقهم على مصراعيها.

أمام هول هذا المشهد، تُطرَح أسئلةٌ عن العلاقة بين تغييب المجتمع المدني واستمرار المأساة السوريّة في لبنان متمثّلةً بانتهاكات حقوق الإنسان والترحيل القسري إلى سوريا ومعاني الموت بأشكاله المتعدّدة. كذلك تبرز ضرورة البحث في حضور الناشطيّة الحقوقيّة السوريّة وأُطر عملها ومساحاتها، وشكل تدخّلاتها الممكنة سياسيّاً.

لقد برزت أهميّة العمل المدني منذ اللحظة الأولى التي تلت لجوء السوريّين إلى لبنان بعد الثورة السوريّة عام 2011 وما تبعها من صراعاتٍ داخليّة واقتتال في الأعوام اللاحقة، ما أدى إلى لجوء نحو 784884 شخص بحسب معرّفات مفوضيّة شؤون اللاجئين حتى الخامس عشر من كانون الثاني (يناير) 2024، في حين تتحدّث مصادر غير رسميّة عن أن أعدادهم تفوق المليون ونصف لاجئ-ة.

أهميّة الفاعل المدني

تكمنُ أهميّة الناشطيّة السوريّة في لبنان في أسباب عديدة مترابطة، لعلّ أبرزها تعويض غياب التمثيل الفاعل للاجئين السوريين. بمعنى آخر، يفضي عدم وجود جسمٍ مدني قادر على التمثيل والحضور إلى الخضوع لعسف السلطات بتشكيلاتها الحالية، وانتفاء القُدرة على الوقوف في وجهها في حال استبدادها وشموليتها. أمّا النقطة الثانية المتعلقة بالأولى، فهي عدم وجود إمكانيّة لتنظيم اللاجئين السوريّين لأنفسهم ضمن تشكيلات أوجمعيات أهلية/شعبيّة أو نقابات. يُعزَى هذا لأسباب عديدة أهمّها عدم وجود رغبة سياسيّة لبنانيّة بوجود مثل هذه التنظيمات «لضمان عدم استقرار اللاجئين أو جعل البيئة مهيّأةً لبقائِهم»، وكذلك بسبب الملاحقات الأمنية للناشطين-ات وعرقلة نشاطاتهم، ووجود تعقيدات على المستوى البيروقراطي في ما يتعلّق بتسيير الإقامات القانونيّة، فضلاً عن قوانين العمل التي تحصر السوريين في مجالات البناء والزراعة والنظافة فقط. 

في عام 2017 بدأت أصوات سياسيّين لبنانيّين تعلو بخصوص ضرورة عودة اللاجئين السوريّين، بعد أن اتّبعت الحكومة اللبنانيّة سياسة «اللاسياسة» طيلة السنوات الأولى لِلّجوء؛ مثل عدم تشكيل لجنة إحصاء، وعدم ضبطها للتفلّت الأمني على الحدود بين سوريا ولبنان. في عام 2017 أيضاً،  أجلَت السُلطات اللبنانيّة آلاف اللاجئين السوريّين. أما في عام 2018، وفي ظل الانتخابات اللبنانيّة، استُخدِم ملف اللجوء كورقة لحشد الأصوات والشعبية. 

وقد تكشّفَ إصرار الحكومة اللبنانيّة على إعادة اللاجئين السوريّين عام 2020، حين وافق مجلس النواب «بشكلٍ مبدئِي» على اقتراح العودة الطوعيّة بالتنسيق مع حكومة نظام الأسد.

تحديّات وعواقب 

تضمّنَ الاقتراح النيابي المُشار إليه أعلاه إجراءتٍ تحدُّ من فعالية منظمات المجتمع المدني اللبنانية العاملة مع اللاجئين السوريين، وضغوطاتٍ قانونية مُتعلقة بتسجيل الجمعيّات. يقول محمد حسن، مدير منظمة وصول لحقوق الإنسان، في مقابلة أجرتها معه الجمهورية.نت: «كثيراً ما تلقّينا رسائل تهديدٍ غير مباشرة من السُلطات اللبنانية. نحن لا نصرّح عن معلومات فريقنا في لبنان بشكل علني حذراً من من الملاحقات الأمنيّة التي حصلت سابقاً، وقد أعدنا التأسيس القانوني للمركز في فرنسا بسبب التضييق المباشر الذي فرضته السلطات اللبنانية على تسجيلنا القانوني في لبنان، إذ امتنعت عن إصدار الإفادة السنوية لـ’علم وخبر‘ قرابة ثلاثة أعوام (وهو إيصال يستلمه المؤسّسون من الإدارة المختصّة يُثبت بأنّ الأخيرة استلمت البيان القانوني وبأنّها بالتالي أخذت علماً وخبراً بتأسيس الجمعيّة). هذه واحدة من التحديّات التي نواجهها  كمجتمع مدني ، وحتى الآن لم نحصل على تجديد الإفادة».

