مقدمة

يبقى السؤال عن معنى العروبة حاجة مُلحّة، ولا يعود هذا إلى دور الحركات القومية العربية التي شكَّلت عالمنا السياسي منذ منتصف القرن العشرين فحسب، بل يتعدّاه إلى تجلّيات العروبة خلال الربيع العربي. فقد ظهرت المنطقة العربية خلال عقد الربيع العربي باعتبارها مجالاً سياسياً-ثقافياً موحداً تستدعي أحداثُهُ السياسية بعضها بعضاً في سلسلة متصلة، فانطلاق الثورة في تونس لعب دوراً في انطلاقها في مصر، والانتفاضات في سوريا وليبيا لم تكن ممكنة ولا حتى كان يمكن تَخيُّلها خارج سياق الثورات العربية الأخرى. 

ما يَصدقُ على الثورات العربية يَصدقُ أيضاً على مُواجهتها وقمعها، فمن دون السياق العربي الداعم والحاضن، سياسياً واقتصادياً، لم يكن للقمع الهائل للانتفاضات العربية ولا للثورة المضادة أن تكون أموراً ممكنة. المواجهة بين الجبهتين لم تكن محصورة أو معزولة في كل بلد عربي، بل كانت مواجهة ممتدة على كامل الرقعة العربية. 

ثمة نقطة أخرى يمكن تأمُّلها في سياق الربيع العربي، وهي أنه لا يمكن عزل معنى «العروبة»، بوصفها هوية مُحدِّدة لهذا المجال الثقافي-السياسي، عن تاريخها المرتبط بشكل مُحكَم مع الحركات القومية العربية التي وصلت ذروتها في منتصف القرن العشرين، وأنتجت أنظمة سياسية قومية عديدة لعبت دوراً حاسماً في تشكيل واقعنا السياسي الراهن؛ أنظمة قومية-عربية خَرجتْ الشعوبُ العربية منتفضةً عليها. وبهذا يمكن اعتبار الربيع العربي، بمعنىً ما، تصفيةَ حسابٍ تاريخي مع القومية العربية. غير أن البُعد العربي المتجلّي خلال الربيع العربي نفسه لم يكن ممكناً، إلا عبر نجاح فعلي للقومية العربية في تحقيق مكانة حاسمة للعروبة في تَخيُّل العرب لأنفسهم باعتبارهم أمة أو جماعة مميزة عن غيرها.

هذان البُعدان للعروبة: الواقع الثقافي-السياسي والهوية المؤسِّسة للحركة القومية، يجعلان من التأمل وإعادة التأمل في معنى العروبة مسألة لا مفرَّ منها، باعتبار أن هذين البعدين لا يعنيان بالضرورة اتّساقاً لهذا المعنى، بل على العكس، إذ يمكن أن يكونا، كما ظهر خلال الربيع العربي، مصدراً للنزاع المرتبط بالتباين حول تحديد معنى العروبة وما يرتبط به من سياسات وأفعال. فقد خرج العرب ضد أنظمة قومية عربية، وواجهَهم تحالفٌ من أنظمة الثورة المضادة والأنظمة القديمة على أساس من قاعدةٍ عربية. لقد كان الجميع يتصارعون على أرضية العروبة، وباسمها، في داخل هذا الإطار الجامع المُسمَّى الوطن (أو العالم) العربي.

كذلك لا يمكننا التغاضي عن أن العروبة حملت بدورها وجهاً مزدوجاً، في كل بلد عربي على حدة، فيما يتعلق بسؤال الوطنية وبناء الأمة. فشعوب البلدان العربية لا تقتصر على العرب فحسب، بل هناك الكُرد والأمازيغ والفور وغيرهم، وهنا كانت العروبة مصدراً للنزاع والشِقاق وسبباً في صعوبة بناء أمة-دولة. لكن أيضاً كان للعروبة وجهٌ وحدوي، إذ حين ينقسم العرب في كل بلد عربي إلى طوائف وأديان وعشائر، تصبح العروبة هي الهوية الجامعة التي يُعتَصَمُ بها لتجاوز الانقسامات والنزاعات الأهلية.

العروبة، كواقع ثقافي -سياسي حقيقي من ناحية، وكهوية مفتوحة على معانٍ مختلفة ومتفاوتة من ناحية أخرى، تفرض علينا دوماً إعادة النظر فيها والتساؤل «عمّا يعني أن تكون عربياً»، كما عبَّرَ عزمي بشارة عن هذا ذات مرة.

