«كل مواطن خفير»؛ عبارة لطالما استُعمِلَت في السياق السياسي والأمني في بلدٍ يحكمه الأمن الذاتي والميليشيات الطائفية والمناطقية كلبنان، وهي عبارةٌ تحمل حسّاً مخابراتياً واضحاً. وإذا كانت هذه العبارة تتجسد في شخصية، فهي حتماً شخصية «عادل الفسّاد» في مسلسل ضيعة ضايعة الشهير، التي وإن كانت شخصية من السياق السوري إلّا أنها تُمثّل بُعداً لبنانياً أيضاً، عندما كان مخبرون لبنانيون يعملون لصالح المخابرات السورية في أيام وجود النظام السوري في لبنان؛ أو شخصية بحري، المخبر لدى العثمانيين في فيلم سفر برلك اللبناني (1967، إخراج هنري بركات وبطولة فيروز) وإن كانت شخصية مُتعاون مع السلطات في زمن العثمانيين وليس في زمن الدولة اللبنانية.

لكن، من أين جاءت عبارة «كل مواطن خفير» وإلى أي حقبة زمنية تعود؟ وما هي أسباب وأبعاد عودتها الآن إلى المشهد السياسي اللبناني؟

سعيد تقي الدين: «كل مواطن خفير»

يعودُ أصل العبارة إلى الأديب اللبناني سعيد تقي الدين، الذي أسَّسَ شبكةً قيل أنها لكشف عملاء إسرائيل في لبنان عام 1954، وذلك بعد انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1951. وكان تقي الدين قد سافر إلى الفلبين عام 1928 وعاش أغلب حياته هناك، قبل أن يعود إلى بيروت ويتولّى رئاسة جمعية متخرجي الجامعة الأميركية فيها، كما أنه تولّى منصب عميد الإعلام والشؤون الخارجية في الحزب السوري القومي الاجتماعي. وهو كاتب مسرحي ساخر أيضاً، وله العديد من المسرحيات السياسية الساخرة مثل الدرب الموحشة ولولا المحامي ونخب العدو، ويُعتبر من أبرز وجوه الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى يومنا هذا.

ولكن عبارة «كل مواطن خفير» لم تكن أشهرَ عبارة لسعيد التقي الدين، الذي يكاد يكون معروفاً بعبارة وحيدة بين مُستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهي عبارة «الرأي العام بغل» التي كثيراً ما تُستخدم في المقالات والمنشورات السياسية والاجتماعية، وهي مقولة فوقية جداً تجاه عموم المواطنين، الذين يُحمّلهم بعض المثقفين والسياسيين مسؤولية مشاكل النظام السياسي في البلاد.

غسان حاصباني: «كل مواطن خفير»

في 11 كانون الأول (ديسمبر) الماضي وقعت جريمة قتلٍ لشرطي تابع لبلدية بيروت في الجميزة، وسط العاصمة، الأمر الذي أدى إلى استنفار جميع نواب المدينة مع المحافظ والأمن، ليتمَّ القبض على الفاعل خلال فترة قصيرة. ومن سوء حظ السوريين أن المجرم سوري الجنسية، ما أدى إلى اجتماعات متتالية لنواب المدينة، وعلى رأسهم غسان حاصباني، وزير الصحة السابق والنائب الحالي للقوات اللبنانية، والحامل للواء «الأمن الذاتي» وضرورة «تطهير» المنطقة من السوريين.

بعد أربعة أيام فقط من الجريمة، عاد نواب الأشرفية للاجتماع ومعهم أعضاء من بلدية بيروت، وأطلق حاصباني مبادرة «كل مواطن خفير» من خلال منصّة تسمح للبنانيين بتصوير أي شخص مشبوه، وتحميل صورته على المنصة للتبليغ عن الوجود غير الشرعي في بيروت. وقد أُطلق على المنصة اسم «تبليغ»، ولم يُكشف بعد عن الجهة أو الشخص الذي يقف وراء تمويلها، ولم يُعرَف بعد ما إذا كانت من أموال البلدية، أي من أموال اللبنانيين؛ أم من أموال حاصباني وزملائه الخاصة. كذلك، لم تُطلق المنصّة رسمياً بعد، بل تم إطلاق نسخة تجريبية لفترة قصيرة، ثم سُحبت من على الإنترنت إلى حين الانتهاء من التعديلات التقنية عليها.

