إذا أمكنَ تعريفُ الطائفية بأنها صناعة الطوائف بِدءاً مما هي روابط دينية أقل تشكُّلاً(1)، كان أساسُ الطائفية إضفاءَ شكل على هذه الروابط ضعيفة التشكُّل، وبالتالي نصبَ الحدود بينها، بالنظر إلى أنه ليس هناك شكلٌ دون حدود. ووفقاً لهذا التصور فإن أساس الطائفية لا يقع في الطوائف، ليس في داخل كلٍّ منها أو موزَّعاً عليها، بل في الحدود الفاصلة بينها. فهي لا تقوم كطوائف أصلاً دون عمليات التشكيل والتحديد.

حدود أكثر، تبادُلات أقل

الطائفية صناعةُ حدود ورعايتها، أو أن صنع الطوائف هو صنع الحدود بينها والحرص على دوامها. وتُصنَع الحدود لأنها ليست مرسومة تلقائياً في أسماء الجماعات من سنيين وعلويين وشيعة ودروز واسماعيليين، ومسيحيين، وغيرهم، أو في التمايزات الدينية والمذهبية بينها، فلا يكفي دوام الاسم من أجل دوام المسمى. الطائفية هي ما يلزم من أجل أن توجد الطوائف وتدوم. ودوام الطائفية ذاتها هو مسألة “خلق مستمر”، رعاية متجددة للحدود، عمل متواصل. ومثل كل الصناعات، تخفق هذه الصناعة دون العمل الطائفي، فتتجه الحدود بين الطوائف إلى الامحاء بأثر التفاعلات الاعتيادية بين الناس في مجتمعات مختلطة، التفاعلات البشرية (تبادل البشر بين الجماعات) واللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

تتبادل الجماعات البشرية «الكلمات والأشياء والنساء» بحسب كلود ليفي ستروس، ويتشكّل منها ثقافة ومجتمع مُتجاوِزٌ للقرابة عبر ذلك. مُتجاوزٌ كذلك للقرابات المُتخيَّلة مثل الطوائف. بناءُ الحدود هو الحدّ من تبادل الكلمات، والأشياء أو السلع، ومن حركة النساء بين الجماعات الأبوية. إذ يمكن أن يُقاس تقدّمُ الطائفية بانحسار الزيجات البينية أكثر من أي شيء آخر، ممّا يبدو مُحقَّقاً بالفعل في العقود الأخيرة، وإن كان لا يبدو أنه أُجريَت بحوث تجريبية في هذا الشأن(2). وقد يمكن فهم الاغتصاب في إطار اختراق حدود العدو واحتلال أجزاء من مجاله، عبر انتهاك نسائه، لكنه عبر ذلك رفعٌ للحدود النفسية والسياسية بين الجماعات وتصليبٌ لأجساد جماعات المُنتهِكين والمنتهَكين معاً(3).

وتتراتبُ الرساميل الرمزية والقوة الترويعية للّهجات في سورية بحسب ما تدلّ عليه من منابتُ مُحتمَلة لأصحابها، وقربٌ مُحتمَل لهم من دوائر السلطة الفعلية. ما يُفترض أنها «اللهجة العلوية» هي التي اقترنت بأجهزة المخابرات وإنتاج الخوف، ويحدث أن تُصطَنع من غير علويين لِما أخذت تحوزه من قوة ترويع. ورغم أن لفظ حرف القاف قافاً، وليس همزة، أوسع نطاقاً من هذه اللهجة في سورية، فهي تُلفظ هكذا في دير الزور والسويداء والحسكة ومناطق من حلب وإدلب…، إلا أن «القاف المقلقلة» التي «طغت في شوارع دمشق ومقاهيها وغرف الانتظار في الوزارات»، بحسب سامي الجندي في كتابه البعث(4). صارت تُحيل إلى اللهجة العلوية منذ أواخر ستينات القرن العشرين، وهذا مع تراتُب ضمني يُطابق بين أهل الهمزة والمدينة وأهل القاف والريف، العلوي بخاصة، حتى ليمكن القول إن اللهجة العلوية صُنعت عبر ممارسات سياسية من هذا النوع، تُحيل إلى التشكُّل اللغوي للطائفية، أي مرة أخرى إلى رسم الحدود. نرى، على هذا النحو، مساهمة اللهجات في بناء حدود لغوية تقلّل من المشترك بين الجماعات، أي في هذا السياق المُحدَّد مساهمتها في بناء الطوائف ورعاية حدودها. ونرى كم أن هذه المساهمة مصنوعة سياسياً.

تبادُل الأشياء والخدمات يتأثّرُ بدوره، فلا يقصد المرء عموماً طبيباً أو دكّاناً يتبضُّع منه لأحد من غير جماعته إلا مضطراً(5).

وتسهم مظاهر الناس أو تأويل هذه المظاهر في رسم الحدود كذلك. لا تُحيل المظاهر حتماً إلى منابت دينية، إذ يمكن أن تُحيل إلى الطبقة أو المحلّة (مديني وريفي)، وإلى المهنة أحياناً، لكن ديناميكية الطائفية المهجوسة بالتمييز انشغلت بالمظاهر، مظاهر النساء بخاصة، من بين ما انشغلت به في الحقبة الأسدية. إذ يُفترض بالمرأة المنحدرة من منبت سنّي أن تكون محجبة، بينما النساء السافرات ينتمين إلى أي من المجموعات الدينية الأخرى تقريباً عدا الشيعة. هذا غير صحيح تماماً، لكن هذا الضرب من التقليد المُخترَع حديثاً(6) كان نافعاً خلال عامين أو ثلاثة بعد الثورة السورية، حيث أمكنَ لثائرات شابات غير سنيات أن يُهرّبنَ أدوية أو مساعدات إغاثية إلى مناطق شبه محاصرة، مستفيدات من مظهرهن الذي لا يُثير شبهة المخابرات. بالمقابل كان مثل هذا المظهر هو ما يثير شبهة السلفيين في مناطق سيطرتهم المتّسعة في عام 2013 و2014، وهم يشتبهون في أن كلَّ امرأة غير محجبة ليست سنّية. وهذا غير صحيح بدوره. هل يُحتمل أن النظام استفاد من سياسة المظاهر(7) هذه بصنع دواعشه الخاصين أو غرس جواسيس في أوساط المجموعات السلفية التي يقبل عِلمها الختمَ بسهولة من أي ضابط مخابرات أسدي؟ هذا محتمل جداً. والقصد هو أننا نرى هنا عنصراً سيميائياً (أو علامتياً) في صنع الطائفية، يضاف إلى العنصر اللُّغوي.

وفي كل حال قد نفهم التطييف كتعطيلٍ للمُشترَك، للتماهيات المُتقاربة، وما قد يتمخّض عنه من ماهية مشتركة، شعب.

ويتوافق مع تراجُع أو توقُّف تبادل الكلمات والأشياء والنساء إمكانُ تبادل العنف، الرصاص والقنابل وانفعالات الكراهية، بناء «خطوط التماس»، وهو تعبير ورثناه من الحرب اللبنانية، أو تحويل الحدود إلى جبهات قتال.

وبينما لا يلزم أن تكون الحدود المنصوبة أسواراً صينية، إلا أنه ليس في ديناميكية الطائفية ما يحول دون ارتفاع الحدود إلى أسوار، بل إن غريزتها الضمنية تتجه نحو الانفصال، أو حين لا تسمح الظروف نحو ضروب من الانفصال الاجتماعي الديني، تُسوّغ الكلام على عنصرية دينية. لم تكن الحدود صينية في لبنان، لكن تسوية الطائف جرت بين قوى صلّبت أجسادَها سنواتُ الحرب، وقوَّضت المحدود من قوى التجاوز التي وُجِدت في البلد الصغير بعد الحرب وأثناءها. كان الطائف في المحصلة استمراراً غير حربي للحرب الطائفية في لبنان.

