أَبعادُ تلفازنا كبيرة جداً، ولا تناسب مساحة غرفة الجلوس الضيقة التي عادة ما نُغلق نوافذها المفتوحة على الشارع، كي لا يصدح صوت التلفاز العالي ويُزعج الجيران.

إنها المرة الأولى التي نتابع فيها أنا وأخي الصغير مشدوهين نشرات الأخبار السياسية برفقة أبي، ولم تكن كتلك المرة التي دخل فيها أبي فجأة إلى المنزل وأشعل التلفاز ثم وضع يديه على رأسه وتمتم «سقطت بغداد»، ولا مثل الأيام الطويلة التي عسكر خلالها ليتابع ما يحصل في لبنان؛ لم تكن حرباً أو نزاعاً بين الأطراف السياسية المعتادة لنسأل أبي الذي يعرف كل شيء عن أسبابها وكيف ستنتهي، ومَن الطرف المظلوم لنقف معه؟ ومن الظالم من وجهة نظره لنلعن أباه؟ لقد حملت القنوات الإخبارية بِشاشاتها المقسّمة وأشرطتها الحمراء اللاهثة أخباراً لا تُصدّق إلى عالمنا البسيط، يومها كنا نشاهد تقريراً إخبارياً عن مصر، ظهر خلاله جندي شاب ينام فوق دبابته بسلام إلى جانب المتظاهرين.

نظرتُ إلى أبي الذي خدم في الشرطة لأكثر من عشرين عاماً، ولمحتُ تأثُّره بملامح الجندي المتعبة واستلقائه بين ناسه بسلام وسألته: «إذا صارت عنا ثورة راح تطلع بالمظاهرات؟»، أجابني بسرعة وحزم: «طبعاً…»، لحظة صادقة لا يُلغيها ما جاء بعدها ولن يمحوها من ذاكرتي أبداً. لا أعلم ما السبب الحقيقي، ولكن امتلكني حماسٌ لم أعرفه يوماً، وتمنيت في ذلك اليوم قبل النوم: ثورة.

يا هنية وشقية

استيقظتُ في أحد الأيام قبل بزوغ الضوء في بيت جدتي حيث عشتُ طفولتي، وخرجتُ مجتازة خطوط الراقدين على الأرض، بقيتُ هادئة كي لا أُخيفَ جدتي وهي تتلمس طريقها في عتمة أرض الديار نحو صنبور المياه. قامت قبل أي شيء بفتح الصنبور فأصدر صوته المُحبِط، ومع ذلك وضعت جدتي تحته وعاء فارغاً، ثم توضأت بالماء القليل المتبقي في الجرن الحجري، وصلّت وهي جالسة إلى جانب أواني المياه المتكدسة، ثم انتظرت كما تفعل كل يوم أبناءها وبناتها السبعة.

سكن الخوف والعطش قلبها مع مرور الوقت مثل الكثير من السلامنة، فهي شاهدة على موجة الجفاف التي عانت منها سلمية منذ الخمسينيات وحتى الآن. صارت تملأ كل شيء مقعر بالماء، وكانت تحزن عندما يتأخر دور المياه في حارتنا وتملأ حجرها بالدموع، وتعللُّ حزنها بأن كل شيء قد تغير، الحجارة والناس: «قَلّ الخير بالدنيا يا ستي الناس عم تجوع وعم تموت»، وتنتظرُ أن تصدح نشرة الوفيات اليومية من مذياع «الإمام إسماعيل» لتؤكد هواجسها. أورَثَتْ جدتي عطشها وخوفها لكل أولادها، ولكنهم كانوا مختلفين عنها، تصالحوا مع ظروف الحياة القاسية وتنقّلوا بخفة بين حَدَّي الفقر والكفاف، وأصابَ جيلَهم في سَلَمية ظمأٌ من نوع آخر ما عاد يشبعه الماء وحده.

