وجدتُ نفسي في موسم عيد الحب أَستذكرُ لمحات من كتاب في الحب والحب العذري للمفكّر السوري صادق جلال العظم، وبشكلٍ خاص ما جاء في بدايته عن الحب والتفريق بين شدته في اشتعاله وسكونه مع مرور الزمن، وخاصة عبر ارتباط طويل كالزواج. هي «مُفارقة الحب» كما يصفها، ولطالما مَسّتني هذه الأجزاء من الكتاب، كإنسانة ارتبطت برجل حياتها بعد قصة حب متأججة، ومع مرور الأيام التي تُحَمِّلُ الحبَّ أعباء تُثقله بقيتُ متمسكة بحبي وبقيمته التي تعطي لوجودي معنى، مُراهِنة عليه في وجه الخسائر المتتالية التي عشناها على نحو جمعي.

يبحث العظم في مفهوم الحب العذري، وفي ارتكازه على فكرة عذابات الحب وصعوبة الوصول للمحبوب-ة، مُنطلِقاً من تعريف الحب وتحديد صفاته قبل أن يبيّنَ كيف تجلّى لشعراء الحب العذري:

«الحب الذي يهمّنا في هذا البحث هو الشهوة والحاجة والنزوع والميل إلى امتلاك المحبوب، بصورة من الصور، والاتحاد به لإشباع هذا النهم، وتحقيق شعور الاكتفاء والرضا… ويرتبط هذا الحب بالنسبة إلينا ارتباطاً مباشراً وأساسياً وعضوياً بالشهوة الجنسية في الإنسان وبسعيه لإرضائها». 

ص(10)

على الرغم من ربطه الحب موضوعَ البحث بالشهوة الجنسية، يُبيّنُ العظم الفرقَ بين الرغبة الجنسية المحضة والحب. جَمَعَ الكتابُ أيضاً بين الرجال والنساء، مُبيّناً عدم وجود فرق في عاطفة الحب بينهما، سوى ما كان مبنياً منها على أفكار مغلوطة مُتقادمة. وإن كان هناك اختلاف في طريقة التعاطي معه، فهو ناتجٌ عن الشرط المجتمعي والثقافي الذي يُلزِمُ النساء بأداء يختلف عن الرجال وليس عن طبيعة خاصة بهنّ.

مفارقة الحب

يرى الكتاب أن الحب يجمع بين الامتداد في الزمان وبين شدة الحالة العاطفية، أي كيفية اعتمالِها في لحظة زمنية محددة، مُشيراً إلى أنَّ استعارات مثل «تأججت نار الحب» في مقابل استعارات مثل «برد حبه-ا» تعكس مفهوم شدة العاطفة وتكثّفها في لحظة محددة.

بالتالي، يشير العظم إلى أنه بين هذين الشرطين تظهر المفارقة في الحب، فالاستمرار فيه غالباً ما يُنقِصُ شِدّته، حيث إن العلاقات التي تستمرّ تفقد زخمها وحِدَّتها، أي أنّ هناك علاقة عكسية بين الشدة وبين الاستمرار:

«ولا يظنّ أحدٌ أن العلاقة بين امتداد الحب واشتداده هي بالبساطة التي تبدو عليها لأول وهلة، لأن الواقع الذي يتكشّف لمن يُمعن النظر فيها هو أنه كلما امتد الحب وطالت مدته خَفَّت حدّته وتناقص اشتداده باتجاه يقترب باستمرار من درجة الصفر كحد أدنى. ونحن نعرف أن العلاقات الغرامية التي تنزع إلى الاستمرار والبقاء تفقد عنفها وزخمها بمرور الزمن والأيام لتتحول إلى صِلات من نوع آخر، تتصف بالثبات والاستقرار والألفة بين الفريقين المتحابين وتبتعد بذلك عن كل ما يمت بصلة إلى الانفعال الحاد».

ص(26)

قد يبدو الحديث عن خفوت الحب مع الزمن موتاً تعيساً مثيراً للخيبة، لكن تحليل الكتاب لظاهرة الحب العذري، كرمز لشدة الحب واشتعاله، قد يُغيّرُ هذه النظرة ويدفعها إلى أفق أكثر تفاؤلاً بما يخصّ مصير الحب حتى في حال خفوت شدته.

