دون توقعات عالية، يدخلُ المُشاهدُ العرضَ الأول لفيلم الناشط وصانع الأفلام الأميركي براندت أندرسون قضية الغرباء في مهرجان برليناله. الفيلم الموجود في قسم «سبيشال غالا» لم يُرشَّح لأي جائزة رسمية في النسخة الرابعة والسبعين من المهرجان، ومع ذلك، كان هناك بعض الترقُّب من الصحافة العربية وبعض المهتمين بالنشاط الإنساني للمُخرِج، خصوصاً أنّ أخباراً عن ضمِّ الفيلم لعدة ممثلين سوريين وعرب كانت تتردد منذ فترة.

في بُنية فيلم تشبه إلى حد بعيد تلك التي رأيناها في عمل المخرجة البولندية آجنييسكا هولاند حدود خضراء، الذي يحاول تقديم مأساة اللاجئين على عدة مستويات، يقدم أندرسون حكاية أُناس خاضوا الحرب والقمع في سوريا، ثم تقطّعت بهم السبل مع آخرين في مخيمات لجوء تركية وفي البحر، ويروي هذه السيرة عبر قصص متقاطعة لطبيبة من مدينة حلب تلعب دورها الممثلة ياسمين المصري، وجندي منشقّ من حلب يلعب دوره يحيى مهايني، وشاعر حلبي يلعب دوره زياد بكري، ومهرّب بشر يلعب دوره عمر سي، وقبطان يوناني يلعب دوره كونستانتين ماركولاكيس.

في حين نُعايش تجربة ومأساة اللاجئين في فيلم هولاند، ونبقى لوقت كافٍ نسبياً معهم ومع شبكات النشطاء الذين يحاولون مساعدتهم مخاطرين بأنفسهم؛ نشاهد في فيلم أندرسون مجموعة من القصص متناهية الصغر، التي كانت لتؤدي المطلوب منها ربما، كلٌّ منها على حِدة، لو مضى في سردها، لكنها ككل وعلى النحو الذي قدَّمه أندرسون في الفيلم لا تصنع شيئاً سوى فيلم بعناوين عريضة جميلة، خطوط واضحة دون كسوة قصصية تتجاوز طرح الصورة النمطية لمأساة السوريين واللاجئين إلى قصص فردية عميقة. بدا أندرسون وكأنه يريد ويحاول رواية كل القصص، لكنه لم ينجح في رواية قصة واحدة مكتملة.

يبدأ الفيلم بعرض دعوة بعنوان «قضية الغرباء»، خطَّها ويليام شكسبير، يتخيّل فيها السير توماس مور وهو يدعو لمعاملة اللاجئين بإنسانية، ليصبح عنوان الدعوة عنواناً للفيلم.

يبدو الفيلم الطويل الأول لأندرسون، المُستوحى من فيلمه القصير لاجئ الذي وصل إلى القائمة القصيرة لأوسكار أفضل فيلم قصير عام 2019، على الورق عظيماً. هكذا يمكن تخيُّل رؤية أندرسون للنص الذي كتبه: سلسلة من العلاقات الإنسانية المتشابكة التي تكمل بعضها بعضاً، موزاييك يقدم عبرهُ صورة شاملة لقضية اللجوء التي سخَّرَ حياته لها في السنوات الماضية، لكن ما شاهدناه على الشاشة بدا سلسلة من العلاقات المصطنعة، المرسومة كلعبة فيديو، بين شخصيات تفتقد أي عمق، تم التخطيط للقاء بعضها بعضاً على طول الطريق.

لا يُخفي أندرسون حقيقة أنه يقدم عملاً حقوقياً برسائل مباشرة. وهنا يكمن المطبُّ الذي يتعثر به في فيلمه، فيبقى ناشطاً وهو يكتب ويصنع الفيلم، واضعاً ما يريد قوله على لسان شخصياته، لغاية نبيلة، هي إيصال رسالة اللاجئين والسوريين كما يُفترَض. ومع ميله إلى تسريع رِتم الأحداث واتخاذه الإثارة والأكشن نمطاً للفيلم، نَفقِدُ أي فرصة للتوقف عند الشخصيات والتأمّل في ما تمرُّ به. أندرسون أوضح في المؤتمر الصحفي الخاص بالفيلم، أنه أراده هكذا، فيلماً ممتعاً حتى لابنه إن أراد المشاهدة.

مقاربة أندرسون وطموحه لصنع فيلم سهلِ التناول يصلُ للكثير من المشاهدين هدفٌ مشروع، لكن النتيجة هي أقرب لفيلم نِتفلكسي بستايل أميركي وميزانية صفرية، تُشاهده ليلاً وأنت مرهق بعد يوم متعب، منه إلى عمل سينمائي بديع يعلق في الذهن لفترة طويلة، أو أقرب إلى فيلم دعائي يحضُّ الناس على مساعدة اللاجئين. فبعد إقناعنا بمشاهد أولى عن الطبيبة الحلبية التي تجدُ نفسها عالقة بين أطراف متحاربة في غرفة الإسعاف، ونعرف عن حياتها أكثر قليلاً لاحقاً، يرمي أندرسون بالمزيد من الشخصيات على الشاشة بسرعة، في مشاهد «حلوة»، يُقصد منها دغدغة المشاعر، دون أن نعرف سوى القليل عن هذه الشخصيات؛ فشاعرُ حلب الكبير المُفترَض لا يحكي الشعر حتى وهو واقفٌ على شاطئ البحر يتأمل حياته السابقة، ولا نعلم عن المُهرِّب سوى أنه لاجئ بدوره يُرافقه ابنه المريض.