خطورة المنصّة اجتماعياً

تكمن خطورة منصة «تبليغ» الأساسية في تنصيب المواطنين قضاةً على اللاجئين والعمّال والمقيمين في لبنان من خلال إعطائهم سلطة على هؤلاء الأشخاص المُهمَّشين في المجتمع. وقال المركز اللبناني لحقوق الإنسان في بيان له: «إن مبادرة نائب بيروت غسان حاصباني الجديدة تحت عنوان ’كل مواطن خفير‘، والتي أَطلق من خلالها تطبيق منصة تبليغ خلال مؤتمر صحفي ضد ما سماه ’الوجود غير الشرعي في بيروت، وتحديداً الأشرفية‘، هي ذات أبعاد سلبية ولها تبعات خطيرة، إذ أنّها تُشجّع على العنصرية والتحريض». وأعرب المركز اللبناني لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه، مستنكراً «هذه الوسائل التحريضية من خطابات واستخدام للتكنولوجيا الرقمية في بث خطاب عدائي وتهميشي».

تساهم هذه المنصة، في حال إطلاقها وتفعيلها، بتنصيب الناس مكان الدولة وتعزيز ثقافة الأمن الذاتي والتشبيح والبلطجة. هذا ما رأيناه في سوابق عدة في مختلف المناطق اللبنانية، عندما يقبض «الأهالي» على لص في الحي أو المنطقة، فيقومون بربطه وتعذيبه وإهانته وتصويره قبل تسليمه للأمن، خاصةً إذا كان من الجنسية السورية. سيزيد هذا التطبيق مشاهد انحلال الدولة وغيابها، وسيُساهم في ترك الأمن الاجتماعي لأهواء المواطنين وأفكارهم ومدى كرههم أو خوفهم من «الغريب».

الملفت في الأمر هو ضعف الاستنكار لهذه المبادرة عموماً، وغيابه من قبل نواب «المعارضة» أو ما يعرف بنواب التغيير، والنواب عامةً، رغم ما تُمثله مبادرات كهذه من خطورة أمنية كبيرة على المجتمع، ذلك فضلاً عن التساؤلات بشأن قانونية هذا التطبيق أصلاً.

تلاقي الخصوم على اسم مشترك بعد 70 عاماً

من الساخر أن يكون حزب القوات اللبنانية قد استعار اسمَ حملته من الحزب القومي السوري بعد مرور 70 عاماً عليها، عن علم أو عن غير علم. وبالفعل، كانت مواقع قريبة من الحزب القومي قد اتهمت حاصباني بسرقة هذه «الفكرة العظيمة»، التي بات الحزبان يتشاركانها الآن!

فالقوات اللبنانية، التي اغتيلَ زعيمها بشير الجميل عام 1982 على يد حبيب الشرتوني، أحد عناصر الحزب السوري القومي، باتت تشترك مع الحزب ليس في هذا الشعار فقط، بل أيضاً في الموقف من اللاجئين السوريين، ليصبح الترحيل مطلب القوات كما هو مطلب أحزاب في تيار الممانعة، ومنها القومي.

«بات من الضروري عودة كل النازحين في لبنان إلى مدنهم وبلداتهم»؛ هكذا كان موقف الحزب القومي تجاه اللاجئين في نيسان (أبريل) من العام 2023، وهو موقف القوات اللبنانية نفسه أيضاً. وللمفارقة، فإن حزب القوات اللبنانية يدافع عن استقلال لبنان التام عن محيطه، فيما يدعو الحزب القومي إلى توحيد سبعة بلدان تحت مسمى سوريا الكبرى أو الأمة السورية، ويتّهم حزب القوات بالانعزالية والرجعية.

