تُحقق السُخريّة اختلالاً ظاهرياً، لأنها تُعرّي التوافق الوهمي وتتجاوز الأسطح الدفاعية الأولى لتخترق طبقات أعمق، فتُبرِز تناقضاً يمنح الكوميديا أو النُكتة مساحة دراميّة ذات فاعليّة في استكشاف الوضع بطريقة يُمكن أن تبدو مُبطّنة أو حتى مُباشرة، ولكنها توصل بين نقيضين، شيء يُمكن رصده وآخر لا يتسنّى لنا مُلاحظته إلا في تسلسلات مُباشرة وعنيفة، أو في متتاليات هزليّة؛ كبديل حقيقي للنظر نحو الداخل. وهو ما يجعل الإطار الكوميدي أو الهزلي لا يتوقّف عند المزحة أو الأضحوكة كبناء له أساساتٌ فكاهية أو ترفيهية، بل يتجاوز ذلك ناحية المدلولات والتخريجات الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي يُمكن أن تمنَح نُكتة أو عبارة هزليّة حياةً أخرى وطبقات أكثر عمقاً، يمكن أن يتطور إلى تراجيكوميديا أو يتحول إلى أشكال إبداعية أخرى مثل الكاريكاتير وغيرها. يورد محمد عناني في كتابه فن الكوميديا على لسان ويلي سايفر مقولةً لسيغموند فرويد عن النكتة، التي وصفها بأنها كالأحلام تنبع من اللاوعي، وبأنها وسيلة لإطلاق هذه القوى أو الدوافع اللاواعية.

يتقاطع هذا التوصيف على نحوٍ ما مع تجرُبة المُخرِج الفنلندي آكي كاوريسماكي، الذي ينطلق من نُقطة الانهيار كشيء أوّلي وضروري لبناء سرديّة تُموضِعُ نفسها في دائرة عدم الاتساق والفشل الاجتماعي. يحاول المُخرِج إحلال فكرة الانهيار في لاوعي العالم المادي، لتتحوّل إلى عنصر جوهري في عالم الفيلم، لذا فإنها سرديّة قائمة على الانهيار كركيزة، توفر مساحة لخلق تناقضات بين الفرد كذات مغتربة تسعى للنجاة والمُجتمع ككلّة أكثر شموليّة تُمارس جريانها عبر دهس هؤلاء الذين يحاولون النجاة. يَنتجُ عن هذا التناقض تشوُّهات تسبب الضحك، لذا فهي سينما تتميز بالتناقضات بين الداخلي والخارجي، وحتى طريقة التعبير التي يُمسك بها المُخرِج تتناقض مع الطرفين، في برود لا يتماشى مع ديناميكيّة الحياة الخارجية وشراهتها، ولا يتّفق مع السخط والاستياء الداخلي تجاه كُل شيء. إنها نُقطة مُحايِدة، بحيث يمكن للشخصية الانهيار دون التأثير على واقعها أو التخلّص من كبتها، ولا تُفضي نُقطة الانهيار المُحايدة إلى رد فعل حقيقي، بل إلى تنفيسات ثانوية وردود أفعال صُغرى ولحظيّة. تبدو الشخصيات في أفلام كاوريسماكي كأنها وُلِدت وسليقتُها اللامُبالاة، بيد أن تاريخها الذي يستنطقه المُشاهد عن طريق النظر لما آلت إليه حيواتهم يقول غير ذلك، فشخصيات كاوريسماكي هي حصيلة العالم من حولها، إنما بنمط استثنائي وغريب، لأن البطل في فيلمه الأخير أوراق متساقطة «Fallen Leaves» لا يسعى للاندماج مع الواقع، أو للاتّساق مع طبيعة العالم، بل يحيط نفسه بطبقات ومسافات تسمح بتطوير طبيعة ذات بُعد ساخر، لكنها في المتن لا تتخلى عن العاطفة؛ فردود الأفعال الباردة أو الشخصيّات شبه الكاريكاتورية لا تمنع تكوين حالة عاطفية خارجيّة: الشخصيات تميل في تركيبها إلى تسطيح كاريكاتوري متفرّد. حتى لو أخذت الشخصيات بُعداً كاريكاتورياً في بعض الأحيان، لا تُضّخم الأمور بشكل مَرَضي حتى تلفت الانتباه أو تنتزع الضحكات، بل تميل أكثر إلى استيعاب المشاعر وتثبيطها، فلا تملك لُغة جسد عاطفيّة، أو طبيعة حركية ذات بُعد حيوي. ومن هُنا تتبدّى تجرُبة كاوريسماكي الاستثنائية بتقديمها لمنظورٍ مُغاير لما هو سينمائي وما هو حقيقي، بين فهم البطل للّغة وفهمنا نحن لها. فالبطل لا يرى عباراته ساخرة، نحن نراها كذلك، لأن السياقات التي يخلِقها كاوريسماكي واللُغة البصرية المجرّدة تجعلُ من السهل استيعاب ذلك النوع من الشخصيات التي تعيش على حطام، حيث أنها سرديات متجاوزة لنُقطة الانهيار كلحظة ذروة، إنها خاصية جوهرية، أي أن الإنسان في أفلام كاوريسماكي ــ بشكلٍ ما ــ فقد القُدرة على الاندهاش، وأضاعَ جُزءاً لا بأس به من أهليّته حينما خسر الذهول والصدمة في شكلها الأولي، وتحوّرت القمم والذروات إلى مساحة شاحبة وركود باهت، لأنه مُحاصر داخل دوائر مغلقة، يحاول التعايش لا العيش. ورغم تدفق المشاعر في لحظة ما، لا تنغمر الشخصيّات في العاطفة بشكل يفصلها عن السياق العام، إنما توفّق التيار العاطفي مع السياق العام؛ الذي بطبيعته يثبّطها.

