كيف باتت العودة إلى المنزل أكثر الأفعال إثارة للقلق؟ لا أذكر متى اعتدتُ ذلك ولكنني أعرف أنني بتُّ أكره الخروج من المنزل بسبب مَشقّة لحظة العودة. أسكنُ في بيت مُسوَّر بالشبابيك، التي أترك ستائرها نصف مفتوحة عند الخروج، هكذا أضفتُ إلى روتين العودة خطوة التلصُّص على منزلي من الخارج، مراقبة المطبخ وغرفة النوم بحثاً عن أشباحِ زُوّار محتملين ينتظرونني في المنزل. لا أتذكّرُ الخوف كجزء أصيل من شخصيتي، هو عادة اكتسبتُها بعد انتقالي من مدينتي الصغيرة حيث الكل يعرفني ويعي شراستي في الدفاع عن الثورة السورية إلى دمشق الخاضعة بشكل تام لسيطرة النظام. أنا غريبة هنا لا يعرفني أحد ولن يلحظني أحد إن عُثِرَ عليَّ مقتولة في مكان ما، أو أُخفيتُ ولم يعثر علي أحد. بالمناسبة، لم تكن دمشق ضمن الخطة التي رسمتها لمستقبلي، ككل شيء آخر بات جزءاً من حاضري الآن.

كنت طفلة مذهولة بالحياة واتساعها ومفتونة بالتجارب. شعرتُ طويلاً بالامتنان لوالدي على تكويني ومنحي إمكانية العيش والتفكير والحلم والضحك والحب. رَبَّتني الأحاديث الطويلة المختلفة والاحترام الذي توفَّرَ لي في البيت. كنتُ شابةً مُفعمة بالأمل، والشجاعة كانت أصيلة في تنشئتي. في الواقع أَثبتُّ شجاعتي عندما تجاهلتُ كل التحذيرات والتوصيات لأحيد عن فكرة الانتقال إلى دمشق. لقد فعلتُها؛ كنتُ أريد أن أعرف الحياة.

سِحرُ الحياة الذي لطالما شغلني كطفلة مفتونة بالتجارب، سيتلاشى للمرة الأولى بعد مضي سنوات عديدة على الثورة السورية. بعدما شعرت باستحالة العيش في دمشق. كرهتُ حياتي للمرة الأولى ونطقتُ أمام والديّ بأكثر الأسئلة الوجودية المُستهلَكة: ليش جبتوني؟!! كبرتُ وأدركتُ أن الحياة شاقّة فشعرت لبرهة أنها لا تستحق العناء.

***** 

كان التمرد على السلطة الحاكمة في بيتنا فعلاً بديهياً لم نفكر به طويلاً. لا أتذكر متى عرفتُ أننا نكره حافظ الأسد، لكننا لم نكره ابنه. لم نره قط. كان الولد. في الحرب، تصبح السماء خضراء والأرض كذلك، هذا ما ظننته وقت متابعة المشاهد الليلية للدبابات الأميركية وهي تغزو العراق مع والدَيَّ في عام 2003. كنت طفلة في السادسة من العمر وقتها. 

-ماما، رح تصير عنا كمان حرب؟ 

-لا يا ماما. 

-ولما نحرّر الجولان؟

ضحك والدي: «هالولد ما بِحرّر الجولان».

ومثل كراهيتنا التلقائية لحافظ الأسد كان الانتماء للثورة السورية وأنا في الرابعة عشر من العمر عفوياً. أبي الذي كان يخاف عليَّ من سقوط الدرج، ومن الماء الساخن ومن الخروج إلى الشارع بشعرٍ ندي في يوم شتوي، لم يُحذّرني من الولد. ووالدتي التي منعتني من دخول المطبخ وأنا في عُمر أربعة عشر عاماً لتحضير فنجان قهوة، استغرقَ منها الوقت أربعة ثوانٍ لتوافق على مُشاركتي في المظاهرة التي سمعنا هتافاتها. 

يومها نزلتُ إلى الشارع، وقفت بعيدة عن المظاهرة مسافة متر، لا أتذكر إن كنتُ قد صرخت مع المتظاهرين، أتمنى أن أكون قد فعلت. حررت الثورة والدَيَّ من مخاوفهم نحوي، كانت اللحظة التي قرروا فيها أن يروا نتيجة نقاشاتهم الطويلة وتربيتهم، كنتُ الابنة الكبرى وكان لزاماً عليّ ضمناً ألّا أُخيّبَ أملهم.

*****

مع المظاهرة الأولى يُحكى عن كسر السوريين حاجز الخوف، عن الشجاعة والاستعداد للموت في سبيل الحرية، ولكن مع خفوت الدعوات للتظاهر الذي تزامن مع انتقالي لدمشق، وغياب أي مؤشر قريب للتغيير، كانت مخاوفي تكبر، وبدلاً من ترويض هواجسي كنت أُغذّيها. ربما كان هذا طبيعياً لمُراهِقة اختبرت الثورة والحب معاً للمرة الأولى، ليقمع النظام الثورة بأكثر الأساليب وحشية ويعتقل محبوبها، لترسم لحظةُ آذار مسار حياتها وعلاقاتها ووعيها السياسي. 

في بيتنا كَسرَ والدَيَّ حاجز الخوف، هَدمَا الجدران القديمة حولي، وسَمحَا لي بالتجربة إلى أقصاها، إلّا أنني أخذتُ أَبني جدراناً إضافية لفظاعة ما رأيت. 

حتى اللحظة أشعر بالانتماء للثورة وأحاول الحفاظ على استمراريتها في داخلي، أُذكِّرُ نفسي كل يوم أن الحياة في دمشق ليست طبيعية واستمرار الأسد ليس طبيعياً، أبحثُ عن أدوات جديدة، أكتبُ هذا النص باسم مستعار وأعيش على أمل سماع الهتاف تحت بيتي من جديد، وأسألُ نفسي إن كنت سأقف على بعد متر هذه المرة أو سأصرخ ملء فمي، لتكون الإجابة مختلفة في كل مرة.

لا أعلمُ إن كان الانتماء للثورة نقيضَ الخوف، أو إن كانت كتابة هذا النص باسم مستعار من قلب دمشق فعلاً يصل حدَّ التهور والطيش، أعرفُ فقط أن الخوف قد هدَّ حيلي وأنا أكتب وأمحي، وأتحقّقُ من كل كلمة مرتين، فأحذفُ اسم مدينتي وكل تفصيل عن مدرستي وأي معلومة قد تُمكِّنُ أي عنصر مخابرات من التعرُّف علي. كل هذا، لأستطيع النوم اليوم، أو العودة إلى البيت غداً.