انشقَّ الحائطُ الذي سَنَدت علياء ظهرها عليه وهي تضمُّ أولادها الذين كانوا يصرخون من الرعب: «أحسستُ بقوةٍ غريبة»، قالت علياء، وهي أم لثلاثة أطفال، متحدثةً عن ذكرى زلزال 6 شباط (فبراير) من العام الماضي. وتضيف: «توقفتُ عن التشهّد والبكاء وصحت ‘قوموا’ بصوت عالٍ، وكسرتُ الباب الذي كان عالقاً».

في قرية عزمارين بريف إدلب الشمالي، أدى الاهتزاز العنيف الذي سبّبته الهزة الأرضية البالغ شدتها 7.8 درجات على مقياس ريختر إلى تصدُّع الجدران وانهيار الأدراج وتحطُّم جميع أغراض المنزل الصغير، الذي كان زوج علياء الراحل قد بدأ ببنائه لعائلته قبل وفاته منذ عشر سنوات.

الذكرى الأخيرة التي تبقَّت لعلياء من مُلكيتها الوحيدة هي النجاة قبل لحظات من تساقط الحجارة وراء أقدام أطفالها أثناء جريهم خارجاً: «عانيتُ الكثير حتى حصلت على هذا البيت. البيت هو كل ما كان لنا. أن يكون فوق رأسك سقف فأنت بألف خير».

الدمار في الأبنية الحديثة

فَقدَت آلاف العائلات في شمال غربي سوريا، ضمن مناطق إدلب وريف حلب الشمالي، بيوتها خلال كارثة الزلزال التي كشفت عن هشاشة البناء الحديث، وتسيُّب القوانين الخاصة به مع اندلاع المعارك في هذه المناطق قبل أكثر من عقد.

الحركة المعمارية في المنطقة كانت تشهدُ تسارعاً لاستيعاب المهجرين والنازحين، الذين بلغت أعدادهم منذ عام 2020، غداة توقُّف تمدد قوات النظام بمساعدة روسيا نحو الأرياف الجنوبية، 2.9 مليون شخص من أصل 4.5 ملايين يقيمون فيها وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، لكن الهزة الأرضية أدت لإعادة الحسابات حيال إجراءات السلامة في عمليات البناء، والتي كلَّف إهمالها وشدة قوة الزلزال فقدانَ أكثر من 4500 شخص لأرواحهم خلال ثوانٍ معدودة.

خسارة لعشرات الآلاف

لم تُكمِل علياء تعليمها، وكانت تعتمد في دخلها على منزلها الذي أقامت فيه حضانة لرعاية الأطفال، لكن بعد تضرُّره خسرت مصدر دخلها ومسكنها، واضطرت إلى التنقل بين بيوت الأقرباء، ثم انتقلت إلى خيمة بسيطة لم تتمكن من التكيّف مع نقص الحماية والخصوصية والخدمات فيها.

تسبّب الزلزال بتضرًّر 10600 مبنى في شمال غربي سوريا، تدمَّر منها 1869 مبنى بشكل كامل، و8731 بشكل جزئي. أكثر من 855 ألف شخص كانوا يقيمون في هذه الأبنية، 43 ألفاً منهم ما زالوا موزَّعين بين مراكز الاستقبال الجماعية والمخيمات، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة.

الآلاف الذين فقدوا مكان إقامتهم اختاروا خلال الأيام الأولى من الزلزال اللجوء إلى المخيمات بحثاً عن الأمان خشيةً من تكرار الهزات العنيفة، وانضموا إلى أكثر من 800 ألف شخص يعيشون تحت الخيام القماشية بسبب النزوح والتهجير، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. لكن الخيام لم تضمن الراحة طويلاً بسبب ما يعنيه العيش فيها من التعرُّض لدرجات الحرارة العالية صيفاً والمنخفضة شتاءً والحشرات والأفاعي، إضافة إلى الغرق بالوحل وتسرب مياه الأمطار والسيول شتاءً، وغياب شبكات الصرف الصحي والكهرباء والماء النظيف.

