الغريب اسمُ الكتاب الجديد الذي صدر في شهر آب (أغسطس) 2023 عن دار مدارك في الرياض للمفكِّر السوري خلدون النبوانيخلدون النبواني: من مواليد محافظة السويداء، حصل على الليسانس في الفلسفة من جامعة دمشق عام 1999م، وتابع دراسته العليا في جامعة السوربون في فرنسا وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الأوربية المعاصرة عام 2013، اهتم بالتفكيكية بشكل عام وتفكيك المفاهيم السياسية بشكل خاص، إضافة لاهتمامه بعلاقة الأدب بالفلسفة، له عدد من المؤلفات نذكر أبرزها: نصوص «أدبفلسفية»، في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها: دراسات فلسفية وفكرية، التباسات الحداثة: هابرماس في مواجهة داريدا، هابرماس ما بعد نظرية الفعل التواصلي، إضافة إلى عدد كبير من المقالات. كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية.، الكتاب يقع في حوالي 200 صفحة، وقد أُتبِعَ بعنوان فرعي (تأملات وحوارات فلسفية في السياسة، والمنفى، والاغتراب)، ليمثِّل الكتاب خلاصة سيرةٍ ذاتيةٍ فلسفيةٍ، حاول النبواني من خلالها الإجابة عن التساؤلات الفلسفية المطروحة على ساحة الفكر، وبيّنَ ضرورة الحاجة إلى فلسفة، لذا فقد لجأ إلى تفكيك عدَّة مفاهيم فلسفية معاصرة تتصل بالواقع المُعاش اليوم؛ كالوطن، والهوية، والأنا، والمُلكية، والديمقراطية، … 

الكتاب مجموعة من المقالات والحوارات التي أُجريت مع المؤلف في العقد الأخير من الزمن، وقد تضمَّنَ محاولة لمعالجة إشكاليات تتعلَّق بتاريخ الفلسفة، ونقداً لحالة تدريس الفلسفة في الجامعات، خاصة في الغرب الأوروبي، كما ناقش فكرة وجود فلسفة عربية، وقدَّم تحليلاً فلسفياً لعددٍ من القضايا السياسية والأحداث التي شهدها العالم مؤخراً كالثورات والحروب وسقوط بعض الأنظمة، وما رافق ذلك من آمال في التغيير الديمقراطي في العالم العربي. وقد طرح إشكاليات اللجوء والمنفى والاغتراب بعد الاستناد إلى التفكيك والتشكيك والنقد، ليدعو في النهاية إلى يسار عالمي جديد، لذا فقد عدَّه النبواني من أهمِّ كتاباته الفلسفية؛ ولعلَّ الأمر يعود إلى اعتقاده باستكمال مشروعه الفلسفي، أو اقترابه من ذلك، أو لنقل بعبارة أخرى إنَّ الكتاب يشكِّل اتضاح هذا المشروع بالخطوط العريضة، ويمثِّل حضوره بوصفه ذاتاً فلسفيةً تسعى لتحظى بمكانتها في عصر تسارعت فيه الأحداث والتغيرات، وغابت المشروعات الفلسفية الشاملة.

ملامح المشروع الفلسفي للنبواني

يبني النبواني مشروعه الفلسفي على مبدأ ضرورة تطوير الفكر النقدي والتحليلي، بغية تعزيز حضور الفلسفة العربية وتحفيز فاعليتها، وقد اتَّبعَ منهجية التفكيك لفهم أعمق وأكثر واقعية، فهو «يسعى أكثر لخلخة الثابت وتحطيم الدوغمائيات والقناعات التي تكلّست وصارت معيقات تجاوزها الزمن والإمكان» (الغريب، ص144)، كما يدعو للكفّ عن استقدام حلول جاهزة من الآخر الذي قد لا يراعي التباينات بين واقعنا وظروفنا وبين بيئته التي يبحث فيها.

