حاول محمد، وهو رجلٌ في الخمسينيات من العمر، صرْفَ الوصفة الطبية الخاصة بزوجته التي تعاني من مرحلةٍ متقدمة من الوسواس القهري والاكتئاب في إحدى صيدليات شارع بغداد في دمشق أثناء تواجده هناك. عندما أعطى الوصفة للصيدلي، فُوجِئ بردة فعلٍ عنيفة، فقد عامله الصيدلي بازدراء وطرَدَه من الصيدلية. يقول محمد إن الوصفة التي كان يحملها «نظامية ومختومة من طبيب نفسي معروف». ما لم يكن يعرفه محمد هو أن شراء الأدوية النفسية ليس بتلك البساطة، فأحياناً حتى مع وجود وصفة تتضمّن كافة المعلومات المطلوبة، يحتاج الصيدلي لتسجيل اسم المريض والرقم الوطني الخاص به.

في عام 2020 نشرت نقابة الصيادلة السورية تنبيهاً على صفحتها في فيسبوك يفيد بإلزام الصيادلة بإحضار دفاتر الشراء والصرف للأدوية النفسية عند دفع الرسوم المترتبة على الصيدليات، وتوثيق الدفاتر لدى دائرة المخدرات في مديرية الصحة، وذلك بعد شكاوٍ عديدة وصلت إلى النقابة عن وجود خللٍ في صرف الأدوية النفسية والأدوية القابلة للإدمان.

تمتلك الصيدليات في سوريا دفتَري شراء وبيع: دفتر الشراء الأبيض يُسجِّل فيه مندوبُ المستودع كمية الأدوية النفسية والأدوية القابلة للإدمان التي سلّمها للصيدلية، ويضع ختمه مع التاريخ؛ ودفتر أزرق تُسجَّل فيه الأدوية المُباعة في الصيدلية مع تاريخ البيع والكمية واسم الطبيب الذي كتب الوصفة واسم المريض والرقم الوطني الخاص به. ومع عدم قدرة بعض المرضى على شراء الأدوية بأنفسهم يتم تسجيل اسم الشخص الذي طلب الدواء ورقمه الوطني بالإضافة إلى اسم المريض، مع إرفاق الوصفة نفسها. وتُوَثّق هذه الدفاتر في مديرية الصحة – دائرة شعبة المخدرات، وتُقدم عند دفع رسوم الصيدلية لدى النقابة وعند جولات التفتيش للكشف عن توافق الكميات المُباعة مع المُشتراة واتساقها مع الوصفات.

اعتاد محمد شراء أدوية زوجته من صيدلية المنطقة التي يسكنها، فهو معروف في المنطقة والصيدلانية التي اعتاد الشراء منها تعرف حالة زوجته فيحصل على الدواء بسهولة، لكن مع أزمات انقطاع الدواء المتكررة في سوريا قد لا يجد طلبه في صيدلية المنطقة، ويُضطر للانتظار حتى تحصل عليه الصيدلانية التي تعرفه ويعرفها دون أن يواجه نظرات الشك المزعجة في صيدلياتٍ أخرى. فحتى لو قدم جميع معلوماته، لاحظ محمد أن هذا ليس كافياً بالنسبة لصيدليٍّ لا يعرفه.

حصل لعلاء، وهو شاب في السابعة والعشرين، موقفٌ مشابهٌ لما حدث مع محمد. فعندما أراد صرف وصفة المسكنات الخاصة بمريض سرطان في مراحله الأخيرة، وهذا المريض من أفراد عائلته، احتوت الوصفة على ترامادول، الأمر الذي جعله يُطرَد من الصيدلية. يؤكد علاء، مثل محمد، أن وصفته «نظامية وطبيعية»، كما ينوه إلى معرفته بأمر المدمنين الذين يحاولون الحصول على أدوية مشابهة من الصيدليات. مع ذلك لم يستطع فهم صعوبة حصوله على الترامادول الموصوف رغم أنه اتبع البروتوكول غير الرسمي لشراء مثل هذه الأدوية: وهو الحرص على الظهور بمظهرٍ محترم بملابس نظيفة و«وجهٍ يحمل علامات الصحو» على حد قوله، ولم تكن تظهر عليه أمارات تعبٍ أو نعاس.

