الحاصل..

سيكون غداً أول يوم في رمضان حسبما أُعلن في السعودية. وبما أنّ علاقاتنا جيدة مؤخَّراً فإننا سنصوم معها، هكذا قالوا، وهذا ما حصل. دعكم من الحسابات الفلكية.

الرابعة إلا ربع فجراً. الشوارع مُعتمة والسواد يعمّ المكان، السواد يعمّ الغرف، السواد السواد؛ الرابعة صباحاً، أصوات الصحون والمعالق، الأضواء تنتشر في البيوت، أضواء اللّدات لمن لا يملكون ألواح الطاقة الشمسية وأضواء اللمبات التوفيرية لمن يملكون ألواح الطاقة. يختلف أمرُ ألواح الطاقة الشمسية بحسب الأحياء، ويختلف الأمر أيضاً بحسب كرم أقارب الأسرة في الخارج. تكلفة ألواح الطاقة عموماً 1800 دولار، أي أربعة ألواح ومُلحقاتها، لكن هذا ليس حديثنا هنا.

 

الحاصل..

أصوات الصحون، والمعالق، وصوت خفيف لنشيد ديني يصدح من أحد المحلات شبه المُعتمة، والذي ما زال يفتح أبوابه أمام المارّين. الوجوه مُنهَكَة والجفون ثقيلة وناعسة، واللُّقيمات قليلة، لكن الشاي الأحمر المُخمَّر ساخن ويثير اللعاب..

 

الحاصل..

في حمص، يشتهر محل السوّاس ببيع السوس والجلّاب والتمر الهندي، وبتوزيعه على باقي المحلات وعلى أفراد بائعين، بمن فيهم عساكر يشترون منه كميات كبيرة ويضعونه في صناديق صغيرة على موتوراتهم، منطلقين بها نحو قراهم لبيعها هناك. والـ«هناك» بعيدة جداً عنا، لأننا لا نعلم سوى ما يحصل في أحيائنا الصغيرة الضيقة، بل حتى هذه لا نعلم بها. نحن نعلم ما يحدث في أَبنيتنا، أو لا هذه حتى. نحن نعلم ما يجري في بيوتنا فقط. ولدينا مثال عن التفجير الذي استهدف بيتاً يقطنه إيرانيون، دون أن يعلم أحدٌ من الجيران بجيرانهم المُستهدَفين، إذ كانوا يعلمون أن مالكة المبنى قد أجّرت البيت لشخص لبناني، ووحده الانفجار جعلنا نعلم ما الواقع هناك. بعد التفجير، توالت مرويات عن الأهالي الذين بدأوا يسألون عن جيرانهم، واكتشفوا بالفعل وجود إيرانيين، وفي أحد الأبنية من أحد الأحياء، اجتمعَ رجالُ الحي وذهبوا للشرطة وقدّموا عريضة لإخراج المستأجر الإيراني.

وتم إخراجه فعلاً، وتكرّرت الحادثة، ثم نُسي كل ذلك.

 

الحاصل..

الحاصل كلمة عامية نُكرِّرها هنا حين تتداخل الأحاديث، ونريد بها أن نشير إلى زبدة الحديث، أو هذا ما نحاول، فكثيراً ما نتفرّع قليلاً ثم نعود إلى.. الحاصل؛ ونتفرّع قليلاً ثم نعود، وهكذا.

نحن في رمضان إذاً، ولرمضان هنا أجواؤه الخاصة فعلاً. يمكن لمن اعتاد المدينة أن يشم رائحته في الهواء، وأن يراه متجولاً بين الأحياء، وأن يلمسه بين زحمة المشاة والسيارات. نعتقد، نحن الساكنين هنا، أنّ هذا الإحساس هو من الأشياء النادرة التي يحنُّ إليها المُهجَّرون واللاجئون والمغتربون، حيث هواتف المُعايدة في الأيام الأولى لا تنقطع مع «رمضان كريم»، ومع دعوات باكية بأن يجمعنا رمضان القادم، ومع دموع سخية لأمهات يشتهين أبناءهن وبناتهن على سفرة الإفطار، مع وحدة أليمة لأب وأم يتسحران وحيدَين لأن أولادهما كلهم باتوا غائبين لأسباب كثيرة، مع تنهيدة حارقة حارقة لامرأة «وحدانية»، تستكثر أن تشتري لنفسها «آلة» الفتوش المكلفة، حيث صحن الفتوش بات يكلف أكثر من خمسة آلاف ليرة..

