«هل نجونا حقاً؟!» 

أكتوبر 2015

هذا هو السؤال الذي يلحّ عليّ حتى اللحظة، فارضاً نفسه على معظم الأسئلة الكثيرة الأخرى. يصفوننا بـ«النّاجين»، ونصف أنفسنا كذلك بأننا «ناجون» و«ناجيات» من وحوش القمع والطغيان والحرب والدمار والتعذيب والغرق والجوع والبرد والحر، ولكن هل نحن كذلك حقاً؟! وما هو تعريف مفهوم «النجاة» أصلاً؟ هل هي نجاة بيولوجية محضة، تتركنا كائنات تتنفس على هذه الأرض وتمارس وظائفها الحيوية! لو كان ذلك لقلنا إذاً إننا «ما زلنا على قيد الحياة»، وليس: «ناجون»!

مرور الزمن في المنافي، وبالمناسبة الزمنُ في المنافي يمرّ على غير ما يمرّ الزمن في أمكنة أخرى، هو تركيبة كيميائية مختلفة، تجعل الساعات ثقيلة ومتمدّدة لتعيشي متاهات المنفى مضاعفة، لكنها بالمقابل تجعل السنوات تهرول هازئة بكِ وبعمركِ. زمن المنفى ليس كتلة واحدة تمضي ثقيلة أو سريعة لتتآلفي مع رتمها، لكنه كتل متفرقة متناقضة لكل منها مزاجها الخاص وأداؤها الخاص، الذي لا يُناسب بالضرورة رغباتكِ أو أمنياتكِ. المكان في المنافي له تعريف مغاير أيضاً عمّا اعتدتِ عليه قبلاً: الـ«هنا» والـ«هناك». جسدي «هنا» فيما روحي «هناك»، الفيزياء هنا فيما الكيمياء هناك. في لحظة ما أثناء حديثك تقولين «هنا» وأنت تقصدين «هناك»، وقد تقولين «هناك» وأنت تقصدين «هنا»، علاقة تبادلية غامضة وديالكتيكية، يتشابك المكانان فيها ليشكّلا متاهة مكانية تُضاف إلى متاهة الزمن لديك، ولا تعودين قادرة على تحديد مكانك أو زمانك. أهلاً بك في متاهة المنفى!

إذاً مع مرور الزمن في المنافي، تكتشفين بأن من رحلوا هم الناجون، ونحن وحدنا من لم ننجُ. حقيقة مغايرة مناقضة لكل ما قضيتِ عمرك تسمعينه. المشكلة أنك، وعلى الرغم من أنك لم تنجِ، مثقلة بعقدة ذنب الناجي، كمن يدفع ثمن سندويشة سُرقت منه قبل أول قضمة. عقدة تجعل حياتك في المنفى عبارة عن تكفير لمشاعر الذنب تلك: لقد بقيت على قيد الحياة فيما رحل الجميع! جملة ستقابلك كل يوم حين تنظرين إلى نفسك في مرآة الحمام. حينها ستتذكرين ما قاله العجوز لـديجو في واحد من أفلامك المفضّلة (Twice born) حين راحت عقدة الذنب تقتله بعد هروبه من الحرب: «الهروب من القنابل أهون من المشي على الحطام»، وستقولين له من جديد: «لا، أنت مخطئ»، وسترددين ما قاله نهاية ومن جديد: «أشعر بالخزي من انتمائي لبشرية كهذه، لن يغفر الله لنا». فيلم Twice Born 2012 من إخراج سيرجيو كاستيليتو ومن بطولة بينيلوبي كروز وإميل هيرش. يستند إلى رواية من تأليف مارجريت مازانتيني التي فازت بجائزة Premio Campiello الأدبية في العام 2009.

وقبل أن تتركي الوجه المنهك في المرآة ستُعيدين السؤال ذاته: «ولكن هل نجونا حقاً؟!».

في المطبخ، وحالما تدخلين من الباب، ستجدين ورقة عليها جزء من قصيدة أبو لينير في إحدى ترجماتها الأجمل التي غناها ليو فيري:

تحت جسر ميرابو ينساب نهر السين ويمضي بحبنا

أعليّ أن أتذكر أن الفرح لا يأتي إلا بعد الألم

ليأت الليل ولتدق الساعة، الأيام تمضي وأنا مكاني

يمضي الحب كما تمضي هذه المياه

يمضي الحب

يا لبطء الحياة ويا لعنف الأمل

تمر الأيام والأسابيع

لا الزمن الذي مضى يعود ولا الحب

وتحت جسر ميرابو ينساب السين …

هل يمكنني أن أسمّيها حقبة الصمت؟

أبريل 2016

تستيقظين ذات صباح في بداية منفاك، وحيدة غريبة وثمة قناعة تسمّرك في سريرك: كله في العبث!

لا لم يعد هناك من شيء مهم، كلّ ما كانْ سقط في عمق حفرة لا قرار لها! كلّ ما حلمنا به، كلّ ما بذلنا من أجله، ثمة من خسر عمره في طريق ذلك الحلم، بلادنا مدمّرة وجثثنا تتراكم في مقبرة البحر المتوسط، مشلوحون في منافٍ صديقة وعدوة، في مخيمات الموت، محاطون بالكره. فيروس العالم الجديد نحن، نكرات في أمكنة لا تعرفنا، نكرات في أزمنة خانتنا. صدّقيني ستخطر في بالك الكثير من هذه الأفكار اللئيمة وغيرها، وستمدّ لسانها هازئة بكِ.

لقد فقدتُ قدرتي على الفعل، تبدّدت فاعليتنا كما تبدّد كل ما عشنا لأجله!

ثمة الكثيرات منّا علقن في ذلك الصباح ولم يخرجن منه إلا لحظة انتحارهن. والانتحار ليس بالضرورة أن يكون فيزيائياً، لا أبداً، قد ننتحر ونحن على قيد الحياة. أما الصمت فسيكون في تلك الحالة بالذات، في ذلك الصباح بالذات، أكثر الحلول ذكاء!

الصمت في كثير من الأوقات أكثر بلاغة من الكلام.

