قد ينطق الشرّ المحض عن طريق جداول وأختام وتوقيعات

قبل أيام، أعلن جمال بندق في تسجيل فيديو موجز وشجاع أن شقيقه ناصر قد قُيّدَ مؤخراً كمتوفٍّ في السجلّ المدني، حسبما عرفت العائلة عبر استصدار قيد عائلي مطلع شهر شباط (فبراير) الحالي. ناصر بندق شاعر وناشط من مواليد 1967، شارك في الاحتجاجات ضد النظام وفي جهود الإغاثة الإنسانية للنازحين في محيط دمشق خلال سنوات الثورة الأولى، واعتقله الأمن العسكري في صحنايا في السابع عشر من شباط (فبراير) عام 2014 برفقة مجموعة من الناشطين، من بينهم مروان حاصباني، الذي توفي تحت التعذيب خلال أيام اعتقاله الأولى، وسُلِّمَ جثمانه لعائلته أوائل آذار (مارس) 2014. ومنذ اعتقاله، لم تكن عائلة بندق قد عرفت شيئاً عن مصير ابنها ناصر، إذ لم يُخطَروا بمكان احتجازه ولا سُمِحَ لهم بتوكيل محامٍ له ولا أُبلِغوا إن كان قد حوكمَ أم لا… صمتٌ مطبق لم تقطعه سوى همهمات وإشاعات متضاربة ومتفرقة وصلتهم، وفق شهادة زوجته لمنظمة العفو الدولية، حسبما نقل موقع السويداء24. وعلى نسق العتمة الخانقة التي تعيشها عائلات المُغيّبين-ات على يد النظام الأسدي، لم يكن لعائلته من حيلة سوى تَرقُّب قيد السجلّ المدني والتأكد إن كان ما يزال «حيّاً» في سجلات الدولة السوريّة أم لا. مطلع شباط الجاري نطقت السجلات: خانة في جدول تقول إن ناصر بندق «متوفٍّ» منذ الخامس من آذار (مارس) عام 2014. وكما هو المعتاد الأسدي، لا إبلاغ رسمي، ولا توضيح ملابسات، ولا تسليم جثمان ولا كشف عن مكان دفنه. 

من الممكن قتل الزمن تحت التعذيب كلّ ثانية

تشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن عدد المُغيَّبين-ات في سوريا قد اقترب من 113 ألف مغيب-ة، حتى الثلاثين من آب (أغسطس) الماضي؛ منهم أكثر من 96 ألفاً وُثِّقَ تغييبهم على يد النظام، فيما تتوزّع مسؤولية العدد المتبقي بين حصّة أسدٍ لتنظيم داعش (8648) و«أبطال» تغييب آخرين من فصائل وهيئات وجيوش. وتعتمد الإحصاءات المذكورة على الحالات التي أمكنَ توثيقها حسب منهجية المنظمة الحقوقية، ويمكن بالتالي تَوقُّع أن العدد الفعلي للمُغيَّبين-ات في سوريا أكبر بكثير، يصل في بعض التقديرات غير الرسمية إلى قرابة ربع مليون إنسان-ة، وهي تقديرات حصيفة، كونها تأخذ بعين الاعتبار قطاعات كبيرة من المجتمع السوري واقعة خارج أُطُر الوصول والتوثيق. 

لكن حتى لو بقينا عند ما هو مُوثَّق، تُرينا البيانات أعلاه فاجعة أكبر بكثير من حجم سوريا، وأعظم من قدرات البلد على الاستيعاب والإدراك لسنوات وعقود عديدة مُقبِلة: 113 ألف مُغيَّب-ة يعني أيضاً ملايين الأشخاص، بين عائلات وأقرباء وأصدقاء وجيران وزملاء، المعرّضين بشكل مباشر لتوقيف زمنهم عُرفياً بتغييب شخصٍ من حياتهم: الثانية بحجم الأبد، والأبد بدوره يمكن ألّا يعني أكثر من ثانية عابرة. كيف يمكن لعائلة أن تستوعب معنى وأثر عشر سنواتٍ من الانتظار فقط عبر قراءة خانة تافهة وباردة في قيد سجلٍّ مدني، بعد أن مرّت كل ثانية من عقد الانتظار هذا وكأنها دهر؟

للتغييب مكانةٌ مركزيةٌ في ممارسة السلطة في سوريا. هذا يعني تعنيفاً عميقاً ومستمراً لمجتمع بأكمله عبر قتل زمنه تحت التعذيب كلَّ ثانية. تحت قبّة التغييب لا ماضيَ لمجتمعٍ ولا حاضرَ ولا مستقبل. فقط خانةٌ في قيد السجلّ المدني. 

سوريا التي يجوز الترحُّم عليها 

بعد فترة من لحظة التغييب، يصبح الحديث عن المُغيَّب-ة امتحاناً يومياً للأهل والأحباء ومجتمعهم المحيط. لا هم قادرون على تجاوزه ونسيانه، ولا هم عارفون كيف يستحضرونه بشكلٍ آمن وغير مؤلم. يقترنُ اسمه بـ«الله يفكّ أسره»، التي تصبح أيضاً «الله يردّه بالسلامة»، لتصير مع تراكم الزمن والحيرة والألم عبارة عن غمغمة حائرة، تُلحِقُ اللفظَ الحَذِرَ لاسمه-ا بـ«الله يـ….».

إلى أن تأتي أول «الله يرحمه-ا». 

