على المستوى العام، تُلاحَظ نزعتان في قارّة أوروبا عند سرد تاريخ العنصريّة: العنصريّة الاستعماريّة ومعاداة الساميّة. الأولى تَولَّدت في فترة التوسّع إلى الخارج وتُوِّجَت بالعبوديّة، والثانية تعود جذورها إلى القرون الوسطى المسيحيّة. نشأت النزعَتان في مكانَيْن مُختلفَيْن داخل القارّة. نتيجة امتلاكها أساطيل بحريّة، تمكّنت دول غرب أوروبا من التحرّك خارج القارّة واختبار العنصريّة الاستعماريّة، في حين اعتُبِرَ وسط وشرق أوروبا العُشَّ الذي تخمّرت فيه معاداة الساميّة. زمنيًا، تتوضّع الظاهرتان في فترتَيْن مُتلاحقتَيْن، العصور الوسطى (نشأة معاداة اليهود) استمرّت لألف عام من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر، والحداثة المبكّرة (نشأة الاستعمار) بدأت من القرن الخامس عشر وانتهت باندلاع الثورات (السياسية في فرنسا والصناعية في إنكلترا) في القرن الثامن عشر.

ورغم أنّ عالِم الاجتماع الأميركي الأسود، دو بويز (1868- 1963)، أشار في نهايات القرن التاسع عشر إلى إمكانيّات التأثّر والتأثير بين عالمَي العنصريّة الاستعماريّة ومعاداة الساميّة، إلا أنهما غالبًا ما تُفهمان كظاهرتَيْن مستقلَّتيْن في الخطاب الألماني العام. عمل دو بويز بين عامي 1892 و1894 في جامعة هومبولدت في برلين، ونشر أبحاثًا خلاّبة «نَكَشَ» فيها فكرة استخدام الصور المعادية لليهود في الخطاب الاستعماري في إفريقيا ضد السود. نبّه بويز مبكّرًا إلى أنّ الأفكار القروسطيّة ضد اليهود شَكّلت خلفيّة لنظرة المُستعمِرين حول بشر المُستعمَرات في فترة الحداثة المبكرة. بمرورٍ سريع ودون تعمّق، أكّدت حنّة آرنت (1906- 1975) علاقات التأثير الداخليّة بين العالمَين.

الانفصال التطوُّري في ألمانيا، على مدار أكثر من نصف قرن، بين حقلَيْ دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات الهولوكوست، عمّقَ فرضيّة الفصل بين العالمَين. النُخَب الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية رسمت حدًا مفهوميّاً فاصلاً بين العنصريّة الاستعماريّة ومعاداة الساميّة، الافتراض هو أنّ الاستعمار استغلالٌ ماديّ مباشر عن طريق العبوديّة، ومعاداة الساميّة رهابٌ نفسيّ من فكرة الآخر. ثمّة فرق نوعي: الاستغلال محسوس والرهاب مُجرّد. 

دراسو الهولوكوست حرصوا أيضًا على إخراجه من دراسات الإبادة المقارنة. لشدّة هول التجربة، ولأسباب سياسيّة لها علاقة بتبرير إسرائيل كاستثناء أبدي، يتمّ تحنيط الهولوكوست كجريمة منفردة استثنائيَّة، جريمة «فوق التاريخ» وغير قابلة للمقارنة. أيُّ تبَيئةٍ للهولوكوست في سلسلة من التراكمات الموضعيّة التدريجيّة تاريخياً، تُعتبَر مسّاً بقداسة فرادة التجربة. لإبقاء هالة الفرادة المطلقة (Singularity) حول الجريمة النازيَّة، القيمة الأساسيّة في الهويّة الألمانيّة المصنوعة بعد الحرب العالميّة الثانية، خَفَّ النقاشُ العام حول إمكانيّة تأثُّر العنصريّة الاستعماريّة بمعاداة الساميّة. في عام 2020 حاول الكاتب الكاميروني، أشيل مبيمبي (66 عامًا)، فتح الموضوع في ألمانيا في مهرجانٍ ثقافيّ بإلقاء محاضرة عن معاداة الساميّة في الإعلام الألماني. ولأنَّ محاضرة مبيمبي تمركزت حول العلاقة بين العنصريّة الاستعماريّة ومعاداة الساميّة، تم إلغاؤها بدمٍ بارد.

في هذا النص سردٌ لملامحِ سيرة العلاقة بين العالمَين؛ في البدء، تناولٌ لأصل الحكاية في القرون الوسطى عندما نشأت معاداة اليهود داخل الثقافة المسيحيّة، وبعدها تَعَقُّبٌ لسَفَر الكراهية مع الاستعمار بنُسَخه الثلاث: ضد الهنود والسود والمسلمين.

العمل كتفاً إلى كتف

تبدأ الحكاية من القرون الوسطى، إذْ أنّ العداء آنذاك لم يكن لليهود فقط، بل للمغول والقوط وقبائل الـ«هَنْ» قبائل «Hun» التي عاشت في آسيا والقوقاز وأوروبا الشرقيّة بين القرنين الرابع والسادس. والعرب والمسلمين والأتراك. الآن، سيساعدُ فهم عنصرية القرون الوسطى، بنُسختها المعادية لليهود، على فهم العنصرية الاستعمارية ضد السكان الأصليين في فترة الحداثة المبكّرة. لكن الحذر واجب، لأنّ أيّ مقارنة بين اللحظتَيْن، يجب أن تراعي الاختلاف الزمني والبنى المعرفيّة المختلفة السائدة في كلّ لحظة. ولكنْ عمومًا، يمكن القول بأنّ مفهوم الآخَر البعيد (المسلم والأسود والهندي) في الحداثة المبكّرة، هو استكمالٌ وامتدادٌ، وليس انقطاعاً أو انفصالاً، عن مفهوم الآخر القريب (اليهودي الأوروبي) في العصور الوسطى.

العودة إلى النصوص الدينيّة القروسطيّة لا يعني استسلاماً للمصدر الديني، أو انحيازًا للمنطق اللاهوتي، بل لطبيعة الكنيسة ودورها في تلك الأزمنة. الانفصال بين الدين والعلم لم يحصل في أوروبا إلا بعد التنوير. فعليًا، كانت الكنيسة المكانَ الذي يُمارَس فيه كلّ شيء تقريبًا. حَسَمَ ديفيد هيوم لاحقًا في القرن الثامن عشر استقلالَ الفكر التجريبي عن منطق اللاهوت الديني، ولكن كنيسة القرون الوسطى كانت المؤسّسة السياسيّة والاجتماعيّة الأكثر تأثيرًا في الناس، ومختبرَ البحث العلمي ومنصّةَ النقاش العلني.

لذلك، فإنّ فهم عمل الكنيسة ودورها في خلق اختلافات نفسيّة بين البشر هو أمرٌ حاسمٌ في فهم العنصرية القروسطية. الكنيسة القروسطية صاغت حدودًا جوهريّة مطلقة بين البشر، وقسّمتهم إلى مجموعات ذات طبائع نوعيّة مختلفة. انطلقت عمليّة التصنيف من معايير متعدّدة: أحياناً كان الاعتماد على الصفات الوجهيّة (علم الفراسة)، إذْ يتمّ اشتقاق طبائع ذهنيّة ثابتة اعتمادًا على شكل الوجه (عرض الجبهة، طول الأنف، عمق العينين)، وأحياناً على الصفات الجسديّة (الوزن، الطول، اللون)، وأحيانًا على ممارسات ثقافيّة- طقسيّة معيّنة، وفي أحيانٍ أخرى أكثر تعقيدًا، تكون حدود الرسم مع الآخر مبنيّة على المبدأ المشترك لمجموعة من خطاباته (حركات الهرطقة التي تعرّضت للسَحق في القرون الوسطى).