أديان وطوائف

لكن هل يُحتمَل أنه ليس للتشكُّل وبناء الحدود تأثيرٌ على داخل كلٍّ من الطوائف المتشكلة؟ إذا كانت الطائفية فصلاً عن خارجٍ وبناء حدود فاصلة وتقليل المعابر، فإنها كذلك وصلٌ لداخل وتكثيفٌ لروابطه. حول ماذا يوصَل الداخل؟ حول الدين، حول تعاليم دينية مميزة، أو حول لاهوت خاص. الطائفة ليست الجماعة الدينية، والطوائف ليست منسوبي الأديان المتعددة، لكن الطائفية تُحيل إلى شكل خاص من أشكال الانقسام الاجتماعي، يوظَّف سياسياً في التمايزات الدينية أو ما في حكمها، وليس في الانقسامات الإثنية أو اللغوية أو العرقية، أو الجهوية، أو الطبقية. المشكلة الكردية في سورية ليست مشكلة طائفية، وإن اندرجت ضمن نموذج التفريق السياسي الذي يقوم عليه الحكم الأسدي، أعني أن إعادة إنتاج النظام تمر بإعادة إنتاج موسَّعة ومشحونة سياسياً للتمايزات الدينية والطائفية والإثنية. التمايز الدمشقي الحلبي قبل الحكم البعثي لا يندرج ضمن النسق الطائفي بدوره، ولا كذلك تمايز مدن وأرياف في صوره القديمة والمتجددة. وقد كانت هذه التمايزات مشحونة سياسياً بقدر لا يكاد يقلّ عن التمايزات الطائفية اليوم.

ثم أنه إذا كان صحيحاً أن الطائفي لا يطابق الديني، فإن العكس صحيح أيضاً. هناك مشكلات دينية غير طائفية، ومشكلات طائفية غير دينية، ثم مساحة ثالثة لمشكلات دينية طائفية، هي التي يمكن التفكير فيها كانعكاس لتشكُّل الطوائف وللمنازعات الطائفية على العقائد الدينية وتَوجُّهها وتأويلها. وتُسوِّغ هذه المساحة الثالثة الاعتقاد بأن الدين نفسه نتاج العمليات الدينية السياسية التي نجملها تحت اسم الطائفية. هذا زعم مضادّ للحدس Counterintuitive، أي خلاف المتوقع أو حتى نقيضه، لكنه ليس أكثر في ذلك ولا أقل من زعمنا بأن الطوائف نتاج الطائفية، أو أن الطائفية هي صُنع الطوائف وليست صنيعتها. ومعناه على كل حال أن تفاعُل الدين وجهةَ انفعال وفعل معتنقيه، وليس تعاليمه المفردة المجردة بطبيعة الحال، أمورٌ تابعة للصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية الجارية، وليست استمراراً لصورة موروثة ثابتة. الدين ليس مجرّد تعاليم على كل حال، وإنما هو انفعالٌ وتفاعل، وفعلٌ مُحتمَل، يفوق دوره في تحديد صورة الدين وتصوره دورَ التعاليم المُجرَّدة. يَفترضُ المرء أن تعاليم الإسلام السنّي هي ذاتها اليوم وقبل خمسين عاماً، لكنَّ صورةَ الإسلام السني وتَصوُّره اليوم مختلفان كلياً عمّا كانا قبل نصف قرن في بلدان مثل سورية ولبنان والعراق وفلسطين ومصر، وكل مكان تقريباً. وهذا عائد إلى أن الدين لا يعيش بتعاليمه، ولا هو يتحدد حصرياً بتاريخ ذاتي لا يوجد فيه غيره، نتعقب فيه تغيُّرات الأفكار الدينية دون نسبتها إلى حقول صراعية وتفاعلات عدائية وانفعالات مريرة، على نحو ما قد يفعل مؤرخو العقائد التقليديون.

والقول إن الدين ذاته، وهو الحامل النوعي للمُنازعات الطائفية، يتشكل بهذه المنازعات، يندرج ضمن هذا المنطق، منطق أن الدين، أي دين، لا يوجد خارج حقول صراع وتنافس مع غيره، يتأثر بها ويؤثر. ونعلم أنه في العقود الأخيرة كانت هذه التفاعلات حادة وعنيفة، وهي غيرت المشهد الديني العام تغيرات كبيرة ما كانت مُتخيَّلة من قبل، ويبدو أن غير قليل منها أخذ أكثرنا على حين غرة.

ومن العواقب الخطيرة لهذا الواقع في الزمن المعاصر ضمور الأبعاد الروحية والأخلاقية للدين/ الأديان، وتضخُّم أبعادها السياسية والعسكرية بالمقابل. هذا ظاهرٌ جداً بخصوص الجماعات الإسلامية السنية والشيعية والعلوية، فهي اليوم عقائد حرب بقدر كبير، مشحونة بالضغائن والخصومات. عقائد طائفية.

ومن العواقب أيضاً أن يكفّ الدين عن أن يكون مبدأ ثبات ودوام، ليصير هو ذاته قوة عصف سياسية ونفسية، تُضاف إلى غيرها من قوى الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي والجيوسياسي في مجالنا.

ولعل شدة تأثُّر الأديان بالصراعات السياسية والاجتماعية والعَقَدية حولها تتناسب عكساً مع درجة تمأسُسها. فكلما كانت أقلَّ تمأسُساً كحال الإسلام السنّي المتميز بفوضى مؤسسية عارمة(8)، كان أشدَّ تأثُّراً بالتحولات التاريخية حوله، وأقل استقراراً وأكثر اضطراباً وتمزُّقاً؛ وبالعكس تكون تفاعلات الدين التاريخية أكثر انضباطاً بقدر ما يكون مُمأسساً أكثر كحال الإسلام الشيعي. إلا أن الديانتين كلتيهما تَعرِضان تطييفاً عدائياً متقدماً يُغير تركيبهُما معاً، ويزجّهما اليوم في صراع مميت. لكن يظهر أن الديانة الشيعية أقوى تحكُّماً بنفسها، وأكثر رِضاً عن نفسها، وأقدر على وضع استراتيجية سياسية دينية بفعل تمتُّعها بمركز سياسي مستقل؛ إيران.

ويبدو أن انعكاس تشكُّل الطوائف على الدين يأخذ شكلاً مقلوباً يتمثّل في اعتبار الطوائف مصنوعات دينية، أو إسباغ عمق عَقَدي قديم على منازعات اليوم. وهذه هي النظرية التقليدية أو نظرية الحس السليم في الطائفية إن جاز التعبير. وهي كذلك النظرية التي يعتنقها المناضلون الطائفيون، يُديِّنون جماعاتهم ويُقيمون استمرارية بين صراعات الأمس واليوم. وسنعمل لاحقاً على إظهار أنه يغلب لتديين الطائفية هذا أن يأخذ شكل اصطباغ النزاعات الطائفية بطابع زمنية المَعاد الأخروية والوعود العظيمة والنزعات الألفية، وأن يربطها كذلك مع المظلوميات ونزعات الثأر الراهنة. أقترحُ أن قطاع الديني الطائفي هو الطائفية كدينيّ سياسيّ أو كلاهوت سياسيّ (أتعامل مع التعبيرين كمُترادفين)، وأعني بهذا مستمراً دينياً سياسياً، تترابط فيه شؤون السلطة السياسية والعقيدة الدينية، ويصدر عنه النضال الطائفي. يلزم فقط أن نُضيف أن الطائفية ليست الشكل الحصري للديني السياسي، وإن تكن شكلَ ظهوره المألوف أكثر من غيره. هناك شكلٌ آخر يفوق في الأهمية الطائفية ذاتها، وهو دُوَلنا المعاصرة. لكن هذه النقطة ستُترك لمناقشة أخرى.

