في مقال منسيّ من منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، كتبَ الناقد الروسي المميز ميخايلوفسكي «Mikhailovsky»: «يُقال أمران عن الكونت تولستوي دائماً، وهما أنه كاتب روايات استثنائي وعظيم، ومفكر سيء. وهذا أصبح من المُسلَّمات التي لا تحتاج برهاناً». هذا الحُكم مُتَّفق عليه تقريباً، وبالكاد يُشَكّ فيه، لما يقرب من مائة سنة؛ ومحاولة ميخايلوفسكي أن يسائله بقيت معزولة نسبياً. لم يلتفت تولستوي إلى حليفه اليساريأي ميخايلوفسكي. (المترجم). ورأى فيه ليبرالياً عادياً متحذلقاً، وأبدى دهشته من أن يكتب عنه الناس. كان هذا من طباعه، ولكنه غير عادل. يُشكّل المقال الذي أسماه صاحبه اليد اليمنى واليد اليسرى لليف تولستوي دفاعاً بارعاً ومقنعاً عن تولستوي على أسس فكرية وأخلاقية، وهو مُوجَّه ضد الليبراليين والاشتراكيين اللذين رأوا في تعاليم الروائي الأخلاقية، خصوصاً تمجيده للفلاحين والغرائز الطبيعية، وانتقاصه من الثقافة العلمية، تعميةً منحرفة ومتثاقفة تضرّ بالمبادئ التحررية، وتخدم الكهنة والرجعيين. رفضَ ميخايلوفسكي وجهة النظر هذه، وفي محاولته الفصل بين زوان الرجعية وقمح التنوير في أعمال تولستوي، توصَّلَ إلى أن هناك تناقضات لم تُحَلّ، ولم تُدرَس، في تصورات تولستوي عن الطبيعة البشرية والمشاكل التي تواجهها روسيا والحضارة الغربية. يَعتقد ميخايلوفسكي أن تولستوي مُفكّر دقيق وحاد ومُقنِع في تحليله للأفكار كما في تحليله للغرائز أو الشخصيات أو الأفعال- وليس «مفكراً سيئاً». وقد أخذته حماسته لأطروحته المحيّرة -محيّرة بالتأكيد في زمن كتابتها- بعيداً؛ ولكنها في جوهرها تبدو لي صحيحةً، أو على الأقل صحتها أكثر من غلطها، وما سأقوله الآن ليس إلا صقلاً وامتداداً لها.  

آراء تولستوي ذاتيةٌ دوماً وقد تكون (كما في كتاباته عن شكسبير أو دانتي أو فاغنر) شاذةً بشدّة. ولكن الأسئلة التي تحاول معظم مقالاته التربوية الإجابة عنها هي دوماً أسئلة أصيلة عن المبادئ، وحقيقية، وبشكلها المبّسط والعاري عادةً بشكل مقصود، تذهبُ أعمقَ من مقالات المفكرين المتوازنين و«الموضوعيين». تكاد الرؤية المباشرة دوماً تكون مزعجةً. وقد استخدم تولستوي موهبته في تلك الرؤية ليحطّم سلامه الشخصي وسلام قُرّائه. كان من عادته أن يسأل أسئلة أساسية وبسيطة بشكل مبالغ فيه، ولم يكن يعرف أجوبتها- على الأقل في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر- وهذا ما جرّ عليه الصيت بأنه «عدمي». مع ذلك، فهو لم يرغب بالتأكيد بالتحطيم من أجل التحطيم فقط. كلُّ ما رغبَ به، أكثر من أي شيء في هذا العالم، هو معرفة الحقيقة. يمكننا أن نفهم إلى أية درجة كان ذلك عدمياً عندما ننظر إلى آخرين تجاوزوا حدود حكمة جيلهم: ميكيافيلي، باسكال، روسو، ومؤلف سفر أيوب. مثل هؤلاء، لا يمكن تصنيف تولستوي في أية حركة جماهيرية في عصره، ولا في أي عصر آخر. ينتمي تولستوي فقط إلى تلك الزمرة من البحّاثة الذين لم يتلقوا أجوبة بعد، ولا يبدو أنهم سيتلقونها- على الأقل، ليست الأجوبة التي ستُرضيهم أو ترضي من يفهمونهم. 

أما بالنسبة لأفكاره الإيجابية -وهي تتغير خلال حياته الطويلة بشكل أقلَّ مما يفترض كثيرون- فليست مميزة على الإطلاق: تشترك في عدة أمور مع التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر، ومع تنوير القرن العشرين، وبالقليل مع عصره. في روسيا، لم ينضم إلى أي من التيارات الإيديولوجية الكبرى التي تقاسمت الرأي المثقف في شبابه. لم يكن مثقفاً راديكالياً، مشدوداً نحو الغرب؛ ولا من أتباع الحركة السلافية، أي المؤمنين بمَلَكيّة مسيحية وقومية. اخترقت آراؤه هاتين الفئتين. مثل الراديكاليين، أدان على الدوام الاضطهاد السياسي، والعنف الأعمى، والاستغلال الاقتصادي، وكل ما يخلق عدم المساواة ويُديمها بين الناس. ولكنه رفض بقية النظرة «الغربية»، التي تشكل لبّ إيديولوجيا المثقفين، أي الشعور الغامر بالمسؤولية المدنية، والإيمان بأن العلم مفتاح كل الحقائق، وبالإصلاح السياسي والاجتماعي، وبالديمقراطية، وبالتقدم المادي- رفضَ هذا الخليط المُحتفى به، مبكراً في حياته، بدون تردُّد. لقد آمن بالحرية الفردية، وبالتقدم أيضاً، ولكن بمعنى غريب يخصه وحده.التعليم بالنسبة له «ممارسة تعتمد على الحاجات الإنسانية وقانون التقدم الثابت للتعليم»، والذي فسّره بأنه المساواة المستمرة في المعرفة، المعرفة التي تنمو باستمرار لأنني أعرف بأن الطفل لا يعرف: بل أكثر من ذلك، يعرف كل جيل ما علّمهم إياه الجيل السابق، ولكنه لا يعرف ما سيفكر به الجيل التالي. المساواة بين الأستاذ والتلميذ؛ الرغبة بالمساواة بين الطرفين بحد ذاتها -بحسب تولستوي- منبع التقدم، التقدم بمعنى «تطور معرفة» ما هو الإنسان وما يجب أن يكون. (برلين).

لقد ازدرى الليبراليين والاشتراكيين، وازدرى بكراهية أكبر الأحزاب اليمينية في عصره. الأقرب إليه، كما أشير مراراً، روسو؛ ولقد أحبَّ واحترمَ آراء روسو أكثر من أي كاتب معاصر. ومثل روسو، رفضَ تعاليم الخطيئة الأصلية، وآمن بأنَّ الإنسان وُلد بريئاً، وفسد بسبب مؤسساته السيئة؛ بخاصة التعليم بين المتحضّرين. ومثل روسو أيضاً، لامَ المثقفين بشكل كبير على هذا الانحلال- المثقفين الذين اعتبروا أنفسهم نخبة الخبراء، شلّة المتثاقفين البعيدين عن الناس العاديين، الذين يُقصون أنفسهم عن الحياة الطبيعية. إنهم عفنون لأنهم فقدوا أبهى ما في البشر: القدرة على رؤية الحقيقة التي يولد كل الناس بها- الحقيقة الثابتة الأبدية، التي وحدهم الدجّالون والسفسطائيون يقدمونها على أنها متغيرة بحسب الظروف والزمان والمكان؛ الحقيقة التي يراها بشكل كليّ فقط بعيونهم البريئة أصحاب القلوب الطاهرة غير الفاسدة: الأطفال، والفلاحون، ومن لم يُعمِهم الغرور والكبرياء؛ أي البسطاء، والأخيار. التعليم، كما يفهمه الغرب، يُفسد البراءة. لذا يقاومه الأطفال بمرارة وبشكل غريزي، ويجب أن نجبرهم على ابتلاعه، ومثل كل أنواع الإكراه والعنف، يجرح الضحية وأحياناً يدمره بما لا يقبل الإصلاح. يسعى الإنسان نحو الحقيقة بطبيعته؛ لذا يجب أن يكون التعليم الحقيقي ممّا يمتصّه الأطفال والجَهَلة وغير المثقفين مباشرة وبشغف. ولكن لفهم ذلك، ولنكتشف كيفية تطبيق المعرفة، على المتعلمين أن يضعوا عَجرفتهم الفكرية جانباً، ويبدؤوا من جديد. يجب أن يُطهِّروا أذهانهم من النظريات والتشبيهات الخاطئة والزائفة التي تربط بين عالم الإنسان وعالم الحيوان، أو عالم الإنسان والأشياء الجامدة. فقط عندها سيقدرون على إعادة تأسيس العلاقة الشخصية مع غير المتعلمين- العلاقة التي لا يمكن إلا للمحبة والإنسانية أن تحرزها.