الخيام القماشية المؤقتة قرب المباني السكنية المدمرة

خطة الاستجابة الإنسانية العاجلة للزلزال، الخاصة بمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، اقتصرت على إصلاح المباني المتضررة بدرجة طفيفة أو متوسطة، «بالإضافة إلى توفير المأوى اللائق لمن فقدوا منازلهم».

شعرت علياء بالأمل في استعادة «مأواها اللائق» عندما زارتها إحدى المنظمات لمعاينة أضرار منزلها الموجود في عزمارين بريف إدلب الشمالي، ولكنّ المنظمة لم تعُد بعد المعاينة، ومن بعدها جاء العديد من المنظمات وكلها ذهبت دون أن تعود: «كلهم يقولون إن المنزل بحاجة لترميم أكبر ولمنظمات أكبر، وهم غير قادرون على تقديم الدعم الكافي»، تقول علياء.

أكثر من ثلاثة آلاف شخص من متضرري الزلزال ما زالوا يقيمون في الخيام القماشية، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، ومع عدم تلقيهم لأي تعويض أو مساعدة، باتوا يشعرون وكأنهم عالقين في نقطة الصفر، عاجزين عن تأمين أبسط احتياجاتهم وحقوقهم بالمأوى الكريم، الذي لا توفِّره أي خيمة قماشية في المنطقة.

إحدى تجمعات الخيام السكنية في ريف إدلب الشمالي

وحدات سكنية بأعداد قليلة

اختارت بعض المنظمات تقديم بيوت جديدة لمن فقدوا منازلهم بالزلزال. فريق ملهم التطوعي أطلقَ حملة لجمع التبرعات الفردية لمشروع الوحدات السكنية الجديدة للمتضررين. «جمعنا مبلغاً عن طريق البث المباشر، ثم خطّطنا للمنازل وأقرَرنا ثلاثة مشاريع»، قال عبد الله الخطيب مسؤول قسم الإعلام وجمع التبرعات في الفريق للجمهورية.نت.

المشاريع الثلاثة طابقية وتُقام في حارم وأرمناز بريف إدلب الشمالي، وأعزاز في ريف حلب الشمالي، ويبلغ عدد المنازل فيها 850 منزلاً. وصلت تلك المشاريع إلى مراحلها الأخيرة: «كان من المقرر أن تكون جاهزةً بالتزامن مع ذكرى الزلزال الأولى، ولكن الأحوال الجوية أبطأت عمليات الإنشاء»، أضاف الخطيب.

مشاريع الوحدات السكنية ما بعد الزلزال

ما تزال المشاريع المتعلقة بالسكن في طور العمل، لكنّ مسألة الحصول على المنزل لم تعد متعلقة بالقدرة المالية فحسب، بل أيضاً بالإحساس بالأمان. أبناء علياء يخشَون العودة إلى منزلهم في حال تم إصلاحه. تشرح لنا الأم: «يقولون لي إن أصلحوهُ لنا فليغيّروه. لا تدعيه كما كان». تصمت علياء لثوانٍ ثم تعلّق: «أصبحوا خائفين بعد ما شهدناه».

من فقد منزله أو اختار تبديله خوفاً من الهزات بدأ بعملية البحث عن بيوت آمنة، ولأن الإحساس بالاهتزاز يتزايد كلما ارتفع البناء، لم تعد الإقامة في المنازل الطابقية خياراً يحبّذه سكان المنطقة. «الضرر محسوس ومرئي ولا يمكن نسيانه»، قال ثروت غنام صاحب مكتب المجد العقاري في عزمارين للجمهورية.نت عن أسباب خشية الناس من الإقامة في المباني، وأضاف شارحاً: «كلما حدثت هزة عادت ذكريات الزلزال الأليمة إلى الأذهان».