أتذكرين قول نيتشه الذي تناقشنا حوله كثيراً؟! «لا أشرع في تقديم قصة عن نفسي إلا في مواجهة ’أنت‘ يطلب مني تقديم ذلك الوصف». صحيح، وقد قلتِ لي يومها: لا يبدأ أحد منا في سرد نفسه، أو يجد أن عليه لأسباب طارئة أن يصبح كائناً يسرد ذاته، إلا في مواجهة هذا السؤال أو الاتهام القادم من شخص آخر، من هو أنت؟!

ولكن في المنفى ستتعرّضين بشكل شبه يومي إلى هذا السؤال: من أنتِ؟! وهو الصيغة الأخرى، الأكثر لطفاً، لصفة ستلتصق كغريبة بك: نكرة! هنا، وهنا بالذات، قرّرت أن أنتمي إلى ردّ جوديث بتلر على هذه الفكرة وأتبناه: هناك بالطبع إمكانية لالتزام الصمت في وجه مثل هذا السؤال. الصمت تعبير عن مقاومة للسؤال: ليس لك الحق في طرح مثل هذا السؤال، أو لن أكرّم هذا الاتهام بإجابة عنه. «الصمت في مثل هذه اللحظات إما أن يُخضع شرعية السلطة التي يستحضرها السؤال والمتسائل للشك، وإما أن يحاول رسم دائرة حول منطقة استقلال لا يصحّ أن يتطفّل عليها المتسائل». جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، ترجمة: فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت 2014.

حسناً، «منطقة الاستقلال» هذه هي الفضاء الذي حان الوقت فيه لنفكّر بالذي كان: هل أخطأنا حقاً؟ هل كان ثمة إمكانيات لغير الذي كان؟ ما الذي سنفعله غداً؟ وغيرها وغيرها من الأسئلة التي طالما طرحتِها عليّ وعلى نفسكِ، ومازالت تنتظر إجابات لا تأتي ولن تأتي بالضرورة، فهناك غيرنا لايزال يسأل هذه الأسئلة منذ أكثر من مئة عام. نعم، الفرنسي بول فاليري وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى يقف أمامكِ ويهتزّ شاربه الكث وهو يحذّركِ: «الأشياء أصبحت واضحة لا شفقة فيها ولا رحمة. لقد سقط في هذه الحرب آلاف الشباب من كتاب وفنانين، سقط أيضاً وهمُ الثقافة الأوروبية وتبيّن لنا عجزها عن إنقاذ أي شيء كان. سقطت هيبة العلم أخلاقياً سقوطاً مريعاً لأن تطبيقاته التكنولوجية أدت إلى قتل الملايين بسهولة مرعبة، وبدلاً من أن كان شرفاً ومجداً للحضارة الأوروبية أصبح عاراً عليها». بول فاليري، سقوط الثقافة والعلم في أزمة الروح 1919 وفي منوعات 7/1924

نعم هذا ما كان يومذاك وما هو اليوم! لا شيء تغيّر، بل ازداد العار عاراً!

هنا وفي لحظة فارقة ما، أمام كل هذا العار والعبث وشعور الذنب وفقدان الثقة، ستكون العزلة الحل الوحيد لمأزقكِ الخاص/العام، أو هذا ما يمكن أن تختاريه، محاولة لإعادة التقييم والبحث عن إجابات. العزلة في مكان معتم جداً كي نرى جيداً، فالضوء يعمي الأبصار. وستعيدين مديح العزلة كما فعل بول أوستر، منعزلاً إنما ليس بمعنى أن يكون وحيداً. بل العزلة بمعنى الانكفاء. بمعنى ألا نضطر إلى رؤية أنفسنا بعيون الآخرين. فماذا سنرى في عيون الآخرين؟! حين يهتزّ مفهومان من أهم مفاهيم الحياة: الوطن والهوية. وفي ظل تغلغل التفكير الثنائي في حياتك، فلا أنت تنتمين إلى الوطن «القديم» ولا أنت تنتمين إلى الوطن «الجديد»، عالقة في البرزخ كروح مُعاقَبة، فلا هي في الأرض ولا هي في السماء. تهتزّ أكثر ثوابتك رسوخاً، فتقترن القومية صميمياً بالمنفى. القومية تأكيد على الانتماء إلى مكان وشعب وتراث، حين التفاعل بين القومية والمنفى أشبه بديالكتيك العبد والسيد، حسبما رأى هيغل يوماً، وحيث يعمل كل من هذين الضدين على إملاء الآخر وتشكيله.

العزلة مانيفست المهزومين في محاولاتهم التخلّص من هزيمتهم.

نحن والآخر/ الآخر ونحن:

أغسطس 2021

هل هي الهويات «المفعّلة» التي تجعلنا نقع في فخّ «الآخرية»؟، ربما!

في إحدى التعريفات الكثيرة للمنفى، والتي رحنا نكتشفها سوية، أنه حالة اختبار دائمة للذات وديمقراطيتها وقيمها في مواجهة الآخر. قلتِ لي بأننا أتينا من بلدان ديكتاتورية، شعارها: لون سياسي واحد وإلا… من مجتمعات بطريركية أحادية شعارها: شكل اجتماعي جندري جنساني مقبول وإلا… من ثقافات متجاورة لكنها تعاني في قبول بعضها البعض حين شعارها: لا للاختلافات الإثنية العرقية الطائفية وإلا… ربما هناك صحة في حديثكِ، فالأنظمة الديكتاتورية عملت طويلاً على تخريب مفهوم المواطنة، كما عملت على تفريغ المجتمع من الفاعلية السياسية والمدنية والثقافة المعارضية. لم نكن نعرف بعضنا البعض في بلد شديد الموزاييكية كسوريا، جزر منعزلة تجهل بعضها إلى حدّ بعيد، وتملك فيضاً من أحكام القيمة الغريبة، والغبية أحياناً، تجاه بعضها. يحكمنا الخوف ثم الخوف ثم الخوف. لقد ناضلنا من أجل الديمقراطية، ثُرنا من أجلها، بذلنا الكثير الكثير من أجلها، ولكن هل كنّا ندرك معناها العميق؟!

كنّا ببساطة غير معتادين عليها، قلتِ لي. وهذا أمر طبيعي بعد عقود من القمع، وعلى الرغم من أنه لا مجال لنكران حقنا في عيشها كما يحق لكل شعوب العالم عيشها، لكن الآخر في المنفى يجعلك تختبرين بحقّ ديمقراطيتك. هل أنت قادرة حقاً على القول بأنك تحملين فكراً ومنهجاً ديمقراطياً؟! ولكن هل نحن أساساً هنا في المنفى في بلدان الديمقراطية والحرية بحق؟!