في العصور الحديثة، يبدو أن روسو وحده، وربما ديكنز، فهما ذلك. بالتأكيد لن يتحسّن وضع الناس أبداً حتى «يُعتقَ الناس»، أي العامة والأطفال، ليس فقط من قبل بيروقراطية القيصر، بل أيضاً من قبل «التقدميين»، كما يسميهم تولستوي، أولئك المثقفين المغرورين والمتعصبين. ولكن طالما المنظّرون المتحجّرون يفسدون التعليم، لن نأمل الكثير. حتى القسيس من الطراز القديم في القرية أقل ضرراً، بحسب تولستوي في واحدة من كرّاساته المبكرة. كان القسيس أخرق، وكسولاً، وأحمق، ويعرف القليل؛ ولكنه عامل طلبته ككائنات بشرية، ولم يتصرف كعالِم يختبر عينات في المخبر؛ وفعل ما بوسعه، وكان غالباً فاسداً، وعَجولاً، وظالماً، ولكن هذه خطايا بشرية طبيعية ولذلك لا تترك جروحاً دائمة، على العكس من خطايا المعلمين الحديثين أشباه-الآلات. 

وبمثل هذه الأفكار، ليس مفاجئاً أن نجد تولستوي أسعد بين الرجعيين السلافيين. لقد رفض أراءهم، ولكن على الأقل اعتقدَ أنهم يتواصلون مع الواقع- مع الأرض، والفلاحين، وطرق الحياة التقليدية. وآمنوا بأولوية القيم الروحية، وبعُقم محاولة تغيير الناس عن طريق تغيير الجوانب الأكثر سطحية في حيواتهم كما في الإصلاحات السياسية أو الدستورية. ولكن القوميين السلاف آمنوا أيضاً بالكنيسة الأرثوذكسية، وبالقَدَر التاريخي الفريد للشعب الروسي، وبقداسة التاريخ بوصفه تقدماً إلهياً منظّماً، وبتبرير الكثير من السخافات لأنها وطنية وعتيقة، كأنها أدوات في التكتيكات الإلهية؛ لقد عاشوا مسيحيين مخلصين مؤمنين بالجماعة العظيمة الصوفية -كمجتمع وكنيسة معاً- المشتركة لأجيال المؤمنين في الماضي والحاضر ولأولئك الذين لم يولدوا بعد. تولستوي المثقف أنكر كل هذا، وبحدّة عنيفة ردّ عليهم. لقد فهم بشكل جيد فقط النبلاء والفلاحين، والنبلاء أكثر؛ لقد تشارك بالكثير من اعتقاداته الغريزية مع جيرانه الريفيين؛ مثلهم، كان لديه نفورٌ طبيعي من كل أشكال ليبرالية الطبقة الوسطى: لا تكاد البورجوازية تظهر في رواياته. لم يختلف موقفه كثيراً بخصوص الديمقراطية البرلمانية، وحقوق المرأة، وحق الاقتراع العام عن كوبيه «Cobbett» أو كارلايل أو برودون أو د. ه. لورنس. كما اشترك مع السلاف القوميين في الشكوك العميقة بخصوص أية تعميمات علمية أو نظرية، وهذا ما خلق جسراً من العلاقات الشخصية الحميمية مع هؤلاء في موسكو. ولكن ثقافته لم تكن متفقةً مع قناعاته الغريزية. فكرياً انتمى إلى عائلة فلاسفة القرن الثامن عشر. مثلهم، رأى في الدولة والكنيسة الروسية البطريركية -التي دافع عنها القوميون السلاف- مؤامرة منظَّمة ومنافقة. ومثل مفكري التنوير العظماء، بحث عن القيم ليس في التاريخ، أو المهام المقدسة للأمم أو الثقافات أو الكنائس، بل في تجارب الأفراد الشخصية. ومثلهم، أيضاً، آمن بالحقائق والقيم المطلقة (وليس التي تتطور في التاريخ)، ورفض تماماً المفاهيم الرومانسية عن العرق أو الأمة أو الثقافة كفواعل خلّاقة، كما رفض بالحدّة نفسها المفهوم الهيغلي للتاريخ بوصفه التحقق الذاتي والاكتمال الذاتي للعقل مُجسَّداً في البشر أو الحركات أو المؤسسات (هذه الأفكار التي طبعت مُجايليه بقوة)- ورأى في هذه الأفكار طيلة حياته عبثاً ميتافيزيقياً غامضاً. 

هذه الواقعية الواضحة، الباردة، غير المساومة، موجودة بصراحة كاملة في ملاحظاته ومذكراته ورسائله المبكرة. انطباعات من عرفوه في طفولته أو أيام دراسته في جامعة قازان تؤكد ذلك. كانت شخصيته محافظة بعمق، بنكهة متقلّبة غير عقلانية؛ ولكنّ عقله بقي هادئاً، منطقياً، ثابتاً؛ وأكمل درب حُججه بسهولة وشجاعة مهما كانت نتائجها- وهذا مزيج روسي نموذجي، وأحياناً قتّال. رفضَ كلّ ما لا يُرضي حسه النقدي. ترك جامعة قازان لأنه اعتقد أن الأساتذة غير مؤهلين ويعالجون مواضيع تافهة. ومثل هيلفيتوسHelvetius؛ فيلسوف تنويري فرنسي. (المترجم). ورفاقه في منتصف القرن الثامن عشر شجبَ اللاهوت، والتاريخ، وتدريس اللغات الميتة- أي كامل المنهاج الكلاسيكي- بوصفها تجميعاً لمعلومات وقواعد لا يحتاجها أي شخص حصيف. أزعجته دراسة التاريخ بالذات بوصفها محاولةً منهجية لإجابة أسئلة غير موجودة على حساب الأسئلة الحقيقية: «التاريخ شخص أصم يجيب على أسئلة لم يطرحها أحد»، كما قال لأحد أصدقائه في الجامعة، عندما كانا معاقَبين معاً في غرفة صغيرة بسبب شغب صغير. أوّل طرح مُوسَّع لموقفه «الإيديولوجي» الكامل ظهر في ستينيات القرن التاسع عشر، عندما قرَّرَ نشر كتيّب عن التعليم. صبّ في هذا الكتيب كل مواقفه المسبقة وعنفوانه الفكري.  

سنة 1860، وجدَ تولستوي نفسه، وهو في الثانية والثلاثين، في واحدة من أزماته الأخلاقية الدوريّة. كان يتمتع ببعض الشهرة من كتاباته: امتدحَ النقادُ أقاصيص سيباستبول، الطفولة والصبا والشباب، وبعض القصص القصيرة. وكان صديقاً لبعض ألمع الكتاب في بلده: تورغينيف، نيكراسوف، غونتشاروف «Goncharov»، بانييف «Panaev»، بيسمسكي «Pisemsky»، فيت «Fet». أدهشت كتاباته الجميع بطزاجتها، وحِدّتها، وقوة الوصف الهائلة فيها، ودقة وأصالة صورها. انتُقِدَ أسلوبه أحياناً بوصفه غريباً بل وبربرياً؛ ولكنه كان أكثر كتّاب النثر موهبةً في جيله بالتأكيد؛ وله مستقبل؛ على أنّ الحلقات الأدبية تحفّظت عليه. كان يزور الصالونات الأدبية، اليمينية واليسارية (الانقسام السياسي كان دوماً موجوداً، وأصبح أكثر حدّة في بطرسبورغ وموسكو)، ولكنه لم يشعر بالراحة في أيّ منها. كان جريئاً، وواسع الخيال، ومستقلّاً. ولكنه لم يكن رجل الأدب، لم يكن مهتماً بشكل رئيس بمشاكل الأدب والكتابة، دع عنك مشاكل الكتّاب؛ لقد أتى من عالمٍ آخر، أقل ثقافةً، وأكثر أرستقراطيةً، وبدائيةً. لقد كان محباً للفنون بطبعه، ولكن هذا لم يكن جديداً: أشعار بوشكين ومعاصريه، التي لم يكن لها مثيل في تاريخ الأدب الروسي، أنتجها هواةٌ عباقرة. ولم تكن أصوله ما جعل أصدقاءه في الأوساط الأدبية متحفّظين في حضوره، بل عدم اكتراثه الواضح بالحياة الأدبية، أي عادات أو مشاكل الكتّاب والمحررين والصحفيين. يستطيع هذا الضابط الشاب، الذكي، العارف بالناس، أن يكون محبوباً للغاية؛ عشقه للكتابة أصيل وعميق جداً؛ ولكنه في التجمعات الأدبية منكمش على نفسه، مرتبك، ومُتعال؛ ولم يكن ليفتح قلبه في هذه البيئة المشبعة بالبوح الشخصي الحميمي غير المحدود. كان غامضاً، مُترفِّعاً، مُقلقاً، متعجرفاً، ومخيفاً بدرجة ما. وصحيحٌ أنه لم يعد يحيا حياة الضابط الأرستقراطي. لم تعد تغريه السهرات الجامحة التي اعتاد عليها الرجعيون الأغنياء ويكرهها ويحتقرها الراديكاليون الشباب. تزوّج واستقرّ، مع زوجةٍ يعشقها، بل أصبح زوجاً يُحتذى (وإن كان مثيراً للسخط أحياناً). ولكنه لم يخفِ احترامه لكل أشكال الحياة الحقيقية -سواء القوزاق الأحرار في أراضي القفقاس، أو الضباط الشباب في موسكو مع أحصنة السباق والألعاب والغجر- أكثر من عوالم الكتب، والمراجعات، والنُقّاد، والبحّاثة، والنقاشات السياسية، والكلام عن المُثُل، ووجهات النظر، والقيم الأدبية. أكثر من ذلك، كان معتدّاً برأيه، ميالاً إلى الخصومة، وفي بعض الأحيان وقحاً بشكل مفاجئ؛ وأصبح أصدقاؤه في عالم الأدب يعاملونه باحترام عصبيّ، وفي النهاية، ابتعدوا عنه؛ أو ربما، هو من تخلّى عنهم. باستثناء الشاعر فيت، الذي كان هو نفسه شخصية عجائبية محافظة، لم يكن لتولستوي صداقات حميمة في الوسط الأدبي من جيله. نزاعه مع تورغنينف مشهور. ولقد كان أبعدَ عن الطرف الآخر من العالم الأدبي،يقصد برلين الطرفَ الأدبي الأكثر راديكالية. (المترجم). أحب نيكراسوف أكثر مما أحب شعره؛ ولكن نيكراسوف كان محرراً عبقرياً ودعم بإعجاب شديد تولستوي منذ بدايات هذا الأخير. 