المثير في الأمر، هو أنّ ممثّلَيْ عالمَي العنصريّة الاستعماريّة ومعاداة الساميّة اشتغلوا معًا، كتفاً إلى كتف، في فترة الحداثة المبكرة. التعاونُ الوثيقُ معروفٌ بين البعثات التبشيريّة المسيحيّة والجيوش الاستعماريّة الغازية. في الحداثة المبكرة صار التأثيرُ واضحًا بين العالمَين. من جهة، أثّرت أفكار المُبشِّرين المعادية لليهود في خطاب الاستعمار. ومن جهة أخرى حقّق الاستعمار، بنسخه المعادية للهنود والسود والمسلمين، تحوّلاً نوعيًا في خطاب المُبشِّرين وهو: التحوّل من معاداة اليهوديّة إلى معاداة الساميّة. من المهم الإشارة إلى الفرق بين معاداة اليهود ومعاداة السامية. ودور الاستعمار في التحوُّل من معاداة اليهودية إلى معاداة السامية، أو تحويل اليهودية إلى عرق بالمعنى الحديث، هذه النقطة ستتضِحُ أكثر في سياق النص.

هُنا، ستُفحَص أشياء مختلفة مسليّة: قصةٌ لاهوتيّة ديناميكيّة هي قصّة يأجوج ومأجوج والقبائل العشرة الضائعة، وخريطةٌ جغرافية قروسطيّة هي خريطة إيبستورف، وأحداثٌ تاريخيّة حصلت، واقتباساتٌ من نصوص مشهورة. الفحص سيكون لأشياء مبعثرة بدلاً من سردٍ زمني مُتعاقب، لربما تتضِحُ ملامح التشابك بين مُعاداة الساميّة والعنصريّة الاستعماريّة.

الآخر القريب: تحويل اليهود إلى آكلي لحوم بشر

في العصور الوسطى الأوروبيّة، هيمنت ثلاثة أوصاف في تشخيص الآخر: البرابرة والوثنيّون والوحوش. كلّ وصفٍ كان مسؤولاً عن رسم حدود اجتماعيّة معيّنة. البربري هو الآخر اللغوي، والوثني هو الآخر الديني، والوحش هو الآخر الجسدي. الوحش في الثقافة الشعبيّة الأوروبيّة مُمارِسٌ لمزيجٍ من طقوس دينيّة سريّة وممارساتٍ جنسيّة منحرفة. في البداية، كانت العنصريّة مُوجَّهةً إلى الوثنيين: الآخر الديني، ولم يكن اليهود فقط مُدرَجين في قائمة الوثنيّين، بل المغول وقبائل الـ«هَنْ» والقوط والمسلمون لاحقًا. ولكن داخل أوروبا، وبشكلٍ تدريجي، احتلّ اليهود منصب الآخَر بشكل مطلق: اللغوي والديني والجسدي.

خرائطُ العالم التي رُسِمَت في العصور الوسطى (Mappa Mundi) تقول شيئاً. الخرائط الملوّنة خزّانٌ بصري يكشف التجسيد المباشر للتصوّرات المُسبَقة والأفكار النمطيّة حول الشعوب والأقوام الأخرى في الثقافة الأوروبيّة. لا تحمل هذه الخرائط أي أهميّة على مستوى الدقّة الجغرافيّة. قدرات البشر على الرصد والاستطلاع وحساب المساحات و«النظر من فوق» كانت متواضعة في تلك الأزمنة. خرائط القرون الوسطى مهمّة على المستوى الثقافي- الاجتماعي، لأنّ الرُهبان المسيحيين لم يشرفوا فقط على عمليّة الرسم، بل نَظَّموا الشعوب وعلومهم وعاداتهم وطباعهم في بنية رمزيّة معقّدة. من أهمّ الدراسات حول خرائط القرون الوسطى في المكتبة الألمانيّة، كتاب Text – Bild – Karte: Kartographien der Vormoderne، الصادر عام 2007 من تأليف يورغ غلاوسور وكريستيان كينيغ. ما يهمّنا حول هذه الخرائط موجودٌ بين الصفحات 74 حتّى 149، وهي عبارة عن سرد للملامح المشتركة والعناصر المتكرّرة في هذه الخرائط، مع تقديم طريقةٍ معقولة جدًا لفهم النظام الرمزي لها، وتناولٍ خاصٍّ لخريطة إيبستورف.

 

خريطة إيبستورف – ويكيبيديا

المُشترَك بين الخرائط القروسطيّة الأوروبيّة، كالخريطة أعلاه، هو أنّه كلّما ابتعدنا عن المركز المسيحي، ازدادت أشكال الشخوص المُرمِّزة للشعوب تَشوّهاً وانحلالاً وغرابة. دومًا، تَسكنُ الوحوش على حافّة هذه الخرائط، إذْ اعتُبِرَت مخلوقات متطرّفة، منحرفة بشكل جذري عن المثال والاعتدال، وغير قادرة على كبت الشهوة والتحكّم بالغريزة، الفضيلتان السائدتان في لاهوت المسيحيّة القروسطيّة. داخل الكنيسة، كانت النقاشات تدور حول إذا ما كانت الوحوش قادرةً على التواصل الرمزيّ اللغويّ، أو إذا ما كان ممكنًا ضبطها بقوانين مركزيّة، أو قبل كل شيء، إذا ما كانت بشرًا في الأساس، وبالتالي صحّة محاسبتها على الخطيئة!

الفيلسوف واللاهوتي اللامع، سانت أوغسطين (أوغسطينوس / 354- 430)، رأى في وجود الوحوش برهانًا على النزعة المفاجئة لدى الخالق. أوغسطينوس دافعَ عن فكرة أنّ الله ليس قادرًا على خلق الخير فقط، بل الشرّ أيضًا، وأدرك الدورَ الرمزي الذي تلعبه الوحوش في النظام الديني المسيحي. ذهب إلى أبعد من ذلك، واعترضَ على وصف أيّ مخلوقات، مهما بدت «غريبة» عنا، بـ«القُبح»، لأنّها في النهاية إثباتٌ على الاعتباطيّة المولِّدة والعشوائيّة الخلّاقة لدى الله، ودليلٌ على التنوُّع الغامض الذي لا يمكن استيعابه في عالمنا. أنظر كتاب سانت أوغسطين The City of God، الكتب من 1- 10.  

