الساعة السابعة إلا ربع صباحاً، والحرارة ناقص واحد وعشرين. أنتظرُ الباص رقم 121 في محطة غريمار وعيوني وحدها ما هو مكشوفٌ من جسمي، فكّرتُ حينها أن دموعي ستتجمّد إن نَزَلتْ. أُعاني من عادة البكاء الفجائي مذ كنتُ أمشي مُسرعة وخائفة من بيتي بجانب فرع السياسية (السجن الذي شهدتُ بناءَه خلال طفولتي) إلى مدرستي الابتدائية، «أمل العروبة». يُحرجني هذا البكاء الفجائي وأحاول أن أُخفيه، لكنه أصبح أقل ثقلاً هنا في البلد الجديد البارد.

تأخَّر الباص أربع دقائق. نقف نحن المنتظرون بصمت، وبإمكانك رؤية عيوننا فقط. يقطع جاري المُسنّ الشارع باتجاهي. لقد رأيته البارحة في حلمي بهذه الثياب نفسها وهو يساعدني بينما كنت أغرق في الثلج على الطريق المؤدي إلى بيت أهلي في قطنا. في حلمي هذا، كان الطريق أطولَ ممّا في ذاكرتي، ربما بسبب الثلوج المتراكمة؛ وغرقتُ عدة مرات، وتجمدَتْ قدماي ودخل الثلج من كل مسامٍ في حذائي، وكنتُ على وشك البكاء. وفي تلك اللحظة تمتد يده لمساعدتي، إذ خرج جاري المُسنّ من العدم، لابساً، كما أراه الآن، الثياب المناسبة لحرارة ناقص واحد وعشرين. لم نتبادل أي كلمة، فقط ساعدني على الوصول إلى بيت أهلي واختفى، وفي بيت طفولتي لم يكن أحدٌ بانتظاري. على حائط الصالون كانت الصور المُعتادة لعائلتي مُعلَّقة في مكانها كما أتذكَّرُها، ولكن مع خلل بسيط، وهو أنني لم أعد موجودة فيها. إنها ذاتها الصور التي عرفتُها طوال حياتي، مُعلّقة في الأماكن نفسها، ولكني أنا كنتُ قد سقطتُ منها. بدأ رعبي يتزايد مع الوقت الذي يمرّ دون أن أجد صورة واحدة لي، وبتُّ أشعر أنني عاجزة عن التحكُّم في جسدي، وأنني سأنهار في نوبة بكاء هستيرية كما كنت أفعل خلال طفولتي. لمستُ في هذه اللحظة خوفي، الذي أعرفه، مِن أنه ليس لدي مكان. لكي أُنقذ نفسي من الانهيار عليَّ إيجاد ولو صورة واحدة أكون موجودةً فيها، صورة واحدة، برهان يشير إلى أنني كنتُ هنا. أركضُ من غرفة إلى غرفة، أفتحُ الدروجَ لأنبُشها، وأوقعُ الأشياء من حولي، وكأنها عملية سطو للبحث عن صورة، ولكن دون جدوى. وفيما أنا منهكة من البحث ومستندة على البراد في المطبخ، وجدتُ صورة لطفولة إخوتي مع أبي وأمي ولم أكن موجودة فيها أيضاً، لكنني في الحقيقة لم أكن قد وُلدت بعد حين التُقطت هذه الصورة. لا جدوى من البحث… أصبحَ بإمكاني أن انهار الآن، وصرختُ بأعلى صوتي: «ماما ماما؟»، ليصل النداء نفسه من ابنتي: «ماما، ماما». تنتشلني ابنتي بصوتها من حُلمي لأُسرِعَ إليها، وهي بين النوم والصحو، تقول لي بالفرنسية: «ماما أنا خايفة». لم أستطع أن أقول لها ألّا تخاف، لم أملك صوتاً في حنجرتي، فمرّرتُ يدي على شعرها عدة مرات لتعود للنوم. لقد كُنّا، أنا وهي، مُبلَّلتين ومُنهكَتين. 

البرد قارسٍ هنا، ولكن الماء الساخن موجود دوماً. نستحمّ في الصباح ونمضي إلى حياتنا نظيفَتين ولا نشعر بالعار.

في أحلام ابنتي تعبرُ الأشباحُ الحائط. تعرف ابنتي أن الأشباح غير موجودين في الحقيقة، ولكنها تراهم يعبرون الحائط. لا يستطيع الحائط حمايتها، ولا أنا أستطيع. لا أعلم إن كانت الأشباحُ أرواحاً لم يحالفها الحظ بالوصول إلى هنا، حيث يوجد ماء ساخن كل صباح للاستحمام.