يخرج هذا الترحُّم الأول في الغالب الأعم بحُسن نيّة، مقصودة كانت أم ناتجة عن لغوٍ غير مقصود. يسبق قول العبارة أمام أهل المُغيَّب-ة دوماً حوارات في وسطهم المحيط من نوع «أيعقل أنه ما زال حياً؟»، وأشياء من قبيل «يجب مساعدة أهله على استيعاب أنه ميت». وإذ من الطبيعي أن يكون أثر هذا الترحُّم سيئاً على أهل المُغيَّب-ة؛ وبمزيجٍ من الحرج والخجل والرحمة على المتلقّين، يشيع أن يُلحِقَ المُترحِّم دعوته بتبرير «الترحُّم يجوز على الحيّ والميت». 

مسحُ الفارق بين حق الأحياء والأموات بالترحُّم، هذه اللاحقة القادمة من العدّة اللفظية المُحافظة في المجتمعات المسلمة، تبدو في حالة التغييب وكأنها سعيٌ لمدّ الإدراك، وبالتالي اللغة، نحو معنىً جوهري للتغييب بصفته خلطاً عنيفاً للحياة بالموت. فدون لحظة نهاية، ودون حزن وبكاء ودفن، ودون قبرٍ يُزار، ودون حِداد لاحق يُرتّب العلاقة مع الذكريات والآثار وينقلُ الجسد الفاني والصوت المنطفئ إلى عالم الأفكار والذكريات، ليس هناك موتٌ تام ولا هناك حياة مكتملة المعالم.. لا للمُغيَّب-ة ولا للأهل ولا للمجتمع المحيط، ولا للبلد. 

سوريا، بمُغيَّبيها الـ 113 ألف المُوثَّقين، وبملايين الضحايا المباشرين لهوتة التغييب الرهيبة هذه، تجوز عليها الرحمة، لأنها ميتة وحيّة، لأن موتها غير كامل وحياتها ناقصة. لا علاج ممكن لهذا الوضع لعقود طويلة مقبلة، وإمكانية التعايُش مع هذا الوضع مشروطة بالسعي لدعم الحياة غير المكتملة فيه بأكبر قدر ممكن من الكرامة، بكل معانيها وأركانها. لا خانة للكرامة الإنسانية في جداول السجلّ المدني.

«منسوج في كياننا» 

في منشور تلا الأنباء الأخيرة عنه، كتبت إنانا، ابنة ناصر بندق، عن والدها أنه «منسوج في كياننا»، في تعبير عظيم في بلاغته عن الحُب للأب المُغيَّب. في كل تفاصيل مُعاشهم، يحمل الأهالي أجزاءً من حيوات أحبابهم المُغيَّبين، ويشعرون بالمسؤولية والذنب تجاهها حيناً، والفخر والاعتزاز حيناً آخر، والحبّ والحنان دوماً. لن تكون حياتهم لهم بالكامل في أيّ وقتٍ لأنهم حُرموا ركناً أساسياً من أركان الحياة التامة، وهو العلاقة المرتّبة مع حياة الأحبّاء وموتهم. لا يخلط التغييب الحياة بالموت فقط، كما سبق القول؛ بل أيضاً يخلط الحيوات بالحيوات، وبالذات يخلط الموت بالموت. كم من والدِ مُغيَّب أو مُغيَّبة أو أمّ ماتوا وفي بال كل أحبابهم أنهم ماتوا دون أن يدفنهم مُغيَّبُهم أو يدفنوه؟

هذا رهيب. لدينا 113 ألف قصة تغييب رهيبة كقصّة آل بندق؛ وتجثم على صدرنا قصة هائلة، أكبر بكثير من حجم بلد. 

يؤكد جمال بندق في تسجيله الذي يُخطِر فيه الرأي العام بتغيير وضع أخيه ناصر إلى متوفٍ في السجل المدني أن العائلة لا تعتبر أنها أخذت علماً بوفاته، وأنها تطالب بكشف مصيره وملابسات وضعه وتحريره، أو تَسلُّم جثمانه لدفنه بشكل لائق. «حتى عودتهم أحياء»، تقول أدبيات النضال ضد التغييب المتراكمة خلال العقود الستة الأخيرة: لا تنتهي قضية المُغيَّب-ة بالإبلاغ عن وفاته-ا، بل يجب كشف كل ملابسات مصيره-ا، وتسلُّم الأهل للجثمان لدفنه بشكل لائق وكريم في حال الوفاة، كما يجب السعي نحو محاسبة مرتكبي جريمة متعددة، لا تسقط بالتقادم لأنها تتجدد كل يوم، كل لحظة. لكن هذا الكلام، على ضرورته الحقوقية وصحّته الأخلاقية والسياسية، ناقصٌ لو لم يتمّ استكماله بالتأكيد على أن المعنيين به ليسوا ذوي المُغيَّبين والمُغيَّبات فحسب، أسرته والأصدقاء المقربون والأحباب الشخصيون؛ بل يجب أن يعني كل مؤمن ومؤمنة بمركزية الحياة والكرامة الإنسانية. شرطُ سلامة الكلام الحقوقي هو أن يُقرَنَ بالإخاء العام ضمن مجتمع يُعنَّف ملايين المرّات كل لحظة بتغييب ما لا يقلّ عن 113 ألفاً من أفراده. 

لعلّ أولى خطوات تحرُّرنا وامتلاك مستقبلنا هي أن نُخرِجَ معنى الإخاء بين السوريين والسوريات من زنزانة خانات قيد السجلّ المدني.