ثروت غنام، صاحب مكتب المجد للعقارات

كان تركيز المستأجرين أو المشترين للعقارات سابقاً على المساحة والإضاءة والأسعار، وكان السؤال عن ارتفاع الطابق مرتبطاً بمشقّة الصعود على السلالم فقط. لم يكن هنالك تساؤلٌ حول أساسات المباني أو قدرتها على تحمل الاهتزازات، أما من بعد الزلزال تحوَّل تركيزهم إلى البحث عن التشقُّقات والصدوع، وأما الارتفاع فهو مرفوضٌ تماماً، حسب ما قال ثروت.

حجم الضرر في المباني الطابقية مقارنة بالأرضي

«لا أعرضُ أياً من المباني المتضررة من الزلزال على الزبائن»، قال صاحب المكتب العقاري. وأضاف: «أنا أوضِّح لهم حال المبنى، وإنْ تواجد به أضرارٌ خفيفة أشير إليها»، مشيراً إلى قدرة المنازل التي لم تحمل شقوقاً خطيرة على احتمال الهزات الارتدادية البسيطة دون تعريض سكانها للخطر.

ترميم غير موثوق وقوانين حديثة

تعدُّ منطقة الشمال الغربي لسوريا الجيبَ الأخير الذي تسيطر عليه الفصائل العسكرية المعارضة في سوريا، وتُقسم إلى إدلب وأريافها وريف حلب الغربي الخاضعين لسيطرة هيئة تحرير الشام، التي فرضت سلطة حكومة الإنقاذ كإدارةٍ مدنية؛ وريف حلب الشمالي الخاضع للإدارة التركية والجيش الوطني الذي يضم مجموعةً من الفصائل العسكرية مع ما يُعرف بالحكومة المؤقتة، التي تتبع لها المجالس المحلية المنتشرة في المنطقة.

الاستقرار وفرضُ القانون ما زال هشاً بالنسبة للشمال الغربي، على الرغم من الهدوء النسبي للحملات العسكرية المباشرة، إذ ما زال القصف متكرراً من قبل قوات النظام وحلفائه وقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى التنازع الفصائلي على مناطق السيطرة، وحالة التدهور الاقتصادي المترافق مع نقص الدعم الإغاثي المستمر. جميع تلك العوامل أسهمت في حالة الفوضى في فرض القوانين الفاعلة وتطبيقها على الأرض.

بالنسبة للأهالي لم يكن بقاءُ المبنى دون انهيار، أو حصوله على الترميم بعد الزلزال، مَبعثاً على الثقة، إذ أن معظم عمليات الترميم التي نفّذها أصحاب المباني كانت مجرد إخفاءٍ للشقوق دون إصلاح فعلي لمشاكل البناء، حسب رأي أحمد الشايب ممثل شركة الشايب الهندسية للمقاولات في إدلب.

عُمرُ المباني التي وقعت أيضاً كان ملفتاً، إذ انهارت المباني حديثة الإنشاء بينما بقيت المباني التي سبق إنشاؤها الحربَ واقفةً مع ما تحمله من آثار القصف والرصاص، وذلك لم يكن مفاجئاً لسكان المنطقة، إذ أن تدني جودة المنتجات والخدمات مقابل تدني أسعارها أمرٌ رائجٌ بالنسبة لجميع المواد والخدمات، ومن ضمنها مواد البناء، وحتى على حساب السلامة.

ترميم الشقوق

«سابقاً كانت القوانين التي تخصُّ مقاومة الزلزال موجودة»، قال أحمد الشايب، مشيراً إلى أن الرقابة على المباني وشروط السلامة كانت «مفروضةً بشدة». أما بالنسبة لإضافة جدران القص (Shear wall) ودراسة المخططات الهندسية، يقول الشايب: «بعد عام 2012 أصبح هنالك تهاون كبير بخصوصها، ويعود ذلك لعدم وجود جهات رقابية».

