ردّت إيران إذن. بعد تسخين الأجواء لأيام عديدة وبعد تحذيرات وإعلانات طوارئ في دول المنطقة ومجالاتها الجوّية، جاء ردُّ طهران على القصف الاسرائيلي لمُجمّع السفارة الإيرانية في دمشق، عبر طائرات مُسيَّرة «انتحارية» مُحمّلة بالمتفجرات وصواريخ أرض- أرض انطلقت من الأراضي الإيرانية.

كانت ضربةً مُعلنة وعلنية وبالكاميرا البطيئة مع الساعات التي استغرقتها المُسيَّرات للوصول، وكانت ضربة معدومةَ القيمة عسكرياً إذ لم تُصِب أي هدف عسكري إسرائيلي بأيّ أذى (وحدها طفلة بدوية أُصيبت بجراح نتيجة شظايا)، ذلك حتى وإن شَكَّلَت علامة تَحوُّل في قواعد اشتباكٍ عمرها عقودٌ بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل: إيران تُحرّك ميليشياتها وأذرُعها، أو تدعم حركات المقاومة الفلسطينية؛ وإسرائيل، مدعومةً بالحزم الغربي ضد إيران، تستهدف أذرع إيران ومصالحها في دول المنطقة، لا العمق الإيراني، في معظم الأحيان.

سيلهجُ المحللون السياسيون الواقعيون بلا شكّ بالحديث عن أهمية هذا التغيُّر في قواعد الاشتباك، وعن أن «ما قبله ليس ما بعده»، أمّا بالنسبة لعموم السوريين والسوريات، والساعين منهم نحو الاستقلال والتحرُّر بشكل خاص، فمن المستحيل ألا نتساءل مجدداً، بمرارة أحياناً وبسخرية أحياناً أخرى، عن الثمن الباهظ الذي دفعناه في سوريا على مذبح الصعود الإيراني الامبراطوري، والهجمات الإسرائيلية على قواعد إيران في بلدنا، والتي باتت حدثاً يومياً في حياة السوريين والسوريات خلال الأعوام الماضية.  

هل نُذكِّرُ للمرة الألف بالجرائم التي لا تُحصى التي ارتكبها الحرس الثوري الإيراني، وأذرعه الميليشياوية متعددة الجنسيات، على الأرض السورية وبحق السوريين؟ وكيف نشطت إسرائيل على المقلب الآخر في قصف الأراضي السورية وسقط العديد من المدنيين والمدنيات ضحايا لرسائلها المتبادلة مع إيران، مُستفيدةً من براءة نظام الأسد من أي واجبات وطنية بما فيها الدفاعُ عن البلد؟ وهل يحق لنا أن نتساءل إن كان تَغيُّر قواعد الاشتباك سيجرّ علينا مزيداً من الويلات ومزيداً من الاستباحة؟ 

نفهم أن يستدعي أي عمل ضد إسرائيل، مهما هزلت نتائجه، تعاطفاً عريضاً من جمهور فلسطيني وعربي ودولي يستهولُ فداحة الإبادة التي تُمارسها الدولة العبرية في قطاع غزة، وعموم فلسطين، منذ أكثر من ستة أشهر، ويستفظعُ التواطؤ الغربي الكامل معها بحجة «حقّها في الدفاع عن النفس»؛ لكن هل نعتقدُ حقاً أن تَوسُّعَ دائرة الحرب سيحملُ في طيّاته خلاص غزة؟ أم أنه سيُحوِّلُ الأنظار بعيداً عنها، بل وقد يُقدّمُ ذرائع جديدة لاسرائيل للمضي في الإبادة والتهجير؟ في كل الأحوال، لا يجوز أن يُنَسبَنَ أو يُنكَرَ إجرامُ النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة عموماً، وسوريا خصوصاً، خلال العقود الأخيرة بحجّة تحرّكٍ قامت به إيران ضد إسرائيل، على طريقة صواريخ صدام حسين العتيدة، والعقيمة، قبل ثلاثة عقود ونصف. 

غيّرت إيران قواعد الاشتباك مع إسرائيل استراتيجياً بهجوم عقيم عسكرياً يبدو، أقلّه حتى الآن، أنه جاء كبالون أكسجين لنتنياهو الذي كان قد قاربَ الاختناق. يترقّبُ العالم بأنفاسٍ محبوسة الأيامَ المقبلة بانتظار ردّ إسرائيلي مُحتمَل، مُتسائلين عن طبيعته ومكانه، ومكان وطبيعة ردّ إيراني مُحتمَل على هذا الردّ الإسرائيلي المُتوقَّع. من جهتنا، كسوريين ديمقراطيين، نراقبُ بقلق وأسى كيفَ أن كل المُعادلات المُحتملة ستعني حُكماً مزيداً من الاستباحة لبلدنا وأهله. الإقليم والعالم على شفير حروب مفتوحة أكثر من أي وقتٍ مضى خلال السنوات السبعين الأخيرة، ورفعُ الأصوات الحربية والإنفاقات العسكرية على أشدّه. لا أحد يريد الحرب، هكذا يُقال؛ ولكن الكل يجهز نفسه لها، هذا ما نراه جميعاً. 

أمام ذلك، فإن الجهد السياسي الضروري، سورياً وعربياً ودولياً، هو التحرّك من أجل وقف الحرب الإسرائيلية الإبادية على قطاع غزّة، والعمل من أجل تحصيل كامل الحقوق الإنسانية والوطنية للشعب الفلسطيني، ولردعِ استباحةِ حقوق ومُقدَّرات شعوب المنطقة وأوطانها، سواء كان بحجّة «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، أو بحجّة «قيادة الجمهورية الإسلامية لمحور المقاومة»، أو أي بلطجة إقليمية ودولية أخرى في بلادنا. تَوسُّعُ الحرب لن يفيد غزة، بل وقفُ الحرب فيها هو الكفيل بحمايتها وحمايتنا جميعاً.