وفي مشروع النبواني الفلسفي دعوة للكتابة والتعبير عن خصوصية الفلسفة العربية وإمكانية توسيع موضوعاتها لتشمل البحث بشكل أوسع في الدين والسياسة والميتافيزيقيا، كما يرى ضرورة تفكيك تاريخ الفلسفة وتطبيقها على الحياة اليومية وأن لا تكون مقتصرة على النظريات والمفاهيم، ومع التأكيد على حاجة لغتنا العربية إلى إصلاح بنيوي بغية نزع طابع القداسة عنها؛ لأن ذلك من شأنه تقييد اللغة وتجميدها لتدخل في حالة عطالة بحجّة الحفاظ عليها. كما يحثُّ على تحرير الفلسفة من السياسة؛ لأن السياسة في العالم العربي هي من حكمت ووجّهت وابتلعت واغتالت. وتأتي أهمية مشروع النبواني الفلسفي وضرورة قراءته من حيث أنه يطرح وبشكل مختلف عن مفكري التراث العربي (أركون، والجابري، وحنفي، ومروة، وتيزيني، وغيرهم) فكرة ضرورة التغيير من الخارج لا من داخل البنى التقليدية، وتجاوز ثنائية الأصالة والمعاصرة؛ لاعتقاده بأن «التغيير من الخارج أكثر فعالية وقوة اليوم، فعالم التكنولوجيا وسرعة التواصل واندفاع الأحداث وتدفق المعلومات والقرارات السياسية وسنّ القوانين كل ذلك يفرض تغيّرات كبيرة جداً على البنى الذهنية التقليدية فيجبرها على التأقلم معها» (ص70)، ولذا فإنه يعتقد بأن ما يحدث اليوم من تفجُّر صراعات وثورات ما هو إلا نتاج تلك الضغوطات التي تتعرض لها تلك البنى التقليدية، ومحاولة أقلمتها والخروج من عقدة الخوف من التغيير أو الغزو الثقافي أو ضياع الهوية.

لكن من هو الغريب؟ ولماذا الغريب؟

على منوال الكوجيتو الديكارتي، يُقدِّم النبواني في كتابه كوجيتو الغريب «أنا موجود إذن أنا غريب» (ص36)، موضِّحاً أنَّ سعيه حتَّى يكونَ موجوداً خارج أيِّ تصنيفات مسبقة متعلقة بالطائفة أو المعتقد أو حتى الهوية والوطن يقوده ليكون غريباً، بمعنى أنه إذا كان كوجيتو ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود» يشير إلى أنَّ ديكارت شكَّ في كل شيء ما عدا فعل التفكير الذي بنى عليه وجوده، كذلك فإنَّ النبواني اعتبر رحلة بحثه عن وجوده هي الرحلة ذاتها التي اكتشف فيها غربته، وذلك يعود إلى انتفاء مفهوم الوطن عنده وعدم ارتباطه بالأرض بالمعنى الجغرافي. و«الغريب» عند النبواني ليس «بالمعنى الذي نجده عند ألبير كامو على سبيل المثال، فغريبه -كامو- يحمل قدراً عالياً من اللامبالاة وعداء الآخر حدَّ قتله» (ص38)، إنَّما غريبُ النبواني هو أقرب للمعنى السقراطي الذي ذكره أفلاطون في محاورة السفسطائي، وقد جاء بمعنى الأجنبي الذي يتكلَّم بلهجة مختلفة عن الآخرين، فلا يكون صاحب المكان والمكانة، بل هو في أفضل الحالات تلميذ جيد دون أن يصل إلى مرتبة المفكِّر أو الفيلسوف.

