أمّةٌ عربيّةٌ واحدة… ذاتُ رسالةٍ خالدة 

بهذا الشعار اعتدتُ أن يبدأ يومي المدرسي. على الرغم من أن حزب البعث يُصدّرُ نفسه كحزب يساري، ويضع الاشتراكية كثالث أهدافه، إلا أنه اختار القومية العربية أساساً لسياساته الداخلية والخارجية. حينها كنت طفلاً، ولم أكن أعرف الكثير عن مشروع الحزام العربي وحملات تعريب أسماء البلدات الكردية التي انتَهجها نظام الأسد؛ كل ما كنت أعرفه آنذاك أنه كان يتوجّب عليّ عدم التحدث بالكردية في المدرسة، وأن أدفن كل ما أسمعه من أحاديث سياسية في بيت جدي وداخل جدرانه.

بعد سنوات، وعندما أصبحتُ طالباً في المرحلة الثانوية، تم استدعائي إلى مكتب معاون المدير، وتم إنذاري بتهمة «إثارة النعرات الطائفية» بعد أن «تجرأت» وعلّمتُ صديقي الدمشقي شتيمةً باللغة الكردية. لم يشفع لي وقتذاك تفوقي في اللغة العربية في «عاصمة العروبة»، ولا حتى حفظي لكتب التربية القومية التي كانت تدّعي أن الآراميين والآشوريين كانوا من العرب!.

العربية كأداةٍ للسلطة

على الرغم من تنوع اللغات في سوريا، لا يعترف الدستور السوري باللغات الأخرى، كالآرامية والسريانية والآشورية والأرمنية والكردية بلهجاتها المختلفة، ولو بات استخدام بعضها مقتصراً على دور العبادة. يؤكد الدستور أن اللغة الرسمية الوحيدة المعتَرف فيها في البلاد هي اللغة العربية، سواء كان ذلك في دستور عام 1973 الذي تم اعتماده بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، أم الدستور المعمول به في الوقت الراهن، والذي تم اعتماده في شباط 2012 عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية في معظم المدن. على الأرجح، كانت كلمة آزادي (حرية بالكردية) تقضُّ مضجع السلطات السورية كلما رددها المتظاهرون العرب في حمص ودرعا خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية.

إذا كانت اللغة، بفهومها العام كمجموعة من الرموز الصوتية والكتابية، تهدف لتسهيل التواصل والتفاهم بين أفراد مجتمع معين، فإن أهم شروط تطورها لتصبح أداةً للتفكير ونقل المعرفة هو التفاعل الاجتماعي والثقافي، وهو ما لم يَسمح به النهج الشمولي والإقصائي الذي اتبعه النظام السوري، بل على العكس، تم استعمال اللغة العربية كإحدى وسائل السيطرة وفرض السلطة، لتحديد ما يُسمح بالتحدث عنه، وكيفية فعل ذلك، وتوحيد مواطني الجمهورية على اختلاف انتماءاتهم تحت راية المشروع القومي العربي ذي الوجه الإسلامي، ليتحدثوا جميعاً باللغة العربية فقط، باعتبارها إحدى ركائز ما يُعرف بالوطن العربي، مع إضفاء صبغة مقدسة عليها لارتباطها الوثيق بالإسلام، دين رئيس الدولة، وأحد مصادر التشريع الرئيسية فيها. 

لم يقتصر الأمر على إغفال اللغات الأخرى، بل تعدّى ذلك إلى اللهجات المحلية، فدأبت السلطات بشكل ممنهج على ما يمكن تسميته بتبييض اللغة عبر وسائل الإعلام السمعي والمرئي، لتغدو العربية الفصحى هي لغة التعليم والمؤسسات الحكومية؛ وعلى المستويات غير أو شبه الرسمية، بقيت «اللهجة البيضاء» المخففة من لهجة سكان دمشق هي السائدة في أي محتوى ناطق بالعامية من إنتاجات درامية ومنتجات تلفزيونية وإذاعية، وهي اللهجة المستخدمة في دبلجة المسلسلات التركية، حتى أن شبكة نيتفلكس اعتمدتها فيما بعد أيضاً. إلى جانب ذلك، لم يكن اقتصار ظهور اللهجات الأخرى الخجول محض مصادفة، بل وُظّفت سياسياً من بوابة الكوميديا، وليس غريباً أن متحدثيها كانوا يتّسمون بالسذاجة، ويختلفون عن الباقيين حتى في المظهر، بخلاف إحدى لهجات الساحل، التي تم ربطها بالجبروت والسطوة والسلطة الأمنية دون أن تغيب عنها إيحاءات السذاجة أيضاً.