ما حكاه أهلنا وأساتذتنا في الجلسات الصباحية عن سَلَمية، مرتع طفولتهم وحرائق صباهم، كان قصصاً أبطالُها انتصروا على ظروفهم، قرأوا وتعلّموا ورسموا فصنعوا من اللاشيء شيئاً، عن سَلَمية التي ازدهرت بمفكريها وشعرائها، وكيف أنصت لهم العالم كلّه، وعن شقاوة هذه المدينة وغرامها الأبدي مع الثورة، عن انتشار الأحزاب المعارضة فيها ونشاطها السياسي الغزير، وعن المتمردين الذين انتشروا فيها كشقائق النعمان، وكيف كانت دائماً منشأً وملجأً لهم، حتى منحت أبناءها وبناتها جينات الحرية الثقيلة.

نشأتُ وأنا مقتنعة بما كان يقوله أبي، أن من يمتلك خيالاً حراً سيسغتني عن كل شيء، وشعرتُ بيُسر حالنا في طفولتي لأنه جلب لي مئات القصص ودفاتر الرسم ومعاجم اللغة الإنكليزية والفرنسية، ولأننا واظبنا على زيارة المركز الثقافي في سَلَمية، حيث وقف أهم شعراء ومفكري ومسرحيي سوريا والعالم العربي، ومَعارض الفن التشكيلي والحرف اليدوية في الحمام الأثري، الذي يتذكره أبي من طفولته وهو يعمل قبل الجفاف. في مشوار الحمام الصباحي كنت ألحُّ كي نمشي إلى مقام الإمام إسماعيل في الشارع نفسه إلى اليمين، كنت أقفز من الغبطة ونحن نختلط بالمارة؛ أناسٌ من محيط سَلَمية جاءوا ليقضوا حوائجهم، وزوار المقام من أماكن مختلفة في العالم بأزيائهم الجميلة، محالّ القماش والتوابل والعطور، ومحل الحبوب حيث كان هناك دائماً كيس مثقوب يَترك أثناء حمله القليل من الحنطة، فيغطُّ اليمام على الأرض. في تلك المشاوير كان يقطف أبي زهوراً من الياسمينة الموجودة على سور المقام الخارجي ويعطيني إياها، ثم نجلس هناك قليلاً ونتأمّلهم.

لا بدّ أنني لاحظت القليل من الفروقات عندما زارنا أبناء عمي من الإمارات؛ لم تكن ألعابنا مسلية كألعابهم، ولكننا لم نكن سريعي الضجر مثلهم أيضاً، أذكرُ أننا تفوقنا عليهم تماماً عندما فرش أبي وعمي السطح بالطريقة نفسها التي كانا يخيمان فيها في طفولتهما، وسُمِحَ لنا باستخدام منظار الصيد لمراقبة النجوم والشُهُب، فكانت ليلة لا تُنسى؛ لأننا استمعنا أيضاً إلى أحاديث أهلنا في الأسفل، وبدا أن وضعنا كان سيئاً جداً، وكنا مُجبرين على الانتقال إلى مكان ما، وقد زارنا عمي وأبناؤه وألعابهم المسلية للمساعدة.

تستطيع مع الوقت أن ترى، إن أردت ذلك، الاختلافات الكثيرة في سَلَمية بين أول النهار وآخر الليل، بين إرثها الجميل وواقعها الوحشي، وبين شغف السلامنة للحياة وما واجهوه من قهر وعنف وموت، بين كلماتهم الحرة ومشاكستهم والزنازين الضيقة التي زُجّوا فيها والصمت الذي فُرض عليهم. يشبه الأمر أن تَسجن طائراً حراً في قفص وتنتف ريشه، وتستبدل تحليقه الحر في سماء واسعة بتكرار وتوجيه قاتلين، ومع ذلك تشدُّ سَلَمية أبناءها إليها، تعجننا وتلقينا إلى هذا العالم جائعين للحرية ونبحث عن عدالة ما.