العروبة مفهوم تاريخي

من المفيد التذكير بملاحظة ممتازة لإرنست غيلنر لدى تناول أي هوية شَكَّلَت أساساً لحركات قومية، وهي أنه لا يمكن فهم القومية انطلاقاً من تصورات القوميين عنها. وهكذا فإنه لا يمكن لنا فهم العروبة اعتماداً على تصورات القوميين العرب عنها، فهي تصورات لم يكن هدفها النظر في التحولات التاريخية والاجتماعية لهذه الهوية، بل إنتاج إيديولوجيا حول هذه الهوية التي أَمسَتْ هوية مُصمتة متعالية على التاريخ، لها معنىً أصلي لا يكون التاريخ إلا مسرحاً لتجليّاته المتعاقبة.

يمكن أن تكون الملاحظة الأولى حول الطبيعة التاريخية للعروبة هي الحدود الجغرافية للعالم العربي. فالعروبة، كما عبَّرَ عنها حَمَلَتُها في بلاد الشام في مواجهة الحكم العثماني، لم يكن مداها يتجاوز بلاد المشرق العربي، حتى أنه كثيراً ما كان متداخلاً مع البلاد السورية أو بلاد الشام. كما أن عروبة ذلك العهد لم تكن فكرة صلدة ومؤطَّرة بصرامة إيديولوجيّة كما ظهرت لاحقاً لدى التيارات القومية العربية. مصر، مثلاً، لم يبدأ تعريبها؛ بمعنى إدماجها في عالم عربي واحد ومُرتبط ببعضه سياسياً، إلا ابتداءاً من ثلاثينيات القرن العشرين، وتم هذا التعريب بشكل فعلي في الفترة الممتدة من النكبة حتى صعود الناصرية مع التأميم والعدوان الثلاثي.

النظر إلى العروبة باعتبارها مفهوماً تاريخياً يعني أن معنى العروبة تَحوَّلَ واختلفَ خلال التاريخ، وأنه كان مسرحاً للصراع والنزاع من طرف جماعات مختلفة لإعطائه معانيَ مختلفة بحسب تصورات ومصالح هذه الجماعات. فمعنى العروبة كان موضوعاً للهيمنة من قبل أطراف مختلفة فيما يتعلق بتحديده ومن ثم تحديد مصادر الشرعية التي يمكن أن يحوزها هذا الطرف المهيمن. الحرب الأهلية العربية الباردة خلال الستينيات كانت بدورها حرباً على معنى العروبة بين تصورين مختلفين لها؛ التصور القومي الذي حمله الناصريون والبعثيون في مواجهة تصور مُحافظ عن العروبة حملت العربية السعودية لواءه. إذن لم يكن النزاع بين العروبة وأعدائها كما عبَّرَت عنه السردية القومية، بل كان بين تصورات مختلفة عن العروبة، وهكذا فإن معناها مُتحوِّلٌ تاريخيٌ مرتبطٌ بالصراعات ومساعي الهيمنة. مهمة الإيديولوجيا كانت في الحالتين تثبيت معنى العروبة المُستمَدّ من التصورات الخاصة لكلّ من التيارين القومي والمُحافظ ، وذلك بوصفه المعنى الحقيقي في مواجهة المعنى الآخر المُزيَّف؛ «العروبة في مواجهة أعدائها» كان يمكن أن يكون شعاراً للطرفين المُتنازعَين.

العروبة والجماعة الوطنية

يظهر للعروبة وجهان في أي لحظة تحديدٍ لمعناها السياسي. يمكن وصفُ هذين الوجهين بالتقدمي والرجعي (أو السلبي والايجابي)، والتقييم هنا يُحيل إلى علاقة هذه العروبة بتوسيع مجال الحرية والفعل للبشر الذين يتداخلون مع هذا المفهوم. فالعروبة، إيجابياً، ارتبطت بالسعي إلى علاقة مُواطَنة قائمة على المساواة بغض النظر عن الانتماءات الدينية والطائفية بالنسبة للمسيحيين على سبيل المثال في بداية القرن العشرين، وبهذا وَجدَ المسيحيون فرصة في العروبة لبناء هوية تجمعهم على قدم المساواة مع المسلمين. كذلك كانت العروبة بالنسبة للمسلمين العرب فرصة للتحرُّر من التسلّط التركي وتحقيق استقلال ذاتي. لكن العروبة نفسها كانت، سلبياً، علاقةَ تَسلُّط تجاه مجموعات لم تُعرِّف نفسها بها ولم تنظر إلى ذاتها من خلالها، مثلما حصل مع الكُرد أو الأقليات الأفريقية والأمازيغية، التي تعرضت للاقصاء والتهميش باسم العروبة نتيجة عدم انتمائها للثقافة المهيمنة الخاصة بالحاكمين. بهذا المعنى لعبت العروبة دوراً في التهميش والإقصاء والإخضاع لجماعات معينة كونها ليست عربية، أو لا تنتمي إلى هذه الثقافة المركزية في مجال السلطة. وقد لاحقَ أبكر آدم إسماعيل في كتابه جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان دورَ الثقافة/الهوية العربية-الإسلامية في تشكيل «المركز-الهامش» للدولة الحديثة في السودان، بِدءاً من فترة الحكم المصري-الإنكليزي وصولاً إلى الدولة الوطنية. فالثقافة العربية-الإسلامية شكَّلت المركز في عملية بناء الدولة، وبالتالي كان الانتماء إليها أو القُرب منها يحدد الموقع من المركز والهامش، ومن ثم إمكانية حيازة السلطة والثروة.