وما إن نتكلّم على الطائفية كدينيّ سياسيّ، حتى ينقلنا هذا إلى أديان مختلفة وإلى صناعة كل طائفة على حِدة. فبعد أن كنّا قد قلنا إن الطائفية هي صُنع الطوائف (بالجمع)، فإن فهم الطائفية من مدخل الدينيّ السياسيّ يوجب النظرَ في صنع هذه الطائفة المفردة أو تلك حول مواردها اللاهوتية الخاصة، وإن مع إعادة تشكيل هذه الموارد على نحو يستجيب لإكراهات اللحظة الحاضرة واستقطابات حقل الصراع الجاري. ونتحدث عن صنع كل طائفة حول مواردها العَقَدية الخاصة لأن هذه الموارد بحد ذاتها لا تعني وجود الطوائف كما تقدم القول. فالطوائف لا توجد إلا عبر إعادة تشكيل الموارد العَقَدية في إطار استقطابي يطالها جميعاً. وحيث يُعاد تشكل الطائفية العلوية، مثلاً، في إطار يتكلم على أحقية الإمام علي بالخلافة، أو فتوى ابن تيمية ضد العلويين، يُحتمَل جداً أن يجري استحضار ابن تيمية (كتشخيص صائب مبكّر لشرّانية العلويين…)، وأولوية أبي بكر وعمر وعثمان على علي، في إطار تشكل طائفي سني، وحتى تمجيد معاوية كصحابي جليل(9). وحيث يريد الطائفيون الشيعة الثأرَ من قتلة الحسين يجنح طائفيون سنّيون إلى التفكير في أنفسهم كأحفاد للأمويين. ليس هناك طائفة واحدة. الطوائف اثنتان وأكثر، تُصنَع معاً في سياق من الصراع الطائفي. فهي مثل الطبقات في التحليل الماركسي لا توجد ثم تتصارع، بل وجودها وصراعها واحد، وغياب الصراع بينها بالتالي يعني أنها لم تَعُد موجودة. ليس هناك طوائف متوادّة أكثر مما هناك طبقات متحابّة.

وجها الطائفية

فإذا صحَّ ما تقدَّم، كانت الطائفية تتشكّل في حركتين ولها وجهان.

أولى الحركتين هي بناء الحدود، والثانية إعادة تشكّل الجماعة ودينها على نحو يُمَتِّنُ الوحدة الداخلية. أول الوجهين حدودي وسياسي ينظر إلى الخارج، إلى الإطار السياسي العام وإلى الطوائف الأخرى؛ وثانيهما لاهوتي أو ديني ينظر إلى الداخل، إلى التعاليم الذاتية لكل جماعة، لكن مُفعّلة ومُعَاداً تشكيلُها استجابةً لأوضاع الاستقطاب الطائفي. كلا الوجهين علائقي، ولا يوجد أيٌّ منهما خارج العلاقة الطائفية، وهي علاقة صراع وعداء. ما يوجد خارج هذه العلاقة هو روابط دينية أدنى تشكُّلاً، وهو تعاليم وطقوس مُندارة داخلياً. درجةُ التشكّل الأدنى تُحيل إلى حقل صراعات مغاير، مثل ذاك الذي كانت تغلب فيه الاستقطابات والمنازعات الجهوية والطبقية في سورية حتى مطالع الزمن البعثي. كانت الصراعات الطائفية غائبة أو متنحيّة، أو مندرجة في المُنازعات الجهوية والطبقية.

والنقطة المهمة هنا هي أننا لا نحتاج إلى معرفة خاصة بالأديان وتعاليمها المختلفة من أجل التفكير في الطائفية كصُنع الطوائف في حقل سياسي مستقطب (الوجه الحدودي)، ولكن هذا من بين ما نحتاجه بشدة من أجل التفكير في الطائفية كدينيّ سياسيّ (الوجه الداخلي أو اللاهوتي). يمكن أن نسمي الطائفية في وجهها الأول طائفية الكتاب المغلق، بالنظر إلى أنها توظَّف في التمايزات الدينية دون نظر في محتوى تعاليمها المكنونة افتراضاً في كتبها. وفي وجهها الثاني نسمي الطائفية طائفيةَ الكتاب المفتوح، بالنظر إلى أنها تؤسِّس المنازعة الطائفية الراهنة على دينها وتعاليمه، أي على الكتاب/ الكتب. ولا تتعارض طائفية الكتاب المغلق مع العلمانية حتماً، فيما يتحتم لطائفية الكتاب المفتوح أن تتعارض معها.

هذا النظر الأخير في الكتب المفتوحة، أو في وجه الطائفية اللاهوتي، غائبٌ بقدر كبير عن مُداولاتنا، ليس حتماً لقلة معرفة الدارسين بالأديان والمذاهب المختلفة، ولكنه مزيجٌ من تحرّج وقلّة اهتمام من طرفنا، كتاباً وأكاديميين علمانيي التكوين في الغالب، من الخوض في المعتقدات الدينية؛ وهو ما تساهم نظرية الطائفية كصناعة للطوائف في تثبيت غير محق للاستغناء عنه. كاتب هذه السطور صاغ أطروحة الطائفية كصناعة للطوائف عام 2007 بالتفاعل مع أعمال أمثال برهان غليون ومهدي عامل وأسامة مقدسي(10). ويتوجّه اعتراضُ هذه الأطروحة على اشتقاق المنازعات الطائفية من التمايزات الدينية والمذهبية بحد ذاتها، بحيث يكون سببُ الطائفية هو وجود مسلمين ومسيحيين في مجتمعنا، أو سنّة وعلويين ودروز وإسماعيليين وغيرهم، وبحيث تَؤولُ الطائفية إلى جوهر مستمر هو الدين، فلا تزول بغير زوال الأديان. كانت القضية التي دافعتُ عنها في ذلك الوقت هي أن الطوائف لا توجد في الطبيعة، ولا هي معطيات تاريخية دائمة، بل هي تُصنَع من مواد دينية في نطاق الصراع على السلطة والموارد العامة، دون أن يكون محتوماً لهذه المواد الدينية أن تأخذ الشكلَ الطائفي حصراً. وما بنيته على ذلك هو أي أن الطائفية استراتيجيةُ سيطرةٍ سياسية.

تمييز أساسي

وبُغية إحراز قدر أكبر من الوضوح، فإن الطائفية كصناعةِ طوائف هي المثال على ما ذُكرَ فوق من مشكلات طائفية غير دينية، مشكلات متّصلة بالطوائف كـ عصبيات سياسية، تتحول تمايُزاتها (عبر سياسة لا تُشتَقُّ حتماً من تعاليم أي منها) إلى ركائز للتمييز بينها وامتياز بعضها على بعض. أما المشكلات الدينية غير الطائفية، فتتصل – فيما يخص الإسلام السنّي اليوم مثلاً- بأوضاع النساء في الزواج والميراث والشهادة وحضانة الأطفال وغيرها، وببعض أحكام الحرب، كما تتصل بطبيعة الحال بما يخص قضايا حرية الاعتقاد الديني وحرية التعبير عن المعتقدات. وهي مشكلات دينية غير طائفية لأن أياً منها ليس متصلاً على نحو ضروري بالطائفية ومنازعاتها، وهي لا تستهدف أي جماعة دينية أو مذهبية أخرى، ولم تظهر بفعل أي استقطاب طائفي، ومن يعاني منها هم سنّيون أساساً. ومن المشكلات الدينية غير الطائفية في الإطار المسيحي تحريم الطلاق، مشكلة يعاني منها أزواج متباغضون. الميدان الثالث هو ميدان المشكلات الدينية الطائفية، وقد يمكن تمييز قطاعين في هذا الميدان. أولهما قطاع ما هو سهلُ الاستنفارِ طائفياً في تكوين الأديان وتعاليمها في مجالنا. ومن هذا القطاع إسلامياً عقيدة تحريف «أهل الكتاب» لكتبهم، وهي عقيدة لا يقوم الإسلام بدونها؛ مثلما لا تقوم المسيحية دون عدم الاعتراف بنبوة محمد؛ ولا تقوم اليهودية دون عدم الاعتراف بيسوع المسيح كالمخلّص، ومعلومٌ أن اليهود اضطُهِدوا طوال مئات السنين في أوروبا المسيحية بذريعة عدم إيمانهم بالمسيح، بل ولمسؤوليتهم عن صلبه وفق تصورات مسيحية كانت نافذة بين الكاثوليك حتى مُجمَّع الفاتيكان الثاني في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، وإن تَكُن أخذت بالانحسار في أوساط الطبقة الوسطى المثقفة والعلمانية في القرن التاسع عشر بين الكاثوليك والبروتستانت معاً، وبقيت مزدهرة بين الأرثوذكس، ربما إلى اليوم. الإسلام يُنكر عقيدة صلب المسيح، وهذا أيضاً مما هو سهلُ الاستنفار طائفياً في تكوين الإسلام.

