في منتصف كلّ موسمٍ رمضاني أو في نهايته تنتشر الشائعات عن الأجور الهائلة التي يتلقّاها نجوم الصف الأول في المسلسلات السورية، والتي تصل إلى مئات آلاف الدولارات وربما إلى مليون دولار، وذلك بحسب ما كشفه موقع بزنس برس هذا العام. هذه الأرقام ليست مفاجِئةً ولم تعد غريبة في سوق الإنتاج الرمضاني، ومها كبرت فإنها لا تضاهي الأجور في المسلسلات المُنتَجة في بعض الدول العربية، ولكنها كبيرةٌ جداً لدى مقارنتها بالعناصر الأخرى للمسلسلات، مثل العاملين الفنيين والممثلين المُتخرّجين حديثاً من المعهد العالي للفنون المسرحية أو الوجوه الجديدة غير الأكاديمية.

لا يحصل فنّيو الديكور والإضاءة والصوت أو الممثلون غير النجوم على أجور مُنصِفة، وأكثر من ذلك لا يُسمح لهم بالحصول على نسخةٍ من عقد العمل، الأمر الذي أكدّته مصادر عدّة عاملة في قطاع المسلسلات السورية للجمهورية.نت. تحتفظ شركة الإنتاج بنسخة العقد الوحيدة، وقد تُرسِل نسخةً منها إلى نقابة الفنانين السوريين. وحدهم الممثلون النجوم «الذين صنعوا أسماءً» يحصلون على نسخةٍ وفق شروطهم تخوّلهم المطالبةَ بما يريدون لأنهم الورقة الرابحة للعمل. عدا ذلك، فإن كل ما يخص الأجور وشروط العمل «يسير على التياسير» وفق تعبير منى (اسم مستعار)، وهي ممثلة متخرجة من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

«ولا مرّة اشتغلت وكان فيه عقد بإيدي. بقرأ العقد مرّة وِحدة وبحس إنه حلو ومنصف، ومكتوب بداخله طرف أول وطرف تاني أو فريق أول وفريق تاني وشويّة كليشيهات جاهزة تبدو منصفة، وما بلحق أرجع شوفه مرة ثانية، وأصلاً مو مهم لأن ما رح اِستفاد شي». في أحد الأعمال التي قدَّمتْها، اتفقت منى مع الإنتاج على مبلغ 3000 دولار مقابل بضعة مشاهد. في النهاية لم تحصل سوى على 400 دولار دُفِعت بشكلٍ متقطّع، ولأنها لا تمتلك نسخةً من عقدها «فلم يكن بمقدورها التصرّف» بحسب قولها. في المقابل، يحق للطرف الأول، وهو شركة الإنتاج السورية، التصرُّف في حال «طَفَش الممثل» أو حصل أيُّ تصرفٍ يُخل بشروط العقد. أما الطرف الثاني، وهو في هذه الحالة الممثل أو العامل الفني، فحقوقه غير مضمونة. لا يقتصر الأمر فقط على عدم الوفاء بالأجور المُتّفق عليها، وإنما يصل أحياناً إلى تجاهل أي سوءٍ قد يحدث معه في موقع التصوير؛ مثل التعرض لإصابة أو حادثٍ ما بحسب رواية منى.

البدايات

عام 2016، نشرت جريدة الأخبار اللبنانية تقريراً حول مشاكل أجور العاملين في المسلسلات التلفزيونية السورية، إذ يحصل البعض على مستحقاتهم بالدولار وآخرين بالليرة السورية دون اهتمام بأي انخفاضٍ حاد في قيمة الليرة السورية خلال فترة العمل التي تستمر لشهور عديدة. وفي تعليقها، قالت ديالا الأحمر صاحبة شركة غولدن لاين في التقرير إن الشركة «تدفع أجور البعض بالدولار وفقاً لمكانتهم الفنية، وعدا ذلك فهي تدفع بالليرة السورية». وتكمل الأحمر بأن «الأسماء الكبيرة تساهم في تسويق العمل، بينما لا يقدّم الآخرون شيئاً لعملية التسويق».

