«تركتُ عملي وعائلتي في القرية التي نُقيم فيها بمنطقة ويران شهر، وجئتُ للإقامة في المنزل المتهاوي الذي سجّلتُ فيه عنوان سكني في بلدة جيلان بينار» يقول مصطفى، وهو لاجئٌ سوري يُقيم في ولاية أورفا جنوبي تركيا وفضّل عدم ذكر اسمه كاملاً، في حديثه عن المعاناة مع الحملة الأمنية التي تجريها السلطات التركية للتأكُّد من عناوين اللاجئين السوريين في البلاد منذ أسابيع، وذلك بالتزامن مع قرب موعد الانتخابات المحلية. 

تقصدُ دوريات الشرطة التركية منذ أسابيع منازلَ اللاجئين السوريين للتأكُّد من سكنهم في العناوين المسجلة رسمياً في مناطق مختلفة من البلاد، مع زيادة ملحوظة في عدد الدوريات والحواجز الأمنية داخل الأسواق، والتي تستهدف اللاجئين السوريين للتأكد من وثائقهم. 

ووفق القوانين والتعليمات التنفيذية لها، يجب على كافة أفراد العائلة الإقامة في المنزل المسجّل كعنوان للعائلة، ويؤدي غياب بعض الأفراد عند الزيارة الأمنية التفتيشية، وإن كان لأسباب وجيهة، إلى حذفهم من العنوان، وبالتالي تعطيل مزايا بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك). وهذا التعطيل، بانتظار تسوية أوضاع قد تطول لشهور، بات معروفاً باسم «كود 160».

يضمنُ نظام الحماية المؤقتة (المعروف شعبياً باسم الـ«كِملك»، وهو اسم بطاقة الهوية بالتركية) لحامله، عدا حق التواجد في الولاية التركية الصادرة عنها، مجموعةً من الحقوق والخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى المساعدات الاجتماعية والدعم النفسي وحق الوصول إلى سوق العمل، وذلك وفقاً للمنظمة السامية لشؤون اللاجئين.

منزل للإقامة ومنزل للعنوان

يقول مصطفى إنه اضطّر إلى العودة إلى القرية وإحضار كافة أفراد عائلته إلى مسكنه المُستأجر في جيلان بينار. وعلى الرغم من أنه يستأجر منزلاً آخر في إحدى قرى منطقة ويران شهير حيث يعمل في الزراعة، لم يستطع تسجيل عنوانه فيها بسبب تجاوز ارتفاع نسبة السكان الأجانب عن الرقم المسموح به. 

تشترط إدارة الهجرة التركية أن لا تتجاوز نسبة الأجانب حداً معيناً في الأحياء (المحلاّت) التركية، ما يُشكّل تعقيداً كبيراً لنسبة عالية من اللاجئين السوريين، خاصة في المناطق الريفية التي يكون فيها عدد المزارعين السوريين أكثر من المقيمين الأتراك.

 العنوان بـ 900 دولار

محمد فريد (اسم مستعار) عاملٌ في ورشة كهرباء في مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، يخرج إلى العمل منذ الصباح ويعود بعد صلاة المغرب، يقول إن «الكملك» توقّفَ وأصبح عليه «كود 160» الخاص بمشاكل تثبيت العنوان والنفوس. والأكواد هي رموزٌ تضعها السلطات التركية على سجلات الأجانب المقيمين في البلاد جرّاء ارتكابهم مخالفات معينة خلال إقامتهم.