تلبّس الإحساسُ بالتباين بين الحياة والأدب تولستوي. وجعله يشكّ في موهبته الشخصية ككاتب. مثل بقية الكتّاب الشباب الروس من أصولٍ نبيلة وغنية، صدمه الوضع المزري للفلاحين. وبدا له مجرّد التنديد والتأمل وسيلةً لتجنب الفعل. يجب أن يفعل شيئاً، يجب أن يبدأ من مُلكيته الخاصة. مثل راديكاليي القرن الثامن عشر، آمن بأن الناس يولدون متساوين ثم تجعلهم الظروف التي يَنشؤون فيها غير متساوين. أسَّسَ مدرسة للأولاد في قريته؛ وبسبب عدم رضاه عن النظريات التعليمية الرائجة في روسيا، قرّر أن يسافر كي يدرس الأساليب الغربية في النظرية والممارسة. استمدّ الكثير من زياراته إلى إنكلترا، وفرنسا، وسويسرا، وبلجيكا، وألمانيا- بما فيها عنوان روايته الأعظم. ولكن حواراته مع أكثر السلطات الغربية تقدميةً في شؤون التعليم، ومراقبته لمناهجهم، أقنعته بأنها عديمة الجدوى في أحسن الأحوال؛ ومؤذية للأطفال في أسوأ الأحوال. لم تَطُل إقامته في إنكلترا ولم يلتفت إلى مدارسها «العتيقة». وجد التعليمَ في فرنسا ميكانيكياً بشكل كامل تقريباً، معتمداً الروتين والحفظ. الأسئلة الجاهزة، والتواريخ، على سبيل المثال، يُجاب عنها بكفاءة لأنهم يحفظونها عن ظهر قلب. ولكن الأطفال نفسهم، عندما يُسألون السؤال نفسه بطريقة مختلفة قليلاً، يعطون إجاباتٍ سخيفة، لأن معرفتهم لا تعني شيئاً. بدا له أن التلميذ الذي أجاب بأن قاتل هنري الرابع في فرنسا كان يوليوس قيصر نموذجياً: لم يفهم الطفل المعلومات التي لقّنوه إياها ولم يكترث لها، كل ما كسبه ذاكرة ميكانيكية. 

ولكن الوطن الحقيقي للتنظير كان ألمانيا. الصفحات التي خصصها تولستوي لوصف التعليم والمعلمين الألمان تستبق الصفحات الشهيرة من روايته الحرب والسلم، التي يسخر فيها من الخبراء المحترمين في حقول أخرى- الخبراء الاستراتيجيين الألمان في الجيش الروسي- والذين يصورّهم كدمى طنانة مسلية. 

في جريدة ياسنايا بوليبنا «Yasnaya Polypna»، التي أصدرها بنفسه في عامي 1861-1862، يتحدّث عن زياراته التعليمية إلى الغرب، ويُعطي مثالاً مسلياً للغاية، وتقشعرّ له الأبدان، لأحدث الطرق لتعليم الأبجدية، التي يستخدمها مختصّ ألماني. ثم يصف الأستاذ المتحذلق، الواثق من نفسه بغرور، يدخل الغرفة، ويهز رأسه سعيداً برؤية الأطفال مُسمَّرين إلى مقاعدهم، مطيعين مسحوقين، بصمت مطبق، كما تنص القواعد الألمانية. «نظر حوله في القاعة، وعرفَ بالطبع ما الذي يجب أن يدرسوه؛ وعرف أيضاً مما تُصنَع أرواح الأولاد، وأشياء أخرى كثيرة علّموه إياها في النظريات». كان مُسلّحاً بأحدث الكتب التربوية وأكثرها تقدماً، الكتاب الذي يدُعى داس فيتشوش «Dos Fischhuch». ويحتوي على صورٍ للأسماك. 

«ما هذا، أيها الأطفال الأعزاء؟». «إنها سمكة»، يجيب ألمعُ الأطفال. «كلا!»، ولم يقنع إلى أن يجيبه أحد الأطفال أنَّ ما يراه ليس سمكةً، بل كتاباً. هذا أفضل. «وماذا يحتوي الكتاب؟». «حروفاً»، سيُجيبه أجرأ الأطفال. «لا، لا»، يقول الأستاذ بحزن، «يجب عليك فعلاً أن تفكر فيما تقول». عند هذه النقطة، يفقد الأطفال الأمل، فهم لا يملكون أية فكرة عمّا يجب قوله. لديهم شعورٌ مشوّشٌ وصحيحٌ تماماً بأنه يريدهم أن يقولوا شيئاً تافهاً -أي أن السمكة ليست سمكة- ومهما كان ذلك الذي يريدهم أن يقولوه، لن يفكروا فيه. تبدأ أفكارهم بالتشتت. ثم يتساءلون (وهنا أسلوب تولستوي) عن سبب ارتدائه النظارات، والنظر خلالها بدلاً من خلعها والنظر بشكل طبيعي، وغير ذلك. يحثّهم الأستاذ على التركيز، يَستعجلهم ويُعذّبهم إلى أن يقولوا بأن ما يرونه ليس سمكةً، بل صورة، وبعد المزيد من التعذيب، أن هذه الصورة تُمثّل سمكةً. لو كان هذا ما يريده منهم، ألم يكن من الأفضل -يسأل تولستوي- أن يُجبرهم على حفظه بدلاً من حفلة التعذيب هذه بالطريقة السمكية، التي تُشوِّشهم كي يفكروا بشكل «خلّاق»، وتجعلهم أغبياء تماماً؟

يعرف الأطفال الأذكياء حقاً بأن أجوبتهم خاطئة دوماً؛ ولكنهم لا يعرفون السبب، بل فقط أنها ستكون خاطئة؛ أما الأغبياء، الذين يجيبون أحياناً بشكل صحيح، فلا يعرفون سبب امتداحهم. كل ما يتوصل إليه النظام التعليمي الألماني هو أن يضحي بالمادة البشرية الميتة -أو بالأحرى الحية- في بطن آلةٍ ميكانيكية بشعة اخترعها حمقى متعصّبون يظنّون أنهم يطبقون الأساليب العلمية في التربية. يؤكد لنا تولستوي أن هذا المشهد ليس مبالغة (ولم أقدم هنا إلا جزءاً منه) بل دقيقاً وقد رآه بنفسه في المدارس الألمانية المتقدمة وفي «المدارس الإنكليزية المحظوظة لحصولها على أساليب التعليم الرائعة هذه».

ناقماً وبدون أوهام، عاد تولستوي إلى ضيعته في روسيا ليبدأ بتدريس الأطفال بنفسه. بنى المدارس، وتابع دراساته في الموضوع رافضاً تلك المناهج، ونشر مقالاتٍ في الدوريات حول الأمر، واخترع أساليب جديدة لتعليم الجغرافيا، وعلم الحيوان، والفيزياء؛ كما ألّفَ كُرّاسة في تعليم الحساب، بدون قسر الطلاب، متجنّباً خصوصاً تلك الأساليب التي تجبرهم على حفظ الحقائق والتواريخ والأشكال. باختصار، تصرّفَ كصاحب ضيعة أصيل، متنوّر، فعّال، ذي آراء واضحة، شاذ قليلاً، من القرن الثامن عشر متأثراً بأفكار روسو وآب مابلي «abbe Mably». ملأت نظرياته وتجاربه مجلّدين كبيرين صدرا قبل تحوله الثوري. وما زالا مثيرين للقراءة، على الأقل بسبب وصف الحياة الريفية فيهما، خصوصاً الأطفال، بشكل كوميدي وغنائي، وأراها من أفضل ما كتبه. نُشرا في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، عندما كان في ذروة طاقته الإبداعية. وقد تُنسى بسهولة دوافعه التربوية للكتابة، عند قراءة الوصف الساحر للنماذج المتعددة والمتقاطعة والمثيرة لأطفال القرية بمشاعرهم وأفكارهم المميزة لكل فرد، وللدقة التي يسجل فيها كلامهم وسلوكهم، والطبيعة حولهم. جنباً إلى جنب مع هذه الرؤية للتجربة البشرية، نجد التعاليم الواضحة والصارمة للتنوير العقلاني من القرن الثامن عشر، بدون أن تختلط مع وصف الحياة، بل تُرمى عليها من فوق، كإطار النافذة المتماثل النموذجي، غير الموصول مع العالم الذي تُفتَح عليه، ومع ذلك يحقق وحدة فنية وفكرية وهمية من نوع ما، تعود إلى العبقرية الحيوية والتركيبية لأسلوب الكتابة نفسه. هذا أحد أقوى النماذج الكتابية في تاريخ الأدب. 

