أثار ظهورُ دعواتٍ جماعية مُنسَّقة لترحيل اللاجئين من مصر ومقاطعة مصالح السوريين التجارية، من خلال تدوينات على وسائل التواصل أُرفقت بهاشتاغات مثل #ترحيل_اللاجئين_مطلب_شعبي و#مقاطعه_محلات_السوريين، #مش_هشتري_غير_من_المصري، قلقاً كبيراً في أوساط السوريين المقيمين في مصر، خاصة وأنها تزامنت مع قراراتٍ تُصعِّبُ إجراءاتهم القانونية. وبمعزل عن حجم هذه الحملات الإلكترونية وأثرها الفعلي الحالي شعبياً وسياسياً؛ تُسبِّب عبارة «ترحيل اللاجئين»، كيفما ظهرت، الرعب في قلوب السوريين أينما هاجروا أو لجأوا، خاصة من انتهى بهم الحال في تركيا ولبنان. ولذلك بالذات كانت مصر، وتليها السودان قبل اشتعال الحرب فيها منتصف نيسان (أبريل) الماضي، وجهتين أساسيتين  لسوريين باحثين عن مُستقَرّ، إذ لم يحدث أن تعرَّضَ السوريون للتمييز أو لضخ خطاب كراهية واضحٍ ومتواصل وعلى نطاق واسع في هذين البلدين.

مطاعم ولاجئون؟

حظي السوريون عموماً بمعاملة طيِّبة من كافة فئات المجتمع المصري، وانخرطوا في سوق العمل المصري وأسسوا مشاريعَ متنوعة. فبحسب آخر إحصائية رسمية للهيئة العامة للاستثمار، بلغ عدد الشركات السورية في مصر ما يقارب 1254 شركة، لصالح أكثر من 30 ألف مستثمر سوري. وقد تعددت المجالات التي نجح السوريون في دخول سوق العمل من خلالها، مثل خياطة وتسويق فساتين العرائس وعباءات السيدات في شارع عباس العقاد في مدينة نصر، وفي شارعي قصر النيل وطلعت حرب بوسط البلد؛ ومحلات المفروشات والأقمشة في حي الأزهر في القاهرة القديمة؛ وشركات ومحلات العطورات؛ وتجارة وتصنيع الأثاث من حرفيين في مهنة النجارة والموبيليا في محافظة دمياط.

وعلى صعيد الوضع القانوني، تُشير الإحصاءات إلى أن غالبية السوريين الموجودين في مصر قد حصلوا على إقامات. بلغ عدد السوريين في مصر مليون ونصف المليون سوري بحسب آخر إحصائية للمنظمة الدولية للهجرة في مصر، من بينهم حوالي 154 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر حتى  نهاية عام 2023.

عكس اختزالات الحملات العدوانية، لا يقتصر وجود السوريين القانوني في مصر على كونهم لاجئين؛ ولا ينحصر نشاطهم الاقتصادي في المطاعم.

حملات تذنيب تُرافق إجراءات رسمية مُدولَرَة

يُحمِّل أصحاب الخطابات الداعية لترحيل اللاجئين ومقاطعة المصالح التجارية السورية مسؤوليةَ التدهور الاقتصادي الحاصل مؤخراً لأعداد اللاجئين الصاعدة في مصر، تَزامُناً مع دخول اللاجئين السودانيين إليها. كما يُشار إلى ازدياد مزعوم في عدد المطاعم السورية كسببٍ لارتفاع أسعار الطعام والوجبات الجاهزة، رغم أن المطاعم السورية ليست الوحيدة التي زادت أسعار وجباتها، فارتفاع الأسعار شمل جميع المطاعم، سواء كانت مصرية أم أجنبية، بسبب تصاعد أسعار جميع السلع الغذائية الأساسية والخدمات الأساسية، في وقتٍ يُعاني فيه الاقتصاد المصري من التضخُّم والتأزُّم في القطع الأجنبي.

وقد سبق هذه الحملات الإلكترونية الغاضبة قرارٌ صدرَ عن رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بتاريخ 31 آب (أغسطس) العام الماضي، نصَّ على وجوب تقديم الأجانب المتقدمين للإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية، للحصول على حق الإقامة للسياحة أو لغير السياحة، «إيصالاً يُفيد قيامهم بتحويل ما يعادل رسوم (الإقامة – غرامات التخلف – تكاليف إصدار بطاقة الإقامة) من الدولار أو ما يعادله من العملات الحرة إلى الجنيه المصري من أحد البنوك أو شركات الصرافة المعتمدة». وجاء في نص القرار: «يجب على الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية توفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم شريطة وجود مُستضيف مصري الجنسية، وذلك خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بهذا القرار، مُقابل سداد مصروفات إدارية بما يعادل ألف دولار أميركي تُودَع في الحساب المخصص لذلك، وفقًا للقواعد والإجراءات والضوابط التي تحددها وزارة الداخلية».