وللشاب تجربة نموذجية توضّح تَعقُّد الحياة اليومية الصعبة أصلاً، نتيجة وقف القيود بسبب تثبيت النفوس: عَلِمَ من دورية للهجرة في أحد شوارع مدينة غازي عنتاب كانت قد أوقفته للتأكد من قيوده أن «عليه كود سكن»، ولا بدَّ له من مراجعة دائرة النفوس في مدينة شانلي أورفا لتأكيد العنوان. كان محمد فريد قد انتقل إلى غازي عنتاب قبل أكثر من عام إثر حصوله على قبول جامعي فيها، إلا أن مُحاولَته نقلَ محل إقامته، وبالتالي الكملك، إلى المدينة باءت بالفشل، وذلك بسبب تأخُّر دور الحجز في أعقاب زلزال شباط (فبراير) العام الفائت، إذ تجاوزت فترة انتظار الدور في بعض الحالات الثمانية أشهر. ويشرح فريد أنه، وبعد حصوله على دور، لم يتمكّن من إيجاد منزل فارغ في أورفة لاستئجاره لمدة شهر بهدف تثبيت العنوان فيه ليتمكن من استكمال إجراءات نقله إلى عنتاب. كان محمد فريد بحاجة إلى أن يكون مستأجراً رسمياً ليوم واحد فقط، وبعدها يمكنه التقديم للحصول على بطاقة الجامعة، ومن ثم الحصول على موافقة نقل مكان إقامته إلى عنتاب، ليبدأ دراسته ويتابع عمله كدهّان في ورشة يديرها مواطن تركي. 

تمنعُ السلطات التركية اللاجئين السوريين من الإقامة في غير الولايات التي استخرجوا وثائقهم منها، وتفرِضُ عليهم الحصول على موافقة لنقل الإقامة إلى ولاية جديدة، وتصل عقوبات المخالفين في بعض الحالات إلى الترحيل، كما تفرض عليهم التنقُّل بين الولايات بموجب إذن سفر. 

ومع اقتراب موعد تثبيت الإقامة، الحيوي بالنسبة لمستقبل محمد فريد، سعى الشاب للحصول على عقد استئجار منزل فارغ بأي ثمن قبل حلول الموعد، ما أوصله إلى سمسار وافق على مساعدته مقابل 900 دولار أميركي، لكن قبل أن يتم هذا الأمر أُصيب محمد بكسر في معصمه خلال عمله في الورشة وتم نقله إلى مشفى حكومي، حيث فوجئ بفاتورة قاربت الـ70 ألف ليرة تركية (نحو 2200 دولار حسب سعر الصرف الحالي)؛ يتلقى اللاجئون السوريين العلاجَ في المشافي الحكومية مجاناً، شرط أن تكون قيودهم نظامية وبطاقة الحماية المؤقتة (الكملك) صالحة، لكن في حالة محمد كانت بطاقة الحماية «مقيدة» بسبب عدم وجوده في عنوانه في مدينة شانلي أورفة.

إجراءات معقدة وصعبة لنقل العنوان

يقول محمود الكاطع، وهو لاجئ سوري كان يعمل في مكتب ترجمة في شانلي أورفة، إن إجراءات نقل الكملك من ولاية إلى أخرى معقدة جداً، ما يجعل الكثير من السوريين ينتقلون قبل الحصول على موافقة بسبب تأخر الحصول على دور، أو بسبب رفض طلباتهم، ما يتركهم في النهاية بلا عناوين وبلا حقوق بطاقة الحماية المؤقتة. ويشير الكاطع إلى أن المهلة الممنوحة لإعادة تفعيل القيود، والتي تبلغ 60 يوماً، غير كافية، حيث تتجاوز فترة الانتظار لمجرد الحصول على موعد في كثير من الأحيان الـ4 أشهر.

وقد أدى كلٌّ من تقييد إقامة السوريين في أحياء محددة، وحظر أحياء أخرى عليهم في المدن التركية، بالإضافة إلى تأخُّر دور تحديث البيانات ومناطق السكن الجديدة، إلى ارتفاع أسعار إيجارات المنازل بشكل جنوني في الأحياء المتاحة بالنسبة للسوريين. كما أدت هذه الإجراءات إلى تحكُّم أصحاب المنازل بسعر الإيجار، ومضاعفته مرة أو مرتين أحياناً خلال العام الواحد «وهو الأمر الذي يضطرُ اللاجئُ السوري لقبوله مرغماً لتفادي مشكلة عدم إيجاد منزل جديد في منطقة غير محظورة، إضافة لمشاكل الحجز والحصول على دور»، بحسب إبراهيم الحجي (اسمار مستعار) الذي قَبِلَ برفع الإيجار مرّة، لكنه وجد نفسه مضطراً لتغيير منزله مؤخراً لعدم قدرته على تأمين مبلغ الإيجار الجديد الذي طلبه المالك.