ورحلة الغريب عند النبواني تمرُّ بمرحلتين: المرحلة الأولى، مرحلة النفي، وهي التي ترتبط بالمُلكية وتُطبَّق على فرد أو جماعة، وتمارسها السلطة عبر فعل الإخراج من هذه المُلكية، فيغدو الشخص غريباً، حين يتم استبعاده من مكان ملكيته التي أعلنها الإنسان الأول، حسب تعبير روسو، «الذي سوَّر أرضاً، فرأى أن يقول: ’هي لي‘، وقد وجد من البسطاء مَنْ يصدقونه»جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة، عادل زعيتر، منشورات مؤسسة هنداوي، لندن، 2017م، ص57.، ومن الدفاع عن هذه المُلكية المستحدثة بدأت رحلة النفي والمنفيين في حركية التاريخ البشري. أمَّا المرحلة الثانية، فهي مرحلة اللجوء، أو الضيافة الكونية، حسب كانط، حيث يكون حقُّ النزيل الأجنبي على أرض الآخَر إكرامُ مثواه وألّا يُعامَل معاملة العدويُنظر: إيمانويل كانط، مشروع للسلام الدائم، ترجمة، عثمان أمين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط1، 1952م، ص17بتصرف.، مع الإقرار بحقِّ المُضيف رفض استضافة الأجنبي إن كان ذلك يؤذي مصلحته ويلحق به الضرر، وهذا ما يسميه النبواني بإجراءات الاندماج اليوم، التي يعدُّها واجباً على الضيف، «بل هو مُجبَر عليها وعلى تبنِّي قوانين ولغة وقيم وأخلاقيات الدولة المُضيفة، وإلا فإنَّ وجوده فيها مهدّدٌ بإعادة الترحيل: أي المنفى مرة أُخرى» (ص31). وتجدر الإشارة إلى أنَّ المرحلة الثانية (اللجوء) تسبقها بالضرورة المرحلة الأولى (النفي)، ولكن ليس كل مَنْ يُنفى يصل إلى حالة اللجوء؛ ذلك أنَّ «اللاجئ هو مَنْ يصل إلى ملجأ آمن… في حين يمكن أن نكون منفيين دون أن نكون لاجئين أو أن نجد ملجأً نركن إليه ويُشعرنا بالأمان» (ص36)، وهذا ما يوضِّحه النبواني بشكل موسَّع من خلال حديثه عن الوطن (ص12 وما بعدها) وتفكيكه لهذا المفهوم بالدعوة إلى التحرر من المفهوم الكلاسيكي للوطن، الذي تحوَّلَ إلى سجن مفاهيمي يناسب أرضاً للموت لا مكاناً للولادة والحياة؛ ذلك الوطن الذي تحوَّلَ ليكون فوق الفرد وحريته. وقد دفعَ تفكيكُ مفهوم الوطن وماهيته بالنبواني إلى تفكيك مفهوم الهوية، ثم الأنا.

الدعوة إلى الفلسفة

على الرغم من التواضع الكبير الذي يمتاز به السيد النبواني على المستوى الشخصي، إلا أنَّه في الوقت ذاته امتاز بجرأة كبيرة ليطلق على نفسه اسم فيلسوف، ودعا للتفلسف، وقال بوجود فلسفة عربية معاصرة، إلا أنَّها فلسفة خجولة من حيث الحضور، بل هي بحاجة لتحطيم جدارين أمامها يمنعانها من الفاعلية. الجدار الأول: سياسي/ ثقافي، وهو خارجي يعود إلى احتكار الأوروبيين للفلسفة وتعريفاتها ومدارسها؛ ممَّا يتطلَّب منَّا تقديم تعريف يتجاوز التعريفات الأوروبية الجاهزة  أو يتحرَّر منها، لأنَّ ذلك «فعلُ سياسةٍ وتحرُّر بقدر ما هو حاجة معيارية فلسفية داخلية» (ص109)، فعلى الرغم من أنَّ الفلسفة نتاج إنساني مشترك إلا أنَّ هناك محاولات أوروبية لخصخصتها ووضع حدود ثقافية وسياسية لها، وهذا عملٌ من شأنه تحنيط الفلسفة وقولبتها في أطر قومية ضيقة، فهذا الجدار قد بُنيَ على فكرة المركزية الأوروبية، التي تُقدِّم تفسيراً لكل الظواهر في العالم من خلال نظرة أوروبية، وهي بمثابة تحيُّز عرقي مرتبط بالاستعمار، حيث تقوم المركزية على نقد حاد ورفض للدراسات في مجتمعات الجنوب العالمي أو بلدان العالم الثالث، تلك التي تتجاوز وترفض التصورات الأوروبية/ الغربية المُسبَقة حول هذه البلدان التي عانت من الأوروبيين ومن استعمارهم الطويل.