الأعداء دائماً أنفسهم: الخبراء، المحترفون، أولئك الذين يدَّعون أن لهم سلطة على غيرهم. وتُشكِّلُ الجامعات وأساتذتها أهدافاً متكررة للهجوم. ونجد إشارات مبكرة لهذا الهجوم في رواية السيرة الذاتية الشباب. وهناك ما يذكّرنا بالقرن الثامن عشر، بفولتير وبنثام، في الوصف المثير للإزعاج للأساتذة الكسالى البليدين والتلاميذ الضَجِرين واليائسين في روسيا. ولكن النبرة غير معتادة في القرن الثامن عشر: جافة، ساخرة، تعليمية، لاذعة، مسلية ومدمّرة في الوقت نفسه؛ وكل ذلك يقوم على التنافر بين البساطة المتناغمة في الطبيعة والتعقيدات المدمرة ذاتياً التي تُنتجها حماقة الناس أو خبثهم- أولئك الذين يشعر الكاتب بأنه قصيٌّ عنهم، ولا يحاول فهمهم، ويسخر منهم من بعيد. 

ومثل روسو وكَنط والمؤمنَين بقانون الطبيعة، كان تولستوي مقتنعاً بأن للبشر حاجات أساسية مادية وروحية، في كل الأماكن والأوقات. ولو تحققت لهم، سيعيشون حياة متّسقة، وهي ما تصبو إليه طبيعتهم. القيم الأخلاقية، والجمالية، وغيرها من القيم الروحية، أبدية، وتناغم الإنسان الداخلي يعتمد على علاقته الصحيحة بها. أكثر من ذلك، دافع طيلة حياته عن الرأي القائل- هذا الرأي لا يجسّده أدبه- بأن الناس أكثر تناغماً مع أنفسهم في الطفولة من حياتهم البالغة التي أفسدها التعليم؛ وأن البسطاء (الفلاحين، والقوزاق، وغيرهم) يملكون موقفاً أكثر «طبيعية» اتجاه القيم الأساسية من المتحضّرين؛ وأنهم أحرار ومستقلون بمعنى لا تجده عند المتحضرين. لأن المجتمعات القروية (وقد كرر هذه النقطة مراراً) تشبع حاجاتها المادية والروحية من خلال مواردها الخاصة، على شرط ألا يُسرَقوا أو يُستعبَدوا من طرف المضطهِدين والمستغِلّين؛ أما المتحضرون فيحتاجون إلى عمل غيرهم: الخدم، والعبيد، والجماهير المضطهَدة، ممن يُطلق عليه بسخرية «التابعين»، لأن أسيادهم يتبعونهم كي يحيوا على حسابهم. الأسياد يتطفلون عليهم: وهم منحطون ليس فقط لأنهما يستعبِدون ويستغلون غيرهم -وبالتالي ينكرون القيم الموضوعية كالعدالة والمساواة والكرامة البشرية والمحبة، القيم التي يسعى البشر لتحقيقها لأنهم لا يستطيعون إلا أن يتابعوا هذا المسعى، لأنهم بشر- بل لأن الحياة المُعتمِدة على النهب وأعمال الغير تعني العجز عن الاعتماد الذاتي، وخيانة المشاعر والميول «الطبيعية»، مما يؤدي إلى تلف الإنسان أخلاقياً، وتحويله إلى فاسد وشرير، وهذا هو الأهم بالنسبة له. المُثُل البشرية تتجلى في مجتمع حر متساوٍ، يعيش الناس فيه ويفكرون على ضوء الحقيقة، وبالتالي لا يتنازعون فيما بينهم. وهذا نموذج- بسيطٌ جداً- من تعاليم قانون الطبيعية الكلاسيكي، سواء كان لاهوتياً أو علمانياً، ليبرالياً أو فوضوياً. وقد التزم به تولستوي طيلة حياته، في مرحلته «العلمانية» كما في مرحلته «الدينية» بعد «الاهتداء». قصصه المبكرة تعبّر عن ذلك بوضوح شديد. لوكاشكا والعم يروشكا متفوقون أخلاقياً، وأكثر سعادةً وتناغماً جمالياً من أولينين في رواية القوزاق، وأولينين يدرك ذلك؛ في الحقيقة، هذا قلبُ الرواية. بيير في الحرب والسلم وليفين في آنا كارنينا يستشعرون ذلك عند الفلاحين والجنود البسطاء؛ كذلك نيخليودوف في قصة يقظة المالك. تزايدت هذه القناعة مع تقدّمه في السنّ، حتى غطّت على كل ما عداها: لا يمكن فهم البعث وموت إيفان إيليتش إلا من خلالها. 

تمحورَ تفكيرُ تولستوي النقدي عند هذه الفكرة المركزية: التنافر بين الطبيعة والزيف، بين الحقيقة والتلفيق. على سبيل المثال، عندما شرح شروط الفن العظيم (في مقدمته لترجمة أعمال موباسان إلى الروسية)، طالبَ أن يملك الكاتب ما يكفي من الموهبة أولاً؛ وثانياً أن يكون الموضوع مهماً أخلاقياً؛ وأخيراً أن يحب الكُتّابُ (ما يستحق الحب) ويكرهوا (ما يستحق الكراهية) فيما يصفونه- أن يلتزموا، ويحافظوا على البصيرة الأخلاقية المباشرة للأطفال لا أن يشوهوا طبائعهم بالادعاء، والتظاهر بالعمق، والوهم الدائم بعدم الانحياز وبالموضوعية، أو، الأسوأ بحسب تولستوي، التزييف المتعمّد للقيم «الطبيعية». ليست الموهبة متساوية بين جميع الناس؛ ولكن يستطيع أيّ كان، لو حاول، أن يكتشف الخصال الأبدية الثابتة: الخير والشر، المهم والتافه. فقط النظريات الخاطئة والمُزيفة تخدع الناس والكُتّاب، وتُشوّه حيواتهم ومقدراتهم الإبداعية. وقد طبّق تولستوي معياره هذا بشكل حرفي، وتقريباً ميكانيكي. نيكراسوف، بحسب تولستوي، يطرح مواضيع شديدة الأهمية، وبارعٌ بشكل مذهل في الكتابة؛ ولكن يبقى موقفه من عذابات الفلاحين والمُثُل المهزومة بارداً وغير حقيقي. مواضيع دوستويفسكي جديةٌ تماماً، واهتمامه أصيل وعميق؛ ولكن الشرط الأول غير متحقق عنده: كتاباته غير مركّزة وتكرر نفسها؛ هو لا يعرف كيفية قول الحقيقة ثم التوقف بعدها. أما تورغينيف فكاتبٌ ممتاز ويمتلك تلك العلاقة الحقيقية الدقيقة أخلاقياً مع شخصياته؛ ولكنه يفشل في الشرط الثاني: شخصياته مقيّدة وتافهة، ولا يمكن أن تعوّض مقدراته هذا الأمر. يحدّد المضمونُ الشكلَ، والعكس لا يصحّ أبداً؛ وإذا كان المضمون ضئيلاً أو تافهاً، لا شيء سينقذ الكاتب. أن يؤمن المرء بالنقيض، أي بأولوية الشكل، يعني أن نضحّي بالحقيقة، وندمّر كل عمل إبداعي. لا يوجد في كل معجم تولستوي النقدي ما هو أقسى من كلمة «مصطَنع»، التي تعني أن الكاتب لم يختبر أو يتخيل بشكل حقيقي ما يكتبه، بل فقط «ركّبه» و«اصطنعه».

يعتقد تولستوي أيضاً أن موباسان، الذي يقدّر مواهبه العظيمة، يخون موهبته بالضبط بسبب ذلك النوع من النظريات الخاطئة والسوقية؛ ولكنه مع ذلك، يبقى كاتباً جيداً، لأنه حتى عندما يريد أن يلعن الفضيلة، لا يستطيع إلا أن يدرك الخير؛ وإدراكه هذا يجذبه نحوه، ويجبره أن يعمل ضد إرادته الخاصة، بالضبط كبلعام.بلعام، قصة من العهد القديم، يحاول فيها أحد الملوك أن يغري بلعام بأن يلعن شعبه، ويوافق بلعام، ولكنه في كل مرة يحاول أن يتلفظ بكلمات اللعنة، يتلفظ بمباركة الشعب بدلاً منها. (المترجم). الموهبة بصيرة، تكشف الحقيقة، والحقيقة موضوعية وأبدية. وأن نرى الحقيقة عن الطبيعة أو السلوك البشري، بشكل مباشر وحيوي كما لا يراها إلّا العباقرة (أو البسطاء والأطفال)، ثم ننكرها أو نتلاعب بها بدم بارد، مهما كان السبب، فهذا أمرٌ وحشي وغير طبيعي، وأعراضُ مرضٍ فظيع.  