يحاول أندرسون أن يبتكر ويقدِّم المشهد نفسه من زوايا مختلفة، وقد جاءت مشاهد البحر المائج بلاجئيه مُقنعةً إلى حد بعيد، بينما تظهر آثار الميزانية الصغيرة بوضوح على المؤثرات البصرية البسيطة، والمكياج المتواضع لأناس خارجين للتو من تحت الأنقاض.

من يتابع تصريحاته ويشاهد مؤتمره الصحفي واستلامه جائزة أمنستي الرمزية عن هذا الفيلم، يُدرك بأنه ليس أمام مخرج غربي آخر، يريد تلقُّف قضية إنسانية ليصنع أمجاده المهنية على ظهور المستضعفين، بل أمام ناشط سياسي له باعٌ في الإنتاج السينمائي (عَمِلَ أندرسون سابقاً مع المخرج مارتن سكورسيزي كمُنتج مُنفّذ على فيلمه صمت)، يريد صناعة فيلم عن قضية تعنيه حقاً، وبعد أن عمل عليه مدة عقد رافضاً الاستسلام بعد أن أكد له آخرون استحالة تحويل مشروعه إلى حقيقة، كما روت الممثلة ياسمين المصري، نجحَ في إيصاله إلى برليناله، المهرجان المعروف بكونه مهرجاناً سياسياً حتى الجذور.

يُقدّمُ أندرسون نفسه عارفاً بشؤون اللاجئين ومُطلِّعاً بعمق على الوضع السوري. ورغم أنه استعاد في فيلمه حقاً بعضاً من أبرز المشاهد العالقة في الأذهان خلال الثورة السورية وما تلاها من حرب، لكنه سيُثير حيرة أي مشاهد-ة سوري-ة بعدم معرفته مثلاً أن ضابطاً لدى النظام برتبة رائد لن يعبر حاجزاً للنظام متجهاً إلى مدينة إعزاز في ريف حلب، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، وهو يرتدي بذلته العسكرية. كما أن النظام لا يُنفِّذ حكم الإعدام على المعارضين، بمن فيهم طفل، بطريقة استعراضية على الطريقة الداعشية أمام الناس، ولا يقرأ أحد ضباط مخابراته حكماً غير مفهومٍ عليهم. كذلك لا يستطيع أحد منقذي الخوذ البيضاء أداء واجبه الإنساني في مناطق سيطرة فصائل المعارضة المقصوفة، ثم العودة إلى بيته في مناطق النظام كأنه لا يخافُ أحداً.

بحُسن نية مجدداً، يُثير أندرسون الاستغراب بفصلٍ من الفيلم عن شخصية قبطانٍ يوناني يَفدي اللاجئين بنفسه، تبيّنَ بحسب تصريحاته أنها مُستندة على شخصية حقيقية صُنع عنها فيلم وثائقي، بعد فصل آخر يدفع فيه لاجئون بعضهم بعضاً إلى الموت، بينما يؤكِّدُ لاجىء مصري لآخر أسود البشرة أنهم في المنطقة العربية يلقِّبون ذوي البشرة السوداء بالـ«زنوج».

رغم أنّ الممثلين-ات الذين يلعبون أدوار فيلمه الرئيسية كانوا مقنعين في أدائهم، تبقى خياراته في إسناد الأدوار التي تتألّف من مشهد أو مشهدين، وعدم الاستفادة أكثر من تواجد أسماء خبيرة في طاقم عمله، علامة استفهام كبيرة. نُشاهد نجماً كالممثل الفلسطيني صالح بكري في مشهدين، والممثل السوري جهاد عبدو في مشهد واحد، والممثل السوري فارس الحلو في ثلاثة مشاهد، وهو أمرٌ يدفعنا للتخمين مجدداً بأن الأمر يتعلق بنية الجميع الحسنة في إنجاح عمل ذي قضية نبيلة، دون الأخذ بعين الاعتبار معايير السوق السائدة.

بدأ أندرسون تعليقه على حصوله على جائزة أمنستي أمس بذرف الدموع كما فعل أيضاً في المؤتمر الصحفي، وبصوت مبحوح شكر كارلو شاتريان، المدير الفني للمهرجان الذي سيغادر منصبه، على دعوته للمشاركة، وقال إن هذا الفيلم بالنسبة له شأنٌ شخصي، وأن ما تحدث عنه شكسبير يحدث مراراً: «أنا أحب شعب سوريا. ما حدث معهم لم يكن صحيحاً. نحن أفضل من ذلك. لا يمكننا ترك هذه الأمور تحدث مجدداً. كل حياة مهمة. صوتك مهم وصوتي مهم . لسنا غرباء».