مفهوم الحرية ملتبس للغاية في المنفى، كما هو مفهوم الديمقراطية. لا يمكنني أن أصفه بصفة أخرى! تتمدّد الحريات الشخصية على مساحة الحريات كلها مجتمعة، مقلّصة إياها في الزاوية، زاوية الفعل والتأثير. هذا ما تكتشفينه مع الزمن. «هم» لا يمتلكون بالتأكيد الحقيقة، كما لا يمتلكون ناصية الحرية والديمقراطية. وهنا سيكون الاكتشاف الأكثر إيلاماً، لا يوجد مكان يوتوبي للحرية والديمقراطية والحقيقة، إنها أفكار توجد في عقولنا فحسب. والـ«هم» والـ«نحن» مفهومان شديدا اللّبس والضبابية. ستقولين لي إني متحاملة ومتشائمة وما إلى ذلك، وسأجيبك بما قاله هيراقليطس يوماً: خلال بحثك عن الحقيقة كُن على أهبة الاستعداد لغير المتوقع، لأن درب الحقيقة شاق، ومُلغّزة هي حين العثور عليها.

أنت تذكرين ولابد النسوية الإيطالية أدريانا كافاريرو في كتابها السرديات الرابطة، فهي تقدّم كذلك بدورها وبكل شجاعة مدخلاً مضاداً بشكل جذري لنيتشه في رؤيته للحياة باعتبارها وثيقة الصلة أساساً بالدمار والمعاناة. جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، مصدر مذكور. تقول كافاريرو إن سؤال «من تكون؟» يتّصل بإمكانية الغيرية. فنحن مخلوقات مكشوفة بالضرورة بعضنا لبعض في ضعفنا وتفرّدنا، وحالتُنا السياسية تتكون جزئياً من تعلّم الكيفية التي نتعامل بها مع هذا الانكشاف الثابت والضروري. بالنسبة لها فأنا لست ذاتاً داخلية مغلقة على نفسي، أنانوية، أطرح أسئلة تتعلّق بنفسي فقط. أنا موجودة بمعنى مهم بالنسبة لكِ، وبفضل وجودكِ. إذا كنت قد خسرت شروط المخاطبة، وإذا لم يكن لدي «أنت» أخاطبه، إذن فقد خسرت «نفسي». لا يمكن للمرء أن يسرد سيرته الذاتية إلا لشخص آخر. لا يمكن للمرء الإحالة على «أنا» إلا في علاقة مع «أنت»: دونما أنتِ تصبح قصتي مستحيلة.

من هنا، ومن محاولاتي للإجابة على كل تلك الأسئلة، من زمن العزلة وإعادة حساباتي مع نفسي في العتمة، من الآخر الذي يفرض نفسه بصرامة، من حروبي الخارجية والداخلية، تُختصر الدروب كلها في درب واحدة إما أمشيها أو لا:

اتبعي قلبك وامشي فلا هادي لك إلّاه في هذه المتاهة!

حين وقع بين يدي كتاب صدر في فرنسا بعنوان أختيّة (Sororité)، وهو عملٌ جماعي تولّت مهمة التنسيق لنصوصه كلويه ديلوم (Chloé Delaume)، شعرتُ بأن «رسالة» ما وصلتني. هذا الكتاب جعلني أتذكّر نفسي، أعثر على نفسي التي أضعتها في الزوابع ومتاهات المنفى، نعم أنا جزء من «أختية» عالمية. نعم أنا مؤثرة ويمكنني أن أبقى كذلك في أي مكان سوف أكون فيه. الحرية ليست ممارسة فحسب بل هي منهج تفكير. الديمقراطية ليست سلوكاً فحسب بل إيديولوجيا وقيم ومفاهيم قابلة للمغاير. من هنا عدت للكتابة، وسأحدثك بتفاصيل ذلك بعد قليل، أقصد عن الكتابة التي أنقذتني من نفسي، وبدأت أقتنع أكثر فأكثر أن أي نقاش سنخوضه عن البناء الفكري والسياسي «للحركات النسوية في العالم الثالث» يجب أن يُعنى بأمرين: النقد الداخلي للحركات النسوية الغربية المهيمنة (مع العلم أنها لا تشكّل بالمطلق كتلة واحدة كما لا نشكّل «نحن» كذلك كتلة واحدة)، والتي نعيش في خضمّها في منافينا، وكذلك خلق استراتيجيات نسوية مستقلة للحركات الملونة تعتمد على خصوصياتها الجغرافية والتاريخية والثقافية. الأمر الأول مشروعُ تحليل وتفكيك للهيمنة البيضاء المركّبة، والثاني مشروع بناء وتركيب للهامش الملوّن المفكّك.

التقاطعات، وما أكثر التقاطعات!

فبراير 2017

من الصعب على أحد أن يفهم بعمق ودقة ما عنته كيمبريلي وليامز كرينشو في نحت مصطلحها «النسوية التقاطعية» ما لم يكن «امرأة» «ملونة» من «العالم الثالث» تعيش في المنافي «البيضاء»! النسوية التقاطعية: intersectional feminism أو تقاطع أشكال التمييز: مصطلح استحدثته الباحثةُ النسوية السوداء كيمبريلي وليامز كرينشو”في العام 1989 يؤكّد على تشابك تمظهرات التمييز في جميع أشكال الهويات السياسية والاجتماعية: الجندر، العرق، الطبقة، والتوجه الجنسي، والإعاقة… أشبه بإطار تحليليّ يحدد كيفية تأثير تشابك أنظمة النفوذ (السلطة) على المهمشين في المجتمع، ويرى إلى فصل الحركة النسوية الملونة عن الحركة النسوية البيضاء، فجميع النساء يمتلكن سمات وتجارب مختلفة. لا أعرف إن كان ثمة امرأة مثلي تتذكّر هذا المصطلح في كل مرة تقف فيها على زاوية مجموعة من الشوارع المتقاطعة. نعم، كما تفكرين الآن: الأمر مضحك حقاً!

