يستحق أبو زيد عفّوف المكانة الكبيرة التي نالها بين مطربي الغوطة سريعاً، وأن تُصبح صورة صفحة طرب شامي غوطاني على فيسبوك صورته هو، أحد مطربي الجيل الشاب المحليين في الغوطة قبل الثورة. فبرغم أنه لم يَكُن أفضل مُطربيها صوتاً أو أداءً، وبرغم قصر مسيرته الفنية، مثَّلَ عفّوف حالة اكتمال أركانها الفنية والاجتماعية، من خلال اتجاهه أكثر من غيره إلى توظيف تفاصيل الحياة اليومية وسِمات المجتمع الغوطاني في أغانيه، وتعديل كلمات بعض الأغنيات وألحانها لتصبح غوطانية الروح، وكذلك انضمامه للثورة.

وإن حقَّ ليَ التصنيف، فيمكن اعتبار أنّ مطربي الغوطة الأهم لحظة انطلاق الثورة هم محروس الشغري، وأبو نعيم القابوني، وأبو زيد عفّوف. لم يكتفِ الأول بتأييد الأسد، بل كان من قادة «جيش الوفاء» الذي حارب إلى جانب قوات النظام على جبهات دوما. فيما وقف أبو نعيم على الحياد، وخرج إلى لبنان قبل أن يعود إلى مناطق سيطرة نظام الأسد مؤخراً. أما أبو زيد الذي كان يجعلُ الشبابَ يتهافتون إلى مظاهرات حرستا ليسمعوه يهتف ويغني، فقد ذهب بعيداً بعد استشهاد أخويه تحت التعذيب، وقاد مجموعة مُسلَّحة ثم اختفى قسرياً حتى يومنا هذا.

وفيما تبدو الحركة الفنية الغوطانية غير ذات شعبية خارج ريف دمشق، ربما لِشُحّ أغنياتها الأصلية، واقتصارها على إنتاج المواويل المُسماة «السبعاوية»، وإعادة إنتاج بعض الأغنيات التراثية، لكنها حاضرة بكثافة في معظم البيوت الغوطانية وحفلاتها وأعراسها، ويعرف معظم الناس في الغوطة كل مطربيها ويكاد يقتصر سماعهم عليهم. وقد حاز أبو زيد مكانته فيها سريعاً.

ولد أحمد فاروق عفّوف عام 1986، لعائلة فقيرة في حيّ الجسرَين في حرستا. درس حتى الابتدائية وعمل في مقتبل عمره بلَّاطاً، قبل أن تجمعه صدفة بالفنان المؤيد للنظام حسام جنيد الذي سمعه يغني لمُطربَيه المُفضَّلَينِ من الزمن الجميل؛ أبو عبدو العترماني وأبو رياح الميداني، فأقنعه بامتهان الفن. أخذ أبو زيد منذ العام 2005 يغني في السهرات والأفراح، ملتصقاً أكثر بالأحياء الفقيرة، وبدأ ينالُ شهرته منذ 2008 ويشارك مطربي الغوطة المعروفين في حفلاتهم، بمظهره الجذاب ورقصه الحماسي ورأسه الحليق دوماً، مع ذقنه السوداء وجسده الرياضي بفضل عمله الشاق، ولبسه للقميص المفتوح حتى الزر الثالث أو الرابع مع حفاظه على لبس القميص الداخلي الأبيض ذي القَبَّة الضيقة، كما جرت العادة لدى الشغِّيلة للحفاظ قدر الإمكان على نظافة ثيابهم الخارجية.