 

الحاصل..

تلفونات المعايدة الحزينة في الأيام الأولى، والإفطارات الميلانكوليّة التي يُصوِّرها شبان يسكنون لوحدهم في الغربة ويرسلونها لأهاليهم كدليل أن لديهم «إفطار». في أوقات الفراغ بين فترات العمل الطويلة هناك، وكتقليد جديد، وخصوصاً لأولئك الراحلين إلى دول غير إسلامية، ينشئ بعض المغتربين نوعاً من «ركن رمضان» في بيوتهم، يجلبون إليه زينة رمضان، الهلال والفانوس وسواها، ليُعلِّموا أولادهم أن هناك شيئاً يُسمّى شهر رمضان يصومون خلاله، وكان يُفترَض أن يتشاركوه مع الأهل «هناك»، وليس مع الهاتف. هذا «الركن الرمضاني» الاغترابي أصله «هنا»، وهو أيضاً عادة مُستحدَثة، فمؤخراً يجد المرء في المحلات هلالات وفوانيس وجوامع صغيرة خشبية، وحبال زينة فيها أضواء وعبارات دينية تصلح للتعليق على الجدران، يشتريها المُقتدِرون بالمال وبالمساحة في المنازل لتزيينها وتصويرها مع الفلاتر والـ «ستيكرات» وعرضها على الانستغرام برفقة أغانٍ عن عودة الشهر الفضيل. رمضان الإنستغرامي هذا لا يَحضر بكثافة في يومياتنا في الواقع، لكنه موجود، ويبقى من الأشياء اللطيفة التي يخترعها الناس لإسعاد أنفسهم في هذا الشهر. ومن المواساة أنّه حتى أولئك الذين لايملكون المال لشراء «ركن رمضان»، ما زالوا يملكون رمضانهم الذي يفرحون به.

 

الحاصل..

الأمور مستورة  عند عدد لا بأس فيه من الناس في رمضان، والفضل في ذلك يعود لأهلنا في الغربة، الذين لا ينسون أهاليهم وأقاربهم في هذا الشهر، كما باقي العام كلّه. لا يرسل المُهجَّرون واللاجئون الزكاة و«الفطرة» في رمضان إلى أهلهم فقط، بل إلى أقاربهم  ومعارفهم من المحتاجين، وتختلف المبالغ التي تصل، كما تختلف طريقة إيصالها، كل بحسب طرقه السرية أو غير السرية التي يعتمدها بحيث لا يُقتَطَع من مال الزكاة والفطرة إلا القليل. يقول أحد العاملين في هذا الكار إن المبالغ الواصلة يومياً خلال الشهر ما يقارب ستة مليارات، وهو رقم تقديري على ذمة القائل بطبيعة الحال. زكاة الفطر هذا العام، كما حددها مفتي دمشق، هي 25 ألف ليرة سورية بالحد الأدنى، وهذا مبلغ كبير لمن يريد أن يدفع زكاة الفطر. المهم، الحاصل، أنّ هناك بعض المال يصل إلى أيدي الناس في هذا الشهر، لا سيما للعائلات المستورة. أما العائلات «المقطوعة»، المقطوعة من الأقارب في الخارج، فإن أولاد الحلال لا ينسونهم بالقليل الذي يستطيعون التبرُّع به. وأما العائلات المُتعفِّفة، فهؤلاء لهم الله. وهذا كله لا ينفي وجود متسولين بأعداد هائلة، بمن فيهم أناس يبدون لائقي المظهر، يمدّون يدهم إليك على استحياء طالبين «شيئاً للأطفال»، أو «زكاة لوجه الله»، أو «شو ما بيطلع من خاطرك»، وغير ذلك من الكلمات التي تترك المرء في حيرة من أمره لمن يعطي المال مع كثرة أولئك المتسولين وصعوبة تحديد المُحتاج منهم فعلاً.