لا ينبغي للتهميش أن يكون تجربة جديدة بالعموم على نساء مثلنا، قلتِ لي يوماً، فأنت تعانين في بلد عربي محكوم بالديكتاتورية والبطريركية الاجتماعية والسلطات الدينية، المتماهية مع السلطات السياسية والاجتماعية، الكثير من تجارب التهميش. ربما كان حديثك يكتنف على شيء من الصحة، لكن التهميش في المنافي له طعم آخر. التهميش في بلدك لا يمكنه الاقتراب من مفهومك الذاتي الراسخ عن هويتك، لا يمكنه أن يمسّ، ولو لوهلة، تعريفك لذاتك وقيمتك في مجتمعك وفي الحياة عموماً، بل على العكس، التهميش في بلدك يجعلك أكثر إصراراً على عيش الأسباب التي جعلت منك منتمية إلى ذاك الهامش. ربما لأنك اعتدت على هذا النمط من التهميش، وطوّرت ميكانيزماتك الخاصة للتصدّي له، وربما لأنك مقتنعة في العمق بأن المكان مكانك، ولا يمكن لأحد في هذا الكون أن يسلبك إياه أو يحرمك منه. أو لأن تقاطعات السلطات المهمِّشة لك ولغيرك من النساء أضحت مكشوفة عارية أمام أدواتك التشريحية، ولم يعد لها تلك السطوة على آليات تفكيرك. هي كما قال فرناندو بيسوا يوماً في كتابه اللاطمأنينة: «عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي. ذلك أن العمل الهدّام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقراً إلى الأمان الديني، إلى الدعم الأخلاقي وإلى الاستقرار السياسي. ولدنا في أوج القلق الميتافيزيقي، في أوج القلق الروحي وفي أوج اللاطمأنينة السياسية».

هذه اللاطمأنينة التي عشناها كمهمّشين ومهمّشات في الوطن كانت السبب الرئيسي في بناء ذواتنا، أفكارنا، إيديولوجياتنا، ببساطة في بناء ثقافتنا برُمّتها. تجربة التهميش في المنفى مختلفة، أنت ذلك الآخر «المجهول»، الآتٍ من مكان ما غير محدّد المعالم، ملتبس التكوين، وإن حُدّدت معالمه فهي لا تناسب العيش الإنساني لقاطني أوروبا! أنت ذلك «الغريب» المليء بالتناقضات. حسناً، سأجلب لك مثالاً شخصياً ربما استطعت من خلاله شرح الفكرة أكثر. قبل سنوات قليلة بدأت أدرّس الرواية العربية المعاصرة كأستاذة مساعدة في معهد الاستشراق في مدينتي هامبورغ، وعلى الرغم من أنني ابنة الثقافة العربية، أكتب بها وأمتلك ناصيتها، إلا أنني كنت هناك مهمّشة في ثقافتي أكثر من أي وقت مضى، يتمّ التعامل معي وأنا ابنة تلك الثقافة كشخص أقل معرفة وتمكناً من المستشرقين الألمان. هناك رسالة مختصرة يتمّ الإيحاء بها لك كل يوم: نحن نعرف عنك أكثر منك، نفهم ثقافتك أكثر منك، ونعلّمك عن مجتمعك وتاريخك إن أردت.

أحكام القيمة المسبقة هي ما تصطدمين به هنا أينما ذهبت، فكرة عبّرَت عنها بدقة النسوية الهندية تشاندرا تالبيد موهانتي بأن هناك فكرة متجانسة مفترضة عن اضطهاد النساء، بوصفهن مجموعة، وهذه بدورها تنتج صورة عن امرأة العالم الثالث العادية. الصورة النمطية البيضاء تتمثّل في التالي: تحيا امرأة العالم الثالث العادية هذه حياة منقوصة أساساً بناء على جنسها الأنثوي (مقيّدة جنسياً) وبما أنها من العالم الثالث (جاهلة وفقيرة وغير متعلمة ومقيدة بالتقاليد، وأسرية وموجهة عائلياً ومظلومة وهلم جرا…) وهذا على النقيض من التمثيل الذاتي المضمر للمرأة الغربية على أنها متعلّمة وعصرية وتتحكّم بجسدها وحياتها الجنسية، وتمتلك حرية اتخاذ قراراتها بنفسها. من كتاب مقالات في النسوية (ترجمة ضحوك رقية وعبد الله فاضل) دار الرحبة، دمشق 2015. مقالة الكاتبة “تشاندرا تالبيد موهانتي Chandra Talpade Mohanty” تحت أعين غربية/ دراسات نسوية وخطابات استعمارية.

ألفيتُ نفسي فجأة واحدة من كتلة مصمتة متجانسة وكبيرة اسمها: «نساء العالم الثالث». مجموعة (عاجزة) يتم إظهارها غالباً ضحية لأنظمة اقتصادية اجتماعية معيّنة، ضحية العنف الذكوري، ضحية العملية الاستعمارية، ضحية النظام العائلي العربي، ضحية عملية التنمية الاقتصادية ومدرسة المرأة في التنمية «الليبرالية»، وأخيراً ضحية الشريعة الإسلامية. كنت أصطدم بأسئلة غريبة لا تخلو من شعور بالفوقية: هل تتعلم النساء في سوريا؟ هل تستخدمون السيارات؟ هل لديكم مطارات؟ هل تستخدمون البرادات؟

هل هو التهميش الثقافي في المنافي؟! تهميش تحدّث عنه إدوارد سعيد وهومي بابا وغاياتري سبيفاك وغيرهم الكثير الكثير من الملونات والملونين في المركز الأبيض. أنت كامرأة لاجئة ملونة في المنفى خطيرة للغاية دون أن يكون لديك أدنى فكرة عن خطورتك. إنك النقطة الملونة الموجودة في المخيال الأبيض، النقطة التي تشكّك في إجابات المستشرقين الجاهزة، النقطة التي تهزّ قناعاتهم، النقطة التي تطلق سؤال الثقافة، حسب تعبير هومي بابا، إذ أنها تشطر الكتابة البيضاء وتشكّك إزاء بياضها، فهي نقطة متعددة، محمّلة بتجربتها التاريخية في معاناة الملونين والملونات في بلدانهم، ومقتحمة في الوقت ذاته تموضع الأبيض الراسخ. موقع الثقافة: هومي بابا، ت: ثائر ديب، المركز الثقافي العربي، ط1 1994