في الماضي البعيد، في مكان آخر غير هذا المكان الذي أنتظرُ فيه الباص رقم 121 في حرارة ناقص واحد وعشرين، كان لدى أمي حديقة جميلة. لقد أنقذتْ أزهارُ نبتةِ الكلانشو طفولتي، فإزالةُ الأزهار اليابسة عن هذه النباتات الملوّنة كانت أجمل الأوقات التي نقضيها معاً، إذ تحرص أمي على الحصول على جميع ألوانها، أصفر وبرتقالي وزهري وأحمر وأبيض، كلها مجتمعة في أصيص كبير، اعتُنيَ به بجدية وأناقة لا أفهمها. ويُسمَح لي أن أزيل الأزهار اليابسة ليُتاح للأزهار الجديدة الطرية الظهور. كنا نُمضي الوقت صامتتين نعتني بالأزهار. أمي التي تمتلك منزلاً فوضوياً لديها حديقة أزهار مُرتَّبة بصرامة. 

منذ وضعت قدمي هنا، في البلد الجديد، وأنا أحلم بهناك الذي لم أحب… بلدي، بيتي، ومدينتي التي كبرتُ فيها. رائحة الياسمين تُذكّرني بطريق المدرسة، والمدرسة مكانٌ لشدِّ الأذنين ونشرِ الخوف. أُذنان حمراوتان ساخنتان ومفروكتان بِشدّة بين أصابع هناء، معلمة الصف الرابع التي تلمَعُ صورتها ورائحتها في رأسي في هذه اللحظة؛ أذنان ساخنتان وقدمان مُتجمدتان؛ هذه الذكرى الوحيدة المتبقية في رأسي عن المدرسة. أحببتُ مدينتي مرة واحدة سنة 2011، عندما اعتقدتُ أنه أصبح لديّ مكان وأصدقاء وصوت قوي. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوتي. نحن الذين ليس لدينا بلد وشارع ومدرسة اعتقدنا أنه الآن أصبح لدينا.

ما زلتُ أحاول الانتماء للبلد الجديد الذي أعيشُ فيه مع طفليَّ اللّذيَن كانا بالطبع أسرع مني، فخلال أَشهر صارت اللغة الفرنسية لُغتهما التي يتواصلان عبرها ويطردانني بها من أحاديثهما، ومع الوقت من حياتهما.

في وقفاتي على «الكاشيير» المتواصلة لثمان ساعات يومياً، أُفكّرُ في حياتي وإلى ما وصلتُ إليه، أُحلِّلها وأُقيّمها وأَحسمُ أموري وأتصالح مع هذا العمل، الذي كان من المفروض أن يكون مُؤقتاً، ولكني أقفُ هذه الوقفة اليومية منذ سنتين. ألمسُ الدفتر الصغير الموضوع في جيبي، الدفتر الذي أكتب فيه جملاً وأحلاماً، ربما لأستمدَّ منه قوة تَحمُّل. ومن هذا الشرود تُخرجني السيدة الثمانينية التي تضع مشترياتها أمامي لأحسبَ لها ثمنها. تقول لي إن ابتسامتي جميلة، وأَشكرها بابتسامة كبيرة. ربما أرادت أن تُخرجني من صمتي، ومن كآبتي الواضحة بِهالاتي السوداء حول عينيَّ ويديَّ المرتجفتين دوماً من برد مُتخيَّل لا يمكن السيطرة عليه. بإمكاننا إجراء هذا النمط من المجاملات في هذا الوقت من اليوم، فعادةً لا يوجد صف طويل من الزبائن المنتظرين، فالجميع في أعمالهم عدا المتقاعدين، الذين يَختارون كميات صغيرة من الخضار والفواكه، لأشعرَ وأنا أُمرِّرها على الكاشيير لأحسبَ ثمنها أني أُعِدُّ علبة الأكل لأطفالي: تفاحة خضراء، المصدر: الولايات المتحدة؛ برتقال كرمنتينا، ثلاث حبات، المصدر: إسبانيا؛ خيارة (عملاقة بالنسبة لي)، المصدر: كيبيك. الناس هنا لطيفون، وحمولتهم قليلة.

تذكرني وقفة الكاشيير بوقفاتي الطويلة خلال طفولتي إلى جانب سلة الزبالة في الصف ووجهي نحو الحائط لمدة ثلاثة أرباع الساعة، وهو وقت الحصة، كعقوبة. بمرور الوقت، أصبحَتْ هذه الوقفة مكاني المُعتاد، لا أُحبّ المدرسة ولا المُدرّسين، وقد كان الشعور متبادلاً.