وتُشير ورقةٌ بحثيّة أعدها مركز وصول لحقوق الإنسان بعنوان «رهاب المجتمع المدني من الحكومة اللبنانية»، إلى أنّ 7 منظّمـات فقـط مـن أصل 17 منظّمـة وجمعيّـة قابلها المركز قامـت بتسجيل المنظّمة/الجمعيّــة واستطاعت إنشــاء حســابٍ مصرفــيٍّ، فــي حيــن أنّ 9 منها تُواجـه صعوبـاتٍ فـي التسـجيل والحصـول علـى «علـم وخبـر» مـن وزارة الداخليّـة والبلديّـات، وأن 4 أخرى لـم تستطع التسـجيل، و5 منظّمـات لـم تستطع إنشـاء حسـابٍ مصرفـيٍّ وهـي تعمـل عـن طريـق مذاكـرات تفاهـم مـع منظّمات مُسجّلة عبر مشاريع مشتركة. 

وقد قال وزير الشؤون الاجتماعيّة في حكومة تصريف الأعمال هيكتور حجّار خلال مقابلةٍ متلفزة إنّه  «أوقف مشاريع دمج اللاجئين السوريّين، وعطّل مشاريع تحويل اللاجئين إلى ‘أرباب أعمال’»، بالإضافة إلى «إيقافه بعض الجمعيّات عن تقديم المُساعدات للاجئين». كما تُضيّقُ السلطات اللبنانيّة على المنظمات التي تنفّذ مشاريع تدريبيّة للاجئين «خشية دخولهم سوق العمل، وتماشياً مع قانون مكافحة العمالة الأجنبيّة».

رُهاب المجتمع المدني

وثـّقَ مركـز وصـول تعـرّض ناشـطَين سوريين اثنين للاعتقال عــدّة مــرّات، حيــث تعرّضا للتّعذيب الجسدي والمعنوي، بالإضافة إلــى الاستجواب ومراقبــة الهواتف المحمولة وسحب الإقامـة منهما. وإلى جانب هـذه الحـالات، وثّق المركز أيضاً مداهمة وتفتيش أربع جمعيّات ومنظّمات عاملة مــع اللاجئين السوريّين.

تقول مزنة الزهوري، وهي ناشطة سوريّة مدافعة عن حقوق اللاجئين-ات، في هذا الخصوص: «أدى غياب الفاعلية المدنية عن الساحة اللبنانية إلى إضعاف اللاجئين السوريّين. الناشطيّة السوريّة في لبنان خجولة، وأسهمَ هذا في خلق فجوة كبيرة بين اللاجئين السوريين والمجتمع المضيف. ففي الوقت الذي تنضح فيه الماكينات الإعلاميّة اللبنانيّة بخطابات الكراهيّة، تُقمع حريّات التعبير وتتمّ ملاحقة الناشطين-ات أمنيّاً. أنا شخصيّاً تمّ استدعائي للتّحقيق معي، وصرت أخشى على عائلتي ونفسي. لم أجد جهةً حقوقيّة قادرة على حمايتي، مع فقدان ثقتي التدريجية بكثيرٍ من من المنظّمات المحليّة والدوليّة».

يذكر تقريرُ استدامة منظّمات المجتمع المدني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2021، الصادر عن الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة، أنّ مُؤشّر استدامة مستوى المناصرة في لبنان ليس الأفضل بعد أن أعطت منظّمات المجتمع المدني الأولويّة لتوفير المساعدات والخدمات الإنسانيّة والإغاثية، مُعتبرةً أنّ الدعوات للتأثير على المسارات التشريعيّة باتت هامشيّة، خصوصاً أن هذه المبادرات بدت خلال ذلك العام «انتقائيّة»، ولعب الركود التشريعي دوراً في جعل المناصرة والضغط غير فعّالين نسبيّاً، ما دفع المنظّمات إلى تركيز جهودها على قضايا أخرى. 

أشار محمد حسن في معرض حديثنا معه إلى أهميّة خلق حالة من التّنظيم والتّنسيق بين منظّمات المجتمع المدني في لبنان: «تجسّد هذا في انضمام مركز وصول إلى تحالف RPW REFUGEE PROTECTION WATCH الذي ضمّ منظماتٍ أخرى مثل بسمة وزيتونة والنساء الآن وغيرهم». تشكّلَ هذا التحالف عام 2019، وتهدف أبحاثه وتقاريره إلى معالجة الفجوة المعلوماتية الموجودة حالياً بشأن ديناميكيّات الحماية والعودة في سياق أزمة الإعادة القسريّة. 