في المنفى، فجأة وبدون ترتيبات مسبقة كثيرة، تصبحين جزءاً من ذلك الفضاء الزماني- المكاني الذي يخلقه المنفيون، المقتَلعون، المستعمَرون، المضطهدون، المحرومون والملونون وباقي المهمشين بسبب العرق أو الجنس أو الدين أو الطبقة. من هنا ستتبدى محاولات تهميشك الثقافي، ليس بالمعنى المباشر فحسب، بل بالمعنى الرمزي كذلك. وربما لهذا ستكونين أكثر قدرة على التضامن مع غيرك من الملونات والملونين، وربما ستخرجين في مظاهرات لم يكن من أولوياتك قبلاً الخروج معها، كدعم حركة (حياة السود مهمة Black Lives Matter) حركة نشأت في المجتمع الأميركي الأفريقي ضد العنف الواقع على السود. انطلقت الحملة في العام 2013 حين انتشر هاشتاغ#BlackLivesMatter وإثر محاكمة جورج زيمرمان George Zimmerman في قضية قتله للصبي الأميركي ذو الأصول الأفريقية ترايفون مارتين Trayvon Martin مثلاً، أو ستستميتين في الدفاع عن امرأة محجبة تعرّضت للتمييز لمجرد أنها محجّبة، وبالتالي لأنها مسلمة متدينة، على الرغم من أنكِ لطالما وقفت في وجه سيطرة السلطات الدينية على الحريات الشخصية والمجتمعية. هذا التضامن (الثقافي) ستكتشفينه داخلك من خلال شعور عميق بتوحّد مع الهوامش الأخرى، فالنضال واحد، نضال ضد مركز أبيض رأسمالي يرى نفسه (أفضل) و(أكثر حضارة) وأكثر ثقافة وفهماً لكل شيء حتى لثقافتك وتاريخك، ويعمل، حتى ولو بشكل لا واعٍ، على تلقينك قناعاته وفهمه ووجهات نظره.

أعرف، ستقولين لي: ولكن هل سنعيش عمرنا في صراع دائم كهذا الصراع الذي تصفينه؟! وجوابي ببساطة: لا. فمن هذا المركز الأبيض هناك الكثير ممّن يشاطرونكِ قناعاتك رغم انتمائهم البيولوجي لهذا المركز، وهم وغيرهم سيقنعوكِ بأن الهجنة الثقافية، تلك الخلطة من الثقافات المتعادلة، والآراء والأفكار المختلفة والمتناقضة أحياناً، الإيديولوجيات والقناعات والمشارب والأديان، هذه الهجنة الجميلة هي وجه المستقبل إن أراد أن يكون جميلاً، هي اللون الثقافي الذي يصعب على التيار ما بعد الكولونيالي برمته تقبل سواه.

على الرغم من أن الكثير قد تغير منذ ثمانينيات القرن الفائت وحتى اليوم، أعتقد بأن أنور عبد الملك في خطابه «الثقافة» لم يكن مخطئاً حين قال إن الإمبريالية المعاصرة إمبريالية مهيمنة بالمعنى الحقيقي للكلمة، تمارس عنفاً قصوياً مسوّغاً ومدفوعاً إلى مستوى غير مسبوق، بالنار والسيف، ومن خلال محاولة السيطرة على العقول والقلوب. «لأن محتواها يحدّده العمل المتضافر بين المجمع الصناعي العسكري ومراكز الهيمنة الثقافية في الغرب، والمؤسَّسة جميعاً على مستويات متقدمة من التنمية التي أحرزتها بالاحتكار ورأس المال العالمي، ودعمتها بمنافع كل من الثورة العلمية والتقنية والثورة الصناعية الثانية نفسها». أنور عبد الملك، اللهجات الاجتماعية: الأمة والثورة 1981 جامعة نيويورك للصحافة.

في كل يوم كانت قناعتي تزيد بأن قلمي، كتابتي كامرأة ملونة محاطة بأحكام القيمة، مطعونة بالتهميش، مشلوحة في المنافي، هو السلاح الذي لا ينبغي أن أتركه جانباً ولا للحظة… وهذا ما سأحدّثك عنه الآن.

في مديح الثرثرة:

ديسمبر 2017

حسناً عزيزتي، فكرت كثيراً بشأن حوارنا الأخير وأردت أن أكمِلَهُ وأن أشرح لك أكثر وجهة نظري.

دعيني أقول ربما ليس الأدب إلا تعبيراً عميقاً عن الفقد، كما عبّر ليون فويشتفاغن قبل 70 عاماً، أو ربما اللغة هي القطعة الوحيدة من الوطن التي نحملها معنا أنّا اتجهنا. ربما هي علاج نعوّض به خساراتنا الفادحة. لكن ما أنا مقتنعة به بعمق أن الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة. دوماً كانت مقاومة ومازالت اليوم كذلك، تدوين الذاكرة مقاومة للشتات والنسيان، تدوين الذاكرة الموازية كفعل سياسي وموقف أخلاقي. ولنقل الكتابة للخلاص.

هناك جملة قالتها النسوية أندريا دوركن لا أجد نفسي إلا مبتسمة حين أذكرها: «في حين أن الثرثرة بين النساء هي محل سخرية حول العالم باعتباره فعلاً دنيئاً وسخيفاً، فإن الثرثرة بين الرجال تسمى نظرية أو فكرة أو واقعة». أندريا دوركنAndrea Dorkin في كتابها الصادر سنة 1983 بعنوان: Right Wing women حسناً ها أنت تبتسمين بالتأكيد. الثرثرة/ الكلام والكتابة هما في العمق واحد، إجهار للصوت، الثرثرة إذاً هي فعل مقاومة كذلك.

في محاولة للإجابة عن السؤال الأكثر إشكالية ضمن أسئلة زمن ما بعد الكولونيالية: هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟! ترى غاياتري سبيفاك، أن مسألة المرأة هي المسألة الأكثر إشكالية في هذا السياق. فإذا كنت فقيراً، ملوّن البشرة، وأنثى فأنت ستعيش هذه الإشكالية على ثلاثة مستويات. هنا ولابد أنك تذكرين حديثنا عن التقاطعية. لكن هذا السؤال سيبقى حاضراً لزمن طويل، وستتراكم محاولات الإجابة عليه. بين النظام الأبوي والإمبريالية، وتأسيس الموضوع وتشكيل الكائن، تختفي صورة المرأة، ليس في العدم وإنما في ماكينة عنيفة هي الصورة المكرّسة لـ«امرأة العالم الثالث» العالقة بين التراث والحداثة. هنا العالم الأول يا عزيزتي، يحاول بكل جهده أن يقنعك كامرأة ملونة بأنه سينقذك من ثقافتك الظالمة المجحفة، وبالتالي حين تجاهرين بما لا يخدم هذه الفكرة، سيضيع كلامك في مكب الثرثرة.