في بلدي الجديد، بعد إنهاء دراسة أربع فصول من اللغة الفرنسية (الفرنسيزاسيون)، وهو نظام وُضِعَ في كيبيك (المقاطعة الفرنسية في كندا) لتعليم القادمين الجدد اللغة الفرنسية. قُبِلتُ في كلية تُعلّم السينما، أو مبادئ السينما بالأحرى، لمدة سنتين. سأدرس ما أحب، همستُ لنفسي. بَكيت خلال الشهر الأول من الدراسة عن الثلاثين سنة الماضية، على كتف جميع الأساتذة الذين يكون ذنبهم الوحيد سؤال: ?Tu vas bien. سؤالٌ واحد كان كافياً لفتح أبواب الضحية التي كُنتها وعشتُها، وأَجدتُ مع الوقت أن أكونها. يتحول وجهي إلى وجه طفل مُذنب يَدّعي عدم فعله لشيء خاطئ وهو يعرف أنه لن يُصدَّق، فيبكي من شدة العجز قبل الألم. أخبرتهم أنني موجودة هنا نتيجة غلطٍ ما عليهم التحقُّق منه. لكنهم كانوا ألطفَ من أن يطردوني، فقررت أن أطرد نفسي بنفسي بعد انتهاء الفصل الأول. 

زادت كوابيسي خلال فترة دراسة ما أحب. واكتشفتُ أثناءها أنها كوابيس مُشتركة، جمعية، بعد أن اعتَرفَتْ صديقة لي تعيش في ألمانيا أنها كانت تحلم بهناء ومدام خوري والمديرة، وبالكفوف والمَساطر وشدّ الأذنين، خلال فترة دراستها للّغة الألمانية. وهذه أيضاً أحلام صديقة تعيش في لندن. فتيات يعشنَ الكوابيس نفسها. سَمّينا مجموعتنا على الوتساب «كوابيس مَدرسة أمل العروبة»، نصحو ونكتب كوابيسنا على مجموعتنا هذه، وأحياناً نعقد مسابقة أجمل كابوس، وكان الفوز في كثير من الأحيان من نصيبي. 

في ورشة السينما التي حضرتُها البارحة في منامي، طلب منا أستاذنا أن نُحضِرَ معنا أكثر شيء مادي ذي معنى بالنسبة لنا. أحد الأصدقاء أحضر كيس شيبس، وصديقة أحضرت بطيخة، وصديقة أُخرى أحضرت مجموعة ألعاب بلاستيكية من شخصيات البوكيمون. كانت الأشياء بسيطة وفيها حسّ فكاهي، ولأنني لا أملك هذا الحسّ أحضرت معي مفتاح بيتنا في الشام. طلبَ منا الأستاذ أن نزرع الأشياء التي أحضرناها معنا، وقمنا بذلك. وفي نهاية اليوم، قبل العودة إلى بيوتنا، أصاب الفتاة التي زرعت البطيخة جوع قوي بعد يومنا الطويل، وقررت أن تأخذ البطيخة التي زرعتها لتأكلها، لأحاول أن أقنعها ألّا تفعل، دون جدوى. تستمر الفتاة بالحفر لتأخذ بطيختها، وأرى جذوراً صغيرة للبطيخة تتقطع أثناء نزعها من التربة. وعندما رويتُ حلمي في جلسة التحليل النفسي قالت لي مُحللتي إن البطيخة هي أنا، وهذه جذوري التي تكوّنت في لبنان خلال السنوات الخمس التي قضيتها هناك. بإمكان التحليل أحياناً أن يُفقِدَ الأشياء بريقَها، إنه فجّ. ثم عادت وذكَّرتني بحلم آخر رَويته لها منذ سنة. تقول لي حَماتي في الحلم إن شعر أطفالي بلا جذور، وتمسك رأس ابنتي وتُريني لأصدق. وفعلاً، أرى شعر ابنتي بلا جذور. 