طفولة الربيع -ربيع الطفولة

استيقظت المدينة بعد سنين من الصبر والركود، وبدأت حوارات وجدالات الماضي تأخذ أبعاداً جديدة، صار للحكي طعمٌ ووقعٌ مختلف، حفر الناس صدورهم ونبشوا القضايا المدفونة والمسكوت عنها، وطرحوا أسئلة لم يكن أحدٌ ليتصور أن يجاهر بها قبل الثورة، والمفصل الثابت في كل الأحاديث هو ضرورة حصول تغيير. لطالما كانت سَلَمية أمٌ للفقراء الطيبين والمفكرين المتمردين والعشّاق المجانين، لهذا كانت الثورة هي الابنة الهنيّة والمُنتظَرة بعد جفاف طويل.

لم يشارك في المظاهرات الأولى أعداد كبيرة، ولكن الجميع تابعها سواء من أمام باب الدار أو سطحه، وتحدثوا عنها كحدث استثنائي وحماسي، تناقلوا أخبارها ومواقفها المضحكة، ودققوا بطبيعة الحال لأنهم سلامنة على الأشخاص الذين شاركوا فيها.

أذكر أننا تحلقنا حولَ زميلتي في المدرسة كفراشات يجذبها الضوء، وهي تُخبِرُنا عن مسير الشموع المسائي الذي شاركت فيه مع والدها، والذي سار فيه أطباء ومهندسون وأسرٌ كاملة مع أطفالها، وحملوا بأيديهم شموعاً وأغصاناً خضراء. لم تذكر أن أحداً قد تعرَّضَ لهم آنذاك، ولكنها ذكرت أنها لمحت عيوناً ملؤها الشر. عدتُ إلى المنزل سعيدة بما أحمله معي من أخبار، وأشعر بالغيرة من رفيقتي ومرافقتها لوالدها، ولكنني تفاجأت برد عائلتي، لقد كنتُ أنا الحدث ذلك اليوم وليس ما أعرفه.

لم تعتد عائلتي أن تثقل خطواتي بالخوف، ولولا خُرافة أبو عِدل والمرأة التي تخطف الأطفال التائهين في الشارع لقلتُ إنني عشت طفولة كاملة دون حذر، ولكن يومها وصل التخويف أقصاه، رأى أبي أن هذه الشموع ستفجِّر العنف، وسيتكرر الموت والاعتقالات والعزلة التي وقعت منذ زمن على سَلَمية وجارتها حماة، موتٌ لم يسمع عنه الأطفال من قبل، ولمّا لم ينطفئ حماسي ولم أقبل هذا الخوف دفعة واحدة صمت والدي تماماً، وهو أحد آباء سَلَمية الذين تغلبهم عاطفتهم تجاه بناتهنّ، فلا يضعون نقطة لأي حديث. اعتقدتُ أن مصدر قلقه الحقيقي هو رغبتي بأن أكون حرة، رغبتي بأن أكون أنا، أنني أكبرُ الآن ولم أعد طفلة.

لم أكن شجاعة ولكنني كنت مأخوذة بالبطولات التي أفرزتها الثورة، وكنتُ محاطة بصبايا وشباب من أبناء جيلي شجعان ومتّقدين، كانت ثورتهم ولوثتهم، وأصبحت المدرسة هي الحل الوحيد لي لأتواصل مع الآخرين وأعرف ما يجري من تحركات في المدينة، أو لأعبر عن آرائي في وسطٍ يدعمني، حتى أنني كُلِّفت من قبل بنات المدرسة بكتابة عبارات لنهتف بها خلال احتجاجنا على فصل أساتذتنا من المدرسة والتعرُّض لهم. حفظتُ العبارات ورميتُ الورقة كي لا تبقى معي في حال اعتقلوني، وعندما جاءت اللحظة المناسبة لنهتف نظرنَ إلي فجأة فنسيتُ كل شيء، لكننا كنا نحفظ هتافات من كل المحافظات السورية عن ظهر قلب، نتفق معها ونحبها وتُسعفنا في مثل هذه اللحظات.