اقترح أصدقاء علاء عليه تركَ الصيدليات التي لم تعد تثق بأحد، واللجوء إلى تجار المخدرات للحصول على الترامادول بلا مذلة، وأخبروه أن الحصول عليه بهذه الطريقة سهلٌ جداً وليس مكلفاً. لم يستسغ علاء هذه الطريقة ووضعها كخيار أخير. بدلاً من ذلك اتصل بزميل مدرسةٍ قديم يعمل في الصيدلة، ومنه حصل على كل الأدوية التي يحتاجها مريض السرطان دون أن يُضطر حتى لتقديم الوصفة: «العلاقات هي الطريقة الوحيدة»، على حد وصفه.

الصيدليات كمكان للحصول على المخدرات

تشي الشكاوى الواردة لنقابة الصيادلة بوجود مشكلة إدمان أدوية يؤكد عليها تصريح الدكتور غاندي فرح مدير مشفى ابن رشد النفسي، الذي كشف في تقريرٍ لصحيفة الوطن عن زيادةٍ في أعداد المدمنين في سوريا عن العامين السابقين، لتُسارِع نقيبة الصيادلة الدكتورة وفاء كيشي بتبرئة الصيدليات من كونها مصدراً للمواد المخدرة بتصريحٍ وَرَد في التقرير ذاته. تقول كيشي إنه «لا وجود للأدوية المخدرة في الصيدليات، إلا بنسبة قليلة لدى بعضها»، موضحةً وجود فرقٍ كبير بين الدواء المخدر والأدوية النفسية المهدئة، وأن الترامادول هو دواء نفسي (بحسب تصريح د. كيشي!). علماً أن الترامادول مُصنَّف كمُسكّن ألم حسب وكالة الدواء والغذاء FDA، لكنه عموماً يدخل مع الأدوية المُقيَّدة في سوريا مع مسكنات أخرى مسببة للإدمان مثل الكودائين.

وفي بحثٍ منشور عام 2021 في المجلة الدولية للصحة العقلية والإدمان بعنوان: إساءة استخدام الأدوية الموصوفة خلال الأزمة السورية: دراسة مقطعية، اعتمد الباحثون على إجراء مقابلات مع الصيادلة وسؤالهم-ن عن إساءة استخدام الأدوية في ظل عدم وجود إحصائيات رسمية، وأكد غالبية المشاركين في البحث على تصاعد مشكلة إساءة استخدام الأدوية خلال السنوات الخمس السابقة للبحث. وتضمّن البحث دراسة سلوكيات المدمنين في طلب الأدوية الطبية التي يتم استخدامها كمخدر، وقد شملت التهديدات والوصفات المزورة والسلوك العاطفي.

كما أوضحت الدراسة أن الفئة العمرية من 18 إلى 30 عاماً هي الأعلى طلباً للأدوية النفسية وما شابهها، بنسبة 68.5 بالمئة، تليها الفئة العمرية 30-45 عاماً بنسبة 44 بالمئة. وأشارت نتائج البحث، بحسب الصيادلة، إلى أن الطلب اليومي على الأدوية التي يُساء استخدامها كانت بين ثلاث إلى خمس مرات يومياً في دمشق وريفها. وفي كثيرٍ من الأحيان، يُفضّل هؤلاء الأشخاص طلب هذه الأدوية من الصيدليات المختلفة لتقليل فرص اكتشاف أمرهم.