تجلس نساء ضيعتي على كراسي خيزران مصفوفة بجانب بعضها في خط طويل لا أرى نهايته، يبدأ من جانب «فرع السياسية» الذي يطلّ عليه بيتُنا. شَهدتُ خلال طفولتي الحفر المستمر لأيام وشهور لإشادة هذا البناء، حفرة تزداد عمقاً كلما مررت من جانبها صباحاً وأنا ذاهبة إلى مدرستي. طوابق تحت الأرض ستتحول إلى سجن سيُقال عن من يدخله بعد سنوات: «الله ما بيعرف وين أراضيه». أسألُ خالتي بصوت هامس عن سبب تَجمُّع النساء فتردُّ بأننا في عرس. أعود لأسألها أين التواليت؟ فتُشير بنظرها الى تواليت مكشوف، هو عبارة عن دلو بلاستيك  تقضي فيه النساء حاجتهن أمام الأعين. 

أهربُ مما رأيت إلى بيت جدتي أُمِّ أمي. لم تصرخ ابنتي لتنتشلني من حلمي، فانتقلتُ أنا إلى مكان آخر أقل قسوة. أجلس على حافة الشباك العريضة في بيت جدتي المُطل على حاكورة الجيران، فأرى أمي تسرق حبتي تين وجوزة من هذه الحاكورة. كَسَرَتْ من أجلي الجوزة ونزعت القشرة، وقَدَّمتها لي مع حبتي التين في صحن مرسوم عليه روميو وجوليت؛ يداها ناشفتان وقاسيتان، لم يعد يوجد كْرِيم لليدين في سورية. لم ننبس بأي كلمة، أكلتُ ببطء وصعوبة. 

في اليوم التالي بحثتُ عن تين في عدة محلات. التين هنا يشبه المجوهرات، إذ تُوضَع كل حبة في مكعب يحميها وتُغلَّف في علبة تُشبه علبة الشوكولا الفاخرة. هذه الفاكهة نادرة في أرض الشمال.

في حلمي أيضاً، يطلب مني ابننا كل مساء أن أُحضِرَ أباه ليلعب معه ومع أخته، فأذهبُ وأحضره من قبره ليلعب معهما وأُعيده في الصباح. كُلّ صباح، الأطفال إلى المدرسة والأم إلى العمل والأب إلى قبره. 

المقابر جميلة للغاية هنا، غابات جميلة زُرِعَت بين أشجارها القبور. أذهب لأُصوِّرها دوماً إذ أعملُ على إكمال فيلمي الوثائقي الذي بدأته في الـ2011 ولم ينتهِ حتى اليوم. أجمعُ مواد وأُراكمها، وكُلّه مفيد ولَهُ مكانه. أجمعُ المواد المُصوَّرة وأُكدِّسها كما كانت أمي تُكدِّسُ كل الأشياء التي لا تحتاجها في زوايا البيت وفي الحديقة وبيننا وبينها. لم تنتهِ الحرب بعد، ولم يَسقط النظام. لقد وعدتُ من صوّرتهم أن أصنع فيلماً من هذه المواد المصورة عندما يسقط النظام، وأنا ما زلتُ عند وعدي.

سجّلتُ هذا الحوار بين وَلَديَّ وأنا أُصوِّرُ مقبرة سان لوران:

ابنتي: ليش بتصوّر ماما المقابر كتير.

ابني:  ما بعرف، يمكن لأنها بتحب الورود.

ابنتي: أنتَ أكبر مني بسنة فـ رَح تموت قبلي بسنة، شو بتحب حطلك لون ورود؟

ابني: أورانج

ابنتي: فينا نختار أي قبر بدنا؟

ابني: بدك تندفني هون؟

ابنتي: إيه.

ابني: ايه فيكِ تختاري أي قبر بتحبيه.

اعتادا ألّا يسألاني، وأحياناً يتحدثان عني أمامي وكأنني غير موجودة.

وصل الباص رقم 121، وبدأ الثلج يتساقط من جديد. يمشي الباص ببطء بسبب شاحنات ضخمة تمشي أمامه لتجرف الثلج وتُحَمِّله في شاحنات أُخرى تُرحُّله كي لا نغرق به. الثلوج هنا لا تتوقف. سأتأخر بالوصول إلى جهتي، إذ أُوصِلُ ورق عنب ملفوف (يالنجي) مرة بالأسبوع إلى مطعم سوري. أصبحت أُجيدُ لفَّ ورق العنب بسبب إجادتي لفَّ سجائر المارجونا المُشرَّعة هنا. وأنا أضمُّ الطنجرة فكرت: كم كانت أمي ستكونُ فخورة بلفّي السريع والمُتقَن لورق العنب، لأسمعَ صوت خشخشة أساورها وهي تلف ورق العنب بوجه مُتعَب ومُنهَك، لم أكن أفهمه حينها، ولكني بتّ أَفهمه الآن.