فكرتُ في أفضل طريقة لأُعبّرَ لك عن امتناني، وعلى الرغم من أني لستُ من هواة هذا النوع، لكني لم أجد طريقة أخرى غير أَنسنتك، وإلا كيف يمكنني مخاطبك؟ فكرتُ أنّه ربما كان من الممكن أن أوجه رسالة الشكر هذه للسيدة العبقرية التي صنعتك، والتي واجهت صعوبة كبيرة في إقناع النساء باستخدامك لأن الترويج لك لم يكن سهلاً، فجميع المفردات التي كانت تتعلق بالمهبل، الحيض ودم الدورة الشهرية، كانت من المحرمات عندما اخُترِعْتَ لأول مرة عام 1937. شكراً لها فعلاً، لأن اختراعها أراحني أخيراً من رائحة البلاستيك الممزوجة مع رائحة الدماء والتعرّق المنبعثة من الفوط الصحية في أيام الصيف الحارّة.

عندما استخدمتكَ للمرة الأولى، لم يكن لدي شكٌّ بأن امرأةً ما هي من كانت وراء تشكيل هذا المخروط المطاطي مع ذيل صغير يمتد من قاعه ويصله مع العالم الخارجي. كل شيء فيك بسيط، انسيابي ومُتقَن وحميمي. أنا مُمتّنة لأدائك المهمة بنجاح ومودة، طبعاً لا يخلو الأمر من بعض الأخطاء أحياناً، إلا أنها في نهاية الأمر أخطائي، وأنتَ لست مسؤولاً عن أيٍّ منها. شكراً لأنك تمضي ساعات طويلة في عُتمتي، تلتحم مع عنق رحمي بلطف، وتتحمل مسؤولية مهمتك كصمّام أمان يحميني من الشعور بالعار والخجل إذا ما تسربت نقاط الدماء إلى ملابسي الخارجية.

أذكر المرة الأولى التي التقيتك فيها، حينها لم أعرف تماماً من تكون؟ كنتَ مختبئاً في زاوية الخزانة في حمّام بيت صديقتي الألمانية، أوحى لي وجودك هناك بأن لك وظيفة خاصةً، لكني لم أتوقع أبداً حساسية المهمة الموكلة إليك، ربما بسبب بساطة تصميمك! حينها لم أسأل صديقتي أي سؤال عنك. خَجِلت. صادفتك بعدها بأشهر على رفّ السوبر ماركت، وجدت منك مقاسات مختلفة، أمضيتُ دقائق أتفحّصُ العلبة. اخترتُ مقاساً عشوائياً، إذ لطالما كانت لدي الثقة المتينة بقدرتي على موائمة نفسي ومقاساتي ومشاعري مع كل ما حولي من شروط وظروف. أذكرُ جيداً الذعرَ الذي أصابني عندما أدخلتكَ للمرة الأولى وأَضعتُكْ.. خشيتُ أن تكون انزلقتَ إلى أحشائي، ويومها لم يكن أمامي سوى غوغل، لا أمي ولا أختي ولا صديقتي الألمانية كُنَّ خياري الأول. سألتُ غوغل، وعندها تعلّمت. لم يكن خطأك، بل كان جهلي بتشريح جسدي، وكنت أنت مُلتحماً بسلام مع أسفل عنق الرحم حيث يجب أن تكون.

أَفترضُ أنه على حوافِك قد يحتدم نقاش نسوي بيئي، بما أن أحد أهم أسباب اختراعك من قبل السيدة ليونا الأميركية كان التفكير ببدائل صحية وصديقة للبيئة في آن واحد، وهو ما كان امتيازاً لم تملكه جميع النساء. فقبل أن يعمي الحماس البيئي بَصيرتنا، لا بدّ من التفكير أولاً في حياة امرأة من شريحة واسعة من النساء في المجتمعات المُحافظة، التي يمكن لخَدش صغيرٍ في «غشاء البكارة» أن يُعرِّضَها للقتل، باعتباره الدليل القطعي على «الطهارة» وعلى «شرف» العائلة ككل. لذلك، بالرغم من جميع الجوانب البيئية والتوفيرية  التي قد تُشجِّعُ النساء على استخدامك، هناك فئة واسعة منهنّ لا يُسمَح لهنّ بإدخال كؤوس حيض، ولا سدّادات قطنية ولا ألعاب جنسية، إلى مهابلهنّ.

على خلفية هذا النقاش، اضطررتُ مجدداً أن أسأل غوغل بلغة غير حسّاسة جندرياً، وشعبوية ومغلوطة، من أجل أن يَفهَمَ المقصود تماماً: «هل يُفقِدُ كأس الحيض الفتاة عُذريتها؟»، وجاء الجواب حاسماً قطعياً: « لا يجوز للفتيات استخدام كأس الحيض أو السدّادت القطنية إلّا إذا كُنَّ متزوجات». بين هذا السؤال وهذا الجواب، هناك ملايين «الفتيات» النَشِطات جنسياً دون أن يكُنَّ متزوجات في مجتمعي الواسع الذي تغلب عليه المحافظة، وهُنَّ مضطرات لاستخدام الفوط الصحية فقط. هناك آراء متضاربة حول هذا الموضوع، البعض يؤكد أن استخدام الكأس أو السدّادات لا يُفقد «البنات» «عذريتهنّ»، والبعض الآخر يُحذّر النساء من المخاطرة. أتفهّمُ جيداً مقدار الرعب الذي يصيب النساء، ومقدار التطمينات التي يحتجنَ إليها في مجتمعات تُحاصرهنَّ فيها الوحشية، لكني لا أخفي حزني وإحباطي العميق في كل مرّة  تكون فيها «عذرية النساء» عائقاً أمام حرية الاختيار، سيّما عندما أفكر في النساء اللواتي يواجهنّ فقر الدورة الشهرية، وصعوبة تأمين فوط صحية من نوع جيد؛ كان يمكنُ أن يكون كأسُ الحيض حلاً مناسباً، لكن اللعنة! ماذا عن اللواتي لا يستطعنَ الوصول للمياه النظيفة للاغتسال في الخيام وفي مناطق الحروب المستمرة؟

على أية حال، الآن نحتفل أنا وأنت بصداقة خاصة، تستحمل أنت حيضي بصدرٍ رحب وأنا أُخبّئكَ في كيس مُعقَّم بعد أن أُعطيكَ حماماً ساخناً ريثما يحين موعد لقائنا القادم. أردتُ لك هذه المرة أن تخرج إلى النور، أن ترى الشمس والطقس الربيعي وأن يراك العالم كما أراك. لكن لا تدع منظر الأشجار وزهر الربيع يَغرُّك، فنساء العالم ورجاله يعشنَ أياماً عصيبة.