المرأة الملونة تبقى موضوعاً ولا تتحوّل لذات.

من هنا كانت أهمية سردياتنا المضادة، ليست السرديات المضادة لسردية نظام الطاغية في سوريا فحسب، بل سردية مضادة لكل من يحاول أن يبقيك موضوعاً وليس ذاتاً. الأقوى/ المنتصر/ الطاغية/ المتن يكتب التاريخ الرسمي، مسلَّمة علينا أن نقتنع بها، لكن من قال إن الكتابة/ الآداب/ اللغة/ الثرثرة ليست تواريخ الناس السرية؟! هي تواريخنا، تواريخ الهوامش، التي تبقى جاهرة بما يحاولون طمسه في تواريخهم الرسمية. لكن ثمة من سيحاول إقناعنا دوماً بأن كتابتنا لتاريخنا لن تكون موضوعية، أو كما رأى إدوارد سعيد يوماً «الأدب والتاريخ يحفلان بحوادث بطولية ورومانسية مجيدة بل وظافرة حدثت في حياة المنفي، إلا أن هذه الحوادث لا تعدو أن تكون جهوداً يقصد منها التغلّب على أسى الغربة الشال. فمآثر المنفى لا يني يقوّضها فقدان شيء ما خلّفه المرء وراءه إلى الأبد». تأملات حول المنفى، إدوارد سعيد، ترجمة: ثائر ديب، دار الآداب، بيروت ط1 2004 صحيح ربما، ولكن من قال إن على الكتابة أن تكون موضوعية أصلاً؟ وهل هناك كتابة موضوعية بالمطلق؟! وما هي الموضوعية؟! فالثقافة الغربية الحديثة، لنقرّ بذلك، هي في جزء كبير منها نتاج المنفيين والمهاجرين واللاجئين أمثالنا.

الذات «الراویة» هي التي تخلق السرديات المضادة، نحن الذوات الراوية لقصصنا، مشغولون بغزل خيوط الماضي ووضع الخطط للمستقبل. من المفارقات أنه كلما كبرت التضحيات التي نبذلها في سبيل قصة ما، كلما زاد تمسكنا بها، لأننا نتوق إلى أن نمنح معنى لتضحیاتنا وللمعاناة التي عشناها. تماماً كما يصرخ أب مفجوع: ابني لم يمت سدىً. هذا ما يعرف في السياسة بمتلازمة: أبناؤنا لم يموتوا سدىً! وهذا بالضبط السبب الذي نؤلف الحكايات من أجله ونكتب ونثرثر من أجله.

في سجال بين أمبيرتو إيكو وأنطونيو تابوكي حول دور المثقف، وفي بداية حكم برلسكوني، كتب إيكو في صحيفة أن على المثقف أن يصمت فهناك الكثير من الضجيج والكثير من المتكلّمين. أضاف أن المثقفين قد أقاموا الحجة على كثير من الادعاء عند مطالبتهم بالحق في معرفة ما فوق البداهة مستعملاً المجاز التالي: المثقف مواطن كالآخرين وإذا احترقت شقته فمن واجبه استدعاء رجل الإطفاء كغيره من المواطنين.

تابوكي أجاب أنه إذا احترقت شقتي فسأستدعي رجال الإطفاء طبعاً، ولكني أود أن أعرف ما إذا كان الحريق ناجماً عن انقطاع التيار أو عن خليط حارق. هذا هو دور المثقف: معرفة أكثر مما تفصح عنه الأنظمة. حوار مع أنطونيو تابوكي في كتاب بعنوان: صحبة لصوص النار، مجموعة من الحوارات مع كتاب عالميين أجرتها جمانة حداد، دار النهار للنشر، بيروت 2007.

كما هي وصفة للكتابة «هناك» فهي وصفة للكتابة أيضاً «هنا».

هل هو باراديم المجتمعات؟

مايو 2018

سألني فجأة وبدون مقدمات رجلٌ ألماني يحتسي البيرة في أحد البارات (وأنا هنا لا أستعير صورة مجازية للدلالة على شيء، أبداً، كان فعلاً رجلاً ألمانياً ويحتسي البيرة في بار) من أين أنا؟! حين عرف أني عربية من سوريا قال: أنت امرأة جميلة ولكن لدي حساسية من وبر الجمل. وانفجر ضاحكاً!

حسناً أعرف ماذا ستقولين، ثمة عشرات الأسئلة التي قد يثيرها في داخلك هذا التعليق المزعج جداً إن لم أصفه بصفة أقذع. ما علاقتي بالجمل؟ وما علاقة كوني من سوريا بالجمل؟ ومن أخبرك بأنه يمكنك الاقتراب مني أساساً؟ وما سيزعجك أكثر أني لم أنبس بكلمة، نظرت إليه مشفقة على غبائه، وأكملت حديثي مع أصدقائي كأنه لم يُوجد أصلاً.

هل قلت لك قبلاً أني صرت أرى المنفى باعتباره تلك العلاقة العضوية مع الآخر، مرآة لوعيك ولاوعيك الجمعي، كما هي مرآة لوعيك ولاوعيك الذاتي! نعم. كثير من البديهيات التي كانت بديهيات لا تعود كذلك! تتغير الجهة التي تنظرين منها لكل شيء. ربما لأنك مضطرة إلى شرح نفسك عند كل مفترق طرق، وفي كل مرة تشرحين للـ«الأغراب» نفسك ومجتمعك وثقافتك ومعتقداتك وأتفه التفاصيل التي لا يعلمون عنها أي شيء، تشعرين بأنك تشرحين نفسك لنفسك، وتعيدين تعريف كل شيء لنفسك أولاً، قبل أن تعرّفيه للآخر. غرباء تلاحقنا الأسئلة الغريبة الجاهلة، كلنا شخص واحد، كلنا موضوعون في سلة بدون تمايزات: قادمون من مكان مجهول، متخلّف، صحراوي، حيث النساء عاطلات والرجال مسيطرون! إنه ستريوتايب المنافي.

