نتذكر الكارثة وأهوالها في سوريا وتركيا بعد عام على وقوعها، ونتذكر أيضاً ردّة فعل السوريين والسوريات في المناطق غير المتضررة وفي دول الشتات. فرغم الظروف الصعبة المتراكمة على مدى أكثر من عقد، «فزعَ» عشرات الآلاف لتقديم كل ما في وسعهم من عون للمنكوبين في مناطق شمال سوريا وغربها، في هبّة أهلية واسعة كانت مدعاة للفخر والإعجاب. وقد حصلت أخطاء كثيرة في غمرة هذه الهبّة نتيجة ضعف المعرفة حيناً ومشاكل التنسيق حيناً آخر، مثل جمع معونات عينية غير لازمة أو سريعة التلف أو ممنوع نقلها، أو سوء تقدير لكِلَف النقل وكِلَف لوجستية أخرى، وتلاها غياب القدرة على مراكمة هذه النوايا والجهود لتتبلورَ كفاعلية جماعيّة سوريّة وتدومَ بما يتجاوز لحظة الكارثة، رغم المحاولات الدؤوبة والكثيرة لتحقيق ذلك.

كانت لحظةُ «الفزعة» تلك تكثيفاً لكل ما هو سامٍ وأبيٌ في نفس الإنسان، لكنها لحظةٌ خاصة، يعيشها المرء  مع نفسه وداخل نفسه، في حوارٍ يدور حول ما يطيقه وما لا يطيقه. «الفزعة» هي انفعالٌ أخلاقي، ردّ فعلٍ على شكل اشتعال قصيرِ الفتيلة، وهي تحتاج إلى سياق حاضن كي تتحول إلى ممارسة مُستدامة للفضيلة في المجال العام. ليس ما سبق قوله انتقاصاً من أهمية «الفزعة» وسموّها الأخلاقي، بل على العكس: الفزع، سواء جاء بعده حرف الجر «مِن» أو «لـ»، هو وحده ما يقف في وجه تحوّل الإنسان المعاصر إلى ما يشبه تطبيق موبايل لتنظيم الوقت وتحسين الإنتاجية. لدينا مئات الآلاف، بل وملايين الأشخاص من ذوي الأخلاق والمشاعر السامية، الذين يفزعون لأقرانهم لحظة الكارثة، غير أنه ليس لدينا مجالٌ سوري عام يجمعهم ويُراكم جهودهم، ولعلّ هذا أبرز ما قالته لنا الكارثة وما بعدها عن أحوالنا السياسية:

ضعفُ المجال السوري العام وتبعثُره؛ وهي أزمةٌ تسبقُ أزمتنا السياسية وعُقمنا التنظيمي وتُفسِّرهما إلى حدّ بعيد، وهذه الأزمة هي بنتُ الطغيان المديد الذي يخنق المجال العام ويحبس الناس في حلقاتهم الأهلية وصداقاتهم الأقرب. وقد تعمَّقَ هذا مع الظروف القاهرة في مختلف الدواخل السورية ومع التشرذم في خوارجها، ولئن كان الطغيان والعنف الدموي يفسّر إلى حد بعيد ضعف المجال السوري العام وتشظّيه، فإن هذا لا يعفي «الفاعلين في المجال العام» من مسؤوليتهم تجاه بناء مجال سوري عام جاذب وفعّال، آمنٍ قدر الإمكان من التشكيك والتحطيم، ويحول دون تبعثُر الفعل العام في مجالات خاصة وفضاءات أهلية قصيرة النَفَس والمدى. وإذ ليس هناك حلول مباشرة ولا سهلة لأزمة مستعصية مثل أزمتنا مع غياب «مجال عام» يجمعنا ويُتيح لنا تكوين جماعات فعل، لكن أحد المداخل قد يكون في الإصرار على تحدّي الوعي الزائف الذي تقدّمه وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشأن: كثافة الاتصال لا تعني إمكانية التواصل… أكثر من عقد من «الفيسبوك السوري» دليلٌ دامغٌ على ذلك. 