 

الحاصل..

على الإفطار، يجد المرء الشوربة والتمر والسَلَطة والطبق الرئيسي وأطباقاً جانبية خفيفة، يكاد يكون ذلك «كاتالوج» عند كثير من الأسر الحمصية، ولا نعمم، لأنّ كل صنف مما ذُكر يُكلّف الآلاف، بما فيه طبق الفتوش كما قلنا، ولكن نذكر المُتعارَف عليه، والمُعتمَد عند الأسر الحمصية. يلي ذلك بعد الإفطار، كتحلية، «خبزة رمضان»، أو «المعروك» أو «البريوش»، وهي كلها تسميات لمُعجّنات رمضان. وهناك أيضاً «التمرية»، وهي نوع من الحلوى الرمضانية تتميّز بأسعار تُعَدُّ مقبولة مُقارنةً بغيرها. ومن أراد أن يشتري حلويات غير ذلك سيذهب إلى شارعَي الغوطة والملعب الشهيرين، بالإضافة لشارع الحضارة، حيث استُحدثت هناك محال جديدة تبيع حلويات رمضانية حديثة، يتراوح سعر القطعة بين 35 ألفاً وصولاً إلى مئة ألف ليرة. لتلك الحلويات ناسُها ومُشتروها، وهم ليسوا كُثُراً بطبيعة الحال.

 

الحاصل..

يَسهل تَوقُّعُ أنكَ وأنكِ قد مَللتم من كلمة الحاصل، وأنا أيضاً. لكن ابقوا معي قليلاً، عزيزي وعزيزتي القارئ-ة، فلم يبقَ الكثير. لم نتحدث بعد عن «وجبات رمضان»، وهي وجبات تُجهِّزها الجمعيات الخيرية للمحتاجين، كما أنّ بعض المهاجرين يُهدونها لأقاربهم ومعارفهم حتى وإن كانوا من غير المحتاجين. تجد قبل المغرب بنصف ساعة أن الباب يُدَق عليك، وهناك شاب متحمس يكاد يقفز في مكانه وهو يسلمك أكياساً بيضاء، فيها وجبة ساخنة كالأرز أو الصفيحة أو الكباب أو غيرها، مع مشروب رمضاني، ومع قطعة حلوى رمضانية تكفي لعائلة.
لكن ليس كل شيء أبيضاً، فقد يحصل كثيراً أن تقرأ على فيسبوك بوستات لنساء يتساءلن بحرقة عمّن يتحنن عليهنّ وعلى أطفالهن بوجبة رمضان لأن إفطارهم من «الحواضر» خلال شهر رمضان، فتجد في التعليقات من تدب فيه النخوة ويطلب رقم الهاتف ومكان البيت ليساعد تلك البائسة. وقد تجد على فيسبوك أيضاً من يتوسّل «معونة رمضان»، وهي مثلها مثل إفطار صائم، لكن هذه الطلبات أقل إذ أن المطلوب أكثر كلفة: معونة رمضان، للمحظوظ الذي تصله، تتألف من الرز والبرغل والسكر والشاي والمعلبات وغير ذلك ممّا يعين الأهل على تمضية هذا الشهر الكريم، تُوزِّعها بعض الجمعيات والمتبرعين الأفراد، وتَكلفتها لا تقل عن خمسمئة ألف ليرة للحصة الواحدة.

 

الحاصل..

بما أننا نعيش في مدينة متعددة الطوائف فقد تجد من يأكل ويشرب في الطرقات في رمضان، وهذا أمرٌ اعتدنا عليه منذ زمن طويل. لكن المُربِكَ هو أماكن العمل التي تجمع أبناء طوائف متعددة في مكان ضيق، حيث تجد من يأكل أمامك بحرج، أو يشرب القهوة بلا حرج، وهناك من يحلف لك بأغلظ الإيمان بأنه صائم وبأنّ أولاده صائمون، وبأنه يعيش هذا الشهر «مثلي مثلكم»، فتبتسم له مُرتبكاً إذ ليس مطلوباً منه أن يثبت أي شيء.