لكن ليست هذه هي المشكلات الأبرز اليوم من مدخل التفكير في الطائفية كلاهوت سياسي. المشكلات الأبرز لا تتصل بالمتون التعاليمية بحد ذاتها، بل بإعادة قراءتها وتأويلها على نحو يُضفي الإطلاق والأبدية على منازعات طائفية راهنة، لكي تكون هذه المُنازعات كامنة في التمايُزات العَقَدية بحد ذاتها، فهي أصيلة ودائمة في آن. ويتصل بذلك طموح الإسلاميين السيادي، أي أن يحكموا ويفرضوا قانونهم الخاص؛ «الشريعة»، على الجميع. وهذا مسعىً جائرٌ في الزمن المعاصر لأن قانون أي جماعة لا يمكن أن يكن المعيار الذي يُستنَد إليه لحسم المنازعات بينها وبين غيرها في مجتمعات متعددة كمجتمعاتنا اليوم وفي الأمس (وجميع المجتمعات البشرية في كل زمان ومكان دون استثناء). «الشريعة» لذلك ستكون نظامَ إكراهٍ حصراً، على ما يبدو أن سيرة الجماعات السياسية الإسلامية تُثبته دون استثناء واحد. الفرق بين الأمس واليوم هو ظهورُ أنساق قِيَمية مُهيمنة تقوم على المساواة والحريات العامة والنقاش المفتوح والعقلاني، وعليها تقوم المجتمعات الأعدل من غيرها، وتقوم حولها أكثرياتٌ اجتماعية. دون هذه الهيمنة ليس ثمة غير أقليات، أياً يكن عديدُها. ما ينزع صفة الأمة المزعومة عن المسلمين السنّة هو انزياح الهيمنة، أي البعد الإقناعي في السياسة، عن معتقدهم ونظرتهم إلى العالم، وهو ما يُفسّر لجوء تعبيراتهم السياسية الموسَّع إلى العنف حيثما أمكنَ لها أن تُمارس سلطة.

على أن مِثلَ هذا الطموح لفرض العقيدة الذاتية المقدسة يمكن أن ينشأ حيثما تطلَّعت مجموعات يهودية أو مسيحية إلى أن تحكم، وليس بينها ما لا تتطلع إلى أن تحكم وتسود، فلا ينبغي أن يكون لدينا وهمٌ في هذا الشأن. لا يبدو مثلاً أن التطلعات السياسية للمتدينين اليهود تشكو من الضعف، بل لعلها اليوم أقوى من أي وقت منذ نشوء الكيان الإسرائيلي، إلى درجة الكلام على احتمال انقسام إسرائيل(11). الأصوليون اليهود يتطلعون إلى «أرض إسرائيل» خالية كلياً من العرب، ويُدرجون ذلك في مشروع خلاصي، تقوم بموجبه «ملخوت إسرائيل» وتعود السلطة إلى بيت داود، بحسب إيان لوستيك في كتابه الأصولية اليهودية في إسرائيل(12). وبينما لا نستطيع تقدير أثر حرب الإبادة الجارية في غزة على المشهد الديني اليهودي في إسرائيل، فإنه سيكون مفاجئاً ألا تتعزَّز مواقع الأصوليين اليهود بعدها. خلافاً لأصوليتنا الإسلامية التي يبدو أنها تصعد حين نكون في أزمة، يبدو أن الأصولية اليهودية تصعد بالتوازي مع حروب إسرائيل المنتصرة التي تحوز لذلك طابعاً دينياً خلاصياً، وهي بحسب لوستيك بدأت بالصعود بعد حرب 1967.

وليس اليمين الإنجيلي زاهداً في السلطة في أميركا أو غيرها، ومعلومٌ أن قطاعات منه كانت قبل قليل من روافد الترمبية. ومن تنويعاته المسيحية الصهيونية، التي تُعوِّلُ على جَمعِ اليهود كلهم في فلسطين كعلامة على قرب عودة المسيح وخوض معركة هرمجدون الفاصلة بقيادته، وتنصُّر اليهود.

وعود السلفية

ويساعد منظورُ الدينيّ السياسيّ في شرح لماذا صعد السلفيون في موجة الصراع السوري هذه، بينما كانوا غائبين في موجة سابقة بين أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات. فعدا عن «مفعول العرض»، أعني توفُّرَ عتاد سلفي مُعمَّم عبر فضائيات خليجية أو ممولة خليجياً، حيث السلفية هي المذهب السائد، ثم عبر مواقع إنترنت تسهل لكل مهووس ديني تقريباً أن يجد منبراً عاماً، فإن لدى هذا المذهب استعداداً طائفياً قوياً، يناسب بيئة صراع محتدم مثل سورية بعد أكثر من أربعين عاماً من الحكم الأسدي الذي تُشكّل الطائفية ركيزة جوهرية له. والسلفية بعد ذلك تَعولمَت إسلامياً كمذهب حربي منذ ثمانينيات القرن العشرين في أفغانستان، وهو ما يؤهّلها أكثر من غيرها للعيش في بيئة حرب مثلما هي الحال في سورية بعد الثورة. ومن هذا الباب فإن سُورَتي التوبة والأنفال، أكثر سور القرآن حربية وغضباً، هما ما يجري مركزة المتن القرآني حولهما عند السلفيين والجهاديين بخاصة(13)، وصولاً إلى اعتبارهما ناسختين للسور والآيات ذات المحتوى القِيَمي، ما يتصل بعدم الإكراه وغفران الذنوب والصفح وغير ذلك. وعموم السلفيين يرفعون الحديث إلى مرتبة القرآن، ويتوسَّعون في الأحاديث توسُّعاً يثمر إسلاماً آخر بالفعل، بالمقارنة مع الإسلام المرتكز على القرآن والأحاديث الخاصة بالأخلاق، أو بالمقارنة مع الإسلام الشعبي المُمارَس في مجتمعاتنا (وهو يعاني من أشد ضغط الإسلاميين). كان من أوجه التجربة السورية في سنوات ما بعد الثورة الإطلالُ على هذا الإسلام الآخر(14) الذي يتميّزُ بغياب واسع للبُعدين القِيَمي والروحي، وحضور مُفرِط للأبعاد التشريعية والسياسية والعسكرية.

وعموماً يبدو أنه كلما تقدَّمَ تطييف السنّيين تصدَّرت السلفية وتنويعاتها المشهد،لأنها تكوينياً مذهبٌ نقائي وتفاصُلي، وإن يكن مُحتمَلاً جداً أن هذا التكوين تعزَّز بنظرية سيد قطب عن «الطليعة المؤمنة»، «المُتفاصِلة» عن «المجتمع الجاهلي» حولها(15). لا تفي الإخوانية بالحاجة بسبب قلّة نقائها وتلوُّنها ووضعها قدماً هنا وقدماً هناك في كل شأن(16). فإن صحَّ ذلك، كان من شأن نزع السلفية في الصيغة الوهابية الصاعدة في سنوات ما بعد الجهاد الأفغاني أن يتوافق مع تراجع تطييف السنّيين. وكان يمكن لضرب المؤسسة الوهابية في السعودية في السنوات الأخيرة أن تكون له آثار أكثر إيجابية في سورية لولا تعزُّز البنية الطائفية للنظام بمحور طائفي إقليمي رأسه في طهران، لا يُخفي لغته ورمزياته وشعائره الشيعية في بلد كانت نسبة المسلمين الشيعة فيه دون 1%. هناك منبعان لـ«الموجة السوداء»، بحسب كيم غطاس، السعودية وإيران، البلدان اللذان قوَّضَ نشرهما للتشيُّع والسلفية الشرقَ الأوسط(17).

ولعلَّ الأساسي في السلفية في البيئة السورية هو ما تنطوي عليه من وعود نبوية وإلهية بالسيادة أو بالعودة إلى السلطة بعد معركة فاصلة، مبثوثة بخاصة في أحاديث نبوية. وهذا في مجتمعات عربية معاصرة إن تميَّزت بشيء فهو الغياب التام لأي وعود عامة. سورية أكثر من الجميع بالنظر إلى أن «الأبد» هو فعلياً في السلطة في البلد منذ أكثر من نصف قرن. والأبد هو قبل كل شيء اللّاوعد، وأنَّ غداً مثل اليوم، وبعد غد مثلهما، فلا وقاء لأحد من دواهمِ الآتي التي لا يمكن التنبؤ بها. كان تنظيم داعش يريد بلدة دابق السورية تحت سيطرته، لأنها، بحسب مرويات إسلامية، موقعُ المعركة الفاصلة مع «الروم»، وهم عملياً اليوم الغرب. وبناء على مروية حديثية أخرى، كان جيش الإسلام يتكلّم على الغوطة بوصفها «فسطاط المسلمين»، أي موقع معسكرهم لخوض معركة فاصلة كذلك. مفهوم الجهاد ذاته وفكرة المعركة الفاصلة يضعانا في قلب اللاهوت السياسي السنّي. وفي هذه الحيثية لا يبدو أن التنويعة الإخوانية تحوز ميزة تَكيُّفية، بالنظر إلى ما يتراوح بين عدم وضوح وعدها قياساً إلى السلفيين وبين عدم وضوح تعبيرها عنه قياساً إلى السلفيين كذلك. التسلُّف قد يكون سعياً وراء وعد ووراء وضوح.