بقينا على همّتنا حتى تجمّعنا في أحد الأيام أمام المدرسة من أجل مسير سيبدأ في شارع زينب وينتهي في الساحة، في الفرصة الثانية اتّجهت أكثر من نصف طالبات المدرسة إلى أحد جوانب الباحة، أبعد ما يكون عن أعين المدير والموجهات، وفي النصف الآخر وقفت الفتيات اللواتي يتجهزنَ لمسيرة مضادة لمظاهرتنا، ويمكن لأي منّا أن تعبر الباحة نحو الطرف الآخر إلى صديقتها في المقعد أو جارتها أو أختها كي تعطيها أو تخبرها شيئاً ما، ثم تعود إلى مكانها. خلال الانصراف بدأنا نتجمّع كلنا وكأننا رتل، ارتدينا سترات سوداء اللون، وحملنا شريطاً أحمر في يدنا، وكنت أحسب كيف يمكنني تجنب رؤية أفراد أسرتي عند خروجنا، فهمسَتْ لي صديقتي خلال خروجنا: «إذا ضربوا غطي راسك بدياتك» أجبتها باستغراب: «شو؟» ، قالت: «ضربوا المرة الماضية»؛ يومها خرج مدير المدرسة إلى الشارع، ثم نادانا وصرخ بأنه ضابط الأمن الأول في المدرسة وسيحاسبنا جميعاً، كان صوته عالياً وكأنه لم يكن يخاطبنا نحن، بل أراد أن يسمعه الشارع كله وهو يتبرأ منا.

وداع الأبناء شقى العمر

مرت شهور عدة على بدء الثورة وكأنها دهر، لم يكن ثوب مؤامرات نظام الأسد واتهاماته ملائم لحراك سَلَمية، فبدأ بإطلاق أشباحه لتغمرها بالخوف والعتمة؛ أسَّسَت لهذا الخوف مئاتٌ فيديوهات الاعتقالات والقتل والتعذيب، وما سمعناه من وقائع حملها لاجئون من حماة والرستن ومحافظات أخرى، وما كان يهذى به طلاب الجامعات الذين عادوا إلى أسرهم عن الاعتقالات العشوائية في سكنهم الجامعي والقصف والدمار. ثم تُوِّجت العتمة بقطع التيار الكهربائي والإنترنت لأيام طويلة، حصل خلالها الكثير من مداهمات البيوت والاعتقالات دون أن يحتاج الأمن واللجان الشعبية وجماعة الحزب (حزب البعث) إلى تهم مقنِعة وحقيقية، وازداد هؤلاء الشبيحة تَوحُّشاً وشراسة.

لقد أُغلِقت سَلَمية على أبنائها كالفخ؛ نصب النظام قاعدة عسكرية على قمة جبل عين الزرقة متنفّس سكان المدينة، وانتشرت حواجز صار لها سمعتها في الإجرام فيما بعد على مداخلها ومخارجها، وقطع الطريق مع حماة تماماً مما سبَّبَ بشكل طبيعي أزمات الغذاء والخبز. فُصِل الكثيرون من وظائفهم، وهُدِّدَ الطلابُ بالطرد نهائياً من مدارسهم. لقد فعل عناصر النظام ومرتزقته كل ما يستطيعون لقهر إرادة السلامنة الذين لا يمتلكون أي شيء إلا كلماتهم ومواقفهم.