يدور فيلم أوراق متساقطة حول شخصيّات وضيعة في ميزان المُجتمع الحديث؛ غُرباء فاشلون ومنبوذون، بالإضافة إلى كونهم غير قادرين على مُجاراة الوضع الاجتماعي بشكله التقليدي، فهُم لا يكترثون لما يهتم به الناس، غير مقولَبين بالشكل السائد، ومصابون باختلالات تختلف مصادرها بين خارجي وداخلي، لذلك تتبدى صراعاتهم الكُبرى في الحياة مُجرد مناوشات جانبية، وبالكاد ينجون بيومهم. تجد هذه الشخصيات نفسها متورطة في مأساة مضحكة مُبكية، فشخصيّة آنسا (ألما بويستي) تُطرَد من عملها في بداية الفيلم لأنها سرقت مُنتجات منتهية الصلاحيّة. يبدأ كاورسماكي قصّته من القاع، بحيث لا يوجد مسافة للارتطام، أنت بالفعل في القاع، لذلك فالنُقطة التي تبدو عند الآخرين مركزاً لتحوّل الشخصيّة، هي مجرد شيء اعتيادي بالنسبة للأبطال في الفيلم، وعليه؛ تغادر آنسا العمل بعنفوان يُجرِّدها من شعور الخذلان الذي قد يصيب شخصية أخرى في عالم آخر، وعلى الناحيّة الأخرى من القاع، وبينما ينظُر الناس إلى الأعلى، يُبقي هولوبا (يوسي فاتانين) رأسه على الأرض، غير مُبال بالعالم، يحبس نفسه في زُجاجة الخمر كأنّها المُخلِّص، بيد أنه يُطرَد من عمله لإفراطه في الكحول. بعدها يتقابل كلاهما في مقهى صغير يُقيم حفلة كاريوكي، ولكنهما لا يعرفان اسم بعضهما، وهذه مُفارقة مُهمّة لفهم سرديّة الفيلم على المستوى الاجتماعي.