من الجدير بالذكر أن شركة غولدن لاين أُغلِقت بالشمع الأحمر بتهمة التعامل بالدولار عام 2020، وتم إيقاف نايف الأحمر، شريك ديالا، ومصادرة بعض المبالغ، لترد ديالا الأحمر ببيانٍ أوضحت فيه أن «السوق العربي يفرض التعاملات بالدولار، لذا من الطبيعي وجود مبالغ كهذه لدى الشركة». حُلّت المشكلة بعد فترةٍ قصيرةٍ مع الإفراج عن نايف الأحمر لتعود الشركة إلى عملها المعتاد.

غير أن مشكلة الدولار والليرة السورية ليست هي الأزمة الحقيقية في ما يخصُّ دفعَ أجور العاملين في المسلسلات كما يرى يوسف (اسم مستعار)، وهو ممثلٌ انتظر طويلاً بعد تخرّجه من المعهد العالي للفنون المسرحية للحصول على دورٍ في مسلسل، ليرى في النهاية أن الانتظار لم يكن يستحق: «بعد نهاية تصوير المسلسل وصلت قيمة أجري إلى النصف بسبب هبوط سعر الليرة  أمام الدولار. أزعجني الأمر، ولكني علِمت من بعض الزملاء من خريجي المعهد من مختلف التخصصات أني محظوظ لحصولي على أجري كاملاً – رغم انخفاض قيمته – كما هو في العقد وفي الوقت المناسب». يقول يوسف إنه لم يستغرب كثيراً، ففي عام 2017 فضحت ممثلةٌ إحدى شركات الإنتاج التي لم تدفع لها كامل الأجور على عملٍ تم إنتاجه في الإمارات. استخدمت الممثلة التي لم يرغب في ذكر اسمها صفحات الفيسبوك بمساعدة أصدقائها لفضح ما تعرضت له من نصبٍ واحتيال من الشركة التي تحججت بصعوبات تحويل المال إلى سوريا، علماً أن الشركة سورية أصلاً. بعد فترةٍ اختفت تلك الصفحات ولا يوجد اليوم أي خبرٍ حول الأمر. «بيكونوا خوّفوها، وبتخيّل من بعدها ما عاد حدا حكى بهالمباشرة». يخمّن يوسف بضعة أسبابٍ لاختفاء القصة، منها التهديد أو حتى المكافأة والتعويض. يعتبر يوسف أن حدثاً كهذا كفيل بإخافة أي عامل فني، لكنهم -أي الفنانين- مع ذلك يتطلّعون إلى الأفضل، وهذا ما حصل معه إذ كان محظوظاً بالحصول على كامل أجره.

أما عن العقود، فيؤكد يوسف أن لا أحد يحصل على نسخةٍ من العقد سوى بعض النجوم الكبار، وهذا «عُرفٌ» مُتعارفٌ عليه في قطاع إنتاج المسلسلات السورية، ويُكمل بأن الحلقة الأضعف في هذه العملية كلها هم العاملون في الديكور وتقنيات الإضاءة والصوت والمونتاج وغيرها من العمليات الفنية، والذين لا تُذكر أسماؤهم في العقود الأصلية من الأساس «لأنهم جزءٌ من فريقٍ تابعٍ لشخص واحد يُكتب العقد باسمه ويَدفع لهم ما يشاء أو قد لا يدفع إطلاقاً، وإن تجرأ أحدٌ على الاعتراض فإن المسؤول عنه يستطيع إنهاء مستقبله المهني تماماً بعدم إشراكه في أيّ عملٍ عن طريقه، أو بتشويه سمعته في الوسط». يعتقد يوسف أن ما حدث مع الممثلة التي لم تستلم أجورها كفيلٌ بفتح بابٍ كبيرٍ لتصرفاتٍ كهذه، وهذا ما يحدث اليوم.