مُنتقياً ما يُحبّه من الأغاني التي أدّاها أبو عبدو وأبو رياح، أدَّى مثلاً: «يا ولد لفلَّك شال، وتعلَّم شغل الرجال» لرفيق سبيعي، التي كتب كلماتها شاكر بريخان ولحنها مصطفى نصري، فأدخلَ تعديلات على إضافاتها ليُغنيها: «هالحالة مَنّا حالة، نصّ العالم بطّالة، أنا بحيي العتّالة، كل واحد فيهن رجَّال»، تقديراً لوالده الذي كان يعمل عتّالاً، أو في موضع آخر: «قوم اشتغل قوم عْتَال، الله بيحبك رجَّال». وانتقدَ الأوضاع المعيشية: «يلعن هالعيشة، ما فيها مصاري»، ومَجَّدَ غير المتعلمين بشقائهم للُقمة العيش في قوله: «كار الجاهل أحلى كار، الله اسمو الستَّار، بس لا تلعب بالقمار». وكذلك أدى أغنية أبو سليم الطبل «ما حدا بيعرف شو رح يصيبو» التي غَنَّاها أبو رياح الميداني مع إضافة: «ابعد عن الناس، لا تشاكل مخلوق. لولا الضرورة، ما بنزل عالسوق. بتصادف جارك، قميصو مشقوق. بتطعميه وبتسقيه، بيفرفش بيروق. وكل ما يروق شوي، بينجّرلك خازوق». وغنى لـ«الخمساوتلاتين والهارلي والياماها والعيتاني والبطح»، وهي من أنواع الموتورات التي تحوز بين شباب الغوطة وأرياف سوريا عموماً مكانةً أسمى من السيارات، لكن دون أن ينحاز لموديل معينٍ في الجدال الشائع: «أيّ موتور أَرجَل؟» الذي حضرتُهُ شخصياً عدة مرات في الغوطة. وغنَّى أبو زيد كثيراً للكَيف والخمر، ولم يتخلَّ عنهما حتى اختفائه. وبرغم عدم التيقُّن أحياناً إن كان هو صاحب إجراء هذا التعديل أو إضافة ذلك المقطع، لكنَّ انتقاءه لغناء التفاصيل الحياتية واللَّفتات الاجتماعية، وذكر المناطق الجميلة في الغوطة مثل «الغيضة» في بلدة جسرين، أعطاه ثيمة الالتصاق بالمحليّة الغوطانية أكثر من غيره من مطربي الغوطة، ليصل الأمر بمن يسمعه أن يشعر كأنه يرى الغوطة ويستحضر حياتها ومجتمعها.

أما أكثر ما نال شهرة ممّا أداه فهو أغنية «اشتقنا يا حلو»، المُختَلَف على أصلها. ففي حين يصرُّ البعض على أنها من كلمات عبد الجليل وهبي وألحان سليم الحلو وغناء سميرة عبده التي سجَّلتها في الخمسينيات في إذاعة بغداد، وغناها من بعدها الكثير من المطربات والمطربين، يصرُّ أهل مدينة ينبع في السعودية على أنها من فولكلورهم، وهو ما قد يكون أقرب إلى الصواب وأكثر تفسيراً للَهجة الأغنية وشعبيتها في مختلف البلدان، باعتبار أن مدينة ينبع تقع على شمال البحر الأحمر بالقرب من بلاد الشام ومصر. وقد قام أبو زيد بغَوطَنتِها وأضاف لها بعض المقاطع، لتصبح أغنية ثابتة في كل حفلاته، وتلقَّفها مطربو الغوطة من بعده كما غناها.

غنى مواويلَ للسجن والموت، وفي الثورة بدأ يخرج في المظاهرات بشكل شبه يومي، ويعمل مع تنسيقية حرستا ويتشارك مع أبي سعيد الدحدوح رحمه الله الهتاف. ويقال إن المظاهرات المسائية (أي غير المنتظمة كمظاهرات أيام الجمعة) كانت تصل إلى ضعف العدد المعتاد عندما كان يقودها أبو زيد، ويُسمَع في هذا المقطع صوته دون ظهور وجهه في أي من فيديوهات المظاهرات المنشورة حينها للأسباب الأمنية المعروفة، ودون أن يبرز كأحد وجوه الثورة في حرستا كما جرى مع آخرين بعد تحريرها، قبل أن يختتم مسيرته بموال «مسكين يا ناس اللي انظلم بحال الحرب»، الذي تَظهر فيه لوعتُه على أخويه ونقمته على الأسد لقتله الكثير من البشر.