وعود شيعية وعَلَوية

ووعود مهدوية هي ما تضفي بُعداً لاهوتياً على الطائفية الشيعية المعاصرة التي تشاطر أختها السنّية مفهوم الجهاد، وتجعله عقيدة ثأر وانبعاث. لكن الشيعية أغنى بالطقوس والمناسبات والأيام والأعراف الخاصة، وبالوعود، والمهدي المنتظر ركن أساسي في العقدية الشيعية، بينما الروايات المهدوية السنّية شاحبة. وقد يعود غنى الهوية الشيعية بالرموز والوعود إلى افتقارها إلى السلطة في الزمن التأسيسي (بين منتصف القرن الأول الهجري والقرن الرابع). فكأنَّ التحقق السياسي، أو التماهي بالسلطة، أجدبَ الهوية السنّية على ما يقول المرحوم فالح عبد الجبار مستنداً إلى فنر حداد(18).. وكأنَّ ما يجري كسبه على مستوى السلطة يُدفَع من جيب الهوية وأبعادها الرمزية. وبالعكس، ربما يقود الحرمان من السلطة إلى الاستثمار في الطقوس والعوائد والرموز، العناصر التي تتشكل منها الهوية.

على أن صعود الطائفية الشيعية المعاصرة اقترنَ بالثورة الإيرانية ونظام الجمهورية الإسلامية في إيران، واختلط بالتطلعات القومية والامبراطورية لهذه الدولة، على نحو يُسوِّغ القول إنه كلّما ازداد الشيعةُ طائفيةً ازدادوا إيرانيةً، وهذا مثلما يقترن استعار الطائفية السنّية بالسلفية. يُوالي الطائفيون الشيعة دولة، بينما يوالي الطائفيون السنّيون مذهباً بالنظر إلى أنه ليس ثمة مركز سنّي مستقل معادل لإيران.

ويبدو أن شيئاً من جدب الهوية يحدث للعلويين السوريين الذين يتفوّق التحقُّق السياسي لهويتهم في الحكم الأسدي على محتواها العَقَدي المُغيّب بقدر لا يبدو أن «باطنية» المُعتقَد العلوي تستنفد شرحه. كانت هناك أعياد وأعراف علوية قبل الحكم الأسدي، ويبدو أنها زالت أو توارت عن الأنظار العامة بقدر كبير بعده، وانتقل مركز ثقل الهوية إلى الموقع الامتيازي في النظام، وهو ملء جميع الأنظار، لكن الكلام في شأنه هو التابو الأشد خطورة في «سورية الأسد». يُلاحظ راتب شعبو في مقالته العلويون في مهب السلطة السياسية(19) أن «تعزيز الطائفية العلوية» سارَ يداً بيد مع «إضعاف الدين العلوي»، وهذا بفعل إلحاق المشايخ [العلويين] بـ«رجال السلطة السياسية». وهو ما تولَّدَ عن شرط خاص تمثَّلَ في أن «تحرُّر العلويين لا يعود الفضل فيه إلى رجال الدين بل إلى رجال السلطة». راتب لا يوضح ما يعنيه بـ«تحرُّر العلويين»، لكن لعله مما لا يتعارض مع مقصده شرح الأمر بشعورهم بالكرامة والاعتزاز و«رفع الرأس» بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة. هذه ليست واقعة عارضة في عين أكثرية العلويين، بل قد تكون أهم حدث في تاريخ الجماعة كله، أو ثاني أهم حدث بعد بدء ظهورها على مسرح التاريخ في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. الحقبة الأسدية بالتالي هي أقرب إلى «زمن أصلي»، زمن بدء وتأسيس مثل أزمنة نشوء الأديان مثلما بيَّنَهُ ميرسيا إلياد في أعماله في تاريخ الأديان، منها إلى زمن تاريخي عادي. وإنما لذلك يقترن صعود وتعزُّز الذاتية العلوية المعاصرة بالأسدية، بحيث لا يكون المرء علوياً جداً، أي طائفياً علوياً، دون أن يصير أسدياً جداً، وهذا مثلما أن طائفية السنّي تقوده تفضيلياً باتجاه سلفي، وطائفية الشيعي تقوده باتجاه إيراني. بالمقابل، يبدو أن العلويين الرافضين للأسدية، يميلون إلى إعادة بناء المذهب أو «الإصلاح الهوياتي»، بلغة ما عُرِفَ بـ وثيقة الابتدار العلوي: العلوي في المجتمع، إعلان وثيقة إصلاح هوياتيّ(20).

ولعلَّ من عُدَد تسويغِ الموقع الامتيازي في السلطة استنفارُ الاعتقاد بأحقيّة علي في الخلافة، ممّا يبدو أنه حاضرٌ بقوة في تفكير ضبّاط مخابرات وجيش أسديين، وإن لم يكن موضعَ تداول عام(21). تروي رشا عمران أن «الحديث في مكتب ضابط مخابرات أسدي [استدعيتْ إليه عام 2010] كان يدور حول حادثة سقيفة بني ساعدة والمؤامرة التي حصلت على علي بن أبي طالب لمنعه من خلافة الرسول الكريم (…)، وحول الحق التاريخي له بالخلافة»(22). من هذا المنظور، يبدو الحكم الأسدي بمثابة ردّ تاريخي على مؤامرة أصلية. ويحوز تصور الأبد في عبارات مثل «الأسد للأبد» على دلالة لاهوتية في تصوُّري بقدر ما هي في الآن ذاته عبارة سياسية أو شعار سياسي مباشر، وهذا بالنظر إلى الأصداء فوق التاريخية لمُدرَك الأبد، والإلحاح الوسواسي (أو قُل: الديني) عليه. فيما خصَّ الطائفيين العلويين على الأقل، الأبدُ وعدٌ، وإن يكون وعيداً لغيرهم.

وعموماً يبدو الوعد مفهوماً أساسياً في تصور الطائفية كلاهوت سياسي. هناك وعود سنّية وشيعية، وعلوية. بالمقابل، ليس هناك مثلاً وعدٌ وطنيٌ سوريٌ مثلما تقدَّم. فإذا كان الوعد ما يُتيح لنا التغلُّب على عدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل على ما ترى حنه آرنت(23)، فإن الوعود المذكورة هي رسائل (أو عرضحالات) طوائف إلى المستقبل المجهول، وهي ما يفتقر إليه السوريون كجماعة سياسية. وقد يكون لهذه الملاحظة قيمة تفسيرية، تفيد أن غياب الوعد العام هو ما يحفز الوعود الفئوية والتشكُّلات الاجتماعية الخاصة المتكوِّنة حولها، هذه التي نسميها الطوائف.

الحكم الأسدي كدين

حين يُجبَر ضحايا قوات النظام وشبيحته على الشهادة بأن لا إله إلا بشار الأسد أو ماهر الأسد، فهذا إذلالٌ وتعذيب قبل كل شيء، وهُما وثيقا الصلة بالطائفية ونزاعاتها، لكن هذا المسلك يقول كذلك شيئاً عن تحقُّق الهوية العلوية في النظام، وعن ما يقارب استنفادها في تحطيم هوية مُتصوَّرة أخرى بالنظر إلى ما يبدو من أن تَحقُّقها النظامي هذا يُمعن في إفقار محتواها العَقَدي. لكن النظام ذاته، بل بشار الأسد شخصياً، يظهر هنا في لبوس لاهوتي، كقيمة مُقدّسة، مُستوجِبة للعبادة. كان وصف حافظ بالقداسة رائجاً في أوساط علوية، ووقت وفاته عام 2000 استُخدمت الكلمة في الصحف الرسمية، وبعد الوفاة جرى دفنه وحيداً في مزار فخم، كان مَحجَّ زوار رسميين وشبه رسميين حتى بداية الثورة السورية عام 2011، هو بمثابة تكريس له كمُقدّس. وفي تماثيله الكثيرة، حافظ واحد أحد، لا أحد معه وليس له كفو أحد من نظامه، دع عنك من عموم مواطنيه. راتب شعبو في مقالته نفسها يقول إنه «تطوَّرَ لدى رجال الدين العلويين تقدير لرجال السلطة فتحَ الطريق أمام إسباغ قيمة دينية، وليس فقط سياسية، على الكبار منهم، كما هو الحال مع حافظ الأسد». وعلى هذا النحو تظهرُ الأسدية ديناً ودولة، مثل إسلام الإسلاميين.