 

الحاصل..

يقول الحديث «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به..». تكثر العبادات والأنشطة الدينية في رمضان، حيث تحضر الدروس الدينية في الجوامع وراء كل صلاة عصر، كما يكثر إحياء الليل في الجوامع ويكثر روّاده، ولا مكان لذكر كل الأنشطة الدينية والتعبدية التي تحت سلطة النظام أو تلك التي من غير سلطته (والتي تكون في البيوت بطبيعة الحال). أما عن صلاة التراويح، فيُصلّي كثير من الرجال في الجوامع القريبة من بيوتهم، بينما تتنقل كثير من النساء بين الجوامع الأكثر «روحانية» كجوامع قباء والخيرات والجامع الكبير وغيرها.. هذا الجامع فيه خشوع، ذلك الجامع يقرأ جزءاً كاملاً في التراويح، الجامع الفلاني صوت الشيخ فيه رخيم ويَشرح القلب، بينما دعوات ركعة الوتر الأخيرة الجهرية وغير الجهرية -والأهم تلك غير الجهرية- تصعد للسماء، بلا رقيب ولا حواجز ولا أمن ولا عساكر، بانتظار الاستجابة والقبول.

 

الحاصل..

تَخيّل وتَخيّلي معي كلمة الحاصل بالعامية، بألف تعريف متلاشية، وستبدو لكم أكثر ألفة، بل وقد تستخدمونها ذات يوم. ها نحن قد اقتربنا من العيد، الأسواق تعجّ بالناس، ومحال مضطربة بالزبائن، ودرجات حرارة قد ارتفعت على غير المُتوقَّع. يسحب رجلٌ دراجته الهوائية بلباس مُهترئ وهو يراقب الناس ويقول:«ما حدي لحدي.. والله ما حدي لحدي»، ويسمع الناسُ الكلامَ ويتصنّعون عدم سماعه ثم يمضون. يوم «الوقفة» هو بشارة العيد، وهو بداية «مكافأة» شهر من تعب الصوم، وسَيليه العيد الذي يفرح به الجميع، كلٌّ حسب إمكانياته وظروفه. وحديث العيد ذو شجون: نبات الآس، وصلاة العيد، والثياب الجديدة، والعيدية، ووصل الأرحام، وتصفية قلوب المتخاصمين، وزيارات المقابر؛ والأطفال الذين لا يفهمون دموعَ الأمهات الصباحية على غياب أحبابهن، ولا صمتَ الرجال وهم يبحثون في جيوبهم عن أوراق للعيدية فلا يجدون سوى النزر اليسير.

تسير السابلة في الصباح نحو المقابر، يضعون نبات الآس بالقرب من قبور أحبتهم. أما الذين لا يملكون قبوراً لأحبتهم فهؤلاء لهم حزنٌ آخر، ناهيك عن المُغيَّبين. لكن رغم كل ذلك يستطيع المرء أن يشعر بحواسه جميعها تبتهج بالعيد، بأصوات الأطفال، وبقبلات الأهل وألوان الصباح، ورائحة المعمول و«القراص» والغريبة والبتيفور، أشهر أطباق الحلوى التي يصنعها الحمصيون في العيد. وهناك الحلو العربي الجاهز، الذي يصل سعر الكيلو الواحد منه إلى 350 ألف  ليرة سورية، وسيجد المرء مُشترين كثراً له. أين الفقراء إذن؟، الفقراء موجودون، وهم الكُثر الأغلب، ولهم حَلواهم واحتفالاتهم بالعيد، لكن محالَّ الحلو العربي قليلة والمدينة تعجّ بالجميع، فقير وغني، مسلم وغير مسلم، ظالم ومظلوم؛ وكلّهم، نعم كلّهم، سيعيشون شيئاً من فرح العيد، وسيمرّ عليهم موقف ما، أو سيلتقون بشخص ما، يشبههم أو يختلف عنهم، وسيقولون له مبتسمين: كل عام وأنتم بخير.