هنا موضوعة العنصرية ضد الأجانب، وهؤلاء الأجانب بالمناسبة نحن، هي من أكثر المواضيع التي تشغل حيز تفكيرك وأحاديثك في المنفى. يتحوّل الكثير منّا إلى مازوخيين يتصيّدون حدثاً من هنا وخبراً من هناك يؤكد على عنصرية الآخر. ها هل رأيت، إنهم يكرهوننا. وكم يتبدى الرضا على الوجوه حين تتبدى العنصرية بطريقة ما، ولأكُن صريحة معك فأنت لا تحتاجين إلى الكثير من البحث لتلمسي تلك العنصرية بطريقة أو بأخرى. أحاول عبثاً أن أعثر على إجابة عن سؤالي: لماذا؟ ما المفرح في الأمر؟ لكن المرآة التي أتكلم عنها تكون معميّة أحياناً، مضبّبة غائمة، ولا نرى عنصريتنا نحن أيضاً تجاه الآخر! أعرف ستنفعلين وتقولين لي: نحن؟!، وسأقول لك: العنصرية يا عزيزتي ليست كتلة واحدة كذلك، إنها متعدّدة متشعبّة بمستويات وأشكال تتدرّج في التعقيد. الفيلسوف الفرنسي بيير أندريه تاجييف وفي دراسة واسعة قام بها عن التحامل ومفهوم العنصرية والخوف المرضي من الآخر (heterophopia) باعتبارهما مفهومان مترادفان، من كتاب الحداثة والهولوكوست، زيجمونت باومان، ترجمة: حجّاج أبو جبر، دينا رمضان، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة 2014 حدّد ثلاثة مستويات أو ثلاثة أشكال تتدرج في التعقيد: العنصرية الأولية (العفوية)، وهي برأيه عنصرية كونية عالمية، رد فعل طبيعي لوجود إنسان غريب مجهول. الاستجابة الأولى لها هي الكراهية، وقد تفضي إلى العداء والعدوانية. وهذه العنصرية الأولية العفوية لا تحتاج إلى من يشعلها أو يؤجج نيرانها أبداً. هل نكون يا عزيزتي مصابين بداء العنصرية (العفوية)؟! سؤال ما فتئ يلحّ علي!

أما عنصرية الدرجة الثانية أو «العنصرية ذات التسويغ العقلاني»، فالتحوّل هذا في حدّة العنصرية يحدث عند طرح نظرية مرجعية تضع أسساً منطقية للكراهية، فنتصور الآخر المكروه على أنه خبيث النية، أو مصدر للضرر والأذى «من وجهة نظر موضوعية»، وفي كلتا الحالتين يمثّل الآخر المكروه تهديداً لبقاء الجماعة الكارهة. أخيراً تأتي عنصرية الدرجة الثالثة، أو العنصرية التي تخفي رهانات سياسية محضة، وهي تقتضي ضمناً المستويين الأول والثاني، وتتميز بتوظيف براهين وحجج شبه بيولوجية تسوّغ العنصرية وتبرّرها.

إذاً دعينا نعيد شريط حياتنا قليلاً ونتذكر: هل كانت سخريتنا من اللغة العربية للأرمن أو التركمان الذين يعيشون بيننا عنصرية؟! هل كانت تعابير وجوهنا وهم يتحدّثون إلينا تشبه تعابير وجوه الألمان التي تنضح استغراباً وسخرية حين نتحدث الألمانية؟! هل كان استهزاؤنا بالشعائر الدينية للطوائف عنصرية؟ هل كانت إهانتنا لأصحاب البشرة الداكنة من العرب في سوريا عنصرية؟ هل كان تقليل أهل المدن من قيمة أهل القرى عنصرية؟ ولكن لنعترف أن تلك العنصرية الأولية «العفوية»، والخفية كذلك، لم ينتج عنها أفعال عنصرية ممنهجة بين طبقات وشرائح الشعب، ولا بنية عنصرية كارهة بهذا المعنى العميق للآخر. أبداً، فقد كنّا حقاً أهل بلد واحد. لكن كان ثمة شعور خفي من الريبة و«المغايرة»، وأحياناً «الخوف المترقّب»، تحمله كل جماعة تجاه الأخرى المختلفة: العرب، باعتبارهم الكتلة البشرية الأكبر، تجاه الأثنيات الأخرى، المسلمون تجاه الأديان الأخرى، الهيترو تجاه الهومو، السنّة تجاه الطوائف الأخرى، والطوائف الأخرى تجاه السنة وتجاه الطوائف المغايرة كذلك، الموالي للنظام تجاه المعارض له، والمعارض للنظام تجاه الموالين وما إلى ذلك. لقد صُدمنا بتعبيرات العنصرية الواضحة في الـ«هنا»! عنصرية المنافي التي تتجاوز المستوى الأول إلى الثاني، وأحياناً، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إلى المستوى الثالث! هل لأننا مهزومون في الـ«هنا»، محطّمون، مليؤون بالتروما، ومشلوحون في أرض غريبة بثقافة غريبة وعلينا أن نسميها «هنا»!

حسناً، بكافة الأحوال ومهما كانت إجابتنا فإنها العنصرية، مرض البشرية الباقي والمتمدّد على مرّ عصورها، ومن الممكن أن أحدّثك فيها وعنها لساعات، إنه الخوف المرضي من الأجانب (Xenophopia)، أو تحديداً إيمان المرء بأن شعبه وجنسه وثقافته من الأصل تفوق غيرها (ethnocentrism). ربما لا أبالغ إذا قلت إن مشكلة البشرية منذ الأزل، وجذور الكوارث الاجتماعية والبيئية، تدور حول فكرة التفوق. هناك شعب متفوق على شعب، إنسان متفوق على آخر، مجموعة متفوقة على أخرى، البشر متفوقون على أشكال الحياة الأخرى على الأرض… وهكذا. إنها، أي شعور التفوق، إيديولوجيا عامة وعميقة في وعي الشعوب، باراديم المجتمعات وتصوراته الأساسية حول العالم.

أقضي الوقت وأنا أصنّف البشر في الـ«هنا» والـ«هناك»: في أي درجة من درجات العنصرية علقوا؟!