ومن الجدير بالذكر أن هناك زيادة في صرف الأدوية النفسية في عام 2023 بنسبة 70 بالمئة مقارنةً بالعامين السابقين لهذا العام، وهي نسبة تقديرية من الصيادلة بحسب تقريرٍ نشره موقع أثر برس المحلي، علماً أن هذه الأدوية يمكن أن تُسبّب الإدمان بدون إشراف طبيب، بحسب ما أكده أستاذ الطب النفسي في جامعة دمشق الدكتور يوسف لطيفة في التقرير نفسه.

وفي التصريح السابق لصحيفة الوطن، أكدت نقيبة الصيادلة وفاء كيشي أن العقارات المُخدِّرة المُدرجة كمخدرات في القانون السوري لا تُباع في الصيدليات، لكن قد يعتمد بعض المدمنين على خلط دوائين أو أكثر من الأدوية المتوفرة بمتناول الجميع وبأسعار معقولة (دواء السعلة والكودائين مثلاً) بحيث يتسبب الخليط بآثار عصبية وجسدية وقابلية للإدمان، وأضافت كيشي في تصريحها أن النقابة «أرسلت كتاباً إلى فرع مكافحة المخدرات وأقسام الشرطة للتمييز بين الأدوية المُخدّرة والدواء النفسي، مبينةً فيه آلية الصرف المعتمدة في الصيدليات المُقيّدة بدفاتر خاصة».

أما آلية الصرف المعتمدة، فقد وضحتها الدكتورة نهى زريقي من دائرة المخدرات في وزارة الصحة في حديث مع صحيفة الوطن شبه الرسمية بداية العام الجاري، حيث شرحت آلية بيع الأدوية ومراقبة سير العملية من قبل النقابة ووزارة الصحة عبر آلية دفاتر الشراء والبيع التي تخضع للمراقبة ليس في الصيدليات فقط، بل تشمل المستودعات والمعامل التي تُصنّع وتستورِد المادة وفق رُخصِ خاصة من الوزارة.

وتضيف: «تتم مراقبة الكميات المصنَّعة والمستورَدة ورُخص الاستيراد حتى من بلد المنشأ والتوزيع والمبيعات، وفق السجلات التي تُلزِم المعامل بإرسال نسخ عنها إلى دائرة المخدرات في الوزارة عبر تفتيش دوري، حيث يتم احتساب الكمية بالكيلو وكم حبة تساوي»، ولكن يبقى السؤال هو إلى أي حد تلتزم الأطراف التي ذكرتها زريقي بالأدوار الرقابية المُناطة بها، لا سيما عند الرجوع إلى تجربة علاء التي قال في ختام حديثه عنها إن الأمر برمته منوطٌ بالعلاقات.

رفض بيع الأدوية للمرضى كعَرَض جانبي 

على الرغم من تصريحات النقابة، تُعد الصيدليات مكاناً معتمداً في سوريا للحصول على مواد شبيهة بالمخدرة من الأدوية الطبية، إذ بلغت نسبة الاعتماد على الصيدليات للحصول على هذه المواد بشكل مباشر 10 بالمئة، وعبر الوصفات الطبية 16 بالمئة بحسب دراسة بعنوان تعاطي المخدرات في سوريا: أنماط التعاطي، الأسباب، والتصورات عنها كما يراها المدمنون السوريون، نشرتها مجلة أبحاث الخدمات الصحية الصيدلانية عام 2020.

وتعليقاً على هذا، يقول الدكتور شاكر حميد في حديث للجمهورية.نت إن هذا مجرد غيضٍ من فيضِ ما يحدث في سوريا من حالات الإدمان على الأدوية. يعمل حميد في صيدليةٍ في مدينة القامشلي، حيث تُطبّق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا منذ العام 2022 نظامَ دفتر الأدوية النفسية المُتّبع في مناطق النظام، مؤكداً أنه قبل اعتماد الدفتر «كانت العملية على الله»، إذ يُمكن للصيدلي بيع أدويةٍ نفسية مثل «الزولام» لأغراضٍ تجارية دون إبداء اهتمامٍ بدقة الوصفة أو حتى وجودها، مما يتسبّب بتزايد أعداد  المدمنين. ويضيف أن «المشكلة كبيرة ولم تُحَل مع إلزام الصيادلة بدفتر للمواد النفسية وإرفاق الوصفات به، بل أضافت محاولات حل المشكلة عرَضاً جانبياً هو صعوبة وصول المرضى المحتاجين للدواء إلى أدويتهم بسبب قلق الصيادلة».