ومع أن العلاقة بين شدة الحب واستمراره علاقة عكسية بشكل نظري، إلا أن هذا لا ينفي أن الحب حتى في لحظات اشتداده يمتد عبر الزمن ولو إلى حين. يصف العظم العلاقات الزوجية القائمة على الحب بأنّها علاقات محكومة «بشريعة الامتداد» التي تنزع إلى المحبة والودّ رغم سعيها للحفاظ على اشتعال الحب، بينما تتصف علاقات الحب المتأجّج الذي يتطلب إشباع رغبته الأصلية بارتفاع الحب وهيجانه وتوهجه. ويرى الكتاب أن من يختارُ الهناءَ الرتيب والسكون وأمان الحب بالزواج فإنه «يدفع الثمن الباهظ وهو فقدان كل ما يمت بصلة إلى اندفاع الحب ورغباته العارمة وانفعالاته الشديدة» (ص 30). بالمقابل، يحضر في الكتاب أيضاً أن سُنَّةَ الحب ترفض شريعة الامتداد التي تُهدّد اشتعالها، ولا تنصاع لقيم الخير والشر فيها، ولا للمعايير الاجتماعية التي تقتضي مصالحُها سكون الحب بعيداً عن اشتعاله الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي.

الدونجوان ومطاردة المآلات الخاسرة

يُورد الكتاب نموذجَ الدونجوان الذي يعيش غزوات الحب والمغامرات العاطفية، كمثال عن اشتعال الحب وعن سُنّة اشتداد الحب. فالدونجوان يحتقر الزواج وخطر الاستقرار والملل الناتج عنه والرتابة التي تهدد ثورةَ الحب واتّقادَه. لا يتردد الدونجوان في تدمير الزواج ومغازلة الزوجات والاستهزاء بأزواجهنّ، ليُبقي الدونجوان على توتّر حبّه وعنفه واشتداد عاطفته، ساعياً إلى غزوة جديدة في الحب، ليستهدفَ حباً جديداً يُشكّل انتصارُه فيه نشوة تُحرِّكه. لا يعني ما سبق أن الدونجوان لا يستشعر ألم نهاية الحب، بل يقع كل مرة في حالة من الأسى لخسارته لجانب من الحب الذي يعيشه وينشده. بالتالي، يعاني الدونجوان من شقاء الخسارة ويُدرك مفارقة الحب وما تُولِّده من ألم. يفكك العظم بالمقابل قيمةَ الوفاء كفرضٍ اجتماعي، وكيف تحرم الإنسان من وَمضة الحب وحرارته، وكيف يتحول الوفاء كواجب وإلزام إلى قمع لحاجة الروح للحرية والاستكشاف والصدق في العواطف. يقع بعض العشاق-ات في وهم وعود الوفاء، التي يدفعهنّ-م لها الرغبة العارمة باقتناص حرارة الحب وتخيُّل دوامها إلى الأبد. كما يضيف أنه لولا هذا الوهم لتسللت الشكوك إلى الحب ومنعته من الاتّقاد. يزول هذا الوهم مع إدراك العشاق أن استمرار هوية الحب مع حفاظه على التوهّج أمرٌ غير ممكن.

ملامح دونجوانية في الشخصية العذرية

في مراجعة قصص الحب العذرية الأشهَر كما نقلتها الروايات والقصص والأشعار، يُركّز الكتاب على قصة جميل بثينة، في سياقٍ اجتماعي كان الغزل العلني فيه مرفوضاً ويؤدي إلى منع ارتباط العشّاق إن شَهَّرَ أحد الطرفين، الذي يكون الرجل في غالب الأحيان، بحبه. كيفَ، والحالُ كذلك، يندفعُ جميل ليُصرّح بحبه لبثينة مع علمه بهذه الشرطية؟ لماذا تَغزَّلَ بها وجَاهَرَ مع علمه بضريبة هذا السلوك؟ 

يرى العظم أن جميل فعل ما بوسعه لعرقلة «ارتباطه المقدس» ببثينة، كما جاهرت هي بدورها بحبها له، وبالتالي ساهمت في عرقلة ارتباطهما. مُنِعَ العاشقان من الارتباط واللقاء إلا خلسة بعد كسرهما لعُرف القبيلة. 