بالنسبة للغة الكردية، وإضافة إلى ما سبق، اتّخذ القمع منحى سياسياً وأمنياً، ولم تكن عواقب استخدامها تتوقف عند التهميش أو التنمر، فكثيراً ما تعرّض الطلاب للفصل أو الجنود للسجن، كذلك لم يكن تعليم اللغة الكردية أو إصدار أي نوع من المطبوعات مسموحاً، كما تم أيضاً منع افتتاح أي مراكز ثقافية كردية، ولو كان ذلك في المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال شرقي البلاد.

ترتّب على كل ذلك نتائج كثيرة، لعل من أهمها؛ أولاً، تحول اللغة العربية إلى واحدة من الركائز الأساسية للهوية السورية، وهو ما تمخّض عنه نوع من الاستحقاق، بمعنى أنه من واجب أبناء القوميات الأخرى تعلُّم اللغة العربية، والعكس غير صحيح. دفع هذا قسماً كبيراً منهم إلى التماهي مع الأكثرية، سواءً بحثاً عن الأمان أم لأسباب اجتماعية واقتصادية، لذلك تجد أن كثيراً من أكراد دمشق لا يتحدثون لغتهم الأم، حتى ممن انتقلوا إليها حديثاً.

ثانياً، لم تتطور اللغات الأخرى، وفي حالة اللغة الكردية، تم تناقلها شفاهياً، وبشكل خاص عبر الأشعار الشعبية والأغنيات، فدخلت إليها العديد من المفردات العربية، وباتت قاصرة في أداء دورها كوسيلة للتعبير، ناهيك عن أن نسبة كبيرة من الأكراد لم يتعلموا القراءة والكتابة بلغتهم، وأنا منهم للأسف، وهو ما أحاول تداركه الآن مع إمكانية فعل ذلك على شبكة الإنترنت.

علاوة على ما سبق، وفي ظل شبه القطيعة بين غربي سوريا وشرقيها، كان من الطبيعي أن يعرف العرب السوريون عن الأغاني التركية على سبيل المثال أكثر مما يعرفون عن الأغاني الكردية، على الرغم من تشابهها في المقامات والإيقاعات، وأن يعرفوا عن عادات أقوام يعيشون في قارة أخرى أكثر مما يعرفون عما يدور في منازل أصدقاء ربما يتشاركون معهم مكان العمل، هذا دون التطرق للإشاعات أو الصور النمطية التي كان يتم تداولها، بقصد أو بغير قصد. مرة سألني أحد زملائي، هل حقاً تعبدون النار؟ فأجبت: لا، نحن خُلقنا منه، فاحذر.

هل الأكراد مرحّب بهم، حقاً، في سوريا؟ 

أخذت الدولة السورية شكلها الحالي بعد سلسلة من الأحداث التاريخية والتغيرات السياسية، لا يمكن التطرق إليها بالتفصيل هنا، ولكن لا بد من ذكر بعض العوامل التي ما زال تأثيرها حاضراً بقوة إلى يومنا هذا. البداية كانت من انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي، وما تلا ذلك من قمع للأقليات خلال حقبة الإمبراطورية العثمانية. عقب ذلك، جاءت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، والتي أسفرت عن تقسيم الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، وبالتالي تعيين حدود تلك الدول، ومن ضمنها سوريا. هذا التقسيم كان بناءً على مصالح الدول الاستعمارية، دون مراعاة للرغبات والمطامح السياسية للمقيمين على تلك الأراضي. بالطبع، تم تهميش الأكراد الذين قُسّمت مناطقهم بين أربع دول، هي تركيا، إيران، العراق، وسوريا.

لاحقاً، وخلال فترة الانتداب الفرنسي، بدأ الوعي الوطني السوري بالتشكّل، ونشطت الحياة السياسية بشكلٍ استمرَّ إلى ما بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1946، لكن سرعان ما تم القضاء على ذلك بوصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، في أعقاب حل الأحزاب السياسية في فترة الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961.

حدث آخر كان له تأثير بالغ على الأكراد بشكل خاص، وهو إحصاء عام 1962، والذي حُرِمَ بموجبه عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية، ولم تتم معالجة هذا الملف طوال نصف قرن من حكم عائلة الأسد. كي يتم فهم تبعات ذلك، يكفي أن أذكر في هذا الصدد أنه وفي الوقت الذي أحمل فيه الجنسية السورية، يتم حرمان أولاد عمتي من كل حقوقهم المدنية، لأن والدهم ببساطة «مكتوم القيد»، والقانون لا يعطي الأم حق منح الجنسية لأولادها، فلم يكن لديهم خيار سوى الهجرة إلى أوروبا. 