من الممكن اكتشاف الحقيقة: والسير على دربها يعني أن نكون أخياراً، مطمئنين داخلياً، ومتناغمين مع أنفسنا. مع ذلك، من الجلي أن مجتمعنا ليس متناغماً ولا مكوّناً من أفرادٍ متناغمين داخلياً. تتعارض مصالح الأقلية المثقفة -الذين يدعوهم تولستوي أساتذة الجامعة، والبارونات، وأصحاب البنوك- مع الأكثرية -الفلاحين والفقراء؛ وكل طرف لا يبالي بقيم الطرف الآخر، أو يسخر منها. حتى أمثال أولينين، بيير، نيخليودوف، وليفينأبطال روايات تولستوي. (المترجم). يُدركون زيف قيم أساتذة الجامعة، والبارونات، وأصحاب البنوك، والتردّي الأخلاقي الذي يعيشون فيه نتيجة التعليم الذي تلقّوه. حتى أولئك النادمون بحق، على الرغم مما يدعيه القوميون السلاف، لن يستطيعوا «الاندماج» مع الجماهير. هل هم فاسدون تماماً حتى يعجزوا عن استرجاع براءتهم؟ هل حالتهم ميؤوس منها؟ أم هل اكتسب المتحضّرون (أو اكتشفوا) قيماً حقيقية تخصهم، لا يعرفها البرابرة والأطفال، ولكن لن يفقدها أو ينساها المتحضّرون، حتى لو، بطريقةٍ ما مستحيلة، نجحوا في تحويل أنفسهم إلى فلاحين أو قوزاق سعداء؟ هذه واحد من مشاكل تولستوي المركزية التي عذّبته كثيراً، والتي عاد إليها مراراً وتكراراً، وأعطاها إجاباتٍ متنافرةً. 

يدرك تولستوي جيداً أنه ينتمي إلى أقلية البارونات وأصحاب البنوك وأساتذة الجامعة. ويعرف أعراض مرضه تماماً. على سبيل المثال، لا يستطيع أن ينكر عشقه لموسيقا موزارت أو شوبان، ولأشعار توتشيف أو بوشكين، لثمار الحضارة. هو يحتاج الكلمة المطبوعة والمعدات الدقيقة لتلك الثقافة التي عاش لها أولئك الناس وخلقوا أعمالهم من خلالها، ولا يستطيع العيش بدونها. ولكن، ما فائدة بوشكين لأطفال القرية، طالما لا يفهمون كلماته؟ ما الفوائد الفعلية التي جلبتها الطباعة للفلاحين؟ يُقال لنا -كما يلاحظ تولستوي- إن الكتب تُعلّم المجتمعات («أي تجعلهم أكثر فساداً»)، وإنها ساعدت على تحرير الأقنان في روسيا. ينكر تولستوي ذلك: كانت الحكومة لتفعل ذلك بدون الكتب والمناشير. يتمتع تولستوي بمسرحية بوشكين بوريس غودونوف وحده، ولكنها لا تعني شيئاً للفلاحين. انتصارات الحضارة؟ يخبره التلغراف عن صحة أخته، وأوضاع الملك أوتو الأول في اليونان، ولكن ما منافع هذه الرسائل؟ ومع ذلك، هم من يدفعون ثمن كل ذلك، ويعرفون هذا جيداً. عندما يقتل الفلاحون الأطباءَ في «أعمال شغب الكوليرا»، يعتبرونهم المسؤولين عن تسميمهم، وهذا خطأ بلا شك، ولكن هذه الجرائم ليست مصادفةً: الغريزة التي تخبر الفلاحين بحقيقة المُضطهِدين صادقة، والأطباء ينتمون إلى تلك الطبقة. عندما عزفت واندا لاندوفسكاWanda Landowska: عازفة بولندية شهيرة. (المترجم). للفلاحين في قرية ياسنايا بولياناقرية تولستوي. (المترجم). لم يستجب الجمهور. مع ذلك، هل يمكن الشك في أن الحيوات المكسورة للبسطاء تتفوق بما لا يُقاس على الحيوات المغلفة والمعذَّبة للمتعلّمين الأغنياء؟

أكَّدَ تولستوي منذ كتيّباته التعليمية المبكرة، بأن العامة تتمتع بالاكتفاء الذاتي ليس فقط مادياً، بل روحياً أيضاً: الأغاني الشعبية، الإلياذة، الإنجيل، كلها تنبع من الناس أنفسهم، ولذلك يفهمها الناس في كل مكان: أما سيلتنتيوم «Siltntium» لتوتشيف أو دون جيوفاني، أو السيمفونية التاسعة، فليست كذلك. لو كان هناك مُثُل للإنسان، فهي لا تقبع في المستقبل، بل في الماضي. كان يا ما كان، كان هناك جنة عدن عاشت فيها الأرواح البريئة للبشر كما يخبرنا الإنجيل وروسو، قبل السقوط، والفساد، والعذاب، والزيف. وقد كرَّرَ تولستوي كثيراً أن العمى وحده يجعل التقدميين -الليبراليين والاشتراكيين-يؤمنون بأن العصر الذهبي قادمٌ، وأن التاريخ قصة تقدّم، والتقدم المادي في العلوم الطبيعية أو المهارات المادية ستتقاطع مع التقدم الأخلاقي الحقيقي. الحقيقة عكس ذلك. 

الأطفال أقرب إلى التناغم المثالي من البالغين، والفلاحون البسطاء من النخبة المتحضرة الممزقة، «المغتربة»، التائهة أخلاقياً وروحياً، تلك الطفيليات ذاتية التدمير. من هذه التعاليم ينبع مذهب تولستوي المضاد للفردانية بوضوح، وبالخصوص تشخيصه لمصدر فساد وتشتت الميول البشرية الطبيعية في إرادة الفرد، ومنه أيضاً قناعته (المستمدة بشكل كبير من مذهب شوبنهاور في أن الإرادة مصدر الإحباط) بأن التخطيط، والتنظيم، والاعتماد على العلم في محاولة خلق نماذج عقلانية للحياة متناغمة مع النظريات العقلانية، يسير عكس تيار الطبيعة، ويعني أن نُغلق أعيننا عن الحقائق داخلنا، أن نشوه الحقيقة كي تناسب التخطيطات المصطنعة، وأن نعذّب البشر كي يعيشوا بحسب الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعارض طبائعهم بشدة. والوجه الأخر لكل ذلك ينبع من هنا أيضاً: إيمان تولستوي بأن الأمور تتجه ليس نحو الحتمي فقط، بل نحو الخير بشكل موضوعي فطري، وبرعاية إلهية، ولذلك يجب أن نخضع لها: إيمانه بالتسليم للقدر. 

هذا وجهٌ واحدٌ من تعاليمه؛ الأشهر، والأكثر مركزية في الحركة التولتسوية، ويظهر في كافة أعماله الإبداعية والنقدية والتعليمية، منذ رواية القوزاق إلى السعادة العائلية وصولاً إلى آخر كرّاساته الدينية. وهذا ما أدانه الليبراليون والماركسيون. وبهذه الرؤية توصَّلَ تولستوي إلى أن الإيمان بأن الشخصيات العظيمة تُحرِّكُ التاريخ جزءٌ من جنون العظمة الكبير وخداع الذات؛ حبكات رواياته مُصمَّمة لتظهر لنا تفاهة نابليون والقيصر ألكسندر، أو المجتمع البيروقراطي والأرستقراطي في آنا كارنينا، أو القضاة والشخصيات الرسمية في البعث؛ أو سُخف الفلاسفة والمؤرخين الذين يشرحون الأحداث عن طريق «سلطة» العظماء أو «تأثير» الكتّاب والخطباء والكهنة؛ هذه التجريدات، بحسب تولستوي، لا تشرح شيئاً، وأكثر غموضاً من الوقائع التي تحاول شرحها. لقد اعتقدَ بأننا لا يمكن أن نبدأ بفهم هذه الأمور بهذه الطريقة، وبالتالي تحليل السلطة، والقوة، والتأثير، والسيطرة. التفاسير التي لا تفسّر، بحسب تولستوي، أعراض لعقل تخريبي ومنتفخ-ذاتياً، يؤدي إلى أفكار خاطئة تدمر البراءة وتفسد الحياة. 

هذا التيار، الذي ألهمه تولستوي وحضر في الرومانسية المبكرة، أدى إلى ظهور البدائية في الفن والحياة، وليس في روسيا وحدها. اعتقدَ تولستوي أنه يستطيع مع رفاقه الوصول إلى الحقيقة عن طريق مراقبة البسطاء، ودراسة الأناجيل. 