وهكذا فإن «الانعزاليين» وأصحاب نظرية سوريا الكبرى، الذين يختلفون إيدولوجياً على عناوين كثيرة، متفقون على ضرورة إعادة اللاجئين إلى سوريا حيث يسيطر النظام السوري، دون أي اعتبار لحماية وأمن هؤلاء الناس، لا بل يشتركون أيضاً في الحديث عن نظريات المؤامرة والتوطين، ويتهمون الهيئات الأممية ومفوضية اللاجئين بدعم اللاجئين تحت أجندة التوطين.

الإعلام يسبق المواطن الخفير

لا تنتظر قنوات الإعلام التقليدية، وخاصة قناة MTV، غسان حاصباني ومبادراته، ولا إطلاق المنصة إلكترونياً، كي تشارك في التحريض على اللاجئين. في 31 كانون الثاني (يناير) الماضي، استقبل الإعلامي اللبناني الشهير مارسيل غانم جمعية تُدعى «بيت لبنان العالم»، وخلال تلك الحلقة تمّ عرض أربعة فيديوهات عنصرية ومُهينة تجاه اللاجئين السوريين. وقد استُعملت صور لاجئين منتزعة من سياقها في تلك الفيديوهات التمثيلية، فهل أخذوا إذناً منهم؟

في أحد الفيديوهات يُعدِّد «ابراهيم» عائلته المكونة من 7 أطفال، والفارق بين كل واحد منهم سنة واحد فقط، كما أن زوجته حاملٌ أيضاً، وتُختتم الحملة بعبارة: «UN do the damage». 

عرض مارسيل غانم الفيديوهات التحريضية التي أنتجتها تلك الحملة، مُعطياً مساحة واسعة لهذه الجمعية المجهولة، وهذا غير مثير للدهشة طبعاً، إذ يكاد لا يمر أسبوع دون أن يتم التحريض على اللاجئين في برنامج صار الوقت، سواء من قبل غانم نفسه أو الجمهور، أو الضيوف الذين يضلّل بعضهم الرأي العالم بنظريات اقتصادية مغلوطة وأرقام هائلة غير واقعية عن الأثر الاقتصادي للّجوء على لبنان.

في النهاية، يبدو أن كلّ «مواطن» وإعلامي وسياسي ومسؤول أمني يمكن أن يصبح «خفيراً» في هذه البلاد، بل وقاضياً أيضاً، على حياة اللاجئين ومشاكلهم. لا بل إن العبء الاقتصادي والانهيار المالي الذي يتحمّلُه اللبنانيون منذ بدء الأزمة الإقتصادية عام 2019، أصبح مسؤولية اللاجئين، فيما يساهم الإعلام اللبناني التقليدي في ترسيخ وتكريس هذه الفكرة، جنباً إلى جنب مع الأحزاب اللبنانية، عبر نشر معلومات وأرقام غير دقيقة عن مدى تأثير النزوح على لبنان. تنطلي هذه البروباغندا على الكثير من الناس، ليصبح هذا الخطاب شعبياً جداً، ويصبح موضوع عودة اللاجئين أولوية لدى أغلب القوى السياسية اللبنانية، وحتى لدى نواب التغيير أو النواب الجُدد. 

والآن، يأتي مشروع «كل مواطن خفير» ليكون مشروعاً لإشراك اللبنانيين في حملة الكراهية والتضليل تجاه اللاجئين، الذين يتم تحميلهم مسؤولية التفلّت الأمني والجرائم والسرقات، وبالمقابل يتم تحميل اللبنانيين مسؤولية الأمن الذاتي في بيروت، الأمر الذي يحمل تداعيات خطيرة، ليس فقط على مستوى العلاقة بين اللبنانيين والسوريين، بل بين اللبنانيين مع بعضهم بعضاً أيضاً.