يرى حميد أن الصيدلاني الخبير يمكنه تمييز الوصفة النظامية من المزيفة، وبناءً على هذا لا يجب التعامل مع المرضى بحِدية وتشكيك مبالغ بهما، لأن المريض أو المسؤول عنه «فيه يلي مكفيه» وليس مسؤولاً عن أخطاء الأطباء. وعن هذا يضع حميد بعض المسؤولية على الأطباء الذين لا يكتبون ما يكفي من المعلومات عن الحالة المرضية، ويهملون كذلك وضع ختمهم على الوصفة، مما يضع المرضى أحياناً في موقفٍ سيء.

ويضيف أن التعامل مع الموضوع، بشكلٍ عام، سهلٌ في القرى والمناطق الصغيرة حيث يعرف الصيدلي جميع المرضى وأمراضهم، ليبلغ به الأمر حدّ تجاهل تعليمات النقابة وإعادة الوصفة للمريض الذي سيحتاج إلى تكرار الدواء الشهر القادم ويعجز عن شراء ثلاث علب دفعة واحدة مثلاً، بالإضافة إلى مشكلة كشفية الطبيب التي وصلت إلى 100 ألف ليرة سورية في العاصمة دمشق، وصعوبة الحصول على موعد واضطرار المرضى للسفر أحياناً مع ندرة وجود الأطباء النفسيين في بعض المدن والأرياف السورية، مما يزيد من تعقيد الأمر على المرضى.

«احتفاظ الصيدلية بالوصفة الطبية يكون في ظروفٍ مثاليةٍ فقط، وليس في حالتنا السورية الراهنة»، يقول حميد، ويزيد على ذلك مشكلة عدم توفر كافة الأدوية في جميع الصيدليات «فقد يجد المريض دواءً معيناً عندي ولا يجد الآخر». ومع عدم وجود صيدلية قريبة تؤمن جميع الأدوية في الوصفة، يفضل الدكتور حميد إعادة الوصفة للمريض ليتمكن من الحصول على أدويته من صيدلياتٍ مختلفة. وعن تهرّبه من النقابة يقول حميد: «كله بيمرق. سهلة»، إذ يمكن رشوة المراقبين بمبلغ من المال للتغاضي عن عمليات بيع الأدوية غير الرسمية.

يعمل د. حميد في منطقة صغيرة حيث يستطيع معرفة مرضاه وحالاتهم وحتى نقص الأدوية الموجود في الصيدليات المحيطة، وبذلك يستخدم «طرقاً غير قانونية» إذا جاز التعبير لتسهيل الأمر، لكن «الرشوة والفساد هي الأمور التي تؤدي إلى الإتجار المتعمّد بالأدوية المقيدة غالباً، بالإضافة إلى وجود طرق أخرى مثل الدواء الحر» بحسب الصيدلانية ليان قاسم (اسم مستعار).