التيار الآخر الذي اتبعه تولستوي يُناقض مباشرةً التيار السابق. يقول ميخايلوفسكي، محقاً، إن أولينين لا يستطيع، مهما كان مسحورا بالقوزاق -خصوصاً إديل- أن يحوّل نفسه إلى لوكاشكا، أو أن يعود إلى تناغم الطفولة، التي خسرها منذ زمن طويل. يعرف ليفين أنه لو حاول أن يصبح فلاحاً سيكون مزيفاً، والفلاحون أول من سيدرك ذلك ويهزؤون به؛ كما يعرف هو وبيير ونيكولاي روستوفأبطال روايات تولستوي. (المترجم). بشكل غائم أنهم يملكون شيئاً لا يملكه الفلاحون ويجب أن يعطوه لهم. يخبر تولستوي القارئَ المتعلّمَ بأن الفلاحَ: 

«يحتاج ما أعطتك إياه الحياة بعد عشرة أجيال من الراحة من العمل المجهِد. أنت تملك الرفاهية للبحث، والتفكير، والمعاناة- أعط الثمرة لمن عانيتَ لأجله، إذ هو يحتاجها… لا ترمِ في الأرض الموهبة التي حباك إياها التاريخ…»

إذن، ليس ضرورياً أن تكون الرفاهية خراباً فقط. يمكن للتقدُّم أن يأتي: يمكننا التعلم من الماضي، على العكس من أولئك الذين عاشوا ذلك الماضي. من الصحيح أننا نعيش في عالمٍ ظالم. ولكن هذا بحد ذاته يخلق واجبات مباشرة. على أعضاء النخبة المتحضّرة، المنفصلين بشكل مأساوي عن جماهير الشعب، أن يحاولوا إعادة-خلق الإنسانية المكسورة، وإيقاف الاستغلال، وتقديم ما يحتاج إليه الناس- التعليم، والمعرفة، والمساعدة المادية، للوصول إلى حياة أفضل. وكما لاحظ ميخايلوفسكي، يتابع ليفين في آنا كارنينا دربَ نيكولاي روستوف في الحرب والسلم. لا يسلّمان بالقدر، ومع ذلك ما يقومان به صحيح. برأي تولستوي، تحريرُ الفلاحين كان عملاً جيداً من طرف الحكومة، على الرغم من أنه لم يكن كافياً، والآن أصبح ضرورياً تعليمُ الفلاحين القراءة والكتابة ومبادئ الحساب -وهذا ما لا يستطيعون القيام به بأنفسهم- من أجل أن يستخدموا قدراتهم الخاصة بعد أن تحرروا. لا أستطيع أن أمتزجَ بجماهير الفلاحين؛ ولكنني على الأقل أستطيع استخدام ثمار الرفاهية غير العادلة التي حصلتُ عليها أنا وأجدادي -العلم، والمعرفة، والمهارات- كي أُساعد أولئك الذين سرقنا ثمرات عملهم. 

هذه هي الموهبة التي لا يجوز دفنها. يجب عليَّ السعي نحو مجتمع عادل تتحقق فيه المعايير الموضوعية التي يراها ويقبلها كل البشر -باستثناء الفاسدين الميؤوس منهم- حتى لو لم يعيشوا وفقاً لها. يراها البسطاء بشكل أوضح، والمثقفون بشكل غائم، ولكن سيراها كل البشر لو حاولوا؛ في الحقيقة، المقدرة على رؤيتها تشكل جزءاً من بشريّتنا. عندما يُرتكب الظلم، علينا مواجهته؛ والفنانون كغيرهم مُلزمون بهذه المواجهة. القدرة على رؤية الحقيقة- الفردية والجمعية، المادية والروحية- وتقديمها للقارئ بشكل لا مهرب منه هي ما يجعل الكتاب الجيدين جيدين. على سبيل المثال، يعتقد تولستوي أن هذا ما يفعله موباسان، رغماً عنه وعن مغالطاته الجمالية. ويمكن لهذا الفرنسي، لأنه إنسان فاسد، أن ينحاز إلى الشر على حساب الخير، وأن يكتب بتعاطف أكبر مع زير نساء باريسي تافه من تعاطفه مع ضحاياه. ولكن بما أنه يكتب بصدق كافٍ وأصيل -ولا يستطيع الموهوبون إلا أن يكتبوا بهذه الطريقة- سيواجه القارئُ الأسئلةَ الأخلاقية الأساسية، سواءٌ أراد الكاتب ذلك أم لم يرده، الأسئلة التي لا يستطيع القارئ الهرب منها ولا الإجابة عنها إلا بفحص ذاته بشكل قاسٍ ومؤلم. 

بحسب تولستوي، هذا يفتح بوابة البعث، وهو دور الفن الحقيقي. الموهبة تعني إطاعة الحاجة الجوّانية: وتحقيقها هدف الفنان وواجبه. لا شيء أكثر خطلاً من الادعاء بأن الفنان بائع، أو حِرَفيّ، يقتصر دوره على خلق أشياء جميلة، كما آمن فلوبير، أو رينان، أو موباسان.يسخط تولستوي على مقولة موباسان الشهيرة (والتي يقتبسها) بأن عمل الفنان «ليس أن يسلّي، أو يُرضي، أو يُدهش، أو يحرّك المشاعر، أو يجعل القارئ يحلم، أو يفكر، أو يبتسم، أو يبكي، أو يقشعرّ؛ بل أن ينتج أشياء جميلة سترضي ذائقة بعض العقول المختارة». (برلين). يوجد هدف بشريّ وحيد، يُلزم الكل بشكل متساوٍ: المُلّاك، والأطباء، والبارونات، وأساتذة الجامعة، وأصحاب البنوك، والفلاحين؛ إنه قول الحقيقية، والعيش طبقاً لها، أي أن نكون أخياراً، ونحثّ الآخرين على ذلك. حقائق من قبيل أنّ الله موجود، والإلياذة رائعةٌ أدبية، ولكل إنسان الحق بحياة حرة وبالمساواة بين الجميع، أبديةٌ ومطلقة. لذا يجب أن نقنع الناس بأن يقرأوا الإلياذة وليس الروايات الفرنسية الإباحية، وأن نعمل من أجل مجتمع متساوٍ وليس وراثة أوتوقراطية أو سياسية. القمع شرّ؛ أدرك الناس هذا على مرّ العصور؛ لذا يجب أن يسعوا إلى عالم بدون حروب، بدون سجون، بدون إعدامات، مهما كانت الظروف والأسباب؛ يجب أن يسعوا إلى مجتمع تتحقق فيه الحرية الفردية إلى أقصى ما يمكن. بأساليبه الخاصة توصَّلَ تولستوي إلى برنامج للفوضوية المسيحية، الذي يشارك الكثير من نقاطه مع الشعبويين الروس، باستثناء إيمانهم بالتعاليم الاشتراكية، والعلم، والعنف. الآن، يبدو أن ما يدعو إليه هو برنامج تغيير، وليس التسليم بالقدر؛ وهذا البرنامج أساس الإصلاح التربوي الذي عَمِل له. لقد جاهدَ من أجل اكتشاف الحقائق المطلقة وجمعها ونشرها؛ ولإيقاظ الاهتمامات العفوية، والمخيّلة، والمحبة، والفضول عند الأطفال والبسطاء؛ وفوق كل شيء، لتحرير القوى «الطبيعية» الأخلاقية، والعاطفية، والفكرية، التي لم يشك لحظة -كما لم يشك روسو- في أنها ستجلب التناغم بين الناس وفي دواخلهم، على أن نتخلص من كل ما يمكن أن يشوهها أو يُزيّفها أو يقتلها. 

هذا البرنامج، القائم على التطوير الذاتي الحرّ لكافة المَلَكات الإنسانية، يعتمد على افتراض واحد كبير: يوجد على الأقل درب واحد لتطوير هذه المَلَكات بدون أن تتناقض فيما بينها، وبدون أن تتطور بشكل غير متناسب. دربٌ أكيد للتناغم الكلي حيث كل شيء في مكانه الصحيح؛ مع المقدمة القائلة بأن معرفة الطبيعة البشرية يمكن الوصول إليها عن طريق الدراسة أو التأمل الداخلي أو الحدس الأخلاقي أو البحث في إنجازات وكتابات أفضل الناس وأَحكمهم في كل العصور؛ هذه المعرفة ستدلّنا على الدرب. هذا ليس المكان المناسب لمناقشة اتّساق هذه الفكرة مع التعاليم الدينية القديمة أو مع علم النفس الحديث. ما أريد التأكيد عليه، قبل كل شيء، أن هذا برنامج للتغيير، للحرب على القيم الاجتماعية القائمة، على طغيان الدول، والمجتمعات، والكنائس، على الوحشية، والظلم، والغباء، والنفاق، والضعف، وفوق كل شيء على العمى الأخلاقي والغرور. الشخص الذي يخوض هذه الحرب بحق سيُكفّر عن ذنوب الاستغلال والمتعة، وعن استفادته من كونه ابناً للصوص والمضطهِدين. 

هذا ما آمنَ به تولستوي، وبشّرَ به، ومارسه. «اهتداؤه» غيّرَ وجهات نظره عن الخير والشر. ولكنه لم يوقظ إيمانه بضرورة التغيير. إيمانه بالمبادئ ذاتها لم يتذبذب أبداً. العدو فاجأه من جهة أخرى: حسه الواقعي لم يرحمه، والشكوك بقيت تعذبه: كيف يمكن ترجمة هذه المبادئ -الصحيحة كلياً- على أرض الواقع. حتى لو كنتُ أنا أؤمن بأن بعض الأمور جميلة وخيّرة، وغيرها قبيحة وشريرة، ما الحق الذي أملكه أنا لإقناع غيري بما أراه؟ خاصةً، عندما لا أستطيع أن أوقف نفسي عن محبة شوبان أو موباسان، فيما هؤلاء الأفضل مني بكثير -الأطفال والفلاحون- لا يحبونهم؟ هل أملك الحق، وأنا سليل كائنات متحضّرة لم تعش وفقاً للطبيعة، في أن نقذ أرواح الآخرين؟