ويتجاوز عدد اللاجئين السوريين الخاضعين لنظام الحماية المؤقتة في تركيا الثلاثة ملايين، وفق أحدث إحصائية صادرة عن رئاسة الهجرة التركية. وكان علي قايا، وزير الداخلية التركي، قد أعلن عن نظام نقاط الهجرة المتحركة، التي تسمح لمسؤولي الأمن بالتحقق من وثائق المهاجرين في البلاد. وخلال مقابلة له على شاشة (A Haber) التركية، في تموز (يوليو) 2023، أوضح قائلاً: «في حال كان هناك شكٌّ لدى قوات أمننا بأن شخصاً لا يملك أوراقاً رسمية، يطلبون منه مرافقتهم إلى نقطة المراقبة التي تبتعد مسافة 10 دقائق فقط، وفي حال تبيّنَ أنه يملك أوراق ثبوتية بعد قراءة البصمة، يشكرونه على وقته ويدعونه يذهب». 

مراقبة دوريات الشرطة نشاط جماعي سوري

فراس، وهو شاب سوري لاجئ من حلب، لا يرى هدفاً لهذه الحملة سوى التضييق على السوريين ودفعهم إلى المغادرة «طوعياً» إلى سوريا، أو الهجرة إلى خارج البلاد. ويقول إن حضور السوريين في السوق الإيراني في غازي عنتاب، وهو شارعٌ يعجُّ بالسوريين عادةً، قد تراجعَ خلال الفترة القليلة الماضية بسبب دوريات الهجرة المنتشرة في المنطقة.

يعمل فراس في محل لبيع المأكولات الغربية، ويضطّر، بمساعدة أصدقائه، لمراقبة حضور دوريات الهجرة إلى منطقة سكنه في حال جاءت بشكل مفاجئ، حتى لا يفوته تثبيت نفوسه ويَسقُطَ في دوامة تثبيت العنوان، خاصة أنه تعرّضَ لمخالفة سير بـ8 آلاف ليرة تركية بسبب عدم قدرته على الحصول على رخصة قيادة، رغم نجاحه في جميع الامتحانات واستحقاقه لها، وذلك بسبب عدم تحديث بياناته خلال الصيف الماضي.

إجماع سياسي على القسوة تجاه اللاجئين

يقول طه الغازي، وهو ناشط حقوقي ومدافع عن اللاجئين، أنه وبدءاً من شهر شباط (فبراير) 2022، مع إعلان رئاسة إدارة الهجرة مشروع «التخفيف» من اللاجئين في الأحياء التركية وحصر نسبتهم بـ20 بالمئة، برز بشكل جلي تباينٌ في منحى تعامل الحكومة التركية مع واقع اللاجئين، وتعزّزَ ذلك مع فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أيار (مايو) 2023.

ويوضح الغازي في تصريح للجمهورية.نت أن هذا التباين تمثَّلَ في مساراتٍ جمّة، مثل إصدار قوانين وأنظمة وضعت المجتمع السوري اللاجئ في ميدان أشبه بالإقامة الجبرية. وأضاف أن ذلك تزامنَ مع زيادةٍ في خطاب الكراهية والتمييز العنصري ضد اللاجئين من قبل تيارات سياسية مختلفة في تركيا، بالتوازي مع قرارات وإجراءات تعسفية غير قانونية باتت تُطبِّقها إدارة الهجرة التركية.