والمشكلة أننا حين نصل إلى هنا؛ جعل السلطة ديناً والدين سلطة، فإن باب صراع المُطلَقات وحده ما ينفتح، أي باب الإبادة. قبل شهور نَسَبَ ليث البلعوس، ابن أبو فهد وحيد البلعوس، مؤسِّس حركة رجال الكرامة في السويداء الذي اغتاله النظام في أيلول 2015، نَسَبَ إلى غسان بلال، ضابط المخابرات الأسدي ونائب ماهر الأسد، قوله له: فَعَسْنَا بقلب 20 مليون سني، ومش عاجزين عنكم يا دروز!(24) النحن المُضمَرة في كلام بلال ليست وطنية سورية ولا من باب أولى قومية عربية: إنها علوية أسدية، مثلما سماها سمير سليمان في مقالته العلويون والسلطة في سورية: «علوية اخترعتها الدولة الأسدية كأداة لتحقيق مشروعها»(25).

ولعلَّ لاهوت التعذيب(26) الأسدي يصدر عن قداسة ممنوحة لأرباب النظام من جهة، وعن عبادة المخابرات وعملها في التعذيب كمصدر لضربٍ من الألوهة الدنيوية. فالركيزة المخابراتية لحُكم يُفكَّر فيه كمُقدّس تحوز هي ذاتها قبساً من القداسة، مع ما هو معلوم من أنها مُطيَّفة بصورة خاصة. وكان رفعت الأسد قد وصف «العمل الأمني» بأنه «فن مُقدَّس لعقل مستنير»، وذلك منذ عام 1979 بُعيْدَ تفجُّر الموجة الأولى من الصراع الأهلي في سورية. رفعت الذي كان يلقي كلمة في مؤتمر حزب البعث عام 1979 استخدم تعبير «الهرطقة الدينية» في وصف الإخوان المسلمين وقتها، وزكَّى مبدأ «سرّيّة العقل الأمني»، وأن يعيش قياديو النظام في حيّ خاص بهم(27).

والواقع أن التجربة السورية تُشير إلى لاهوت عنف هو وجهٌ أساسي للطائفية. أجهزة النظام الأمنية والعسكرية ذات الوظيفة الأمنية هي التشكيلات المسلّحة الأكثر تطييفاً في البلد، وهو ما شُوهدت فيديوهات لأفراده يجبرون ضحاياهم على الشهادة بألوهة بشار، أو يهينونهم في معتقدهم الديني. وقت تقاعُدهم يصير بعض «خريجي السلطة» هؤلاء رجال دين مثلما أوردَ راتب شعبو في المقالة نفسها، على نحو يُظهِر استمرارية بين السلطة والدين، هي ما يحاول مفهوم الدينيّ السياسيّ تمثيله (بعضٌ آخر من الخريجين يصيرون «أصحاب مكاتب عقارية» بحسب راتب، ما يشير لا إلى جَني الثروات بحد ذاته، ولكن إلى تفضيل أمان الأملاك الثابتة، ذات العائد الريعي المضمون). وبالمثل، فإن الطائفيين السنّيين الذين جمعوا بين اللاهوت الأشد تطرفاً وبين العنف الأقصى هم السلفيون الجهاديون على نحو متكثّف في اسمهم بالذات. العنف ليس شيئاً يحدث أن يمارسه السلفيون الجهاديون، وهُم طائفيون عن مبدأ واعتقاد، إنّه شيءٌ يكونونه بالضرورة. وهو في عقيدتهم واجبٌ ديني.

ومن هذا الموقع الديني تحديداً يفقد التمييز بين مشكلات طائفية غير دينية ومشكلات دينية غير طائفية ومشكلات دينية طائفية دلالته، مثلما يزول معنى التمييز بين الديني والسياسي. هنا كله دين، وكل صراع سياسي هو صراع ديني. نحن هنا في عالم بعيد جداً عن تصوُّر الطائفية الحدودي، أو النظرية السياسية في الطائفية. وفي قلب النظرية الدينية في الطائفية، أي حيث يجري تطييفُ الدين، وحيث تتأصّل الطائفية دينياً.

والواقع أنه يحين نصلُ إلى هذه النقطة، وقد وصلناها في سورية عام 2013، ينزع تطييف الدين لأن يصير غير عكوس، ليظهر أن ضمان استمرار الطائفية ديني، في استقلال متنامٍ عن التمييز الطائفي على مستوى الدولة. وهو ما يعني أن ميداناً دينياً للنضال ضد الطائفية يُضاف إلى الميدان السياسي، ميدان الديانات المُطيَّفة.

المظلوميات والطائفية

في إطار الطائفيات المُشار إليها هنا هناك عنصر حديث نسبياً، إن لم يكن في جذوره ففي توظيفه السياسي: المظلوميات. في تناولات سابقة حاولتُ أن أُظهِرَ أن المظلومية من نِصاب الهوية وليست من نِصاب التاريخ، وهي تنفتح على الطائفية والضمانات الخاصة وليس على المساواة الحقوقية والسياسية، وتبرر كل ظلم يُلحقه المظلوميون بغيرهم، بما يسوّغ القول إن المظلوميات أسوأ مدارس العدالة(28). بل نذهب إلى حدّ القول إن المظلوميات بمثابة رُخَص لإعفاء الجماعات من الأخلاق. فإذا كانت منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل وإيران، من الأدنى عدالة والأكثر وحشية في العالم، فليس ذلك منفصلاً عن أنها فردوسٌ للمظلوميات، وللديانات الحاضنة لها. وبأثر المظلومية يقترنُ تنامي التديُّن بتدهور الأخلاقيات، على نحو يراه المرء مبذولاً بوفرة في البيئات السنّية، والشيعية، والعلوية، والمسيحية (في سورية ولبنان) واليهودية الإسرائيلية، مفهومة في جميع الحالات كبيئات سياسية. السيادة للأنانية هنا: فبما أننا مظلومون، فإن الخير هو أن يُحسَن إلينا لا أن نُحسِن لغيرنا، وهذا إعفاء ذاتي من الغيرية، من الإحسان للغريب.

شرط إمكان صعود سرديات المظلومية هو من جهة خطاب الحقوق والمساواة المُهيمن عالمياً، وهو خطاب لا يتوافق مع امتيازات أصلية ولا مع حق الفتح ولا مع رسائل تحضيرية؛ ثم من جهة ثانية هو قيام «دول وطنية» تسود ساكنةً متعددة الأديان، لكنها لا تسوّي بينها مثلما يقضي مفهومها أن تفعل، لا بل تقوم على تمييز متفاوتِ درجاتِ الصراحة. خطاب الحقوق الذي صعد في زمن ما بعد الحرب الباردة يدفع الجماعات إلى التنافس على من المظلوم أكثر، مع مزج مظالم حقيقية بسردية مُتخيَّلة تُضفي عليها التجانسَ والاستمراريةَ والإغراض (هم كلهم ضدنا لأننا نحن من نحن وهُم من هُم؛ في عالم المظلوميات ليست هناك «أسباب» ولا تاريخ، هناك نحن الأطهار وهم الأشرار فقط). في الحالين المظلومية شيء حديث، وإن استنفرت مثلما هو الحال في سردية المظلومية الشيعية عناصر قديمة، وخلقت استمرارية بين الأمس واليوم. صانعو الاستمرارية يشغلون اليوم مواقع أموية ويزيدية إن حاكينا لغتهم هم، لكن المظلومية الشيعية، والمظلوميات كلها في واقع الأمر، تجنح لأن تكون وراثية مثل المظلومية اليهودية، حيث يرثُ الإسرائيليون اليوم الإبادة اليهودية على يد النازيين فيكونون الضحية الدائمة، مثلما أظهر زغمونت باومان في الحداثة والهولوكوست(29).