والحال، فإنّ الخريطة في النص قد رُسِمت في شمال ألمانيا حوالي عام 1300 ميلادي، وتُسمَّى بخريطة إيبستورف (Ebstorf). من المهم الإشارة إلى أنَّ الاتجاهات الجغرافيّة على الخريطة غير متطابقة مع العالم الحقيقي. لا يهمّ هذا الآن، في الزاوية اليسرى العليا نرى قوم يأجوج ومأجوج. قصّة يأجوج ومأجوج هي حكاية «ماين ستريم» دينيّة، وموجودة تقريبًا في كلّ مكان: في التوراة، وفي العهدَين القديم والجديد، وفي مخطوطات كهوف قمران، مخطوطات كهوف قمران اكتُشِفَت في الأردن بالقرب من البحر الميّت بين عامي 1946- 1956. النصوص المكتوبة بالعبريّة أُنجِزَت بين القرن الثالث والأوّل قبل الميلاد، وتُشكِّلُ مصدراً أساسيّاً لفهم القوانين اليهوديّة. وفي التفسيرات الآراميّة حول اليهوديّة بعد القرن الأوّل قبل الميلاد، وفي الكتابات الكنسيّة القديمة (تُدعَى بـ «كتابات آباء الكنيسة»)، وطبعًا في القرآن. القصّة شديدة المرونة، ولها نُسَخ مختلفة بين كل ديانة. وداخلَ كل ديانة بين عصر وآخر، تلعب قصّة يأجوج ومأجوج دورًا محوريّاً عند الحديث عن يوم القيامة ومعركة الآخرة ونهاية العالم.

حتّى الآن، أَقدمُ ذكر لهذه القصّة القِياميَّة وردَ في الكتابات اليهوديّة القديمة. هنا أوّل نسخة: الله وعدَ قوم إسرائيل المنثورين في أصقاع الأرض بـ«حق العودة» إلى مملكة إسرائيل، والعيش فيها بسلام تحت سلطة الملك داوود. لم يَدُم الاستقرار طويلاً، إذْ تعرَّضت مملكة داوود لهجوم شرس من الشمال. الغزاة كانوا قوم يأجوج ومأجوج، إذْ نهبوا البلاد وأحرقوا الزرع وسبوا النساء ونفوا الحكماء. غَضِبَ الله من قوم يأجوج ومأجوج، وأنزل بَلاءه عليهم بالطاعون. اشتعلتُ السماء نارًا وكبريتاً، وتشقّقت الأرض تحت أقدامهم.

المُثير في هذه النسخة أمران: الأول هو أنّها التقاطع اللاهوتي الأبرز بين المسيحيّة واليهوديّة. لم يكن الإيمان بالفَرَج المسيحي مُشكلة في المصادر الحاخاميّة القديمة، لأنّ القصّة تفترض أنّ العصر ما قبل المسيحي كان زمن اضطرابات وفوضى وهيمنة قوم يأجوج ومأجوج. أمّا الثاني، وهو أنّه بسبب الطبيعة الديناميكيّة المثلّثة للحكاية، كونها تمثّل صراعاً رمزيًا بين ثلاثة عناصر: الضحايا والغُزاة والمُخلِّص، فإنّها تصلح أن تلعب أدوارًا سياسيّة مختلفة. عند تَعقُّبِ النسخ اللاحقة، كما سيتّضِح، يُكشَف بوضوح أنّ عَالَمَ ما بعد الموت يصبح مسرحًا تتنافس فيها كيانات سياسية واجتماعية في معارك آخرة أبديّة. الفاعلون والأعداء في حكاية يأجوج ومأجوج، هم غالبًا فاعلون وأعداء في الواقع الفعلي. 

النُسَخ المسيحيّة من الحكاية متنوعة، ولكنها كلّها، مثل النسخ اليهودية، قِياميّة الطابع وتحمل بُعدًا يتعلّق بمعركة نهاية العالم. أوّل نسخة مذكورة في «سفر الرؤيا»، بتفسير يوحنا لنهاية العالم في العهد الجديد. يأجوج ومأجوج كانوا حُلفاءَ للشيطان ومعادين للمسيح، وظهروا من زوايا الأرض الأربعة لقتال الله. الله -المسيح يفوز في النهاية بالمعركة، ويُشرِقُ ملكوته من جديد. في تفسير يوحنا، ظهور قوم يأجوج ومأجوج أمرٌ خطرٌ ومُنتظَرٌ في الوقت نفسه، لأنّه عذابٌ تاريخي لا بدّ منه كي ينال المصيرُ الإنساني خلاصَه. النُسَخ المسيحيّة اللاحقة اتّجهت إلى وصف محسوسٍ أكثر لقوم يأجوج ومأجوج، مُمتزجٍ مع الأساطير القادمة حول الإسكندر المقدوني. حَبَسَ الله يأجوج ومأجوج، كما فعل الإسكندر مع غُزاته، خلف جدران ثقيلة، لأنّهم كانوا آكلي لحوم بشر.

يأجوج ومأجوج في خريطة إيبستورف

خريطة إيبستورف تحمل جوَّ هذه الرواية. قوم يأجوج ومأجوج مسجونون في صناديق مغلفة، إذْ نرى شخصين عارييَن جالِسَين يأكُلان بسعادة جسدَ شخص ثالث ينزف بينهما. كوحوش، رسمَ قوم يأجوج ومأجوج عدّة حدود: مكانيّة، كغزاةٍ من حافّة العالم (حواف الخرائط)، وزمانيّة، كمَنفيّين من جنّة الأرض إلى جحيم الآخرة، وأخلاقيّة، كالفيصل بين الطهارة والنجاسة، وأنثروبولوجيّة، كصنفٍ أدنى من الجنس البشري. أوغسطينوس شكّكَ مرّة أخرى بهذا الكلام، ورفضَ النظر إلى النصوص الدينيّة كمرآة ناقلة للتاريخ الواقعي، وركزَّ على الدور الرمزي – القصصي لقوم يأجوج ومأجوج كمُمثّلين للشرّ: ضرورةُ أيّ نظام ديني.

مع الوقت، صارت الحكاية مَطَّاطية جدًا في العالم المسيحي، وغدت وعاءً يتمّ فيه إسقاط كلّ التصوّرات والأفكار حول الشعوب والأقوام، وخصوصًا تلك التي تُعتبَر تهديدًا للمركز المسيحي خارج أوروبا، أو «غريبةً» عنه داخل أوروبا. المؤرّخ يوسابيوس القيصري (264- 339) مَاثَلَ بين يأجوج ومأجوج والرومان. أُسقُفُ ميلان، القديس إمبروسيوس (340- 397) ربطهم بالقوطيين. الكاهن الكاثوليكي جيروم (347- 420) طابقهم مع الإسقوط (السكوثيون)، وهي قبائل بدو إيرانيّة.

شهدت الحكاية تحوّلَيْن بارزَيْن. التحوُّل الأوّل ضمن النُسَخ اليهودية للحكاية، جرى على قلم المفسّر الديني المشهور، وأستاذ الكتابات الحاخاميّة، اليهودي الفرنسي راشي (1040- 1105). لأوّل مرّة، ربطَ راشي قوم يأجوج ومأجوج بالمسيحيين. ليس ذلك فقط، بل حدَّدَ الطرّفَ المسؤول عن الغزو. في حكاية راشي الموجّهة ضد المسيحيين، قائد يأجوج ومأجوج، عيسو، الابن الأكبر لإسحاق، هو العدوّ في المعركة الأخيرة ضد إسرائيل. نَاصَرَ الحكايةَ الحاخام دايفيد كيمتشي (1160- 1235)، مُؤكِّداً أن قوم يأجوج ومأجوج هم المسيحيون مضافًا إليهم الأتراك، التهديدان الجديّان الوحيدان على الدين اليهودي. 