لكن الطامة الكبرى بالنسبة لي كانت تقبع في غرفة جلوسنا الضيقة، فقد تضخّمَ تلفازنا إلى الحد الذي احتل فيه كل المساحة، وكل الخطابات والتحليلات والقراءات ومصطلحات العقاب والتخوين صارت جداراً يفصل بيني وبين عائلتي، كان الزمن والواقع الذي يعيشه أبي يُبَثُّ على قنوات محددة، بينما أعيش أنا في عالم آخر تنقل أحداثه قنوات أخرى. لم يعد الخلاف بيننا متعلقاً بالحكاية الحقيقية، وعدم استطاعة أحدنا أن يقدم وجهة نظر مقنعة للآخر، بل فكرة أننا فقدنا قدرتنا على النقاش، والأصعب أننا فقدنا قدرتنا على أن نكون مختلفين في هذه اللحظة المصيرية. كنتُ أرمي لأبي بأسئلة تشغلني ولا أجد لها جواباً مثل: لماذا لم نفتح بابنا ونخرج إلى الشارع عندما اعتقل عناصر الجوية شاباً صغيراً وضربوه حتى نزف من كل مكان؟ ألم يكن جارنا الذي اعتُقِل إنساناً مهذباً، موظفاً وأبناؤه صغار في السن، وهو بالتأكيد لا ينتمي لأي من تلك المجموعات المسلحة؟ هل يعقل أن نصمت عن كل هذا الموت؟

أشعر الآن وأنا أحاول تذكُّرَ جنوني وغضبي، وربما هذا تأثير الوقت على الذاكرة، أنني كنت خائفة جداً من كل ما يحصل، وأنني احتجت حقاً إلى أن يسير أبي معي كما اعتدنا إلى نقطة وسطى وأن يمد لي يده.

بالتأكيد صار التظاهر فعلاً انتحارياً، ولم يعد بإمكاننا أن نتجمع في المدرسة أو أن نعبر عن آرائنا بأي شكل، اشترينا نسخاً ثانية من الكتب، وتركنا النسخ التي رسمنا عليها أعلام الثورة في المنزل، وحَففنا مقاعدنا جيداً بشفرة مبراة لنمحي الشعارات والأغاني. بعضنا فعل هذا طوعاً وبعضنا الآخر نفذ ما طُلب منه، وصار هناك فريقٌ واحدٌ فقط يُسمَح له بأن يُعبّر عن انتمائه إلى أقصى حد، ولم تتوانَ إدارة المدرسة عن تنظيم صفوفه وإقحامه في أنشطة احتفالية وترفيهية وغيرها، بينما غابت الكثيرات عن المدرسة وتحديداً بنات المعتقلين والمعتقلات لأسباب سياسية، سواء كانوا من المعتقلين قبل الثورة وبعدها.

الكثير من الآباء والأمهات ودّعوا أبناءهم وبناتهم في رحلات الموت آملين أن يجدوا مستقبلاً أفضل إن وصلوا، وآخرون خبأوا أبناءهم عن عيون الناس، وأنا عشتُ رعباً يومياً من احتمال أن يعتقلوني، وحاولتُ أن أجد تبريرات وإجابات عن كل الأسئلة التي تخيّلتُ أن المُحقِّق سيطرحها علي، وقصصتُ أظافري لأن قلعها كان من أصعب الخيالات التي خطرت لي، ثم نظرت طويلاً إلى بابا الذي كان يحذرني بصمته كل ذلك الوقت، وغرقت في لوم نفسي، كيف سأسبّب بطيشي له الألم؟

الشرخ الذي سرى في بيتنا سرى نفسه في كل أنحاء سَلَمية؛ بين طوائفها المختلفة ومكاتب أحزابها السياسية ومراكز المساعدات الإنسانية، وفي حاراتها الضيقة وساحاتها الصغيرة وباحات مدارسها. حشاه الكثيرون بالدسائس والمكائد والمنفعة، ولم تَعُد سَلَمية إلى حواراتها ولا إلى جلساتها، وخيّمَ الصمتُ والخوف من الموت، وفاحت رائحة الجريمة في كل مكان، قنوات الأخبار بدأت بتحويل اهتماماتها عن أخبارنا ونحن نراقب جلادنا يسنُّ سكاكينه ليبدأ العقاب الجماعي.