وتتوافق المظلومية مع رصَّ أجسام الجماعات وتُسهِّل إخراج غير المندمجين كخونة، هذا بينما تجنح العلاقة مع الغير إلى أن تكون علاقة تنافٍ أو إبادة، على نحو وَجَدَ تَحقُّقه في داعش. لكنه كذلك إغراء الأصولية اليهودية على ما أبانَ لوستيك في كتابه المُحَال إليه فوق. يتعلق الأمر بإنتاج اجتماعي للمُطلَق، مع ما يقترن به من تفاصُلٍ ونقاء. زمن المُطلَق هو الأبد، واجتماعه هو الطائفية، وسياسته هي الحرب. وفيه نحن نعيش في زمن لا تاريخي، يكون فيه الفلسطينيون نسلَ العماليق الذي يجب القضاء عليه على ما استطاع بنيامين نتنياهو القول بعد قليل من تدشين حرب الإبادة في غزة، والسنّيون أحفاد يزيد في عين الجهاديين الشيعة، ويفكر سنّيون طائفيون في أنفسهم كأحفاد للأمويين وفي الشيعة كأبناء للمتعة وسلالة ابن العلقمي، ويَقتلُ شيعةٌ من لبنان والعراق سوريين في بلدهم كي لا «تُسبَى زينب» من جديد. «فَعْسُ القلوب» هنا دينٌ جامع.

الطائفية ليست جوهراً

كوجه ثانٍ للطائفية ينبغي التفكير في اللاهوت السياسي الخاص بالطوائف في صِلَته بالوجه الأول، بناء الحدود. ضمن الحدود نتكلم على علي ومعاوية ويزيد وأحفاده، لكن لأن وضع الحرب هو بالضبط انتهاك الحدود، فإن اللغة الداخلية تفيض عبرها على ما شهدنا بعد الثورة السورية. اللغة الطائفية لغة مُتهتّكة، بذيئة، استمرارٌ للعنف الطائفي، أو هو استمرارٌ لها. انتهاكُ الحدود البشرية، بالعنفين اللغوي والفيزيائي، يثبت الحدودَ السياسية والعقدية، لكنه لا يُلغي حقيقة أن الوجه الداخلي تابعٌ للوجه الحدودي، أو أن الطائفية كلاهوت سياسي تابعة للطائفية كبناء حدود أو صناعة طوائف، وإن اتّجه الوجه الأول إلى الاستقلال بقدر ما يترسّخ تطييفُ الدين. وهذا هو الفرق الحاسم عن التناول التقليدي أو الديني للطائفية الذي يشتقّها من الطوائف مفهومة بوصفها الجماعات الدينية والمذهبية الموروثة معرفة بعقائدها، ويمنحها على الدوام عُمقاً تاريخياً، فيجعل ظُهوَرها مجرَّدَ حلقة أخيرة من مسلسل عداوة قديمة دائمة. هذا التصوُّر لا يُتيح فهم التكوين العلائقي للطائفية حيث تُصنَع الطوائف معاً، كما يفوته أن الأمر يتعلق بعمليات إعادة هيكلة وبناء وتأويل مستمرة للعقائد، وليس بشيء مُتماثل مع ذاته عابر للأزمنة. والوجهان بعد ذلك علائقيان، مُتشكّلان بحيث يُوفّران أقصى التماسك الداخلي حول العقيدة، لكن في إطار صراعيّ يُهيكل التعاليم حول القطيعة مع الغير. ويتعلق الأمر في الحالين بعمليات خلق مستمر من صنف ما تتكلم عليه العقيدة الأشعرية لأن الأعراض، خلافاً للجواهر، لا تدوم زمنين. هذه العمليات هي تطييف الجماعات الدينية وحراسة الحدود الفاصلة بينها من جهة، وإعادة التأويل وإعادة إنتاج الديانات كحوامل للطوائف من جهة أخرى. ليست الطوائف مُعطاة سلفاً ودوماً. إنها عمليات إعادة هيكلة وتشكيل مستمرة. ولأنها كذلك، أي لأن الطائفية بلا جوهر ذاتي، فهي مرّة من ظواهر السلطة، وهي مرّة من ظواهر الدين، فإنها لا تدوم من تلقاء ذاتها كذلك، وتنهار إذا توقّف خلقُها المستمر. وهذه النقطة التحليلية أساسية سياسياً. فلأن الطائفية بلا جوهر ذاتي، لأنها عمليات وعلاقات وضروب من التشكُّل، فإنها مثل كل العمليات والعلاقات والأشكال تقوى وتشتد وتمتد وتتميز، لكنها كذلك تضعف وتنحسر وتتفكّك. وهو ما يكفي للقول إن النظريات الدائمية primordialist في الطائفية، وهي تجعل منها جوهراً ذاتيَ الدوام، وليس عَرَضاً «لا يدوم زمنين» بحسب عقيدة الخلق المستمر، لا تصلُح للفهم، فوق أنها لا تَعِدُنا سياسياً بغير طائفية بلا حدود ولا نهاية، طائفية أبدية. الطائفية، خلافاً لذلك، من الأعراض، وحيث تدوم فإنها تدوم بفعل مُداومين على رعايتها في شروط سياسية بعينها.

والحال أننا نتكلم على الطائفية كصناعة لقول ذلك بالذات، أي لأن المصنوعات تزول، تصير خردة لا نفع منها، أو ربما تتحول إلى تحف تزيينية، إذا توقفت عمليات التصنيع. وبما أن كل مصنوع يمكن أن يتعطَّل ويتداعى، وبما أنه ليس هناك حدود لا تُعبَر أو لا يمكن أن تزول، فإن الطائفية كصناعة للطوائف يمكن أن تفقد رواجها والطلب على منتوجاتها، وستتداعى هذه المنتوجات لأنها لا تدوم من تلقاء ذاتها، فإن وُجِدَت في زمن فلن توجد في زمنين. يتعلّق الأمر بالنقلة من زمن التمييز والاستثمار السياسي في التمايزات الموروثة لحماية امتيازات سياسية غير مشروعة، إلى زمن المُواطَنة وعدم التمييز، مع ما يقتضيه ذلك من تغيُّر مهم في البيئة السياسية، يرفع الطلب على المعابر أكثر وعلى الحدود أقل، أو يخفض الأسوار ويكثر الجسور، بلغة ألبوم جون لينون الشهير Walls and Bridges، بما يوسّع مساحات تبادُل الكلمات والأشياء وعلاقات الحب والأبناء عبر الجماعات.

والخلاصة المنهجية التي يمكن اقتراحها بخصوص وَجهَي الطائفية هي أنه على الأهمية الحاسمة للوجه السياسي أو الحدودي، فإن التوقف عنده هو اليوم بمثابة إعاقة ذاتية. إننا لا نتقدم في الإحاطة بالطائفية دون تناول لاهوت الطوائف، والاشتغال على تعاليمها ووعودها، وصور التفاعُل بين الاثنين.

نقد الطائفية ونقد الدين

وبالنظر إلى لا- جوهرَي الطائفية، الحدودي أو السياسي ثم الديني أو اللاهوتي، فإنه يمكن نقدُ الطائفية دون نقد الدين، ويمكن نقد الدين دون الطائفية، كما يمكن نقدهما معاً.

حين نفكر في الطائفية كصُنعِ طوائف وبناء حدود، فإننا نمضي من ذلك إلى نقد السياسات والممارسات و«استراتيجيات السيطرة» التي تخدم ذلك، ممّا لا يستلزم بحد ذاته تناول أديان الجماعات أو عقائدها بالنقد، أو حتى بمجرد العَرْض. قد نمارس النقد الأخير عَرَضاً، لكن ليس في ارتباط ضروري مع نقد الطائفية. وأُقِرُّ أن ممارستي الشخصية كانت ضرباً من نقد الدين في كتاب: أساطير الآخِرين(30) دون ربط مباشر بنقد الطائفية، وبالمقابل نقد الطائفية دون ارتباط بنقد الدين في كتاب السلطان الحديث (تَقدَّمت الإحالة عليه). على أن مثل ذلك يصح على جميع الأعمال المعروفة في نقد الطائفية باللغة العربية، ومنها المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات لبرهان غليون(31)، وكذلك كتابه نظام الطائفية: من الأمة إلى القبيلة(32)، وكتاب مهدي عامل: في الدولة الطائفية(33)، وأي أعمال لاحقة مثل كتاب عزمي بشارة: الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة(34). ويضاف إليها ما أراه أفضلَ كتاب صدر بالانكليزية عن الطائفية في مَجالنا هو تطييف: رسم خرائط السياسات الجديدة في الشرق الأوسط لكلّ من نادر هاشمي وداني بوستل، وفكرةُ الكتاب الرئيسية هي أنه يجري تطييف صراعات اجتماعية وسياسية في المنطقة الشرق أوسطية، لا تنبع بالضرورة من ديانات الجماعات(35).