تَلقَّت المسيحيّةُ الرواية اليهوديّة الجديدة. وفي عام 1240 لمّا غزا المغول والتتار أوروبا، أشاع المسيحيّون لمئات السنوات بأنّ اليهود كانوا حُلفاءهم السريين، ومدّوهم بالسلاح والنبيذ. طابقَ المسيحيون بين قوم يأجوج ومأجوج والمغول والتتار. عدّلَ اليهود روايتهم مجددًا كي تُناسب مزاج الرواية المسيحيّ بتوليد اتّصال لاهوتي مع قوم يأجوج ومأجوج، إذْ اعتقدوا بأنَّ جنكيز خان، ملك المغول والتتار، جاءَ لتحرير أطفال إسرائيل من نير الأسر المسيحي. لخلق اتصال مع قوم يأجوج ومأجوج، أدرجت الحكاية اليهوديّة قصة القبائل اليهودية العشرة الضائعة في حَبكتها. بدخول عنصر القبائل اليهودية العشرة الضائعة تَحقَّقَ التحوّل الثاني في سيرة حكاية يأجوج ومأجوج. تقولُ الأسطورة بأنّ عشرة قبائل (من أصل 12 قبيلة يهوديّة)، تم أسرها واقتلاعها ونفيها في أصقاع الأرض أثناء «السبي الآشوري» في عام 722 قبل الميلاد. القبائل العشرة الضائعة لعبت دورَ قوم يأجوج ومأجوج في قصص الآخرة في كثيرٍ من الروايات اليهوديّة.

سيناريو الحكاية المسيحيّة أَدرجَ فورًا شخوصَ القبائل العشرة في بنيتها الدراميّة. في ألمانيا تحديدًا، أدَّى هذا الإدراج إلى ارتفاع حدّة العدائيّة ضد اليهود. مزجت النسخة الألمانيَّة بين ثلاث أساطير: يأجوج ومأجوج، والقبائل اليهوديّة العشرة الضائعة، والإسكندر المقدوني، ليتولّد مصطلح جديد هو: «اليهودي الأحمر». اليهود الحمر لصوصٌ أشرار كريهون منبوذون مثيرون للاشمئزاز. اليهودي الأحمر «بندقيّة» مُلقَّمة في الشرق، تنتظرُ إشارة من أعداء المسيح للانقضاض على المسيحيّة في أوروبا. النسخة الألمانيّة المُثلّثة من الحكاية جَرَّمت اليهودية لاهوتيًا، وحوّلت كلمة اليهوديّة إلى نقيضٍ لغوي لكلمة المسيحيّة. أوغطسينوس، بِحسِّه الفلسفي الدقيق، دافع عن فكرة أنَّ البُنى اللاهوتية ليست كيانات مُغلقة تعمل في انفصالٍ عن بعضها البعض. هذا التلقّي والتأثير بين النُسَخ المختلفة لقصة يأجوج ومأجوج، والمرونة الشديدة في تَبدُّل الشخوص، دليلٌ على أنّ البنى اللاهوتية لجماعات تعيش بقرب بعضها متشابكةٌ في علاقات ديناميكيّة، ومتأثّرةٌ بواقعهم الفعلي.

والحال، فإنّ ربط اليهود مع الأقوام الآكلة للحوم البشر وغُزاة نهاية العالم، تُرجِمَ بتدهور واضح لأوضاعهم داخل المجتمعات المسيحيّة. من الأعراض الجانبيّة لكل حملة صليبيّة إلى فلسطين لاحتلال القدس، عبورٌ دمويّ بتجمعات اليهود داخل أوروبا. العام الفاصل في العنصريّة القانونيّة كان مؤتمر لاتيران الرابع عام 1215، عندما رَسَمَت الكنيسة قوانين تمييز عينيّة بين اليهود (والمسلمين طبعًا) والمسيحيين. على اليهود الآن ارتداء ملابس معيّنة، والإشارة علنًا إلى يهوديتهم بشارات. هذا القانون كان متفاوت الشدة في تطبيقه، ولم يُطبَّق في كل الأماكن. ولكن تدريجيًا، صار اليهود يُفصَلَون من نقابات العمّال، ومنعوا من تقلّد مناصب بيروقراطيّة وممارسة مهن معيّنة. العزل الاجتماعي لليهود خلق مصادمات دامية بينهم وبين المسيحيين في أوروبا. أخيرًا، في عام 1300 طُرِدَ اليهود من فرنسا وإنكلترا. لاحقاً، لمّا اندلعت الثورة الفرنسية كانت نسبة اليهود في فرنسا أقلّ من 1 بالمئة! 

صار الرُهاب جنونياً أكثر. بين عامي 1348 و1350، لمّا تفشّى الطاعون في أوروبا، ارتُكِبَت مجازر ضد اليهود في أكثر من 200 بلدة ومدينة ألمانيّة. الذرائع كانت أنّ اليهود يسمّمون آبار المياه، أو يدنّسونها سرّاً، أو بتهمة «تشهير الدم». جرائم «تشهير الدم» معروفة في ألمانيا، وتشير إلى أنّ اليهود يسعون إلى الدم المسيحي لأسباب دوائيّة علاجيّة أو طقوسيّة دينيّة، وفطورهم في عيد الفصح هو قلوب الأطفال. أزعمُ بأنّ هلع الإعلام الألماني، والحسّ الألماني السياسي العام عمومًا، من شعار «إسرائيل قاتلة الأطفال» قادمٌ من هذه النقطة. دَعَمَتْ تقاريرُ القادمين من الحملات الصليبيّة حول المسلمين، كشعب يأكل لحم البشر لأسباب دينيّة طقسيّة، صحّة الأقاويل والإشاعات حول اليهود.

في جوّ هذه القناعة بالضبط أُنجِزَت خريطة إيبستورف. رُسِمَ اليهود كآكلي لحوم البشر وتم ربطهم بقوم يأجوج ومأجوج، أعداء الآخرة. ساءت أوضاع اليهود في العالم المسيحي، وصاروا الآخرَ المطلق. سُحِقَت إمكانيّة التفرّد لدى اليهوديّ، وتمّت جوهرتهم في صفات أدَّت إلى عزلهم اجتماعيًا ومكانيًا.

ظلّوا في المخيلة المسيحيّة سجناء صندوق إيبستورف.

الآخر البعيد: تهويد الشعوب الأصليّة

في فترة الحداثة المبكّرة، لمّا تحرَّكَ الأوروبيون إلى القارّة الأميركيّة، شحنوا معهم تَصوُّراتهم عن اليهود. بقيت القناعة راسخة عند المستوطنين المسيحيين البيض بأنّ اليهود هم قوم يأجوج ومأجوج. أطلقت هذه القناعة العنان لقصص حول أصول يهوديّة مزعومة للسكّان الأصليين في أميركا. في مقال تم نشره عام 1999 بعنوان «الذكريات المحرّمة ورؤى الشتات: كولومبوس وفلسطين واليهودي العربي» انظر مقالة الكاتبة والباحثة إيلا شوحط ‘Taboo Memories and Diasporic Visions: Columbus, Palestine and the Arab Jews’ المنشورة عام 1999. ، تشير الباحثة الأميركيّة، إيلا شوحط إلى أنّ كريستوف كولومبوس اعتبرَ في رسالة إلى ملك إسبانيا أن مَهمَّته «الاستكشافيّة» استكمالٌ لعمليّة نفي اليهود من شبه الجزيرة الإيبيريّة (إسبانيا والبرتغال).