حسب رأي أحمد، فإن معظم عمليات الترميم الحالية «لا ترقى لنسبة الضرر الموجود»، مضيفاً أنه يرى ضرورةً لوجود لجنة رقابية صارمة على أعمال الترميم، خاصةً عندما يختلفُ أصحاب المبنى على إصلاحه، إذ شهدت العديد من المباني تضرر الطوابق العلوية دون السفلية، وإصلاحها يتطلب تدعيم المبنى من الأسفل إلى الأعلى، ولكن يرفض مالكو الشقق تشارك النفقات ظناً من بعضهم أن بيته غير متضرر، وبالتالي لا تُستكمل عملية الترميم. 

الترميم من الطوابق السفلية وتدعيم أساسات البناء

القوانين التي فرضتها حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام قبل الزلزال لم تكن مطبقةً كما يجب، حسب شهادة المتعهد أحمد الشايب، الذي قال إن خوف الناس بعد الزلزال دفعهم للالتزام الذاتي بالقوانين خوفاً على أرواحهم.

مَن الجهة المسؤولة عن الدمار الواسع؟

في ريف حلب الشمالي، نالت مدينة جنديرس التابعة لعفرين أكبر نسبة من الدمار بسبب الزلزال، حيث ترى بناءً متضرراً من الزلزال أينما نظرت. كما أنها ضمَّت نحو ربع أعداد الوفيات المسجلة بسبب الهزة الأرضية في الشمال الغربي، بأكثر من 1100 ضحية.

«سابقاً (حينما كانت هذه المنطقة تحت سيطرة النظام) لم يكن مسموحاً ببناء أكثر من طابقين في جنديرس»، قال متعهدٌ مقيمٌ في جنديرس طلب عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية، وأردف: «لكن بعد ذلك سمحت المجالس المحلية ببناء ثلاثة أو أربعة طوابق على الطرق العامة». وأشار المتعهد إلى أن معظم الأبنية التي انهارت كانت حاصلةً على رخصة من المجلس المحلي التابع للحكومة المؤقتة، وتحت إشراف لجنة هندسية تتبع له: «لم يحسبوا حساباً لحدوث زلزالٍ بهذه الشدة. ربما كانت حساباتهم مقتصرة على هزات بقوة خمس أو ست درجات لا أكثر».

برأي المتعهد المقيم في جنديرس، لا يمكن عزل مسؤولية انهيار الأبنية بالشكل الذي حصل في 6 شباط (فبراير) 2023 عن تجاوز نقابة المهندسين التابعة للمجلس المحلي في عفرين لمحددات السلامة التي كانت تُطبَّق في المنطقة سابقاً، دون أن ينفي دور السرقة والغش في حدوث بعض حالات الانهيار.

حاولت الجمهورية.نت الحصول على ردٍّ من المجلس المحلي على ما أورده المتعهد، لكننا لم نحصل على تعليقٍ منه حتى ساعة نشر هذا التقرير.

صمود الأبنية الطابقية القديمة الخاضعة لشروط محددات السلامة

ملاحقة المخالفين كانت متواضعةً بعد الزلزال في ريف حلب، حسبما قال المتعهد، إذ لم يُسجن أو يخالَف سوى من كان بناؤه غير حاصل على رخصة بناء، كما فُرضت بعض القوانين الخاصة بتدعيم الأبنية مثل إضافة جدران القص وتقليل أعداد الطوابق المسموحة.

معظم المتعهدين والمهندسين الذين حاولت الجمهورية التواصل معهم للتأكد من فرض القوانين الحديثة، اكتفوا بالتأكيد على الالتزام الكامل والرقابة الصارمة على العمل، متحاشين مناقشة المسؤولية الفعلية عن الدمار الماضي وآليات المحاسبة. أما بالنسبة للسكان، فاكتفى معظمهم بالتسليم للقضاء والقدر في وداع أحبائهم وحياتهم القديمة، دون رفع الصوت بالشكوى والمطالبة بالمحاسبة أو توجيه اللوم، وهم ينتظرون العون لتجاوز ما أمكن من خسائرهم.