لا تتطرق هذه الكتابات إلى لاهوت «الطوائف»، أو الأثر المُحتمَل لعمليات التطييف على الديانات وتفاعُلاتها. وعموماً يغيبُ التفكير في تاريخية الاعتقادات الدينية في الأعمال الفكرية العربية، وقلَّما نجد فيها عناصر تساعد في فهم لماذا يصعد هذا المذهب أو ذاك أو يتشكل الدين نفسه بصور مختلفة في أطوار تاريخية مختلفة.

ويُحتمَل أن أمر نقد الطائفية وعدم نقد الدين يتّصل من أحد الوجوه بسوسيولوجيا المثقفين وسياستهم، على ما تقدَّمَ التلميح أعلاه. فنقدُ الطائفية تحفزه اعتبارات وطنية وتحديثية، ترفض الانجرار وراء انقسامات موروثة أو حديثة مُنشَّطة، وتتصل من وجه آخر بعقلَنة السلوك والممارسات الاجتماعية، أما نقد الدين فهو يُجازِف بأن يكون طائفياً هو ذاتُهُ في حقل تَعمُّه الانقسامات والتجاذبات الطائفية كحالنا في سورية والمشرق منذ سبعينيات القرن العشرين (تُنظر مثلاً كتابات نبيل فياض، والرجل كان مُقرَّباً من أجهزة المخابرات الأسدية). وبالفعل، قد يكون أكثر ما أفسد نقد الدين في سورية في الحقبة الأسدية هو إدراجه في التجاذبات الطائفية بدرجات متفاوتة من المَكْر. ما تَقدَّم ذكره من مشكلات دينية غير طائفية في الإسلام السنّي (أوضاع النساء، أحكام الحرب…) صار يُندَّد به كتعيير طائفي، وفي إطار المُناكفات الطائفية، مع غلالة علمانية رقيقة أو بدونها. ومثل ذلك ما يتّصل بـ«زواج المتعة» عند الشيعة في عين طائفيين سنيين. زواج المتعة لم ينشأ في الأصل في إطار مُناكفات طائفية، لكنه يعرض صلاحية خاصة لتوظيفه فيها، شأنه شأن كل ما يتصل بالجنس والحياة الجنسية. الفحولة والتأنيث من مستلزمات الصراع الطائفي، الذكوري جداً والقائم على الانتهاك، انتهاك النساء قبل كل شيء. «نقد الفكر الديني» لم يَعُد ممكناً بعد سبعينيات القرن العشرين بفعل اشتداد الاستقطاب الطائفي، واحتمال استخدام هذا النقد لغير غرضه التحرري والتنويري المُفترَض، وتحديداً لتغذية مواقع ومواقف طائفية. كتاب صادق جلال العظم المذكور هذا مثال على نقد للدين لا تحفزه اعتبارات طائفية، ولم يمكن زَجُّه وقت صدوره في التنازع الطائفي(36).

لكن مثل ذلك حيوي اليومَ بالنظر إلى ما يبدو من انغلاقاً دينياً سياسياً لنُظُمنا الاجتماعية ودُوَلِنا، ومن مستويات توحّش دينية سياسية ما كانت في الحال ولا في البال، ثم من ترسُّخ تطييف الديانات بحيث صارت ركائزَ مستقلة ذاتياً لاستمرار الطائفية. لم نَعُد معذورين في الاستنكاف عن نقد الدين، إن في صلته بالطائفية، أو من مدخل فُرَص أخلاقيات عدالة متحررة، أو من مدخل تحرير المُخيّلة والذاكرة واللغة والحساسية، أو حتى من مدخل روحي. وراءنا أوضاعٌ أشدُّ هولاً وقسوة من أن تُراعي خواطر أرباب الأديان والطوائف والدول. ولعلَّ ما وَسَمَ السياق السوري بخاصة من قسوة قُصوى وموت عميم يتطلّب تفكيراً مستميتاً، لا يتهيب نقد جذرياً لكل شيء. ليس أنه يمكن نقد الدين اليوم دون الاندراج في النزاعات الطائفية اليوم أو خدمة طائفيي هذه الجماعة أو تلك، بل يبدو أن نقد الطائفية لم يعد يستطيع أن يذهب بعيداً دون نقد ضارب للدين/ الديانات، بالنظر إلى أن تطييف الدين/ الديانات، وتَحوُّلها إلى منصّات للتنازع العنيف والحرب.

وبالمناسبة، من الوجهة الوظيفية لدينا ديانات بعدد الطوائف، وليس دين واحد هو الإسلام، تتفرّع عنه «مذاهب» ولا تتقابل معه إلا المسيحية واليهودية كدينَين آخرين. وفق لمنظورِ الدينيّ السياسيّ، الديانات تتبع الطوائف وليس العكس، وهي تتشكل اليوم حول وعود متنازعة، فلا تكاد تشبه ذاتها القديمة قبل نصف قرن فحسب. لذلك نتكلم على ديانات سنّية وشيعية وعلوية وغير ذلك.

الخُلاصة: تجديد النظر في الطائفية

دخلت مسألة الطائفية الاهتمام الفكري العام، وأخذت تظهر مؤلفات في الموضوع، في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. هل لا يزال ثمة ما يقال بشأنها بعد نحو نصف قرن؟ ما كانت هذه المقالة لتُكتب لولا الاعتقاد بذلك. لكن يبدو أن تَحوُّلاً باراديغمياً في تناول الطائفية، ينظر في صور تنشيط المعتقدات الدينية الموروثة في سياقات من الصراعات الطائفية أو في تولد معتقدات دينية جديدة حول الطوائف، بات نقلة فكرية ضرورية. كانت أطروحة أن الطوائف نتاجُ عمليات تصنيع سياسية هي ما نسميها الطائفية نموذجاً يشتبك مع تطيُّف الدولة. ما رأيناه بعد احتلال العراق، ثم أكثر بعد الثورة السورية، يدعو إلى النظر في تطيُّف الدين، وربما إلى النظر في الدول ذاتها ككيانات دينية سياسية بصور ما. يظهرُ اليوم، بعد تعثُّر ثوراتنا، أن نقد السياسة لا يذهب بعيداً دون نقد الدين، مثلما لا يُثمر نقد الدين دون نقد السياسة. الطائفية هي المشكلة التي يتراكب فيها الديني والسياسي، ومواجهتها الفكرية والسياسية تقتضي نقدهما معاً. وفي جميع الحالات، لا يقتصر الأمر على نقد أفكار وعقائد، بل يتعداه إلى نقد اجتماعي ينصبّ على الهياكل والعلاقات والعمليات الاجتماعية الدينية والسياسية، والدينية السياسية. هذه المناقشة مدخل تمهيدي إلى ذلك.

والغاية في النهاية من تجديد النظر في الدين والسياسة، وفي الطائفية كمُعقّد ديني سياسي، هي طيُّ صفحة قرأناها جيداً، والخروج من طبقات الجحيم التي نتناوب بينها منذ عقود نحو أوضاع أكثر إنسانية، يتعذّرُ السيرُ نحوها دون مواجهة ما فينا من قوى توحّش. ليس هناك تحرُّر لطائفة ولا تحرُّرٌ طائفي، هذا دربٌ نعرفه وهو ذاته دربُ توحّش. هناك فقط تحرّرٌ من الطائفية، في أفق من حياة سياسة قائمة على المواطنة والحقوق لا على الهوية ولا على العقيدة. وبهذه الدلالة يُؤمَل أن تنطوي صفحةُ تجديد النظر ذاتها يوماً، وأن نتحوَّلَ إلى بدء النظر في أشياء أخرى، أنفع.