هذا التوتر بين وَجهَي العروبة كان حاضراً دوماً، ومنذ البدايات، وهو ما حصل مع العديد من التمردات أو التحركات المتوجّسة من الدول العربية الناشئة، كما حصل مع تمرد الآشوريين في العراق 1933، والتحركات المناهضة للحكم المركزي في منطقة الجزيرة السورية خلال عقد الثلاثينيات، والعلاقة المتوترة بين الكُرد والدولة العراقية طوال تاريخها.

لاحقاً ومع هيمنة السياسات القومية على تحديد معنى العروبة، وبالتالي تَحوُّلِ العروبة بشكل متزايد إلى سياسات قومية عربية، ازداد البعد الإدماجي للعروبة ومعه الوجه التمييزي والإقصائي، وتصاعد دورها في تسويغ سياسات هيمنة وتسلّط في الدول العربية المستقلة حديثاً وفي تبرير سياساتها. وبهذا الشكل لعبت العروبة بشكل متزايد دوراً مُعاكِساً لدورها في البدايات، فانتقلت من كونها هوية ذات بعد تَحرُّري تسعى إلى تحسين أوضاع جماعات من الناس وتحريرهم من الهامشية والاقصاء، إلى هوية تقوم بشكل متزايد بإقصاء مجموعات أخرى، وتأمين الشرعية لنسق تمييزي من الحكم وإسباغ الشرعية على «السلطة وعلاقاتها». لم يقتصر هذا البعد التمييزي على الآخرين من غير العرب، بل وبمكر التاريخ تحوَّلَ تجاه العرب أنفسهم. فالعروبة نفسها بدأت تضيقُ على أبنائها، وخاصة الذين حملوا رايتها في البدايات، وهكذا ضاق معنى العروبة بشكل متزايد ليُبعِدَ المسيحيين والشيعة، ومن قبلهم اليهود. ويبدو هذا المآل الذي عرفته القومية العربية مساراً حتمياً للحركات القومية بعد طورها الإيجابي، الذي يرتبط عادة بالتحرُّر من الاستعمار أو بالدفاع عن سيادة الأمة في مواجهة ادّعاءات أخرى للسيادة مثل الحكم المَلَكي المطلق أو الديني، ثم يؤول الحال بهذه الحركات إلى تكوين بيئة حاضنة للفاشية، هذا إن لم تتحول بدورها إلى فاشية تامة، وهو ما يمكن مُلاحظته فيما يتعلق بادّعاءات «سيادة الأمة» في سياق أنظمة جمهورية، إذ يتحوّل معناها عند الحركات القومية إلى معنىً شبه فاشي. 

القومية العربية والشرعية السياسية

تمثّلت أعسر المعضلات التي واجهت العروبة، مُمثَّلة بحركات القومية العربية، في انعدام قدرتها على تطوير سياسات ذات مضمون إيجابي تجاه الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية والمواطنة، رغم تبني العديد من المفكرين القوميين العرب من الرعيل الأول تصورات ديمقراطية ليبرالية متفاوتة عن الحياة السياسية.