كما يعتبر الغازي أن إجبار اللاجئين السوريين على التوقيع على أوراق العودة الطوعية في مراكز الترحيل هي في مقدمة الانتهاكات التي يتعرّضون لها، حيث وثّقت نقابات المحامين في ولايات عديدة، مثل أنقرة وعنتاب وإسطنبول وإزمير وشانلي أورفة، انتهاكات في مراكز الترحيل خلال الأشهر الماضية من قبل إدارات الهجرة، تُخالف قرارات المحاكم التركية ومساعي الكوادر الحقوقية في الدفاع عن موكليهم من اللاجئين، ولا سيّما حرمان اللاجئ السوري الموقوف من حق إخلاء السبيل بعد نيل البراءة، وترحيله بدلاً من ذلك.

ووفقاً للاجئين تحدّثت إليهم الجمهورية، فقد جرى ترحيلهم إلى الشمال السوري بعد إيقافهم وفقاً لتقارير أمنية كاذبة، جرت تبرئتهم منها من قبل المحاكم التركية ذاتها، إلا أن إدارة الهجرة رحَّلتهم فيما بعد إلى سوريا بعد أن تمّت إحالتهم إلى مراكز الترحيل بشكل تعسفي، وإجبارهم على التوقيع على وثائق العودة الطوعية قسراً أو عبر الخِداع استغلالاً لعدم إلمامهم باللغة التركية.

كانت الحملات الأمنية والحواجز التدقيقية قد زادت بشكل كبير خلال العام الماضي، خصوصاً قبيل فترة الانتخابات الرئاسية التركية، وخاصة في اسطنبول، إلا أن الوضع كان هادئاً إلى حد كبير في ولايات الجنوب التركي، لكن اقتراب موعد الانتخابات البلدية، والتجاذب بين الأطراف السياسية التركية حول سُبل «ضبط ملف اللاجئين» قد زاد من وتيرة التضييقات الأمنية في منحىً يبدو أنه مستمرٌّ في الصعود.

وللتحقق من تفعيل قيود بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك)، يمكن للّاجئين السوريين الضغط على الرابط هنا، والذي سيقود الزائر إلى نافذة داخل تطبيق الحكومة الإلكتروني «الإي دولات»، حيث يطلب التطبيقُ الولوجَ إليه عبر إدخال رقم بطاقة الحماية وكلمة المرور، ثم ستظهر النتيجة. 

تركيا لم تعد مكان استقرار للسوريين

وفي مواجهة كل هذا التضييق، تحدّثَ إلينا عددٌ من اللاجئين بشأن خططهم للهجرة من تركيا إلى بلدان أوروبا الغربية في حال توفّرت فرصة مناسبة في الصيف الحالي، أو في حال توفّرت طرقٌ للتهريب، خاصة وأن الكثيرين منهم باتوا يتحاشون المرور في أي مكان توجد فيه دوريات للشرطة، بمن فيهم اللاجئون المثبتون في عناوينهم والذين يحملون بطاقة حماية مُفعَّلة، إذ يمكن للبطاقة أن تتوقف وتتقيد لأسباب شتى دون إبلاغ صاحبها بفقدانه حق الحماية.

وعدا التضييق المتزايد على حاملي بطاقة الحماية المؤقتة، تتصاعد الصعوبات والمعوّقات أمام حق الحصول على إقامات سياحية أو إقامات عمل بالنسبة للسوريين غير المشمولين بنظام الحماية هذا، والمقيمين في تركيا بشكل نظامي بعد دخولهم بجوازات سفر سارية المفعول. وبات مُلاحظاً أن حلم الهجرة شمل منذ فترة حتى السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، فبين الصعوبات الاقتصادية المتزايدة خلال السنوات الأخيرة، والإحساس بهشاشة الأوضاع القانونية، وتصاعد مزيج الإشاعات والتهديدات حول إمكانية سحب جنسياتهم المكتسبة، سُجِّلَ وصول عشرات العائلات المجنسة إلى أوروبا الغربية بعد أن تمكّنت من الوصول إلى صربيا وبعض الدول الأوروبية التي تسمح للمواطنين الأتراك بدخولها، ومن هناك وصلوا بشكل غير نظامي إلى غرب أوروبا وأخفوا فيها جنسياتهم التركية.