جاهر بثينة وجميل بحبهما حيث أرادا الاحتفاظ بشعلة هذا الحب. فتزوجت بثينة برجل وصفته الروايات بأنه «قبيح ودميم»، واستمرّت على الرغم من ذلك بمواعدة جميل. يُشكّك الكتاب في ادعاءات عذرية هذا الحب، إذ كان الاثنان مصرين على اللقاء رغماً عن مُجتمعهما وزواج بثينة، التي كان جميل يقضي الليالي عندها. يقدّم الكتاب أمثلة تُبيّنُ افتضاح أمر بثينة وجميل أمام العائلة في أكثر من مناسبة، حيث تم الإمساك بهما في منزل الزوجية. بالتالي، يتفكّر العظم بمن يستحق بهذه الحال شَفقَتنا أكثر، الزوج المخدوع «الذي كان كريم النفس فخجل» أم العاشقان في هذه الحال؟ (ص 67). مُضيفاً أن جميل أستندَ في تماديه على قوة عشيرته وقوة سيفه، لذا لم يكن يهاب أهل بثينة وكان يتفاخر بقوته عليهم.

هناك تقاطعات بين شخصية العاشق العذري والدونجوان إذاً. فعائلة بثينة وقانون القبيلة يُمثّلان للعاشقَين القيم التي تفرض رابطاً قد يقتل اشتداد الحب مع مرّ الزمن، وهو ما يحاول العاشق العذري تجنبه، تماماً مثل الدونجوان الذي لا يضع النهايات التقليدية المستقرة نصب عينيه في مغامراته. لكن هناك اختلافات جذرية بين الشخصيتين أيضاً، فعلى عكس الدونجوان لا يبدّل العاشق العذري عشيقاته، بل يستمرّ بالجري خلف حُبّ واحد مستحيل. رغم الألم الذي يعاني منه هؤلاء، إلا أن العاشق العذري يوقد حُبَّه عن طريق العوائق والتحديات التي تحول دون وصله لحبه وشفاء قلبه. وكلما ازداد الحب اشتداداً زاد الألم، الذي قد يصل بصاحبه للجنون، حيث تُذيب نار الحب عقله ويهيم في الصحراء. وما كان جميل يريده هو عشق بثينة لا بثينة ذاتها. كذلك، يرى العظم أن اندفاع العشاق للحبّ مصحوبٌ بالمغامرة والإثارة، التي تأتي من تحدي التقليد. 

في خاتمة الكتاب، تحت عنوان «خواطر أخيرة»، يُلخّص العظم صفات الحب العذري مع توصيف للجانب المَرَضي فيه، ومع الإشادة بموهبة أولئك الشعراء وأعمالهم، مُحلِّلاً وجود حاجة عامة على مستوى الخيال والشعور لنموذج يعلو فيه الحب فوق جميع الظروف، مُقدٍّماً أدوات تُمكٍّننا من التعامل مع منظومة القيم التي قد يتحجّر بعضها بطريقة تمنعنا من الحب والاستمتاع به، لصالح قيم إجبارية مثل الوفاء والعفّة والنزوع للسكون. يفنّد الكتاب في هذا الفصل أيضاً وهمَ الحب الناتج عن ثقافة الكبت التي تولِّدها القوانين الاجتماعية المَرَضية، لتكون الخاتمة أشبه بدعوة لتحرير الإنسان من أسطورة الإثم الفطري وضرورة الانفتاح المجتمعي على الإرادة الحرة، مُعوِّلاً على دور المجتمع الحديث ومسؤولياته التي تُخفّف العبء عن الأسرة، وبالتالي تسمح للأفراد بحرية الاختيار. فالحبُّ في الأزمنة المعاصرة لا يقوم بحثاً عن الأمان الاقتصادي ولا على تبعية أحد الأطراف، بل هو تجلٍّ للعاطفة العفوية والصادقة كمُحرِّك للقلوب.