ملاحظة أخيرة:

أن تقبضي على الجمر:

يونيو 2023

أتيت ولم أجدك، ولا أعرف لمَ ألحّت عليّ الكثير من الأشياء التي أردت قولها لك:

سبق وكتب فيكتور هوغو مقطعاً على لسان سانت فيكتور الراهب الساكسوني من القرن الثاني عشر يقول فيه: «من يجد وطنه عزيزاً وأثيراً فلا يزال غرّاً طرياً، ومن يجد موطنه في كل أرض فقد بلغ القوة، غير أن المرء لن يصل الكمال قبل أن يعتبر العالم برمته أرضاً غريبة». لن أكفّ عن التفكير بهذه الجملة يوماً، فالبحث في فكرة الانتماء تشكّل بالمناسبة سؤالاً من أهم أسئلة المنافي. هل هذا يعني قتل مشاعر الانتماء لمكان ما على هذه الأرض وبالتالي الانتماء لكل الأمكنة؟ هل يقودنا هذا إلى اعتبار المكان مجرّد جغرافيا! لكن الانتماء قد يكون لذاكرة، لبشر، لثقافة وربما لفكرة. في بعض الأحيان تكون الذاكرة وطناً، الثقافة وطناً والفكرة وطناً.

إذاً لا تدعي أحداً يحدّد لك ماهية انتمائك.

فعلى الرغم من انتمائي، الذي سبق وحدّثتك عنه، للمنظومة الثالثية، لكن تلك المنظومة المتعدّدة للغاية بما تكتنفه من آداب نسائية ملونة، على الرغم من خصوصيتها المتفردة، جزء لا يتجزأ كذلك من الحركة الإبداعية العالمية. الأمر يشبه ما كتبه هنري جيمس العام 1896 في نصه: النموذج في السجادة، أو الشكل في السجادة. تتلخّص مقولته بأن العمل الأدبي وحدة زخرفية صغيرة في سجادة تغصّ بالوحدات الزخرفية الأخرى، وتشكّل تلك السجادة المشهد الأدبي العالمي. جمال السجادة آت من جمال العمل الأدبي كعمل متفرّد وناقل لخصوصية ثقافته، وكذلك من اندماجه في المشهد الأدبي العالمي، أي تواصله مع الوحدات الزخرفية الأخرى.

حسناً فهي إذاً «الموجة النسوية الثالثة»، حسب اصطلاح سارة غامبل، أو «الموجة الأخيرة»، حسب اصطلاح عدد من نقاد النسوية، أو في تطور جديد «الموجة النسوية الرابعة»، أو ما اصطلح البعض عليه «ما بعد النسوية»، التي ينتمي العمل النسوي العربي إليها والتي ضمّت أجيالاً من النسويات والنسويين فضّلوا أن يكونوا امتداداً لموجات النسوية السابقة لا أن يُسموا: ما بعد النسوية، كأنها حالة تنقض النسوية كصيغة قديمة. ثمة الكثير أيضاً من المسميات والصفات والتعريفات قد ننتمي إليها وقد لا ننتمي، المهم ألا نستسلم لقدسية فكرة أو إيديولوجيا ما.

إذاً لا تدعي أحداً يحدّد لك ماهية إيديولوجياتك وقناعاتك كذلك.

وعلى الرغم من أن الكثيرين نظروا إلى الموجة النسوية الثالثة والرابعة باعتبارهما موضة قصيرة العمر، إلا أن اتساع الرقعة الجغرافية التي تعملان فيها اليوم يصل إلى عدم اعتبارهما مجرد موضة فحسب. فقد عملتا في مختلف المجتمعات الملونة والهامشية، وبشكل أساسي في المجتمعات الثالثية، ومنها المجتمعات العربية، بعيداً عن سيطرة المركزية البيضاء التي انبثق مصطلح النسوية فيها، وحيث توالت الأجيال والتيارات النسوية المتعاقبة فيها منذ أوائل القرن العشرين وحتى أواخره. كما أن مجالات عملها، والتي حاولت الاندماج فيها مع خصوصية المجتمعات التي تعمل عليها، راحت ترى الحرية في عدم إعادة تجارب الآخرين بشكل أعمى ومكرّر، بل في الخضوع لاعتباراتنا وقناعاتنا ومبادئنا الخاصة، وبالتالي مزج العمل النسوي بالعمل السياسي والإبداعي والاقتصادي والتوعوي والثقافي، ومحاولة تفكيك المشكلات المختلفة والمتنوعة التي تؤدي إلى اضطهاد النساء مثلها مثل كل الهويات المهمشة.

إذاً لا تدعي أحداً يحدّد لك ماهية أسئلتك وزمان طرحها.

لكن العمل على الجانب السياسي في المجتمعات الثالثية فاعلية لا تتجزأ عن العمل النسوي فيها، سواء العمل السياسي المباشر أو غير المباشر، وباعتبارنا خسرنا الفعالية السياسية المباشرة في مجتمعاتنا فليكن العمل على السياسي في الإبداعي عمل أساسه تعميق الوعي من أجل التغيير. هنا كان الجمر الذي اخترت أن أقبض عليه، كتابة السياسة في الإبداع هو انتماء، اعتمادي على القصص الحقيقية، كما الكثير من النسويات الثالثيات العاملات في ذلك المجال، باعتبارها طريقة ناجعة لكسر الصمت، لإجهار صوت من لا صوت لهن-م، طريقة يمكن اعتمادها لإغناء المعرفة. كتابة القصص والشهادات عن تجارب القمع والاضطهاد، حيث النساء غالباً ما يكتسبن معارفهن حول الاضطهاد، بمختلف أشكاله، من خلال النساء اللواتي يقدمن شهادات عن معاناتهن. النساء مرايا للنساء، كما هي الهوامش مرايا للهوامش.

إذاً لا تدعي أحداً يهزّ قناعاتك بقوتك: قوة الهامش، ولا بفاعليتك: فاعلية الهامش في مجتمعات المتون.

أن تكوني منتمية للبشرية أخلاقياً، أو نسوية ثقافياً، أو ملونة أثنياً، أو فاعلة ناقدة اجتماعياً، أو متمردة فكرياً فأنت كالقابضة على جمرها، وأنت تعرفين ذلك تماماً، وتعرفين كذلك أنه أحد الأثمان الكثيرة التي ستدفعها «التابعة حين تقرّر أن تتكلم»..

أخيراً يا صديقتي كوني بخير وعلى أمل اللقاء القريب.

روزا