بناءً على ذلك، تبنّى البعض، لغايات سياسية واقتصادية، فكرة أن الأكراد لم يكونوا يوماً جزءاً من سوريا، بل وفدوا إليها في فترات مختلفة. وعلى الرغم من وجود أدلة ووثائق تدحض هذه الإدعاءات، إلا أنها لا تزال شائعة، سواء من قبل السلطات السورية، أو حتى بعض أطياف المعارضة، وهو ما تجلى خلال انتفاضة القامشلي عام 2004، وكذلك خلال العمليات العسكرية التي أطلقها مؤخراً الجيش التركي والفصائل السورية الموالية له في شمالي البلاد ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. 

أسوة بالقوميين العرب، ظهرت تيارات سياسية كردية تحلم بتوحيد كردستان الكبرى، ورغم أن حق تقرير المصير مكفول بموجب ميثاق الأمم المتحدة 1951، إلا أنه وبالنظر إلى استحالة تحقيق هذا «الحلم» في ضوء العوامل الجيوسياسية في المنطقة، يمكن فهم جزء من هذا الحراك على أنه ردُّ فعل على عشرات السنين من الاضطهاد، لذا نجد أن معظم الأحزاب الكردية في سوريا لم ترفع سقف مطالبها لأعلى من المطالبة بالحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحقوق المدنية والثقافية، وحتى الإدارة الذاتية القائمة حالياً في شمال شرقي البلاد لم تطالب يوماً بالانفصال عن سوريا، لكن تركُّز حقول النفط والقمح في تلك المناطق، يجعل المطالبة بإقامة نظام فيدرالي أمراً غير مرغوب فيه على نطاق واسع. 

إعادة اكتشاف الهوية السورية

يمكن أن يكون تعريف الهوية في الحالة السورية معقداً بسبب التنوع الديني والعرقي، لكن، ودون شك، فإن المحددات التي وضعها حزب البعث كفيلة بإقصاء جزء كبير من السكان، الذين يبدون في بعض الأحيان متمسكين بالانتماء إلى سوريا أكثر من رغبة الأخيرة في احتوائهم. 

لحسن الحظ، خلال السنوات الأخيرة وكواحد من نتائج الثورة، بات سؤال الهوية مطروحاً بكثرة في نقاشات السوريين، لتبرُز الحاجة إلى التعرُّف على الآخر وإعادة اكتشاف الذات في آن واحد، بعيداً عن التاريخ الذي تم تكريسه في الكتب المدرسية أو تشويهه في المسلسلات التلفزيونية، وذلك في إطار إيجاد عقد اجتماعي جديد يبني على الاختلافات دون أن يطمسها.

البداية كانت على الأرجح من ظهور محتوى سوري جديد على المنصات المختلفة، بيّنَ اللهجات السورية المتنوعة والثقافات التي تأتي منها، وهو ما لم يكن متاحاً في السابق؛ وانطلاقاً من الأغنيات والحكايات الشعبية، وبالتزامن مع تطور الأحداث السياسية والعسكرية، صار من المباح أيضاً طرح تساؤلات حول القوميات والمعتقدات الدينية المختلفة.

هذا التنوع لطالما كان سلاحاً ذي حدين، إذ من الممكن أن يعطي التنوع سوريا زخماً ثقافياً وفكرياً كبيراً، لكنه يمكن أن يكون أيضاً وقوداً لحرب أهلية تستثمر فيها العديد من الأطراف الدولية والإقليمية، وهو ما شهدناه خلال العقد الأخير. 

في اعتقادي، النقطة المحورية التي يجب ألا يتم إغفالها في سياق إعادة تعريف الهوية السورية هي أن السوريين لا يشبهون بعضهم، بل يختلفون إلى حد بعيد، اجتماعياً وفكرياً، كما لا بدّ من نسف كذبة التاريخ المشترك، والتركيز على المصلحة المشتركة في العيش جنباً إلى جنب، في دولة القانون، التي تحترم مواطنيها، قبل أن يحترموها.

أما الآن، وإلى أن يتحقق ذلك، فسأبقى كردياً إلى أن يتوقفوا عن الاستياء من ذلك، سأتحدث بلغتي التي لا يرغبون في فهمها، سأعزف الأغاني التي لطالما أخافتهم، وسأرقص إكراماً لأثواب جدتي الملونة التي كانت تثير استغرابهم. سأبقى كردياً إلى أن يزول الظلم، الذي لا سبب له سوى أنني كردي يتحدث بلغته، فمن الغريب حقاً أن أحتاج إلى إتقان ثلاث لغات أخرى كي أعود وأطالب بحقي في تعلم لغتي الأم. منذ البداية كان يجب أن أقول بحرية: (أنا سوريّ باللغة الكردية).