لا يخلق كاوريسماكي أحداثاً فوق عاديّة لحيوات أقل من عاديّة، بل نتابعهم يواصلون النجاة بشكل يومي، إلى أن يحدث شيئٌ استثنائي؛ يقع هولوبا في حُب آنسا، فيدعوها إلى السينما، وتمنحه رقم هاتفها في ورقة تضيع في لحظتها دون أن يدري، وينقطع التواصل. لا يتغيّر شيء بشأن قسوة العالم، لكن أحدهما، دون أن يشعر، يتقفى أثر الآخر، لأنهما مُقيدان بأُطُر داخلية محدودة. فكرة البحث عن شيء ما هي الوقود الذي يُحرك أفلام كاوريسماكي من الناحية اللاشعورية، فالشخصيتان تحاولان التلاقي مرّة أخرى، فينتظرها هولوبا عند السينما في موعد، وتنتظره هي في موعدٍ آخر، على أمل التلاقي بالصدفة. إنما قبل ذلك، كلا الشخصيتان بحثتا عن مخرج من زاوية الوحدة المظلمة؛ لا يحاول هولوبا أو آنسا تسلّق الهوّة للهروب من القاع، لقد استسلما بالفعل لمصيرهما، كونهما على الناحية الخطأ من السلم الاجتماعي، ولكنهما يحاولان قضاء الوقت بطريقة أخف، فهُما عالقان في سجن يروّضانه بعدم الاكتراث بجدرانه، جدار داخل جدار، ثالوث الملل والعمل وخيبات الأمل. لا يوجد شيء هنا للبقاء، ولكن أيضاً لا فائدة من المقاومة إلا بمحاولة تخفيف وطأة الوقت، فالفرد في مجتمعات ما بعد الحداثة رهين ما يُنتجه، يساوم عمره ومجهوده مقابل حفنة من الدولارات، والحقيقة أن البطلان لا يختلفان عن الآخرين في ذلك، ولكنهما في ذلك الوقت من حيواتهما فردان غير مُنتجان، فاشلان ووحيدان، فهُما بالمعنى الأشمل غير مرئيين على السلّم الاجتماعي أو الوظيفي.

إلى هذه النُقطة، لم يحدث أي حدث يوازي ذروة سينمائية، كل الأمور تسير بشكل شبه خاطئ لخدمة التراجيكوميديا والحس الساخر، ولكنها تتبدّى كأمور عادية داخل اليومي، إلا حدثاً واحداً؛ حادثة صدم قطار لهولوبا فيما كان في طريقه لمقابلة آنسا في موعد غرامي، وهُنا يتوقف الزمن لوهلة، حين تشعر آنسا بخذلان حقيقي، ولكن العالم لا يتوقف عن الدوران، الوحيدة التي تُلاحظ غياب هولوبا هي حبيبته التي لا تعرف اسمه، إلا عندما سألت صديقهُ وأخبرها أنه في المشفى إثر حادثة. هل نحتاج إلى وقائع وأحداث كُبرى في حياتنا حتى نُعرَّف كذوات إنسانيّة؟ هل يمكن أن يعرف الناس اسم البطل دون أن يصدمه قطار؟ وحتى مع تعريفه عُرِفَ باسمه الثاني لا اسمه الأول، فالأفراد في عالم كاوريسماكي أشبه بأوراق خريفية متساقطة، غير مُعرَّفة، ومجهولة؛ لأنها تُمارس يومها بشكل آلي وروتيني، فلا تتجاوز الحبر على ورق إلّا عندما تحب بصدق، والحق أن خصوصيّة شخصيات الفيلم تأتي من صدق مشاعرهم.

إلى جانب ذلك، يعود كاوريسماكي لأسلوبه المفضل من الناحية البصرية؛ التحرّر والبساطة، بحيث تقدم الكاميرا رؤية مُبسطة خالية من التعقيد على المستوى الشكلاني، يُمكن إسقاطها على رؤية البطل بطريقة أكثر خصوصية، بحيث لا يمنح المُشاهد أكثر من اللازم. رفاهية التكديس والحفظ والامتلاك غير موجودة لدى أبطال الفيلم، فالكاميرا الثابتة والديكور ذو الطبيعة المجردة، ورُبما الكرتونية، بحيث يشبه استوديو التصوير، توضح المُفارقة بين ما هو مُبسَّط في شكله الخارجي ولكنه مُعقَّد على المستوى الداخلي، فشكل العالم يُصدّر إحساساً بالهدوء، ورُبما يتجه نحو الميلودراما الصرفة، غير أنه ضروري كعامل مُساعد في رؤية سينمائية تخلق سينما من العادي، فينقل اليومي والتقليدي إلى حيّز يطرح الكثير من التساؤلات على مستوى القيمة الفردية والاغتراب الاجتماعي، بالإضافة لكون النمط البصري للديكور وتصميم الإنتاج يمنح الفيلم أسلوبيّته الحواريّة الهزليّة والطفيفة، فيُشير من خلال هذه الأدوات إلى خلل واضح في النظام الاجتماعي الأشمل، ويحتفي بالقدرة على النجاة من الواقع لا بالحياة ذاتها، ولكنه على الناحية الأخرى، يقضي تماماً على الشعور بالجديّة، يُزيحه من الوجود السينمائي، ،يقابل ذلك الانمحاءَ شعورٌ ساخرٌ أشبه بالضحك في جنازة.