محاولة التأثير بالآخرين تقتضي الدخول في مغامرة أخلاقية مريبة. وهذا واضحٌ عندما يتلاعب شخصٌ بغيره. ولكنها من حيث المبدأ تنطبق على التعليم. كل المربّين يسعون إلى تشكيل عقول وحيوات تلامذتهم بطريقة محددة ووفق نموذج مُعطى. ولكن لو كنا نحن أنفسنا -المثقفون أعضاء المجتمع الفاسد بعمق- تعساء، غير متّسقين، متشتتين، ما الذي سنفعله سوى أن نفسد الأطفال الأصحاء ونحوّلهم إلى مشلولين على شاكلتنا؟ نحن على ما نحن عليه، ولا يمكننا إلا أن نحب أشعار بوشكين وموسيقا شوبان؛ ولقد اكتشفنا أن الأطفال والفلاحين يجدونهُما غير مفهومَين أو مضجِرَين. ما الذي يمكننا فعله؟ سنصرّ أننا «سنعلّمهم» حتى يظهر لنا أنهم يستمتعون بهذه الأعمال، أو على الأقل، سيفهمون سبب محبتنا لها. نحن نحب أعمال موزارت وشوبان فقط لأن موزارت وشوبان أنفسهما أبناء ثقافتنا المنحطّة، ولذلك تتجاوب عقولنا المريضة معهما؛ ولكن ما الحق الذي نملك كي نُعدي الآخرين، ونجعلهم فاسدين مثلنا؟ نحن نعرف عيوب أنظمتنا. نحن نعرف جيداً كيف تُدمَّر شخصية الإنسان عن طريق الإصرار البروتستانتي على الطاعة، والإصرار الكاثوليكي على التقليد، والتربية الروسية على المصلحة الذاتية وأهمية المركز الاجتماعي، بحسب تولستوي. أليست تزكية هذه الأنظمة التعليمية -كالتي اخترعها بيستالوتزي «Pestalozzi»، أو طرائق لانشستر، والتي تعكس حضارة هؤلاء، وبالتالي شخصياتهم المنحرفة- بوصفها بالضرورة متفوقة، أو أقل تدميراً من تلك التي ننكرها مباشرة وبعدل، أي الفرنسية السطحية والألمانية التافهة والمتعجرفة؟

كيف يمكن تجنّب كل ذلك؟ يكرر تولستوي الدرس من كتاب روسو إميل. الطبيعة: وحدها الطبيعة ستُنقذنا. يجب أن نسعى لفهم ما هو «طبيعي»، عفوي، غير فاسد، صحّي، في تناغم مع نفسه ومع غيره في هذا العالم، والدروب الصحيحة للتطور تكمن هنا، لا في السعي إلى التبديل أو فرض نماذج. يجب أن ننصت إلى طبيعتنا الأصلية المخنوقة، لا أن نعتبرها مجرد مادة أولية سنفرض عليها شخصياتنا الفريدة وإرادتنا القادرة. أن نتخيّل أننا مثل بروميثوس، أن نعصي، أن نخلق أهدافنا الشخصية ونبني عوالم أخرى تُنافس حسّنا الأخلاقي العارف بالحقائق المطلقة، المعطاة لكل الناس في كل مكان وزمان، الحقائق التي بفضلها نكون بشراً وليس وحوشاً- هذه خطيئة الغرور المتوحشة، التي يرتكبها كل المصلحين، والثوريين، وأولئك الذين يُعتبَرون عظماء وفعّالين. كما يرتكبها موظفو الحكومة، وإقطاعيو الأرياف، إما بسبب قناعاتهم الليبرالية أو ببساطة بسبب نزواتهم أو ضجرهم، فيتدخّلون في حياة الفلاحين.يعتقد ميخايلوفسكي أن تولستوي في بوليكوشكا، واحدة من أفضل قصص تولستوي التي ألّفها أثناء مرحلة نشره للكتيبات التربوية، يجعل تدخُّلَ مالك الضيعة الطيب، ولكن الأحمق والمغرور، في حيوات الفلاحين، سبباً في موت البطلة الدرامية. المحاججة مقنعة. (برلين). «من يجب أن يتعلم الكتابة ممّن؟ هل يجب أن يتعلم أطفال الفلاحين منا، أم يجب أن نتعلم نحن منهم؟». لا تُعلِّم: بل تَعلَّم. هذا ما يقوله تولستوي في واحدة من مقالاته، المنشور قبل مائة سنة تقريباً، وفي كافة منشوراته في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، المكتوبة بطزاجته المعهودة، وانتباهه للتفاصيل، والقوة التي لا تُضاهى في الفهم المباشر، وفيها يخبرنا عن القصص التي كتبها الأطفال في قريته، والرهبة التي شعر بها في مراقبته لمنتجاتهم الخلّاقة، التي لم يتدخّل بها أبداً، كما أكّدَ لنا. و«تصحيحات» لن تؤدي إلا إلى تخريبها، وقد بدت له أكثر أصالة من كل أعمال غوته؛ وشرح لنا كم جعلته خجلاً من سطحيته، وغروره، وحماقته، وضيق أفقه، وافتقاده للحس الأخلاقي والجمالي. لو أراد المرء مساعدة الأطفال والفلاحين، فكل ما يمكن فعله هو تسهيل تقدُّمهم بحرية على دروب غريزتهم الخاصة. التوجيه تخريب. الناس أخيار ويحتاجون فقط الحرية كي يحققوا الخير.

كتب تولستوي سنة 1862: «التربية فعلٌ يمارسه شخصٌ على غيره ليزرع فيه عادات أخلاقية معيّنة (وكما نقول: لقد ربّاه ليصبح منافقاً، أو لصّاً، أو شخصاً جيداً. أهل إسبارطة ربّوا الشجعان، والفرنسيون ربّوا أشخاصاً ضيقي الأفق وأنانيين)». ولكن هذا يعني أن نتكلم عن البشر كمواد أولية نعمل عليها ونُغيّرها وفقاً لنماذج محددة؛ وهذا ما تعنيه «التربية». إذن نحن جاهزون كي نُغيّر الاتجاه العفوي لأرواح الغير، منكرين استقلالهم- من أجل ماذا؟ قيمنا الفاسدة، والخاطئة، أو، في أفضل الأحوال، المشكوك فيها؟ ولكن هذا يقتضي دوماً بعضَ الاستبداد الأخلاقي. في واحدة من نوبات الذعر المرعبة تساءل تولستوي إن لم يكن باعث التربية هو الحسد، أي أن جذر رغبة المربّي يكمن في «حسد اتجاه صفاء الأطفال والرغبة في جعلهم يشبهونه، أي فاسدين». ما تاريخ التربية بأكمله؟ كل فلاسفة التربية، من أفلاطون إلى كَنط، سعوا إلى هدف واحد: «تحرير التربية من قيود الماضي». وسعوا إلى أن «يحدسوا بما يحتاجه البشر ثم بنوا مدارسهم الجديدة اعتماداً على ذلك، بشكل تقريبي». لقد استبدلوا عبوديةً بأخرى. الفلاسفة المدرسيونالمقصود الفلسفة السكولائية المدرسية المسيحية الأرسطية، التي كانت سائدة في أوروبا قبل الثورة العلمية في القرن السابع عشر. (المترجم). أصرّوا على اللغة الإغريقية لأنها لغة أرسطو، الذي عرفَ الحقائق. ولكن -يتابع تولستوي- أنكر لوثر سلطة آباء الكنيسة وأصرّ على العبرية، اللغة التي كشف الله الحقائق الأبدية بها. تطلّعَ فرنسيس بيكون إلى الحقائق التجريبية في الطبيعة، وعارض نظريات أرسطو. أعلن روسو إيمانه بالحياة، الحياة كما يراها، وليس تلك التي تقول بها النظريات. 

ولكنهم اتفقوا على شيء واحد: يجب تحرير الشباب من الطاعة العمياء للقدماء؛ وكلٌّ منهم وضع تعاليمه المتعصّبة المُستعبِدة مكانها مباشرةً. إذا كنتُ واثقاً من أنني أعرف الحقيقة وأن كل الآخرين مخطئون، هل يعطيني هذا وحده الحق في أن أُشرفَ على تربية غيري؟ هل تكفي هذه الثقة؟ حتى لو كان لغيري ثقته المختلفة؟ بأي حق سأضع سوراً حول التلميذ، مستثنياً كل العوامل الخارجية، كي أعجنه كما أريد، على صورتي أو صورة غيري؟

جواب هذا السؤال، كما قال تولستوي للتقدميين بحماسة، يجب أن يكون بلى أو كلّا: «لو كان بلى، إذن لكان الكنيس اليهودي أو المدرسة الكنسية أكثر شرعية من كل جامعاتنا». ولقد أعلن أنه لا يرى فارقاً أخلاقياً، على الأقل من حيث المبدأ، بين تعليم اللاتينية الإجباري في المؤسسات التقليدية وبين تعليم مذهب الماديّة الإجباري من قبل أساتذة الجامعة لجمهورهم الأسير. في الحقيقة، يمكن أن يتفق تولستوي مع الليبراليين على إدانة بعض الأمور، مثل التعليم المنزلي. لأنه من المؤكد أن الأبوين يُريدان أن يجعلا الطفل مُطابِقاً لهما. كذلك بخصوص التربية الدينية، لأنه من الطبيعي أن يرغب المؤمنون بإنقاذ كل البشر مما يعتقدون أنه الجحيم الأبدي. أيضاً الحكومة ملزمة بتدريب الناس، لأن المجتمع لا يستطيع أن ينجو بدون نوعٍ ما من الحكومة، وهذا غير ممكن بدون بعض المختصين المؤهلين لخدمتها. 