لتطهير الأندلس من أثر أي وجود إسلامي وغير مسيحي، أُصدِرَ فرمان عام 1492 عُرِف باسم «مرسوم الحمراء»، وأمر بنفي كل المسلمين واليهود. مثالُ كولومبوس، الاسم الأبرز في عالم «الاكتشاف»، إشارةٌ إلى أنّ شيطنة المسيحيّة الأوروبيّة لليهود أبحرت عبر الأطلسي، وأَلهمَت الغُزاةَ بأفكار مُسبقة حول الشعوب الأصليّة. كتبَ كولومبوس بالحرف في مذكّراته: «بعد طرد اليهود من التراب الخاضع لسيادة الملك، أمرني صاحب السمو في شهر يناير بالمضيّ قُدُمًا في عملية إخراج اليهود. وأعطاني ما يكفيني من السلاح للمضيّ قدمًا إلى مناطق الهنود».  

تعود شوحط إلى الحركة التطهّرية (البيوريتانية: من كلمة Pure) البروتستانيّة في نهايات القرن السادس عشر ببريطانيا. التطهّريون هم من أوائل المسافرين إلى أميركا، إذْ احتجّوا على تأثُّر الكنيسة البريطانيّة بممارسات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ودعوا لإزالة الطقوس والرموز والرتب والبيروقراطية الدينية التي ليس لها أصلٌ في الكتاب المقدس. استقرّ التطهّريون بأميركا، فيما كان تُسمّى آنذاك بـ«إنكلترا الجديدة» (New England)، ووصفوا أنفسهم بـ«أفضل من اليهود والمسيحيين الحقيقيين الوحيدين». التطهريّة كعقيدة هي تجاوز للطبيعة الوحشيّة للبشر، وارتقاءٌ لعلوّ الصفاء الكامل والروحانيّة المطلقة. أطلقوا على حالة العبور من الوحشية إلى الطهارة تسمية «الجنّة الثانية». 

لم تكن الأمور سلسة، إذْ بمجرّد استقرار التطهّريين في «إنكلترا الجديدة» شعروا بالريبة من الوضعيّة الدينيّة لشعوب أميركا الأصليَّة. اعتمدت شعوب أميركا الأصليَّة نظاماً دينيًا عقائديًا مختلفاً تماماً عن الديانات الإبراهيمية الثلاث، ولم يكن ممكناً إدراجها من أي زاوية في بنية الرواية المسيحيَّة. وجودُ عنصر القبائل الضائعة يفتح المجال لتهويد أيّ شيء. لأنّ كل جديد يُصادَف هو ضائع، ولأنّ كل ضائع يمكن أن يكون يهوديّاً، فإنّ اليهودي مُحتمَلٌ في كلّ مكان. اليهوديّة صارت مُعادِلَ كلّ غامض والطاقةَ المُفسِّرَة لأي غريب. وَجَدَ التطهّريون حلّاً دينيّاً لمشكلة استحالة الاستيعاب. شعوب أميركا الأصليّة هي القبائل اليهوديّة العشرة الضائعة، وستلعبُ دورًا مهمًا في تَجدُّد بزوغ ملكوت الله. وصف التطهّريون الشعوب الأصلية بـ «الوحوش»، مَنْ لم يتنّوروا عبر الطريق الصحيح للإيمان المسيحي. ولكن في ذهن المبشّرين يبقى ثمّة فرق: القبائل اليهوديّة في أميركا بريئة وليست ضائعة إلا في «وحشيّتها» و«بريّتها»، ولا تُقارَن طباعها بالخُبث المركَّب والتَحضُّر العالي لليهودي الأوروبي. لليهودي البري ميزتان عن اليهودي المُتحضِّر: لا يُحاسَب دينيّاً لأنّه لم يتلقَّ الرسالة المسيحيّة أصلاً، وبريءٌ تاريخيّاً من قتل المسيح لأنّه لم يَلتقِه أصلاً.

صاغ التطهّريون نُسختهم من حكاية القبائل اليهوديّة الضائعة في «إنكلترا الجديدة». اليهود البرابرة، أي السكان الأصليون، سيظهرون من كلّ زوايا الأرض قبل الظهور الثاني للمسيح. إثرَ ذلك، حَوَّلَ المستعمرون كلَّ الشعوب الأصلية في كلِّ أصقاع الأرض إلى قبائل ضائعة لتعجيل الظهور الثاني للمسيح. المُبشِّرون الفرنسيون مثلاً ربطوا بين القبائل الضائعة وشعب الأيروكوا، أشهر قبائل الهنود الحمر. ليس فقط عبر الأطلسي، إذْ كان المُبشِّرون البريطانيون الذين عبروا المحيط الهادئ يبحثون عن الجذور اليهوديّة للشعوب الأصليّة في الهند والصين حتّى العام 1800. على سبيل المثال لا الحصر، كتبَ المُبشِّر الألماني المعروف رينيوس C.T.E Rhenius. (1790- 1838) الذي وصلَ مع المُبشِّرين الإنكليز إلى الهند في عام 1813: «تُظهِرُ العبادات الدينيّة للطوائف الهندوسيّة، كالفايشنافية والشيفا، تشابهاً قويّاً مع النظام الديني اليهودي».

بهذا الربط، صار بالإمكان تمريرُ الأفكار المعادية لليهود إلى الخطاب الاستعماري، وصارت اليهوديّة جملةَ المقارنة في وصف أيّ آخر، وخطَّ التماس مع غير المسيحيين في المستعمرات الجديدة. تؤكّدُ شوحط أنّ مطابقة الشعوب الأصليّة في أميركا بالقبائل الضائعة أشعلَ محرّك التهويد بفتح نقطة تسرُّب تتسلَّلُ عبرها الأفكار المُعادية لليهود إلى خطاب المستعمرين الجدد. «تهويد السكان الأصليين» أدّى طبعًا إلى خلق نزاعات بينهم وبين المسيحيين الأوروبيين. في «إنكلترا الجديدة» اشتعلت حرب البيكوات (1636 –1638) العنيفة بين المستوطنين البيض وقبيلة البيكوات. بعدها بحوالي ثلاثين عامًا، اندلعت حرب الملك فيليب (1675- 1678) بين الشعوب الأصليّة والتطهُّرين المسيحيين. ارتُكِبَت فظائعُ في الحربَيْن، واستُخدِمَت أوصافٌ من القاموس المُعادي لليهود («وحشي»، «بربري»..) في خطاب التعبئة ضدّ الأميركان الهنود، وصعدت نُسخة القبائل العشرة الضائعة المُشيطِنَة لليهود إلى سطح الذاكرة.

مثل القارة الأميركيّة، لم تَسلمَ القارة الإفريقيّة من منطق مقارنة سكّانها الأصليين باليهود القدماء. مثلاً، فُهمَت «الصفات السلبيّة» لقبائل الهوتنتوت الإفريقيّة السوداء كصدى لتراثهم اليهودي المزعوم. حوالي عام 1612، أرسل المُبشِّرون الإنكليز تقاريرَ تتحدّث عن تشابُهات بين عادات الهوتنتوت وممارسات اليهود، وفي أواخر عام 1700 أكّدَ الألمانُ الخبر. في نيوزلندا، فسَّرَ المستعمرون البيض التطور العسكري والتنظيم القتالي لشعب الماوري بجذورهم اليهوديّة الخفيّة، ورصدوا «تشابهات في السلوكيّات واللغة بينهم وبين اليهود». العمق الثقافي للمُبشِّرين المُستعمِرين كان متواضعًا. ولم يكن فهمهم لـ«العالم الجديد» مُعتمِدًا على النصوص الفلسفيّة- الاجتماعيّة السائدة آنذاك، بل تركّزَ فقط على الكلاسيكيّات الدينيّة. لذلك، اعتمد المُبشِّرون على الأدبيات الدينيّة حول اليهود في تفسير الأمكنة الجديدة، وفكّ شيفرة المجتمعات «الغريبة». 