أما الجدار الثاني: نفسي داخلي، بناه العرب في وعيهم ولا وعيهم، نتيجة وهم وجود الجدار الأول، حيث تحوَّلَ إلى عقدة نقص حضارية تُلازِم الاشتغال العربي بالفلسـفة، والتي بات يُنظَر إليها على أنَّها منتج أجنبي، الأمر الذي أنتجَ حالة من الرُهاب من فعل التفلسف خشية معارضة المعلم أو الأستاذ الغربي. وبالتزامن مع هذه العقدة وسيطرة فكرة المركزية الأوروبية، غاب عن ساحة الفكر العربي لقب فيلسوف (ص111 وما بعدها). ويقترح النبواني على العرب، للخروج من هذه العقدة الوهمية، التعاملَ بمنهجية تفكيكية مع الفلسفة الغربية وغيرها من الفلسفات، وعدم السعي للتعامل بكيدية، ولا العمل على بناء مركزية عربية مقابلة للمركزية الأوروبية أو محاولة السعي للتأسيس لاستغراب مقابل الاستشراق، مع التشجيع على التفلسف بلغتنا العربية، والعمل على التخلُّص من وهم الغزو الثقافي، وفتح آفاق جديدة للفلسفة العربية عبر فهم الأنساق الفكرية الكبرى في العالم، والخوض فيها بشجاعة ومغامرة وفقاً لتعبير نيتشه الذي رأى أنَّ الفهم الحقيقي للوجود يتطلَّب منَّا المغامرة والجرأة.

إذن لا بدَّ من إخراج الذات العربية من حالة الاستلاب الفكري الذي تعانيه عبر اتّباع منهجية الاستقلال الفلسفي، وهذه الآلية تقوم على الأخذ بشكل جزئي من التراث الحضاري العربي بعد أن يثبت فاعليته وحاجته للواقع وظروفه وبعد إخضاعه للنقد والتمحيص، مع الأخذ ممَّا هو مناسبٌ من الحضارة الغربيَّة دون التَّماهي معها، في الوقت الذي يُطلَب التَّركيز على خصوصية الذَّات العربيَّة للوصول إلى فلسفةٍ خاصَّةٍ أكثر تناسباً وانسجاماً مع الذَّات، ذلك أنَّ الاستلاب بوصفه مفهوماً هو نقيضُ الاستقلال، وأنَّ تجاوز الاستلاب يعني أنَّنا نسير نحو طريق الاستقلال الفكريِّ الذي سيقودنا إلى الإبداع الذي يُعدُّ أرقى فاعليَّات الذَّات وأسماها، الأمر الذي يعني بناء فلسفة عربية قوية لها هويتها عبر موضوعاتها المعبِّرة عن الخصوصية العربية.

ختاماً: ما الغاية من دراسة السيرة الذاتية في الفلسفة؟

إنَّ دراسة السيرة الذاتية في الفلسفة يمكن أن تكون باباً لفهم الذات، واكتشاف هوية الفلسفة التي يمثِّلها الفيلسوف؛ لأنَّها تدفع للبحث في الأعمال الفلسفية ونظرياتها الخاصة المعبِّرة عنها، والوقوف على المعنى المختلف الذي تقدِّمه في تفسير العالم، ومحاولة تغييره، وفي معنى الحياة والوجود ومراجعة تفكيرها النقدي وتحليلها للواقع. كما أنَّ دراسة السيرة الذاتية الفلسفية يمكن أن تكون مصدراً للإلهام والتأثير، فهي مُحفِّز لتطوير الأفكار واستكمال للمشروعات الفلسفية التي هي في طور البناء والتكوُّن؛ لتصبح ذاتَ فاعليةٍ وتأثيرٍ في الواقع.