في الجمهورية، منذ اللحظات الأولى قبل اثني عشر عاماً وحتى الآن، كثيراً ما نحتار ونرتبك وندور حول أنفسنا في مواجهة الأسماء والعناوين. كيف نُكثّف هذه الفكرة الهامة أو تلك في عنوان واضح وجذّاب؟ ما الاسم المناسب للزاوية الجديدة التي نَودُّ إطلاقَها؟ هل تُفهَم هذه الكلمة المفتاحية بشكل خاطئ غير مقصود؟ وماذا لو كانت الصياغة «غليظة يا جماعة غليظة» كما يُسارع أحدنا للتدخل بعد اقتراح عاشر غير مُوفَّق في غرفة التحرير؟ 

اسمُنا نفسه وُلدَ بعد حيرة ونقاشات هاتفية عابرة للحدود، ووسط انشغال كامل بالطوفان السياسي الحاصل في سوريا عام 2011 وبداية 2012. كُنّا نعي وجود عشرات «الجمهوريات» من صُحُف ومؤسسات في شتى أنحاء العالم، ومع الوقت دخلنا في العديد من النقاشات حول الإيحاءات «الرسمية» أو «الدولتية» المُلتبِسة والثقيلة التي تحملها الكلمة، سيما في سياقات ليست بعيدة عن سياقنا السوري كتركيا ومصر. أَعترفُ هنا أنّي تحدثتُ وياسين السويحة في عدة لحظات عابرة عن احتمال أن نُغيّر اسمنا، وصَرَفنا النظر عن ذلك بِحيرة أقلّ بعد كل مرة. 

ما زلنا على قناعتنا أن الانتقال إلى الجمهورية في سوريا، من حكم العائلة أو الخليفة أو الميليشيا أو القوة الأجنبية إلى حكم المُواطِنات والمواطنين المتساوين الأحرار، هدفٌ سامٍ يستحق الدفاع عنه. وربما علينا في الفكر السياسي العربي والإقليمي أن نجْهدَ لانتشال فكرة الجمهورية، كصيغة للاجتماع السياسي، من براثن فكرة الدولة البيروقراطية المركزية الطاغية. 

 * * * * * 

ندخل عامنا الثالث عشر باسمنا نفسه، لكننا نُرفقه هذه المرة بشعار بسيط صغناهُ العام الماضي في عُجالة أيضاً، ووسط انشغال كامل بلحظة ما بعد زلزال 6 شباط، فشعرنا أنه التَقطَ بشكل سهل ومباشر قِيَماً مركزية في مشروعنا ونظْرتنا للمستقبل، دون أن يكون شاملاً أو منيعاً على الالتباس هو الآخر. فكرنا في خيارات أخرى، تناقشنا واحترنا ودُرنا حول أنفسنا قليلاً كعادتنا، من ثم عزمنا على الأمر:  

كل سوريا، كل الحرية.

 * * * * * 

وُلِدَ فهمُنا لـ«كلّ سوريا» في خضمّ مُمارستنا الصحفية والفكرية النقدية خلال السنوات الخمس الماضية، على خلفية انقسام جغرافي ومعيشي ونفسي مُكرَّس في سوريا بين مناطق نفوذ متعددة، واختطاف مُتشابه لفاعلية عموم السوريين السياسية على يد خليط بائس من قوى الأمر الواقع والأطراف الإقليمية والدولية.  

لا ننطلق في هذا التعبير من نظريات قومية متهالكة، أو من طموح انصهاري أو اندماجي مركزي، أو من انشغال رومنسي بالهوية الوطنية يُحيلها إلى صورة جميلة جامدة خالية من التضاريس والتعقيدات والسياسة. نؤمن أن الوطن أياً كان هو الناس بمُعاشهم وهمومهم وأحلامهم وحقوقهم، وأن سوريا آمنة حرة ومزدهرة هي بالضرورة سوريا تعددية، اتحادية لا مركزية، يُوفِّقُ مواطنوها بعقلانية وانفتاح وحرية بين أُطرهم وهوياتهم وخصوصياتهم المحلية، من جهة، وضرورات التنمية والتقدّم والحضور الخارجي من تُكامل وتعاون من جهة أخرى. 

واليوم، لا نعتقد أن أياً من مناطق سوريا المختلفة قادرة أن تخطو خطىً حقيقية وبعيدة الأثر نحو الاستقرار والاستقلال في الإقليم، ونحو الحرية والعدالة والازدهار، بمعزل عن المناطق الأخرى، أو بمعزل عن الشتات السوري المُنتشر في أطراف المعمورة، ولذلك نجد أنفسنا معنيين بمخاطبة كُل سوريا، بالمعنى الجغرافي وبالمعنى الضميري أيضاً، سواء بالتغطية العيانية أو النقاش الفكري.                         