أنزلت الصفات المعروفة لليهود الضباب على الصفات غير المعروفة للسكان الأصليين.  

والحال فإنّ اليهوديّة ديانة، وسكان المستعمرات أعراق. هنا يطرأ تحوّلٌ حاسم: استخدامُ التراث المعادي لليهود في خطاب الاستعمار حَوَّلَ اليهودية إلى عرق. بعبارة أخرى، استحضارُ أوصاف دينيّة في تشخيص الأعراق، يُحوِّلُ الدين الذي تُستَلُّ منه هذه الأوصاف إلى عرق مستقلٍ. المؤرخ الإنكليزي جون بيغلاند (1750- 1832) فتح باب «عَرقَنة» اليهود بمثاله المشهور عن «رجل إنكليزيّ التقى بهندي كشميري، فصاح فورًا: يهودي». بيغلاند هو من أوائل المُنظِّرين حول مفهوم العرق في الثقافة الأوروبيّة، ومقالاته المدرسيّة أُدخِلَت سلك التعليم. صرخة الرجل الإنكليزي هي دليلُ بيغلاند على أنّ اليهود قادرون على نقل صفاتهم الوجهيّة، وخصوصًا جلدهم الفاتح، عبر التاريخ. مورِّثات اليهود منيعة أمام التأثّر بخطوط التزاوج مع شعوب أخرى. النظرية العرقية الأوروبية الحديثة، حقَّقت التحوّل من معاداة اليهوديّة إلى معاداة الساميّة. 

تحويلُ الأعراق الأخرى إلى يهود، حَوَّلَ اليهوديّة إلى عِرق.

 نقطة أخرى؛ التقسيم بين السكّان الأصليين والأوروبيين البيض لم يكن مكانيًا فقط، بل كان زمانيًا أيضًا. في الفترة الاستعماريّة، كانت الفكرة السائدة لدى الأوروبيين بأنّ السكان الأصليين يعيشون في الماضي. ولأنّ السكان الأصليين يهود، خلق هذا التقسيم الزمني نوعَيْن من اليهود: يهود الماضي؛ السكّان الأصليّون الوحوش النبلاء، ويهود الحاضر؛ الجشعون الطمَّاعون أعداء الداخل. يهود الأمس يعيشون في أصقاع الأرض، ويهود اليوم مرضٌ مزمنٌ في جسد أوروبا المسيحيّة. المُستعمِر الألماني المشهور كارل بيترس (1856- 1918) مَدَحَ اليهودي الماضوي، اليهود المُقنَّعين على شكل سكان أصليين، ليُبرِّرَ سهامه المسمومة المعادية للساميّة ضد يهود الحاضر، المتحكّمينَ بجذور الأشياء والمهووسين بالنقود. وصفَ بيترس جماعة سكانية بالقرب من منطقة روديسا في جنوب إفريقيا: 

«هذا الشعب فعلاً من النوع اليهودي. وجوههم مقصوصة كوجوه اليهود القدماء، مَنْ عاشوا حول عدن. كيف يصففون شعرهم، والتجاعيد خلف آذانهم، ولحيتهم المُنسَّقة في تجعيدات فردية كشلالات، تعطيهم مظهر يهود عدن. يهود عدن هم يهود من النوع الجيد القديم النبيل». 

لم تَسلَمْ دوائر التنوير الأوروبي من هذا الوباء بعد اكتساح النظرية العرقية الحديثة المشهد. الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694- 1778) كتب في عام 1764 مقالاً وصفَ فيه اليهود بآكلي لحوم البشر. وشَيَّدَ الفيلسوف التجريبي الإنكليزي ديفيد هيوم (1711- 1776) هرمًا للأعراق وضعَ القبائل الجرمانيّة في دركه الأسفل لطباعهم «البدائيّة».  كردٍّ، افتخرَ أوّل المستكشفين الألمان لإفريقيا، كارل ماوخ Karl Mauch (1837- 1875) بالبدائيّة.  البدائيّة هي عُذريّة العِرق، وصَّكُ براءته من تهمة التلوّث. 

الهوية الشرقية: مُعاداة اليهودية ومُعاداة الإسلام

والحال، فقد شكّلت الإمبراطوريّة البيزنطيّة نقطة التماسّ الأوروبيّة الأولى مع عالم المسلمين. قلقُ البيزنطيين من التوسّع الإسلامي دفعهم لرسم صورة وحشيّة ونشر قصص مرعبة عن المسلمين. الهدفُ كان تحذيرَ الداخل الأوروبي من رُعبِ القادم، وتحويلَ الخوف إلى دعم عسكري واسع. تشبيه المسلمين باليهود في الخطاب البيزنطي هدفه جعل الخطر داهمًا ومحسوسًا أكثر للأوروبيين. ولهذا الهدف، تقاطعت قصص البيزنطيين عن المسلمين مع التراث الأوروبي المعادي لليهود، إذْ اشتكى البيزنطيون بأنّ المسلمين يمنعون المسيحيين من الوصول إلى الأماكن المقدّسة، وأرسلوا تقارير عن تدنيس الكنائس واغتصاب الراهبات، وأكّدوا ممارسة المسلمين لطقوس دينيّة سريّة يدفنون فيها الأطفال الرضّع أحياء، والتقاطع الأبرز: يأكلون لحم البشر. 

أكثر من ذلك، اكتشف البيزنطيون وجود تشابه بنيويّ بين اليهوديّة والإسلام. بعض أدبيّات الحروب الصليبيّة، مثلاً، فسّرت القوانين المحمّديّة كإعادة بعث لقوانين موسى القديمة، واعتبروا فتح القدس على يد صلاح الدين عودة للمدينة إلى القانون اليهودي القديم. آمنت المسيحيّة بأنّ أراضي المسلمين مُستوطنة من أحفاد سام (أحد أبناء نوح)، وبأنّ أم محمّد يهوديّة. على العموم، التصوّرُ المسيحي عن الإسلام تركّزَ على مصدرين: التراث اليهودي حول الإسلام، والتراث المسيحي المعادي لليهود. 