الضعف الشديد في مواجهة سياسات الدول والمنظمات الأممية؛ وقد رأينا ذلك في العجز أمام مشهد كارثي، تخلّت فيه المؤسسات الأممية عن مسؤوليتها تجاه العالقين تحت الأنقاض في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بذريعة أن معبر باب الهوى مغلقٌ نتيجة الزلزال وأنه الوحيد المسموح باستخدامه، في تفريط بأوقات ثمينة كان يمكن إنقاذ أرواح كثيرة فيها. ثم جاءت بعد ذلك مشاهد مُسارَعة دول كثيرة إلى استخدام الزلزال منّصة للتطبيع مع النظام، مع ما بدا شللاً لمؤسسات المعارضة وتحالفاتها الرسمية وغير الرسمية تجاه كل ما يجري. وقد وصلت بُنى وهياكل وأحزاب المعارضة السورية إلى هذا القدر من العجز نتيجة مزيج من التبعية وضيق الأفق وفقدان العمق الشعبي، لكن وراء هذا أيضاً استسلامٌ عامٌ وشائعٌ لفكرة العجز عن التأثير في السياسات الدولية، بل وحتى في سياسات هذه التحالفات والأحزاب نفسها. وقد يُقال إنه لا دليل على أنه يمكن التأثير أصلاً، لكن ثمة دليلاً هو أن جِهات ودولاً كثيرة احتاجت إلى كارثة بحجم زلزال كي تسير على طريق التطبيع مع النظام، ما يعني أن الدول وصنّاع السياسات يحتاجون إلى ذرائع للقيام بما يريدون القيام به، وأن الرأي العام مهمّ وأنه يمكن بناء سياسات للتأثير من خلاله. 

انفصال النظام السوري التامّ عن المجتمع بما في ذلك عن أنصاره وقواعده، بحيث أنه لم يجد حرجاً في التعامل الصريح والواضح مع الزلزال منذ اللحظة الأولى كفرصة لحملة علاقات عامة، وقد كانت حملةً ناجحة لولا أنه أفشلَ بنفسه أغلب نتائجها لاحقاً بعدم تجاوبه مع مطالب الدول العربية. يقول هذا أشياء كثيرة عن أوضاعنا السياسية، فالنظام لم يَعُد معنياً بأي شرعية داخلية حتى بين أكثر فئات السوريين ولاءً له. وتشير إلى ذلك مسألة رمزية بالغة الأهمية هي أنه لم يتم إعلانُ الحداد العام في البلد، بينما كان بشار الأسد منشغلاً بجولات استعراضية على مناطق متضررة، وكانت ماكينته الإعلامية تعمل على جبهتين فقط؛ المطالبة برفع العقوبات مع تحميلها مسؤولية كل تبعات الكارثة، والمطالبة باستعادة النظام لموقعه في السياسة الإقليمية والعالمية. قد يعني هذا أن النظام لم يعد له قواعد أهلية يستند عليها بشكل حقيقي، ذلك أنه بات يحكم بالاستناد إلى عناصر قوة من خارج المجتمع تماماً، وبمال يأتي معظمه من السطو والتجارات غير المشروعة، بحيث أنه لم يكن مضطراً لإظهار التعاطف حتى مع أنصاره المنكوبين. وقد يروق لكثيرين أن يعتقدوا أن النظام كان هكذا دائماً، لكن النظام يعبّر عن مصالح ورؤى فئات عديدة، وكان يسعى لتلبية هذه المصالح والرؤى أو ملاقاتها على الأقل، غير أن ثمة مؤشرات جدية على أن الأمر لم يعد كذلك. ينبغي أن يكون لهذا تأثيرٌ على الرؤى والمشاريع والخطاب السياسي للراغبين في التغيير في سوريا، ومما لا شك فيه أن هذا يُعيدنا إلى أزمة مجالنا العام وأزمات خطاباتنا السياسية والوطنية.