خارج سيطرة النقابة: الدواء الحر

تشرح الدكتورة قاسم كيف يمكن للصيدلي تأمين الأدوية للمرضى الذين يثق بهم دون الاضطرار لتوثيق العملية في الدفتر وسحب الوصفة، وذلك عبر شراء الأدوية بشكل حر من المستودعات، التي بدورها تشتريها بشكل حر من المعامل، لتخرج بذلك من دائرة المراقبة، وتُباع هذه الأدوية عادةً بسعر أعلى لأنها غير موثّقة. ومن هنا يمكن لبعض الصيادلة بيع مواد أفيونية وغيرها بطرق غير قانونية. تحكي قاسم للجمهورية.نت أنها تدرّبت لثلاثة أشهر بعد تخرجها في إحدى صيدليات دمشق وفوجئت بكم البيع غير القانوني في الصيدلية، حتى أنها رأت الموظفين يُتلفون بعض الإبر الأفيونية بشكلٍ غير قانوني عن طريق كسرها ورميها في سلة المهملات قبل التفتيش الدوري، علماً أن الإتلاف القانوني يكون عبر تقديم طلب خطي لمديرية الصحة شخصياً من الصيدلاني بشرط انتهاء صلاحية الأدوية المطلوب إتلافها. طريقة الإتلاف هي ما جعلت د. قاسم تشكُّ بقانونية عمل الصيدلية، كما لاحظت أن صاحب الصيدلية يدفع كثيراً من الرشاوى عادةً لتجنب التفتيش، ويحرِصُ على أن تكون نسبة العاملين في الصيدلية من غير الصيادلة أكبر من عدد الصيادلة، ويعود هذا برأيها إلى أن «غير الصيدلي لا يعرف تماماً ماهية المواد التي يبيعها».

حصلت قاسم على عملٍ في صيدليةٍ أخرى، ومثل جميع الصيدليات على حد قولها، كانت تعاني دورياً من زيارة المدمنين الذين تدربت جيداً على تمييزهم من خلال تاريخ الوصفة التي مضى عليها أكثر من خمسة أيام مثلاً، فهي وصفة تثير الشكوك في كونها مُباعة، إذ يبيع بعض المرضى وصفاتهم مقابل مبالغ مالية كبيرة. والأمر الثاني هو عدم تلاؤم الأدوية الموصوفة مع بعضها البعض أو مع المرض موضوع العلاج، وذلك حتى لو كانت الوصفة مختومة وقانونية: «بعض الأطباء يصفون أدوية مثل البيوغابلين والترامادول وأدوية مهدئة مقابل المال»، تقول قاسم، مؤكدةً على أن وجود الوصفة المختومة لن يضعها في مشكلة، لكنه سيجعل الصيدلية وجهةً للمدمنين الذين تخافهم كثيراً.

تحكي د. قاسم عن محاولات الخداع التي يقوم بها المدمنون من خلال إدعاء أحدهم، مثلاً، بأنه جاء في مناوبة صيدليٍّ آخر ونسي أن يضع له علبةً ثانيةً من دواء معين. بحركة بسيطة عبر تدقيق سجلات البيع ومقارنتها مع الكميات الموجودة في الصيدلية يمكن للصيدلي اكتشاف ما تم بيعه أو لا، وبهذا يكتشف الكذب. أما عن عدم تجاوب الصيدليات مع الوصفات النظامية المضبوطة، تقول قاسم إن هذا يعود لكون أغلب العاملين في الصيدليات الآن من الخريجين الجدد بسبب الرواتب المتدينة جداً التي قد تبدأ من 150 ألف ليرة سورية (ما يعادل 10 دولار) وتصل في أفضل أحوالها إلى 600 ألف ليرة (40 دولار تقريباً). يخاف الصيادلة الجدد من بيع هذه الأدوية عادةً، وأحياناً لا يَسمح لهم أصحاب الصيدليات بصرف وصفات معينة دون وجود صاحب الصيدلية. وتضيف أن ما يجعل الأمر أسوأ من ناحية البيع العشوائي أو عدم صرف الوصفات النظامية هو امتلاء الصيدليات بغير المختصين الذين قد يتجاهلون وصفاتٍ لا يفهمونها، أو الأسوأ صرفها دون انتباه.