وتحدَّثَ أيضاً عن تغيُّر موقف ألمانيا حيال اللاجئين، وكيف أن بوسع ألمانيا فعل ما هو أفضل: «أنتم أفضل من ذلك»، داعياً إياهم لقيادة العالم في هذا الاتجاه، ثم تساءل إن كان من الممكن إعادة مبلغ الجائزة البالغ 5 آلاف يورو لأمنيستي كي تصرفها على قضية اللاجئين، وهو الطلب الذي قبلته ممثلة المنظمة.

لجنة تحكيم أمنستي قالت في بيان إن سبب منحها الجائزة للفيلم هو أنَّ «سياق الحرب الأهلية السوري يبقى على الهامش تقريباً، وقد تحدث هذه القصة في أي حرب، في أي قرن. هذه هي الرسالة الإنسانية، التي أراد شكسبير من هاملت أن يعلنها قبل أكثر من أربعة قرون، ومن هنا جاء عنوان الفيلم». وقالت أنه نظراً لتكريمهم أفلاماً تُحاول تصوير الصدق، فاز فيلم قضية غرباء بالجائزة، واصفة إياه بالفيلم الحسّاس متعدد الأصوات.

أشارت اللجنة إلى أن الفيلم يأتي في وقت تجعل فيه أوروبا طُرقَ الهروب غير ممكنة، وتُجرِّم الإنقاذ في البحر، وتنقُل إجراءات اللجوء إلى الحدود الخارجية وحتى إلى دولة ثالثة، وأن هناك حاجة لصرخة من المجتمع المدني لإنهاء السياسة التي تحطّ من قدر البشر، وأن بوسع الفيلم تقديم مساهمة في هذا السياق. 

وهكذا كان أيضاً المؤتمر الصحفي للفيلم، الذي تحوَّلَ إلى مهرجان مديح لأندرسون وفيلمه وجهوده في دعم اللاجئين، وهو الذي يشير في ملف الفيلم إلى أنه انضمَّ إلى القوات الجوية الأردنية في رميها المساعدات الإنسانية في غزة في (تشرين الثاني) نوفمبر 2023، وزارَ وصوَّرَ في مستشفيات خارج حلب في العام 2019، ونظَّمَ مخيمات سينمائية للّاجئين في الأردن وتركيا.

في ملف الفيلم الذي أرسله أندرسون لبرليناله، يفتتح بيان المخرج بالقول أنه كتب وأخرج الفيلم مدفوعاً بإعجابه العميق بالشعب السوري، الذي صادفه خلال نزوح اللاجئين الجماعي الذي أثاره الربيع العربي والحرب الأهلية السورية التالية له، وأن كل شخصية في الفيلم مُستوحاة من أفراد التقاهم خلال سفراته في تركيا واليونان وإيطاليا والأردن وسوريا. ويشرح مدى ارتباطه بالمشروع بالقول إن السينمائيين لا يمكنهم التحكُّم بأصول إلهامهم. بالنسبة له بدأت هذه الرحلة في العام 2012، وقادته في النهاية إلى تعلُّم اللغة العربية، وإخراج فيلم قصير، الأمر الذي مهَّدَ الطريق لصناعة هذا الفيلم. ويشير إلى تعاملهم بإخلاص مع هذه المسؤولية، عبر منح الأولوية لانتداب لاجئين سوريين للمساهمة في إنتاج الفيلم، وأنهم من خلال العمل مع منظمة ريل فونديشن، درّبوا طلاباً سوريين وجدوا لاحقاً عملاً في مختلف مشاريع التلفزيون والفيديو والسينما، بما في ذلك أعمال بارزة، كالجزء الثاني من سلسلة دون وفيلم سيل تيم. ويقول إنهم كانوا يبدأون كل يوم عمل بجعل أحد الممثلين أو أحد أفراد طاقم العمل السوريين يروي قصة صموده في رحلات مؤثرة كانت مصحوبة بدموع يذرفونها، لتكون بمثابة تذكير يومي بهدفهم من صناعة الفيلم.

في فيلم قضية غرباء، لم يستطع أندرسون تكرار نجاح فيلمه القصير، لكن ذلك ليس مهماً بالنسبة له على أي حال، فمجرّد بلورة مشروعه إلى حقيقة يبدو بمثابة إنجاز من وجهة نظره على ما يبدو. مع تراجُع حضور الشأن السوري في منصات الإعلام، وتراجع حماس القائمين على صناديق الدعم والشركات حيال دعم إنتاج أفلام عن السوريين-ات، ومع اشتعال العديد من الصراعات، كان وصول فيلم كهذا إلى محفل سينمائي كبير كبرليناله ليكون خبراً سعيداً من وجهة نظر سوريّة، لولا تواضع مستواه.