وقد فاجأت القرارات الجديدة عدداً كبيراً من اللاجئين والمقيمين، سوريين كانوا أو يمنيين أو سودانيين. تعني هذه الإجراءات كلفة مادية عالية لتسوية أوضاع المقيمين «غير الشرعيين»، إذ تقتضي دفع مصروفات إدارية بما يُعادل ألف دولار أميركي، وجهداً كبيراً لملاقاة الشروط من قبيل البحث عن مستضيف مصري الجنسية. والمُرجَّح أن المعنيين بوصف مقيمين «غير شرعيين» هم، بشكل أساسي، السودانيون والسوريون الذين دخلوا البلاد عبر الحدود السودانية-المصرية هرباً من تدهور الأوضاع في السودان منذ نيسان الماضي.

يقول وسام الأحمد (اسم مستعار) للجمهورية.نت: «أعيش في مصر منذ 11 عاماً، ولأول مرة أشعر بالخوف بسبب الحملات الإلكترونية ضد السوريين في مصر، وإجراءات التدقيق التي سمعنا عنها منذ أغسطس العام الماضي. شهد مركز الهجرة والجوازات في حي العباسية بالقاهرة ازدحاماً يومياً لم أره منذ سنوات بسبب هذه الإجراءات، وجميع السوريين الشباب من عمال وطلاب في الجامعات يشعرون بالقلق من تزامن الحملات الإلكترونية الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مع قرار إجراءات التدقيق، وتحصيل رسوم الإقامة بالدولار». ويضيف الأحمد شارحاً ضغط الإجراءات الجديدة المادي عليه: «لست تاجراً أملك سلسلة محلات، ولا مستثمراً أو صاحب شركة. أنا مجرد موظف أعمل في محل للألبسة، وآخذ راتباً شهرياً قدره 8000 آلاف جنيه. ومع الغلاء الذي تشهده مصر لم يعد مرتبي يكفيني حتى نهاية الشهر، وواجهت صعوبة في تأمين دولارات لدفع رسوم الإقامة والمخالفات لتجديد إقامتي السياحية، والتي لا تتجاوز مدتها ستة أشهر، وعلي أن أنتظر 45 يوماً لاستلامها».

مشكلة خالد الحلبي (اسم مستعار) جاءت من زاوية مختلفة: «مشكلتي بدأت مع تجديد الإقامة السياحية. كنت أعيش في شقة في مدينة 6 أكتوبر وعقد إيجارها كان موثّقاً في الشهر العقاري، وكنت أُجدد إقامتي بناءاً على هذا العقد الموثّق كما تشترط إدارة الهجرة والجوازات، لكنني انتقلت مؤخراً إلى شقة أخرى في منطقة التجمع الخامس، رفض صاحبها أن يوثّق عقد إيجارها في الشهر العقاري». ويكمل الحلبي: «اضطررت إلى شراء عقد إيجار جاهز، موثق عن طريق محامي مصري، بمبلغ 1000 جنيه مصري. وحين ذهبت لتقديم أوراقي لمتابعة إجراءات تجديد الإقامة، اكتشف الضابط المسؤول عن وضع ختم تأشيرة الإقامة على استمارة تجديد الإقامة أن العقد مُزوَّر، وطردني من مكتبه، وحذرني بنبرة تهديدية من تكرار فعلتي هذه». وأضاف الحلبي: «بسبب رفض الضابط عقد الإيجار الذي قدمته له، تأخرت شهراً كاملاً عن موعد تجديد الإقامة بموعدها، ما كلفني دفع مخالفة قيمتها 50 دولار حين استطعت تأمين عقد إيجار آخر، عن طريق بعض الأصدقاء المصريين. لكن شعوري بالخوف بسبب حادثة عقد الإيجار والحملات الإلكترونية التي شنّت هجوماً شرساً على السوريين والمطاعم السورية، ظلَّ يلازمني إلى أن استلمت إقامتي بعد 45 يوماً».