يتفق الدكتور حميد مع الدكتورة قاسم في مشكلة وجود عاملين غير مختصين في الصيدليات، الأمر الذي يبدو أن النقابة تتجاهل التعامل معه بشكل جدي، ويتفقان أيضاً على أن «الحل الأول هو إنهاء أزمَتي الدواء والرواتب المنخفضة ووضع الخبز بيد خبازه، وإلا فإنه من الطبيعي أن يتوجّه ذوو مريض سرطان بحالةٍ حرجة لطرقٍ غير قانونية للحصول على المُسكنات لاختصار كثيرٍ من الوقت يقضونه في البحث عن صيدليات توافق على البيع». وفي ختام حديثه يؤكد د. حميد على وجوب التعامل المحترم مع المريض وإنْ كان يبدو مدمناً: «لا يحق لأحدٍ معاملته بتشكيكٍ زائد قد يُشعره بالإساءة».

العلاج الذاتي من سوق المخدرات

تعتقد د. قاسم أن تجار المخدرات يحصلون على الأدوية القابلة للإدمان المختلفة عبر الشراء الحر من المعامل، وهي أدوية خطيرة قابلة للإدمان أشهرها الزولام والترامادول. تُقدَّم هذه الأدوية كعقاقير رخيصة وأثمانها في متناول يد الشباب لتجربتها وفق طريقة الإتجار بالمخدرات المُعتادة، إلا أن المخدرات مثل الكوكائين وحبوب LSD والإكستاسي وغيرها تستهدف طبقات معينة داخل الحفلات وأماكن السهر، بينما تباع الأدوية الطبية القابلة للإدمان لفئات أقل قدرة على شراء «الممنوعات» مثل الطلاب.

تؤكد د. قاسم أن محاولة الحصول على الأدوية من مصادر غير شرعية، وإن كان المريض بحاجتها ولم يستطع الحصول عليها من الصيدليات، له خطورة كبيرة؛ مثل أن الجرعات المُحدّدة قد تختلف، وهذا يؤدي إلى مشاكل خطيرة في بروتوكول العلاج. لذلك فإن اللجوء إلى مصادر كهذه، وإنْ كان بغايةٍ طبية حقيقية، خطيرٌ بنسبة خطورة التعاطي العشوائي للمدمنين. كما أن «هذه المصادر تُسهّل على المريض الوصول إلى كمية أكبر من الموصوفة له، ليستسهل إعادة استخدامها دون العودة لطبيبه، الأمر الذي يؤدي إلى الإدمان دون الإشراف الطبي المطلوب».

يُعدُّ مروّجو المخدرات مقصداً لحالات مختلفة غير التعاطي المتعمَّد سابق الإصرار للأدوية القابلة للإدمان، مثل البحث عن مصدرٍ أسهل من الصيدليات للحصول على الأدوية المطلوبة، وأكثر من ذلك يعمد البعض إلى معالجة أعراض مشاكلهم النفسية من خلال الحصول على هذه الأدوية من مصدرٍ غير شرعي لعدم الثقة بالأطباء النفسيين.

عانى نعيم (اسم مستعار لشاب عمره 25 عاماً) من اكتئابٍ شديدٍ على حدّ وصفه، لكن هذا الاكتئاب لم يقدهُ إلى طبيبٍ نفسي، لأنه يخاف أولاً من التحدث بصراحة أمام طبيبٍ عن مشاكله التي سببها الوضع العام في سوريا، كما يرى أن الطبيب لا يستطيع معالجة وضعٍ كهذا، وكل ما سيفعله هو معالجة بعض الأعراض. بالنسبة لنعيم، فإن الأعراض النفسية يمكن التعامل معها بالحبوب التي يحصل عليها من «مصادره الخاصة». وعندما أجبره الأصدقاء على زيارة طبيب رفض الرضوخ لبروتوكول العلاج الموصوف، معتبراً أنه يعرف نفسه أكثر ويستطيع السيطرة على أعراضه ببعض الأدوية التي يجدها وجرّبها والتي درّب نفسه لخلق نمط حياة يتناسب معها.

دخل نعيم إحدى مستشفيات دمشق الخاصة بعد عامٍ بسبب الاعتماد على الأدوية بشكلٍ عشوائي، وهو ما أدى إلى مضاعفاتٍ يرفض الحديث بشأنها حتى الآن.