ليس لدينا نقاش عام بشأن العقوبات، وقد كانت هذه المسألة أساسية في الأيام والأسابيع التالية للزلزال، إذ تمكن النظام وحلفاؤه من وضع العقوبات في قلب المشهد، وتحميلها مسؤولية كل توابع تخلّي نظام بشار الأسد عن مسؤولياته كجهة حاكمة، مُستخدِماً هذا الخطاب لابتزاز العالم. وقد نجح النظام في فرض الإيقاع الذي يريده على هذا النقاش بين السوريين، بحيث انبرى معارضون للدفاع عن العقوبات وإنكار أثرها على أعمال الإغاثة الإنسانية، ليأتي بعد ذلك تعليقُ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للعقوبات «التي قد تُؤثّر على أعمال الإغاثة» بعد محاولة أولى من دبلوماسيي القطبين الدوليين لتبرئة العقوبات من أي تبعات على الغوث. جاءَ تعليقُ جزء من العقوبات ليَعني واحداً من ثلاثة احتمالات: عدم صحة القول إن العقوبات لا تؤثر في العمل الإنساني، أو أن هذه الدول خضعت لابتزاز النظام بهذا الشأن، أو أنها أصلاً كانت تريد تخفيف العقوبات وجاء الزلزال ذريعة للقيام بذلك. الأرجح أن الاحتمال الأول هو الصحيح، ولكن أياً يكن الأمر، يبدو واضحاً أن نقاش المسألة في الأوساط السورية المعارضة للنظام، بما في ذلك ضمن المنظمات العاملة في الشأن الإنساني والإغاثي، رهينٌ تماماً بما يقوله النظام ويطرحه. نحن بحاجة إلى نقاشٍ سوري عام حول العقوبات يُفكّك المطابقة الزائفة بين الموقف من العقوبات ومدى جذرية الموقف من النظام الأسدي، نقاش مُتحرّر من الانشغال بمحاكمات النوايا والتقديرات الطهرانوية: ليس الحماس للعقوبات صنوَ الموقف الجذري ضد النظام؛ وليس رفض العقوبات والتشكُّك في أثرها دليلَ مُحاباة واعتذارية للأسديين. نحتاج نقاشاً مفتوحاً لصياغة موقف وطني من هذه المسألة، يتجاوز ردود الفعل على الابتزاز أياً كان مصدرها، ويكون جسراً لإمكانية التأثير في قضية ستبقى مفتوحة لسنوات طويلة قادمة.

المنظمات السورية غير الحكومية أكثر أهمية في الواقع مما تبدو عليه، فبدونها كانت الأوضاع لتكونَ أكثر كارثية في كل موقع من المواقع التي ضربها الزلزال، بما في ذلك في مناطق سيطرة النظام. لا تستطيع قوى الأمر الواقع في سوريا أن تستجيب لحاجات المجتمع لا في أوقات الكوارث ولا في غيرها، ولدى المنظمات قوة سياسية هائلة لأنها قادرة على الاستجابة. يرجع هذا بنا مجدداً إلى ضعف المجال العام، وإلى حقيقة أن النظام وغيره من سلطات الأمر الواقع يتصرفون على أن لا شعباً يُسائِلهم أو يُساءَلون عنه، بحيث أنه لا معنى تقريباً للضغط عليهم عبر تلبية حاجات مَحكوميهم. لكن هذه الأهمية ليست مفتاحاً للتهنئة الذاتية لهذه المنظمات، ولا هي إعفاءٌ من مسؤولية سياسية تقع على عاتق الفاعلين وأصحاب القرار فيها، كمخاطبة السوريين والسوريات بناءً على هذه المسؤولية، أو تمثيل مواقعهم بشكل لائق وكريم وذي قيمة في المحافل التي يتواجدون فيها كجزءٍ من مسؤوليتهم كفاعلين عامّين. 

سوريا ما تزال موجودة فعلاً في تصوّرات أبنائها وبناتها رغم كل شيء. يقول تفاعل عموم السوريين مع الزلزال إنَّ القسمة إلى «مناطق نظام» و«مناطق معارضة» و«مناطق إدارة ذاتية» ليست كلَّ الواقع رغم واقعيتها، وإنَّ سوريا ما تزال تعني أشياء كثيرة للسوريين داخلها وخارجها، وإنّه لا بديل عن التفكير في سوريا كإطار وطني جامع يحتوي كل هذا التعدّد داخله، والتفكير في تعدديته هذه بأساليب خلّاقة تتجاوز كلّاً من تصورات التوحيد القسري وتصورات الانحلال التام في الوقت نفسه. تستحقّ «فزعة» السوريين والسوريات الكريمة في مواجهة الكارثة أن يتم البناء عليها، ضد الأسديين وضدّ كل سلطات الأمر الواقع التي يبدو الشعب السوري فائضاً عن اللزوم بالنسبة لها.