والآن! 

أمام راهنيّة المشهد على المستويات المحليّة والإقليميّة والعالميّة، من استمرار المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والتصعيد العسكري في جنوب لبنان ونزوح نحو 76000 من سكانه نحو مناطق أخرى، لم تتوقّف الانتهاكات بحقّ اللاجئين-ات. والنقطة الأهم هنا تكمن في أنه لا يمكن فصل أو تحييد العمل المدني أو الناشطيّة السوريّة في لبنان عن مشهد الفضاء المدني اللبناني بمعناه الأوسع والأشمل، فهو جزءٌ من كلّ؛ جزءٌ مُقوَّضُ الصلاحيات من كُلٍّ يرتبط بمتغيرّات تتجاوز التعقيدات الداخليّة والمحليّة نحو التأثّر الكبير بالتعقيدات الإقليميّة والدولية. تقول مزنة الزهوري في هذا الصدد: «أعتقد أنّ انتفاضة 2019 اللبنانية كانت نقطةً مفصليّة لجهة قمع الحريّات. إنّ ملاحقة النشطاء اللبنانيّين-ات وتكميم الأفواه انعكسوا سلباً على الناشطيّة السوريّة بشكلٍ كبير». 

على صعيدٍ آخر، تزايدت الآليات الرقابيّة اللبنانيّة على قوانين الجمعيّات، وتُرجِمَ هذا عبر تعميم قانون مراقبة الجمعيات من قبل وزارة الداخلية والبلديات وفق آليةٍ جديدة تحدّدها المديرية العامّة للشؤون السياسيّة واللاجئين تطبيقاً لأحكام قانون الجمعيّات الصادر عام 1909. ويتيح هذا القانون لوزارة الداخلية والبلديات – المديرية العامّة للشؤون السياسيّة واللاجئين أن توفّر مندوبين من قِبلها للإشراف على انتخابات الجمعيّات ومراقبة ميزانيّاتها والتأكد من هُويّة المُنتسبين إليها.  

وعليه، تتكاتف وتتقاطع أشكال العنف الممنهج ضد الفضاء المدني بمعناه الواسع، بين إنتاج خطابات كراهية وعنصرية تبرّر نفسها من خلال الترويج لسرديات «الوطنية» وخطر التغيير الديموغرافي واستغلال أزمة البطالة والتردّي الاقتصادي، وتقييد العمل المدني والتوجّه نحو ليس تحييده سياسيّاً فقط بل انتزاع دوره السياسي منه.

وقد أحبط هذا التقويض الممنهج للعمل المدني والناشطيّة خصوصاً، وحصر أدوراها وقصرها على الجهود الإغاثية فقط –على الرغم من الدور الحيوي والمهم لها ضمن السياق المجتمعي اللبناني والسوريِّ الهشِّ- الكثيرَ من الجهود ومحاولات التصدي لعمليّات الترحيل القسريّة ومواصلة العمل المدني بحريّة. 

أمام هذا المشهد العالمي المعقّد، والاِستعصاء السياسي اللبناني؛ زعمَ وزير الخارجية في النظام السوري فيصل المقداد خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية اللبناني عبدالله بوحبيب إلى دمشق «للبحث في ملف النازحين»، أن دمشق «ترحب بجميع أبنائها وتتطلع لعودتهم، وهي تبذل قصارى جهدها بالتعاون مع الدول الصديقة والشركاء في العمل الإنساني لتحقيق ذلك». في الوقت الذي تثبت فيه تقارير محلية ودولية، منها لمنظمة هيومن رايتس ووتش، قيام نظام الأسد باعتقال اللاجئين العائدين، وتعذيبهم و/أو تجنيدهم إجبارياً. 

هناك توقعات متشائمة بالنسبة للاستجابة الدوليّة والتدخل بخصوص الانتهاكات الشنيعة الحاصلة بحقّ اللاجئين السوريّين في لبنان. كذلك، فإنّ رمي شؤون مجتمع اللاجئين السوريين المكوّن من مئات الآلاف على كاهل منظّمات المجتمع المدني والناشطين-ات على مدى سنوات، وإهمال الدولة لدورها في حفظ كرامتهم، وتقويضها لدور المجتمع المدني، سيعني استمرار المأساة والتشرذم، والبقاء ضمن دوائر «البحث عن النجاة» فقط، وسيُفضي ذلك إلى إنتاج المزيد من هياكل القمع المتشابكة مع بعضها لدرجة سيصعُب التعاملُ معها.