يستحيلُ على ذاكرتي التقاط ما كنت أفعله يوم الخامس عشر من آذار (مارس) عام 2011، إذ كيف بوسعها تذكُّر أفعال يومٍ روتينيٍ في حياة مُراهِق في الرابعة عشرة من العمر؟. كنتُ حينها في الصف الأول الثانوي في إحدى ثانويات محافظة طرطوس حيث ولدت وكبرت وما زلت، كانت العديد من القضايا تُثقل كاهلي، لكن أياً منها لم يكن العيش بحرية وكرامة. 

لكنني أذكر جيداً أنني وقفتُ برفقة أبناء قريتي على إحدى الطرق الرئيسية بعد 15 آذار ببضعة أسابيع، نحملُ سكاكين مطابخ وبنادق صيد، إذ لم يكن السلاحُ قد انتشر كقطع الأثاث كما حدثَ لاحقاً، وننتظر القطريين والمندسين وأتباع بندر، لقتلهم قبل قلتنا. بالطبع لم يأتِ يومها قطريون أو مندسون، وحده أحدُ المارّين القادمين من بانياس بسيارته، توقّفَ وحكى لنا بإسهاب كيف اقتحم بواسل القوات الخاصة مدينة بانياس وقرية البيضا وداهموا أنفاقَ وأوكار الموساد، في حين ظلّلتهم في السماء غيمة على شكل سيدنا الخضر أبو العباس.

في الحقيقة أذكر تاريخ ذاك اليوم بدقة، لقد كان 13 نيسان (أبريل) 2011، وهو التاريخ الوحيد الذي حفظته من عام 2011. وفي الحقيقة أيضاً أنني لم أدرِ أن تاريخ 15 آذار هو يوم انطلاق الاحتجاجات في سوريا إلا مصادفةً بعد سنوات، في إحدى سيارات التكسي وعبر إحدى البرامج السياسية في إذاعة النور، إذاعة حزب الله – اللبنانية. يومها صُدِمت بوجود تاريخ يوّثق الحرب التي نعيشها، إذ كنتُ أعتقد أنّ المؤامرات لا تاريخ لانعقادها، بل تنطلقُ ساعة الصفر تحت جنح الظلام وتنمو وتتراكم دون تواريخ مثبتة. بحثتُ عنه على الإنترنت، هالني أنه ليس ذكرى لمجزرةٍ أو تفجيرٍ ما، لقد كانت مجرد ذكرى لمظاهرة صغيرة ضد النظام في سوق الحميدية؛ هل يعقلُ أن تندلع المؤامرة الكونية بمظاهرةٍ صغيرةٍ كهذهِ فحسب؟

قضيتُ أياماً بعدها اسأل أصدقاء ومعارف عن موعد انطلاق «الأزمة»، الغالبية أرجعوه إلى ربيع عام 2011، ومنهم من حدده بآذار، لكن أحداً لم يحدد التاريخ بدقة. لم أكن وحدي مَن لم يسمع بهذا اليوم، إنما معظم أهالي منطقتي لم يسمعوا به.

يقظة متأخرة

لاحقاً، وعلى إثر مواقف متباينة ومعقدة، نما وعيي السياسي. لم أعد ذاك الواقف على قارعة الطريق يحملُ سكيناً صغيرة بانتظار المندسين، تبدلت الأحوال، ولم يعد بالإمكان تخبئة الشمس بغربال، على الأقل بالنسبة لي. اتخذتُ قراري بمعارضة النظام، كانَ قراراً متأخراً لكنه أيضاً جاء في وقته، إذ لم يكن له فرصة أن يأتي قبلها ابداً. 

بالطبع لم أنضم إلى أي مبادرات أو أحزاب أو تشكيلات معارضة، كنت قد عارضت النظام متأخراً بعد إفلاس تجارب المعارضة ومعظم طروحاتها وفعاليتها وتأثيرها، لكن أحد الأسباب الكثيرة التي دفعتني إلى المعارضة هو 15 آذار نفسه، إذ بعد معرفتي به وجدتني أسأل نفسي لشهور؛ كيف ضحكت منا قناة الدنيا وقناة سما والتلفزيون الرسمي، وذلك القادم من بانياس الذي رأى الخضر في السماء، كيف لم يخبرنا أحد منهم أن «الأزمة» اندلعت بسبب مظاهرة صغيرة. 