إلى جانب ذلك، يُرسّخ كاوريسماكي لزمن خاص، شخصي، رُبما ابن طبقته، أو منوط بوضع الشخصيّات الاجتماعي، فالعالم ــ بالنسبة للمُتفرج ــ تحوّلَ إلى شاشة في راحة اليد، ولكن المُخرِج يردُّ للزمن صفة من صفاته الأوليّة والكلاسيكيّة، البُطء، يتمسك بعصر أكثر تمهلاً، لا يُعاني فيه الفرد من إشكاليّة انفلات الزمن، بل يروم متحرراً، لا يضرب المواعيد أو يهتم بعدد الأيام، ينتمي أكثر إلى بيئة تَعطَّلَ بها الزمن ولا يُمكن إصلاحه، يتجسد ذلك في الأماكن التي يرتادها الأبطال خلال قضائهم لليومي، تنزع الأماكن إلى التوقف عند الثمانينيات والتسعينيات؛ الموسيقى في الكازينو والبار، حتى مع محاولة استخدام التكنولوجيا، تشتبك معها في شكلها البدائي، عندما تذهب آنسا إلى ما يسمى إنترنت كافيه ــ وهو مصطلح عفا عليه الزمن بعد توفّر الهواتف الذكية ــ لتبحث عن عمل، فتستأجر حاسوباً بدائياً، ولا يمنحها المالك أكثر من 28 دقيقة لأنها لا تقدر على الدفع.

يُصنَّف الفيلم كامتداد لثُلاثية كاوريسماكي الشهيرة ثُلاثية البروليتاريا، التي تُعنى في تكوينها برصد أفراد الطبقة العاملة وتحديّاتهم اليوميّة وإشكالياتهم في نمط سينمائي هزلي، وطبيعة بصريّة مُبسَّطة على المستوى الشكلاني، ولكن بساطتها الخارجيّة لا تجردها من قيمة ذات همّ اجتماعي وإنساني، فامتلاك الحس المُبسّط وإخراجه في أشكال بصريّة يحتاج إلى مُبدع حقيقي، يرى التعقيد في البساطة، ويخلق لنفسه أبعاداً بصرية متفرّدة تخص عالمه. بيد أن كاوريسماكي ذاته لا يُحبّذ وصم ثُلاثيته بـ«البروليتاريّة» و«العمّالية»، لأنها توجّه المُشاهد ناحيّة مُفردات بعينها، بل يُضيء لهم المُسمى مساحات تُهيء لهم فكرة أن كاوريسماكي يخلق أبطاله كذوات طبقيّة في المقام الأول، وهُم ليسوا كذلك ــ من وجهة نظره ــ بل يوضح أن اغترابهم يجعلهم غير مدركين/غير مكترثين لوضعهم الطبقي من الأساس.

يتعاطى الفيلم مع تيمات الوحدة والتآكل التي تتفاقم مع تَحوُّلِ الشخصيّات في وقتٍ ما إلى شخصيات كاريكاتورية، تحمل السخريّة والبؤس في داخلها كمخلوقات منبوذة في عالم الرأسماليّة، ولكنها متموضعة داخله. إلى جانب ذلك يردنا المخرج إلى الزمن الحقيقي للأشياء من خلال أدوات سمعيّة، فالراديو الذي يصدح بأخبار أوكرانيا وروسيا، كأنها مُحيط سياسي يُقيد الرأي العام ويحبسه، يُحمِّلُ السرديّة بعداً سياسياً هامشياً، ولكنه ضروري لأننا في لحظةٍ ما نشعر أن اللُغة السمعيّة الموحدة بالراديو هي ما يخلق اتصالاً بين البطلين، فكلاهما يسمع الأخبار ذاتها في الراديو. اثنان في منتصف العمر، يعانيان من الاغتراب، ينخرطان في بنية المجتمع المادية والعمليّة، ولكنهما مُستعبَدان بشكل أو بأخر. بالإضافة إلى الأخبار، فالأغاني كانت وسيلة لتحريك السردية وتكثيف اللحظة المشهدية؛ فلُغة وكلمات الأغاني الشاعرية والحزينة هي الوسيلة المباشرة لطرح تساؤلات مباشرة، كأنها تتحدث بلسان البطلين، مثلما يقول مقطع من أغنية: «لماذا لا تجيبني هل قلبك حزين؟»، فبينما تتقاسم الشخصيّات الحياة مع الحرب بشكل دخيل ولكنه يومي، تُعرّي الأغاني دواخل الشخصية وأسئلتها، وتعبر عن العقدة الحالية.