 * * * * * 

وعندما نقول «كل الحرية» فنحن نُحيلُ إلى القيمة الأساسية التي نتوخّاها ونصْبو إليها في عملنا الصحفي والفكري، وإلى ضرورة التمسُّك بوحدة معانيها، سواءً في سِياقاتنا المحلية أو الكونية. 

لا معنى لحرية الشعب السياسية في اختيار سلطته أو في مقاومة سلطة طاغية، محلية كانت أم أجنبية، إن لم تقترن هذه الحرية بحقوق كل ناسه، أفراداً كانوا أم جماعات، في أن يحيوا أحراراً كريمين، قادرين على التفكير والتعبير والعمل بسلام حسب قناعاتهم وطموحاتهم دون خوف من القمع أو الإلغاء. ولا معنى لحرية الأفراد والجماعات في اختيار أساليب حياتهم الشخصية والاجتماعية والفكرية إن اعتمدت هذه الحرية على سلطة سياسية مستبدة، تُلغي المجال العام وتَبطش بالمُعارضين والمُتمردين، وتُحيل الحريات المباحة إلى هِبات وامتيازات. 

لا تكتمل حرية الشعب إلا بحرية الإنسان، ولا تتبلور حرية الإنسان كحقٍّ سياسي خارجَ سياق حرية الشعب وسيادته على سلطته. هذا كلام بديهيٌ بلا شك بالنسبة للكَثيرين، لكنه سيبقى ضرورياً طالما بقيت السياسة والمصلحة العامة وموازين القوى في سوريا والمنطقة العربية ضائعة بين أنظمة استبدادية وقوى دينية شعبوية. وهو مُلِحٌّ في السياق الكوني أيضاً، طالما انشغلت الليبرالية العالمية بسياسات الهويات على حساب حرية عموم الناس من الفقر والإفقار (فالعدالةُ الاجتماعيةُ وسيلةٌ من أجل حريةٍ أكثر لأكبرِ عددٍ ممكن من الناس)، لتجد في مواجهتها قوىً شعبوية تُصوِّرُ التحرُّرَ والتعدُّدَ الثقافي والاجتماعي كعدوٍ لعموم الناس وسببٍ لمعاناتهم.

«كل الحرية» إذاً لأننا نعي أن الحرية في واقع الأمر قد تتجزأ وقد تتناقض في داخلها، ولأننا نعتقد أن الحياة الكريمة لكل الناس تتطلب تركيبَ هذه التناقضات، بالتفكير والاطّلاع والنقاش والانخراط العام.   

 * * * * * 

وأخيراً، نعلم أنَّ على الأسماء والشعارات والكلمات المفتاحية، سياسية كانت أم صحفية، أنْ تكون واضحة وسهلة وغنيّة عن الشرح، طافحةً باليقين المُرافِق عادة للإيمان الديني أو الحتمية الوضعية. لا نمتلك ولا نطمح ليقين كهذا في كل ما يرتبط بالسياسة أو الفكر أو اجتماع الناس وقدرتهم على العيش معاً، ونبقى متصالحين مع لحظات الحيرة كجزء أساسي من التفكير وبناء القناعات، ومع تَعدُّد المعاني وضرورة شرح الكلمات، ومع التناقض كشرط طبيعي يُرافق الحياة.

وربما وراء هذا التصالح مع الحيرة لا تقبع قناعاتنا الفكرية فقط، بل ممارستنا اليومية كمجموعة أيضاً، نتناقش فيها ونتجادل ونختلف، ومن ثم نعود لنبحث عن المُشترَك وما يمكن إعادة النظر فيه وما يجب التعبير عنه بشكل مُركَّب وحسّاس. لا يولد الشك والتأني والتركيب في ذهن الفرد المُفكِّر المُتبصِّر اللابث وحيداً بين كُتُبه فقط، بل في المساحات المشتركة بين الناس أيضاً، عند اجتماعهم وتَدَاولهم وسعيهم الصبور الدائم للجَمع بين الاختلاف والاتفاق. 

لِكُلِّ من شَاركَنا هذا السعي الصبور خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، كل عام وأنتم بأحسن حال ممكن. أتمنى أن نصمد معاً لاثنتي عشرة سنة أخرى، وأن نحيا لنرى يوماً كل الحرية في كل سوريا.