سوابق

لم تكن الحملة الإلكترونية المتصاعدة ضد اللاجئين مؤخراً الأولى من نوعها مصرياً، إذ سبقها حملتان على اللاجئين في مصر؛ الأولى كانت عام 2021 حملة عبر وسم #كفاية_لاجئين_في_مصر_قرفنا على تويتر. وبحسب تقرير أعده مجتمع التحقق العربي، ونُشر في موقع درج، كان أول ظهور لهذا الوسم بعد مرور يوم واحد على إصدار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقريراً بتاريخ 23 حزيران (يونيو) 2021 تقول فيه أن ما مجموعه 1.47 مليون لاجئ سيحتاجُ لإجراءات إعادة التوطين العام التالي. أما الحملة الثانية، عبر هاشتاغ #ضد_توطين_وتجنيس_اللاجئين، فجاءت مطلع العام الماضي تفاعُلاً مع قرار الحكومة بتسهيل شروط منح الجنسية المصرية للأجانب مقابل الاستثمار والودائع وشراء العقارات بالدولار، وتخفيض المبلغ المطلوب من 500 ألف إلى 300 ألف دولار.

جاءت هاتين الحملتين بعد سنواتٍ من الهدوء الإعلامي والإلكتروني بما يخص السوريين، «هدنة» أتت بعد عاصفة عام 2013، العام الذي عاش فيه السوريون في مصر شهوراً صعبة إثر 30 حزيران (يونيو)، نتيجة ارتفاع كبير في المشاعر العدائية تجاههم وربطهم سياسياً بالإخوان المسلمين. وقد تزامنت هذه المشاعر العدائية حينها مع قسوة أمنية وترحيلات استهدفت أولئك الذين قُبض عليهم خلال محاولتهم مغادرة مصر عبر البحر.

وقد كشف تحقيق مصر تُرحِّل لاجئين سوريين قسراً إلى دمشق وتهدد آخرين بالترحيل للصحافي السوري رواد علي عن ترحيل 192 سورياً، وحصول 13 عملية إنقاذ من الترحيل القسري. كما بيّنَ الترحيل وجود 82 شخصاً مهددين بالترحيل الفعلي و1519 شخصاً واقعين إدارياً تحت مظلة الترحيل، بين عامي 2013 و2018.

كابوس الترحيل

أقلّه حتى اللحظة الراهنة، لم يُشهَد أثر حقيقي للحملات الإلكترونية الأخيرة على مستوى العدوانية تجاه السوريين على أرض الواقع، ولم تلقَ دعوات المقاطعة والترحيل ظهيراً واسعاً، بل تم نقدها على المستوى الإعلامي والسياسي. لكن لا شكَّ أن تزامُن هذه الحملات مع الإجراءات القانونية الجديدة قد ضاعف مخاوف السوريين في مصر، لا سيّما الفئات الأضعف، أي الشبان العشرينيين الذين غادروا سوريا لتفادي التجنيد الإجباري في جيش النظام، وقدِموا إلى مصر للعمل أو لمتابعة تحصيلهم العلمي. يعاني الكثير من الشبان السوريين أوضاعاً اقتصادية صعبة، خصوصاً العاملين في المطاعم، إذ يعملون لساعات مديدة مقابل رواتب زهيدة بالكاد تكفيهم قسطهم من آجار مشترك في شقق مكتظة بأقرانهم.

أيضاً، ثمة معارضون للنظام ومطلوبون لأجهزة أمنه قد يعني ترحيلهم الحكم عليهم بالموت في السجون. ولذلك، تتسبب الحملات الإلكترونية، بمعزل عن أثرها الفعلي الحالي، بموجات كبيرة من الخوف والقلق بين السوريين، تزداد حين تتزامن مع تشديد الإجراءات الإدارية والقانونية.

وفي حين يسهل ربط دَولَرَة إجراءات الإقامة بالأزمة الاقتصادية الحالية لمصر، يصعب تتبّع العلاقة بين السياسات المتّبعة إزاء المقيمين السوريين في مصر وغيرها من الدول العربية، ومسارات العلاقات مع النظام السوري. لقد كانت لحظة التطبيع العربي مع النظام خلال أواسط العام الماضي نواة قلق كبير للسوريين في الشتات العربي، على اختلاف مواقفهم السياسية، ورغم انحسار هذه الموجة ما تزال التساؤلات عن المستقبل قائمة. هشاشة الأوضاع القانونية والاقتصادية تضع الشتات السوري تحت رحمة الأوضاع السياسية والاقتصادية في دول المُستقَرّ، وهذا ما يربط السوريين أكثر فأكثر، أينما حلّوا، بواقع بلدهم وبمصير من يحكمها.