ولكن ما أُسس «التعليم الليبرالي» في المدارس والجامعات، المحشوّة بمعلّمين لا يدّعون حتى بأن ما يدرّسونه هو الصحيح؟ التجريبية؟ دروس التاريخ؟ الدرس الوحيد الذي يعلّمنا إياه التاريخ أن كل الأنظمة التعليمية السابقة أُثبِتَ أنها قامعة وقائمة على الأغلاط، وقد أُنكرتْ تعاليمها بجلاء لاحقاً. لماذا لن ينظر القرن الحادي والعشرين إلى القرن التاسع عشر بنفس الدهشة والازدراء التي ننظر نحن فيها إلى جامعات ومدارس العصور الوسطى؟ إذا كان تاريخ التعليم يقتصر على الأخطاء والقمع، ما الحق الذي نملكه لنتابع هذه المهزلة البغيضة؟ وإذا قيل لنا إنّ هذا ما حصل دوماً، ولا شيء جديد، ولا يمكننا تغيير الأمور، بل فقط سنقدّم أفضل ما لدينا؛ ألا يشبه هذا القول بأن الجرائم ارتُكبتْ دوماً، ويجب أن نستمر فيها، حتى لو اكتشفنا الآن الأسباب التي تدفع الناس لارتكابها؟

تبعاً لذلك، سنكون أوغاداً إذا لم نقل على الأقل ما يلي: بما أننا، على العكس من بابا روما أو لوثر أو الوضعيين المعاصرين، لا ندّعي أن تربيتنا (أو أي شكل من أشكال التدخل في حيوات الناس) قائمة على معرفة الحقائق المطلقة، يجب على الأقل أن نتوقف عن تعذيب الناس باسم ما لا نعرفه. كل ما يمكن معرفته بثقة هو ما يريده الناس فعلاً. لنملك على الأقل شجاعة الاعتراف بجهلنا، وبشكوكنا وريبتنا. يمكننا على الأقل اكتشاف ما يطلبه الآخرون، أطفالاً أو بالغين، عن طريق نزع نظارات التقاليد، والأحكام المسبقة، والتعاليم، لنعرف من هم حقيقةً، عن طريق الاستماع إليهم بانتباه وتعاطف، وفهمهم وفهم حيواتهم واحتياجاتهم، فرداً فرداً. دعونا نزودهم بما يطلبونه، ونتركهم أحراراً قدر الإمكان. دعونا نزوّدهمكلمة ألمانية تعني التربية. وتولستوي يعتقد أن الكلمة الألمانية تحمل معانٍ أوسع مما تحمله مُرادفاتها الإنكليزية أو الفرنسية. (المترجم). بالـ«Bidung» (والتي يعطينا مُقابِلَها الروسي، ثم يشير بفخر إلى غيابها عن الإنكليزية والفرنسية) – أي أن نحاول التأثير عليهم عن طريق التفّهم وإعطاء المثال الحي من خلال حياتنا نحن؛ لا أن نطبّق «التربية» عليهم، والتي بجوهرها شكلٌ من القمع، تدمّر أقدس ما في الإنسان وأكثر ما فيه طبيعية: القدرة على المعرفة والتصرف بما يتوافق مع ما يظنه الحقيقة والخير، والحق في التوجيه-الذاتي والقدرة عليه. 

ولكنه لا يستطيع ترك الأمور هنا، كما فعل الكثير من الليبراليين. لأن السؤال المطروح مباشرةً: كيف سنتدبّر أمر التلاميذ الأحرار؟ بأن نكون حياديين أخلاقياً؟ بأن نقدّم لهم فقط معرفة بالوقائع، بدون تعاليم أخلاقية، أو جمالية، أو اجتماعية، أو دينية؟ بأن نعرض أمامهم فقط «الحقائق»، وندعهم يصلون إلى استنتاجاتهم الخاصة، بدون أن نؤثر فيهم، خوفَ أن نُعديهم برؤانا المريضة؟ ولكن هل مثل هذا التواصل الحيادي ممكن بين البشر؟ أليس كل تواصل بشري يشكل انطباعات واعية أو غير واعية من طرف على طرفٍ آخر بخصوص مواقفه من الحياة، أو من سلّم القيم؟ هل البشر معزولون عن بعضهم البعض تماماً، بحيث أن مجرّد تجنّب أدنى تواصل اجتماعي سيتركهم بدون شوائب، أحراراً كلياً كي يدركوا بأنفسهم الحقائق والأغلاط، الخير والشر، الجمال والقباحة؟  أليست هذه رؤية سخيفة للأفراد كمخلوقات يمكن عزلها عن كل تأثير اجتماعي- سخيفة حتى في العالم الذي عاش فيه تولستوي في منتصف عمره، قبل أن نصل إلى النتائج الحالية بفضل جهود علماء النفس، والاجتماع، والفلاسفة؟ نحن نعيش في مجتمع منحطّ: فقط الأبرياء يستطيعون إنقاذنا. ولكن من سيُعلّم المعلّمين؟ من سيكون نقياً كلياً كي يعرف كيف يشفي عالمنا أو أياً من أفراده؟

بين هذين القطبين- من جهة الحقائق، الطبيعة، ما هو كائن؛ ومن جهة أخرى الواجب، العدالة، ما يجب أن يكون؛ من جهة البراءة، ومن جهة أخرى التعليم؛ بين مطالب العفوية وبين الفروض، بين مظالم قسر الآخرين وبين مظالم تركهم على ما هم عليه، تردَّدَ تولستوي وصارع طيلة حياته. وليس وحده، بل كل الطلاب الشعبويين والاشتراكيين والمثاليين الذين «ذهبوا إلى الناس» في روسيا، ولم يحسموا أمرهم هل أرادوا أن يَتعلّموا أم أن يُعلّموا، هل أرادوا أن يضحوا بحياتهم من أجل «خير الناس» الذي يرغبه «الناس بأنفسهم» أم شيئاً آخر يعرفه فقط المصلحون، ويجب أن يرغبه الناس- وسيرغبونه فقط لو كانوا متعلمين وحُكماء كأبطالهم، ولكنهم، في ظلامهم، غالباً ما يرفضونه ويقاومونه بعنف. 

تعطي هذه التناقضات، وإدراكه المُخلص لعجزه عن حلّها أو التخفيف من حِدَّتها، المعنى الخاص لحياة تولستوي وللصفحات التعليمية القلقة في فنه. لقد رفض بشدّة مساومات وأعذار معاصريه الليبراليين بوصفها ضعفاً وتهرُّباً. ولكنه آمنَ بأن الحل النهائي لكيفية تطبيق تعاليم المسيح موجودٌ، على الرغم من أن تولستوي والآخرين جميعاً لم يكتشفوه كلياً. رفض حتى إمكانية أن تكون بعض أهدافه ونزعاته حقيقية وغير متّسقة في آن معاً. التاريخانية في مواجهة المسؤولية الأخلاقية؛ التسليم بالقدَر في مواجهة واجب مقاومة الشر؛ الغائية أو نظام الأسباب في مواجهة ألعاب الصدفة والقوى غير العقلانية؛ التناغم الروحي، والبساطة، وجماهير الناس من جهة، والجذب الذي لا يُقاوم لثقافة الأقلية وفنونها من جهة أخرى؛  فساد القسم المتحضّر من المجتمع من جهة، وواجبه المباشر في رفع جماهير الناس إلى مستواه من جهة أخرى؛ عنفوان وزيف الإيمان البسيط العاطفي المغلق مقابل الحسّ الواضح للحقائق المعقدة وما ينتج عنه من ضعف لا مفرّ منه في الشّكية المتنوّرة- كل هذه التيارات تصبّ في فكر تولستوي. التحامه بهم جميعاً يعطي مظهر التناقض في فكره، لأن الصراعات قد تكون حقيقية وتؤدي إلى التصادم في العالم الواقعي.يرى بعض الماركسيين، وأشهرهم لوكاتش، أن هذه التناقضات تعبّر عن أزمة الإقطاع الروسي، خصوصاً وضع الفلاحين وأزمتهم التي يعكسها تولستوي. يبدو لي هذا تبسيطاً مبالغاً فيه: على العكس، انهيار عالم تولستوي (الإقطاعي) سيجعل هذه التناقضات مُهمَلة. للقارئ أن يقرر في هذا الأمر. (برلين). يعجز تولستوي عن إخفاء الحقائق عندما تظهر له، أو عن تزييفها، أو إشاحة نظره عنها باستخدام الديالكتيك أو أية مستويات «أعمق» من التفكير؛ ويجري وراء الحقائق مهما كانت النتائج، ومهما دمّرت ما يريدُ بعمق أن يؤمنَ به. يعرف الجميع أن تولستوي يعتبر الحقيقة أسمى من القِيَم. وقد قال بهذا غيره واحتفى بها بشكل أقل بهاءً. ولكن تولستوي من القلة التي تستحق الإشادة: لأنه ضحّى بكل شيء على مذبحها: سعادته، صداقاته، حبّه، طمأنينته، يقينه الأخلاقي والفكري، وفي النهاية، حياته. وكل ما أعطته في المقابل كان الشك، والبلبلة، واحتقار-الذات، وتناقضات لا حلّ لها. 

بهذا المعنى، وعلى الرغم من رفضه لذلك بعنف، كان بطلاً وشهيداً؛ ربما، الأكثر موهبة في كل تراث التنوير الأوروبي. هذا قد يبدو مفارقةً غامضةً، ولكن، في النهاية، حياته كلها تشهد على القضية التي كرّسَ سنواته الأخيرة لنكرانها: نادراً ما تكون الحقيقة بسيطة وواضحة، ذلك الوضوح الذي تظهر أحياناً به للمراقب العادي.