كلّ هذه الآراء، وبدون أيّ احتكاك حقيقي مع القرآن والإسلام والمسلمين، بل انطلاقًا فقط من اليهوديّة وعدائها. حتّى قبل الحروب الصليبيّة، لم يستثمر الأوروبيّون أي جهد في فهم الإسلام، وبقي دينًا غامضًا. اعتُبِرَ المسلمون هراطقة فكريًا ومرتدّين في مجتمعاتهم ومكروهين من ناسهم. نَزْعُ الإيمان عن المسلمين، ووصفهم بالوثنيين والكفار، كان أساسيًا في خطاب التعبئة فترة الحروب الصليبيّة. ازداد الاهتمام بالإسلام تدريجيًا لأسباب سياسيّة وعسكريّة، وفي عام 1143 أنهى رئيس دير كلوني، الراهب بطرس المحترم (1092- 1156) أوّل ترجمة للقرآن إلى اللاتينيّة. الترجمة الأولى للقرآن حصلت بعد أربعة قرون من نشوء الإسلام، وحوالي نصف قرن من حرب مع المسلمين. كُلِّفَ بطرس المحترم («المُبجَّل» في تسميات أخرى) بمشروع الترجمة في مدينة توليدو بإسبانيا، وكان هدف الترجمة «اعرف عدوّك». يشير الباحث والمؤرّخ البريطاني، نويل مالكوم (66 عامًا) انظُر كتاب الباحث والمؤرّخ البريطاني، نويل مالكوم Useful Enemies: Islam and The Ottoman Empire in Western Political Thought، الصفحات 1450 حتّى 1560. ، بأنّ بطرس المبجّل، وهو يترجم القرآن، بقي مشغولاً بهاجس تثبيت الحدود بين المسيحيّة واليهوديّة. بعد الترجمة، توصّلَ لاستنتاج بأنّ اليهود الفاسقون أسوأ بكثير من المسلمين. على الأقل، المسلمون لا يتنصّلون من المسيح، مثل اليهود، والمسيح مذكورٌ في القرآن مباشرة أكثر من مرّة. 

ملاحظات بطرس حول الإسلام فتحت نقاشًا جديًا في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بأنّ المسلمين مُرشَّحون أكثر للتحوّل إلى المسيحيّة من اليهود. الكالفينيّة المسيحيّة طرحت فرضيّة مُناقِضة تماماً، اليهود مرشّحون أبديّون للتحوّل إلى المسيحيّة، كما هو مذكورٌ في «كتاب الرؤيا»، بعد الانتصار على الامبراطوريّة العثمانيّة. ولكن على العموم، أكّدت المؤسّسات المسيحيّة على أولويّة محاربة اليهودية على محاربة الإسلام. في عام 1146، عندما كان رجال الدين المسيحيّون يتفاوضون من أجل مسألة تمويل الحرب الصليبيّة الثانية، ناقشَ البعض مسألة «لا جدوى صحّة خوض حرب في الخارج، ما دام اليهود، أعداء المسيح الحقيقيون، يعيشون بيننا». طالبوا بالانتقام أوّلاً ممّن صلب المسيح وغدر به، ومن ثمّ الذهاب لقتال الأتراك. وهذا ما حصل، قبل الحروب الصليبيّة بقليل، وتحديدًا في ربيع عام 1096، تعرّضت التجمعات اليهوديّة في منطقة الراين بألمانيا الحاليّة إلى هجمات مروّعة ضد اليهود من قبل الصليبيين الغُزاة والمزارعين المحليين.

لم يتعرض اليهود والمسلمون إلى الهجوم في فلسطين فقط، بل داخل أوروبا في فترة الحملات الصليبيّة، والتي تُوِّجت بـ«مرسوم الحمراء» ونفي المسلمين واليهود من شبه الجزيرة الإيبيرية. وبالتزامن، عملت القوانين الكنيسة على وضع اليهود والمسلمين تحت نفس القيود القانونية. ورغم أنّ السلطات المسيحيّة عقدت هدنة مؤقتة (Modus Vivendi) مع المجتمعات الإسلامية تحت سيطرتها، إلا أنّ الثقافة المسيحيّة العامة عمَّقت موقفاً سلبيًا من المسلمين. المسلمون، كاليهود، أعداءُ الآخرة وغُزاة نهاية العالم وأمّة من المُدمِّرين. أَثَّرَ كتاب نهاية العالم الزائف لمؤلّفه المجهول ميثوديوس، والمكتوب في أواخر القرن السابع على بعض التصوّرات حول المسلمين في الثقافة المسيحيّة. ميثوديوس يصف «أولاد إسماعيل» كغُزاة متوحشّين، والمقصود بهم العرب المسلمون. النصّ المليء بالكراهية والمكتوب بالسريانيّة تُرجِمَ إلى اللاتينية، وانتشر بشكل رهيب في أوروبا الغربيّة. «أولاد إسماعيل» سيقضون على المسيحيّة ويرتكبون مذبحة بأهلها، ويحوّلون الناجين إلى عبيد. الإصلاحيُ البروتستانتي مارتن لوثر (1483- 1546)، أشهرُ من نار على علم، أَكّدَ أن غزاة نهاية العالم، قوم يأجوج ومأجوج، هم الأتراك المسلمون. وفي نصّ له بعنوان «حديث المائدة»، وضع المسلمين واليهود في نفس المرتبة الدنيا للكاثوليك! 

عند مالكوم، لم يتقاطع خطابا معاداة اليهود ومعاداة الإسلام في اللحظة الاستعمارية، بل حصل التشابك في القرون الوسطى. خُلِقَ مساران متداخلان من تهويد المسلمين وأسلمة اليهود. الادّعاء هو أنّه في القرون الوسطى، انطلق الخطاب المعادي للإسلام من الأفكار العنصرية حول اليهود، وفي الفترة الاستعمارية، طوَّرت كراهية الإسلام الحسَّ المعادي لليهود. مثلاً، نُقِلَت الأوصاف الاستشراقية حول المسلمين في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر «من الشرق إلى الغرب»، وطُبِّقَت على اليهودي الأوروبي. الخطاب المعادي للساميّة في فترة الاستعمار الحديث أصرَّ على الهوية الشرقيّة والإسلامية الضامرة لليهود الأوروبيين. وكأنَّ الهوية الشرقيّة وعاءُ انصهارٍ لمعاداتي اليهود والمسلمين. الهوية الشرقيّة مزيجٌ من الانحراف الجنسي والتضاد الجوهري مع فكرة الدولة والفساد المالي والتسلّط القمعي… وطبعًا النزعة المعادية للمرأة! 

«تسويد» اليهود: الدم المتبخّر

فتحت الممارسات الاستعماريّة، وتحديدًا العمل القسري للسود في معسكرات الاعتقال، إمكانيات جديدة للتعامل مع اليهود داخل أوروبا. استغلال السود جسديًا في الإنتاج ألمحَ إلى احتمالات فيزيائية في التعامل مع الجسد اليهودي. إمكانية الاستفادة الإنتاجيّة من اليهود طُرِحَت أوّلاً في فترة الإمبراطورية البروسية (1701- 1918)، إذْ صار الموسومون بنجمة داوود مُطالَبين الآن بإثبات حقّهم في الوجود مقابل «قيمتهم الاستعماليّة» للدولة بلغة ماركس. وفعلاً، طُرِحَت أكثر من مرّة فكرة إجبار اليهود على العمل في معسكرات في شرق الإمبراطورية البروسية. بين عامي 1774 و1819، تمّت مناقشة أكثر من 40 مسوّدة مهووسة بنقل اليهود للعمل في مزارع قصب السكر خارج أوروبا.