سلمية كانون الثاني 2024

طلبت من بابا أن يوصلني صباحاً إلى مقهى في المساكن لأتمكن من شحن حاسوبي المحمول وإكمال عملي، ركبتُ «الموتور» خلفه ووضعت يديَّ في جيبَي جاكيته الجلدية، وعندما مشى داريتُ وجهي من البرد بظهره. تذكَّرَ أبي راتبه التقاعدي فمررنا بالصراف الموجود في الساحة، وانتظرنا قليلاً مع أشخاص لا نعرفهم. نظرتُ باتجاه عربات الفول التي تتوسط الساحة، ورأيتُ امرأة تقف أمام صور الشهداء المعلقة، سألت أبي عنها لأنني صادفتها في الحالة نفسها سابقاً، فتدخَّلَ على الفور أحدُ الأشخاص الواقفين معنا وأجاب هو عن سؤالي: «خطي ولادها الأربعة ماتوا وهي ما تَحمَّلا عقلا، من لما حطوا الصور بالساحة وهي عم تجي لهون»، يهز أبي رأسه ويخبر الرجل: «الله بعين يا عمي» ثم نظر إلَيّ وبقينا صامتين. يومها أطلنا مشوارنا قليلاً حتى أرى سلمية «عالموتور» للمرة الألف، ونقضي وقتاً أطول سوياً قبل أن نفترق.

أن تلاحظي مع مرور الوقت أن نَفَسَكِ يضيق ودقات قلبك تتسارع وأنت تشاهدين نشرات الأخبار، كل مرة تُحبَطين وتشتمين وتغرقين في عبثية ما تذيعه، أن تعيشي كل يوم تبقّى من حياتك مُدرِكةً أن هناك خطباً ما، لكنك تعجزين عن التفكير به ناهيك عن فعل شيء، هذا يعني على الأغلب أنك ورثتِ هموم أهلك ومشاكلهم، وحملت ثقل صمتهم.

بعد كل الذي عشناه! كنتُ أفكر بهذا وأنا أُخرِج عدة الشحن وأُرتّبها على طاولة المقهى. لم يتواجد أحدٌ سواي أنا والمسؤول عنه، وشابٌ يجلس مع صبية يضعان أمامهما الكتب جزافاً ويأخذهما الحديث. في البداية حاولت أن أمنحهما بعض الخصوصية، ولكن فراغ المكان حمل لي خططهما الحياتية بسهولة، فحملتُ هاتفي لأُلهيَ نفسي به، وقفز قلبي من صدري عندما رأيت تقريراً جديداً عن حراك السويداء، ارتسمت على وجهي ابتسامة مشدودة لأنني حبستها عن غير قصد، وهززت رأسي بشدة وأنا أقلِّب الذكريات بين يدي وفي رأسي، ثم تذكّرتُ أن أكتب إلى أخي الذي يعيش آلاف الكيلومترات بعيداً عنّا.

تعتقد أنك هُزِمت، وأنك لن تستطيع العيش في مكان قَهركَ أمام نفسكَ أولاً، وأنك لُقِّنت كل دروس الحب القاسي في سَلَمية وما عدت تطيقها، وأنها أم قاسية ضربتك على أصابعك بشدة حتى قطعتها، ثم وضعت يدها على فمك وطلبت منك أن تبلعها. تبقى مهزوماً حتى يُخرجك صغار السن من يأسك. تذكر دائماً أينما كنت أنك سلموني، وأن قصتك هي قصة فقر وقهر، لكن هناك شخصاً ما يمكنه أن يدعم حكايتك أو ينقضها. لا تنسى مهما حييت، أو صمتَّ، لحظةً صادقةً لا يمحوها ما جاء بعدها ولا يلغيها أبداً/ وقد تمنيت حينها بيقين تام ثورةً.

كتبت إلى أخي يومها: «مرحبا، أنت بعتت الحوالة للماما؟».