كان هذا الموّال قبل أن يختفي بعشرين يوماً، وهكذا لم تتجاوز فترة حياته في الثورة خمسة أشهر، عاشها بزخم الأحداث الشخصية والعامة، ولم يسعفه الزمن بنضج تجربة الفن الثوري لديه، وتقديم المزيد على شاكلة الموّال المذكور الذي يبدو أنه لا يندرجُ في موجة الأغاني والأناشيد الثورية السائدة حينها، بل حافظَ على البناء التقليدي في استهلاله الموّال بالشوق والفراق والوصال كما جرت العادة العربية في الشعر، قبل أن ينتقل إلى مَزج الأسى بدعوته المبكرة إلى حمل السلاح في الغوطة، ثم تلبيته لها بنفسه.

يمكن أن نتلمَّسَ في ما قدَّمه أبو زيد بقايا الأغنية السورية الشعبية التي فقدت فُرصتها في الازدهار والتطور لأسباب لا يَسعنُا ذكرها هنا، لكن دون أن نُحمِّله أكثر مما يحتمل في تقديم إضافة فارقة فضلاً عن أي تجديد. غير أن صَوتَه الجَهوري وطريقة غنائه ومظهره واختياراته، أمورٌ جعلتْه يفترق عن الخط العام لمطربي الغوطة ليُكوِّنَ حالته الخاصة التي أضحت في قمة الفن الغوطاني بالنسبة لكثيرين، دون أن يشفع له ذلك في مصير أقل وطأةً من الاختفاء القسري.

لا أحد حتى اللحظة يعرف ما حدث معه، ففي حين يقول البعض إن النظام اختطفه في ذلك اليوم الذي صادف نهار ليلة القدر أو اليوم الذي سبقها، أي 26 أو 27 آب (أغسطس) 2011، والذي لم تكن مناطق السيطرة فيه مستقرة بين مجموعات الجيش الحر الناشئة حديثاً وجيش الأسد، يُرجِّح آخرون أنه خُطف من مقاتلين في حرستا كان على خلاف معهم، خصوصاً أنه اختفى مع موتوره. وكما كل حالة اختفاء قسري، وصلت إلى مسامع أهله شتى الروايات، منها أنه لدى النظام الذي كانت حواجزه منتشرة في المدينة، ومنها أنه قُتل على يد مقاتلين كان على خلاف معهم على الغنائم وصبّوا إسمنتاً فوق جثته، أو أنه قُتل على يد مجموعات إسلامية حديثة التشكُّل حينها بحجة موبقاته. 

ومهما تكن هوية من خطفه، فانطواءُ صفحته سريعاً وعدم إثارة اختفائه لأي ضجيج أمورٌ تثير من الحيرة بقدر ما تثير من الأسى على المصير المجهول لأحد أشهر مطربي الغوطة، دون أن يتواجد اسمه في قوائم المنظمات الحقوقية لا بين القتلى ولا المختطفين، ودون أي كلمة منشورة عنه، ودون أي حراك من فصائل مدينته حرستا للكشف عن مصيره، لتبقى أمه في حسرتها على ولدها المُغيَّب وولديها الآخرين الشهيدين تحت التعذيب وزوجها الذي مات حسرةً على أولاده.

كان النسيان لحكايته أسرع من شهرته السريعة، وربما كان لأفعاله خلال قيادته لمجموعة مسلحة يدٌ في ذلك، فقد شَبَّهه بعض ناشطي حرستا بأبي علي خبية في دوما، أي مزيج من الشجاعة في قتال قوات الأسد، مع إدمان الحشيش والخمر وقلّة الحساسية تجاه ارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين وممتلكاتهم، والابتعاد عن التوجه الإسلامي الصاعد وانعدام الرغبة في الانضباط في تنظيم عسكري. لذا، وإن كان أبو علي خبية قد صمدَ حتى العام 2015، فإن مصير القتل أو الخطف أو التهميش أو الهرب خارج الغوطة كان المصيرَ المحتوم لأمثال هؤلاء القادة المحليين، ولم يكن أبو زيد استثناءً بينهم، سوى أنه قد غنى لمصيره سلفاً: «البني آدم يُقتَل في هزِل».