تسويد اليهود وتهويد السود وَصَلا إلى الذروة في منتصف القرن التاسع عشر، إذْ كان الرحالة الأوروبيون يُسجّلون ملاحظات عن تشابهات بين اليهود والسود في أسفارهم، دفاعًا عن قرابة مزعومة حصلت في لحظة ما بالتاريخ. الكاتب الليبرالي والأرستقراطي البولندي آدم غوروفسكي Adam Gurowski. (1805-1866)، كتبَ واصفاً السكان الأصليين غداة وصوله إلى الولايات المتحدة عام 1849: «كل شخص ذو بشرة داكنة ومخلوطٌ من دماء بيضاء وسوداء هو يهودي». تعبيراتهم الوجهيّة وسلوكيّاتهم الجماعية كانت مألوفة له من اليهود البولنديين. السكان الأصليون في أميركا واليهود البولنديون ملطّخون بلون غير مُستقِرٍّ بين الأسود والأبيض، مع الشفاه السميكة والشعر المجدول. في كتابه «أوروبا وأميركا» (1857)، تساءل غوروفسكي إذا ما كان الخطأ اللوني قد حدث إثرَ تزاوجٍ بين اليهود والمصريين القدماء، إذْ كتب: «أليس من الممكن أنّ هذا الخطأ اللوني عند اليهود قد حصل إثر الاختلاط مع المصريين قبل نفيهم؟». 

العُنصري ذات الصيت، الروائي الفرنسي آرثر غونيو (1816- 1882)، أشار في كتابه عدم مساواة الأجناس البشرية (1853) إلى أنّ اليهود تلوّثوا باللون الأسود في عصور ما قبل التاريخ، ما هبط بهم إلى أسفل مراتب العرق البشري. بحسب غونيو، بنو إسرائيل هم الفرع الأسود من الشجرة اليهودية، وحصل الخلط عندما عاشت أمّ يهودية مع السود في كهف بإفريقيا. التواصل الحياتي مع السود أضعفَ من نزعتها اليهودية البيضاء، وهذا ما يُفسِّر بقاء ثمار هذا الغصن الأسود في مستوى بدائي من الحضارة. حَدَّدَ الأرستقراطي الفرنسي مصدر التسرُّب الأسود، إذْ أنّه من قبائل البوشمن الإفريقية (شعب «سان» بتسميات أخرى). بنو إسرائيل غير قادرين على التراكم الثقافي، وعلى كلّ قطرة دم سوداء تجري في عروقهم أن تتبخَّر في وجه الحضارة الحديثة، تماماً كما تبخَّرت دماء شعوب أميركا الأصليّة. استثنائيّة غونيو كأشهر مُعادٍ للساميّة في التاريخ الفرنسي هو انطلاقه من مفاهيم عنصرية بدائية، وتحديدًا فكرة «الأعراق الميتة» و«تبخُّر الدم الأسود» للتحضير الذهني لإزالة اليهود. السود شعب ميّت فكريًا وغير قادر على الإنتاج الرمزي المُركَّب، ومصيره الزوال الحتمي بحسب الانتقاء الطبيعي للأقوى والأذكى. سَكْبُ السوادِ في الدماء اليهودية، لتمرير فكرة «الأعراق الميتة» إلى الخطاب المُعادي للساميّة، هو تجهيزٌ نفسي واجتماعي لاحتمالية إبادة اليهود في أوروبا. 

كَركتَرٌ آخر، هو عالم الاجتماع الألماني- البريطاني هوستن ستيورات تشامبرلين Houston Stewart Chamberlain. (1855- 1927)، جمعَ المجد من أسوأ أطرافه: النظرية الإنكليزية العرقية الحديثة، والرُهاب الألماني التقليدي من اليهود. أَثَّرَ تشامبرلين مباشرة في الاشتراكية الوطنية وسكنَ العقلَ الباطن لهتلر، وعلاقةُ المصاهرة مع فاغنر حجزَتْ له كرسيًا مرموقاً على الطاولة الثقافية النازيّة الضيّقة. في كتابه الأبرز أُسس القرن التاسع عشر (1899) أعطى تشامبرلين وصفاً مُركَّبًا للساميين بأنّهم «العرق الأكثر اكتمالاً لأنّه ثمرة تلقيح البيض بالسود». اليهود وسيطٌ بين البيض والسود، وحدد لحظة دخول اللطخة السوداء باتصال إنجابي بين نوح وامرأة سوداء أنجبَ منها ابنه سام. نقلَ تشامبرلين أفكار كراهية اليهود من القرون الوسطى إلى صلب خطاب الدولة الألمانيّة الحديثة. ورغم َأنّ ألمانيا شهدت فترة تعاطف قصيرة نسبيًا مع السود في العقد الفيلهمي (1890- 1914)، إذْ تعاطفت النخب السياسية مع ثورة العبيد في الولايات المتحدة وتحمّست لمُخرجات الحرب الأهلية الأميركيّة، إلا أنّ هذا التعاطُف اختفى تماماً بمجرّد دخول ألمانيا في نادي الدول الاستعمارية وتورّطها في ثالوث الاستعمار: الحرب الإبادية والاتجار بالسود والعمل القسري. 

أشهرُ المُدافعين عن سواد اليهود هو الصحافي الألماني فيلهالم مار (1888- 1945)، الأب المؤسس لمعاداة السامية في ألمانيا، ومن روّجَ المصطلح فعليًا وأدخله إلى الثقافة العامة بألمانيا. خاضَ مار «تدريبًا» في العنصرية أثناء إقامته في أميركا، وعند عودته إلى مدينة بريمن بألمانيا زرعَ الأفكار المعادية للسود في التربة الألمانية الكارهة لليهود، لتُزهر أشد مصطلحات القرن العشرين عنفًا: معاداة الساميّة؛ ابنة التزاوج بين مُعادة اليهود والعنصرية الاستعمارية، بقابلة قانونية هي النظرية العرقيّة الحديثة. 

السُجناء الجدد

أثناء إقامته في برلين في نهايات القرن التاسع عشر، أوضحَ دو بويز الطابع الاتّصالي بين معاداة اليهود وخطابات العنصريّة الاستعماريّة. تَتبُّعُ تاريخِ أيّ خطاب عنصريّ يعني وقوعاً حتميّاً في خطابات عنصريّة مجاورة، يقول: «خطابات العنصرية أنهارٌ متصلة بشكل لولبي وليست خطوطًا مستقيمة متوازية». وأي محاولة لعزل وتفريد خطاب معيّن وادّعاء نقائه التاريخي هي فعل سياسي. لا يمكن فصل معاداة الساميّة عن رُهاب الإسلام، كما يحصل في ألمانيا منذ السابع من أكتوبر.

خلقَ هذا الفصلُ وضعاً مُشوَّهاً، تُشيرُ فيه عبارة مكافحة معاداة السامية إلى مُتَّهم واحد: اللاجئون المسلمون. وإلا فكيف يتجرّأ سياسي ألماني من الحزب المسيحي، فريدرش ميرتس، من مكان «صدَّرَ» معاداة اليهود، أن يُحذِّرَ من «استيراد» معاداة الساميّة تبريرًا لعمليّات ترحيل اللاجئين؟ كيف تستخدم صحف ألمانيّة عبارات من الخطاب المُعادي للساميّة مثل «البرابرة بيننا» و«مظاهرات داعمي الوحوش» في إشارة إلى المنددين بوقف الإبادة؟ أين الاتّساق في وقوف سياسيين من حزب البديل AFD، منهم من ترحّموا علناً على «نِضال» الجنود الألمان في الحرب العالميّة الثانية، في الصفوف الألمانية في خطاب مكافحة مُعاداة السامية؟ 

اللاجئون هم الآخرُ المُطلَق الجديد، السجناء الجُدد في صندوق إيبستورف… الذي، كما يبدو، لا يجب أن يبقى فارغًا.