وكمعارضٍ متأخّر، كان لزاماً عليّ العودة في الزمن إلى هذا اليوم، أعدتُ النظر فيه، والتودد إليه، أعدتُ تشكيلهُ، حاولتُ أن أعيشه، أن أتبناه ويتبناني، ولسنوات عديدة تحدّثتُ عنه وكأنني كنتُ يومه في جموع المتظاهرين. لكن بعدما خفتَ الأمل، ضعفتُ مرات عديدة وتنكّرت له، وشتمته، ومن ثم أعدتُ قراءته مراراً، وما زلت أقرأه دون كُره أو قدسية، قراءةً تحاول أن تكون موضوعية كما يليق بهذا اليوم.

واليوم؟ 

اليوم مع حلول هذه الذكرى، أعتقد أن واقعنا ابتعد كثيراً عن واقع 2011، مجتمعات سورية تعيش همومها ومشاكلها وإدارة حاجيتها وواقعها باختلاف شديد. ربما تكون السويداء التي تعيش وقع المظاهرات ضد النظام منذ أشهر هي الأقرب إلى الأمل في يوم 15 آذار، بشعاراتها وإصرارها، ولكن لا بدّ من الاعتراف أنني لا أعوّل كثيراً أو قليلاً على إحداثها تغييراً ما في المعادلة مع نظام قادر على تجاهلها كما يتجاهل إدلب وشمال الفرات ومناطق أخرى من سوريا، يلغيها من خارطة سوريا وينساها. 

لكن أيضاً، ورغم هذا، أليست مظاهرات السويداء نفسها تغييراً؟ أليس إصرار الناس على الهتاف والخروج يومياً ضد النظام تغييراً؟ ربما يكون أهل السويداء أكثر يأساً مني في التخلص من النظام، أو أكثر هزيمةً، ربما كلنا اليوم مهزومون، لكن أحداً لن ينسى أن السوريين امتلكوا الجرأة الدائمة على الحلم بالتغيير يوماً، التغيير دائم التغيُّر بفعل يوم الخامس عشر من آذار عام 2011.

الآن وقد مرّ ثلاثة عشرة عاماً على انطلاق «الأزمة»، يكاد ينتصف عمري على عدد سنين الحرب، كطين الفخار أعدتُ تشكيلَ نفسي وأفكاري مراتٍ عديدة، تقلّبتُ وانقلَبَت الأحوال بي كما تقلّبَ الشعب السوري وانقلبت الأحوال به، ومتأخراً أدركت أن 15 آذار هو كذلك أيضاً، أو أنه جعلني على شاكلته من حيث لا أدري، وكذلك جعلَ من كل السوريين. يوم كطين الفخار ينعجن وينصهر ويتخذ أشكالاً عديدة، وسيبقى كذلك مع التاريخ، هذه سمته، صفته، وجوهره، قامَ ليُلغي القالب الجامد والفكر المتجانس، لذا كان وسيبقى اليوم الأهمَّ في تاريخ سوريا. 

قد يُطلَقُ عليه في التاريخ ذكرى انطلاق الثورة السورية، أو ذكرى انطلاق الاحتجاجات أو الحراك أو الانتفاضة، قد أكفر به غداً، قد يكفر به كل السوريين، قد ينسونه، ويغيب تحت وطأة أيام أخرى، وقد لا يكون 15 آذار قد مر من الساحل السوري ومناطق أخرى في سوريا، لكن بلا شكّ سيكون هو الذي فتح الباب ولو بعد مئة عام أخرى لـ آذار آخر أعظم وأنضج قادم لا محالة لسوريا كلها، ولم يكن ليأتي من غير ذلك اليوم.