فقد غاب التفكير بالدولة عن الفكر القومي الذي انشغل كثيراً بسؤال الأمة، وبالدفاع عن فكرة أن العرب أمة تامّة، ولم تحظَ الدولة العيانية التي نُعايشها بأي اهتمام يُذكَر من طرف الفكر القومي، وذلك باعتبارها دولة عديمة الشرعية ومصطنعة من قبل الاستعمار، فيما الدولة الشرعية الوحيدة هي الدولة القومية الجامعة للأمة العربية؛ دولة الوحدة العربية. لهذا لم يُعْنَ الفكر القومي بطرح أسئلة الشرعية والتمثيل السياسي والديمقراطية في إطار الدولة الحالية، التي باتت أسئلة مُؤجَّلة إلى حين تحقيق الدولة القومية، لأنها الإطار الوحيد الذي يُعطي لهذه الأسئلة معنىً وشروطَ تَحقُّق. بمعنىً آخر، صارت أسئلة الدولة والشرعية السياسية موضوعياً أسئلة طوباوية ومؤجَّلة طالما أن مَناطها هو الدولة القومية التي هي دولة الطوبى. هكذا غابت الأسئلة السياسية الأكثر راهنية حول طبيعة علاقة الشعب بالدولة وأشكال الشرعية والحرية ومعنى الديمقراطية، لينحصرَ أُفق الحركات القومية العربية في مطلب الوحدة والتأكيد على أن العرب أمّة. أما الحرية، المرفوعة شعاراً، فهي لم تتجاوز معنى التحرُّر من الاستعمار ولم تحمل تصوراً عن الحرية السياسية.

انطلاقاً من هذه المقاربة، لا يكون الشعب المُتعيِّنُ الذي يسكن جمهورية سوريا مثلاً مصدرَ الشرعية، فالشرعية تعود للأمة العربية ولتحقيق مصالح وأهداف هذه الأمة التي تتجاوز الدولة نفسها. الأمة صاحبة السيادة والشرعية لا يمكن التعبير عنها سياسياً طالما أنها تتجاوز الدولة، ولكن يمكن للحركة القومية أن تؤسِّس شرعيتها وشرعية نظامها الحاكم انطلاقاً من كونها الناطقة باسم الأمة العربية. وهنا نقف أمام المفارقة العربية، شرعية النظام القومي تقوم على نفي شرعية الدولة التي يحكمها من جانب، وعلى النُطق باسم الأمة صاحبة السيادة، وهي الأمة التي لا يمكن تمثيلها سياسياً، من جانب آخر. هذه المفارقة تسمح بنزع السياسة عن الشعوب العربية (الشعوب التي تقطن دولاً محددة، الشعب السوري أو العراقي وهلم)، التي لا يمكن تمثيلها سياسياً كونها لا تُطابق الأمة صاحبة السيادة.

كان حصاد العروبة التي عبَّرت عنها الحركات القومية، من خلال سياسات إدماجية متمركزة على الأمة المُجرَّدة والمتعالية على التاريخ، هو إقصاء وتهميش غير العرب، وتسويغ سياسات الهيمنة والتسلط، وتعزيز أشكال حكم سلطوية عبر تجاهل قضايا الحرية والشرعية والديمقراطية وتأجيلها إلى الزمن الوحدوي.

الربيع العربي وإمكانية أخرى

قدَّمَ الربيع العربي في بداياته الأولى خيارات مُغايرة لمعنى العروبة، أو أفقاً جديد لها يقوم على الانتقال من الأمة إلى الشعب، ومن التمركز حول المُجرَّد إلى الاهتمام بالعياني، وبإمكانات بناء سياسات إيجابية فيما يتعلق بالديمقراطية والشرعية والعدالة. هنا تجلَّت العروبة كنطاق ثقافي يربط العرب في بلادهم العديدة، دون أن يلغي تبايناتهم وحاجاتهم «القُطرية» للشرعية والحرية والعدالة. مع الربيع العربي، صار ممكناً للعروبة أن تغادر «القومية» إلى «الثقافة»، وأن تصبح بالتالي أكثر ميلاً للتمثُّل بالهوية الأوروبية منها للتمثُّل بالقومية الألمانية أو الإيطالية الذي ساد الدوائر القومية.

ليست هذه دعوة للتخلّي عن العروبة، إنما لإعطاء معنىً أكثر إيجابيةً لها في إطار الصراع على الهيمنة، وإلى تحديد ما نعنيه بالعروبة من خلال اعتبارها هوية مفتوحة على تأويلات عديدة ممكنة؛ عروبة تُفسح المجال للتفكير بالشرعية السياسية والحرية دون أن تكون هوية إدماجية ومُسوِّغة لتراتبيات سياسية بين الجماعات المختلفة. 

مآلات الربيع العربي تُظهِر أن طريق الديمقراطية شاقٌّ وطويل، وأن النزاعات اللاحقة التي استنفرت العروبة، باعتبارها إيديولوجيا السلطة أو أحد المتحاربين، تشير إلى مدى صلابة البُعد الإدماجي والتسلُّطي للعروبة كما في سوريا والعراق والسودان. معنى «العروبة» رهانٌ تقرره شعوبنا، وهو ساحة مفتوحة للصراع من أجل تحديد ما نريده منها، بما في ذلك التخلّي عنها. إنه معنىً نُسهم جميعاً في تحديده، أياً تكن النتيجة التي سنخلصُ إليها.