النقابة ملاذ المنتج لا الفنان

تُلزَم شركات الإنتاج العاملة في سوريا بإرسال نسخٍ من العقود إلى نقابة الفنانين، لكنّ هذا بدوره لا يحمي أي عاملٍ فني، وخصوصاً في حالة فريقٍ فني أو تقني لا ترد أسماء أفراده في العقود. وفي بعض الحالات يتم إرسال العقود بعد نهاية التصوير، أي بعد ضمان إنهاء العامل الفني أو الممثل لعمله، مما يجعلها دون جدوى، وذلك بحسب زياد (اسم مستعار) الذي يعمل فنيّ إضاءةٍ مسرحية. كذلك قد يتم الاتفاق مع الممثل أو العامل الفني على مبلغٍ معين، بينما يُسجَل في العقد مبلغ أقل بكثير. تُستخدم هذه الحالة إما لدفع أجرٍ أكبر مما تُغطيه الميزانية في حالة التعامل مع ممثلٍ مشهور مثلاً، أو للتهرُّب القانوني من الدفع، والمتعارف عليه هو الاتفاق الشفهي كما ذكر زياد للجمهورية.نت. يرى زياد أن هذه الحالات أكثر شيوعاً في أعمال المؤسسة العامة للسينما حيث الأفلام ممولة حكومياً، أي أنها تُنتج بمبالغ قليلة. يمكن لمخرج الفيلم أخذ بطاقات الهوية الخاصة بالعاملين والذهاب لملء الاستمارات وتوقيعها لوحده وكتابة ما يشاء فيها، والحجة هي «تخفيف الضرائب». لا تحدث الكثير من المشاكل في هذا المجال، إذ غالباً ما يشارك العاملون فيها من أجل إضافتها إلى سيرهم الذاتية أو من باب الصداقة والمساعدة لأقرانهم. أما في مجال المسلسلات التلفزيونية فالأرقام الكبيرة والفريق الكبير كذلك لا يجعل منها عمليةً سلسة.

وعن هذا تؤكد منى عدم وجود اختلاف سوى في الأرقام، وما يحدث في حالة أعمال المؤسسة العامة للسينما يعمم على الدراما أيضاَ. وبخصوص حقوق الفنانين، فهي لا ترى جدوى من لجوئها إلى النقابة في حال الضرر أو التعرض للاحتيال «لأن العقود ترسل بعد فوات الأوان، أو قد تتكفل الرشاوى الكبيرة بكل شيء». ومن أحد أشكال الرشاوى التي تخبرنا عنها منى هي منح دورٍ في العمل لنقيب الفنانين أو تقديم مبالغ من المال، وبهذا يخسر العاملون في المجال الفني ملجأهم الأخير ولا يحل مشكلتهم سوى «التمتّع بعلاقات هامة» إذ يمكن لاتصالٍ واحدٍ إعادة حق الفنان.

خارج سوريا ولكن المعادلة سورية

في لبنان لا يختلف الوضع كثيراً عن سوريا. يحكي هلال (اسم مستعار) عن تجربته في العمل خارج سوريا. عمل هلال كفني في مسلسل الهيبة – الرد من إنتاج شركة الصبّاح عام 2020، والذي تم تصويره خلال أزمة جائحة كورونا التي ترافقت مع انهيارٍ حادٍّ في العملَتين السورية واللبنانية. بدأت المشكلة بالنسبة للعاملين الفنيين عندما وجد المنتجون طريقةً لتجنب الضرائب المترتبة على شركة الإنتاج عبر عدم ذكر أسماء العاملين في الشارة، وعبر التهريب بين الحدود. دخل هلال وغيره الأراضي اللبنانية بطرق مختلفة باستخدام الهويات الشخصية دون أي دعوات عمل، مما يعطيهم دخولاً مؤقتاً يُضطرون بسببه للعودة إلى سوريا كل فترة، وأحياناً كان العاملون يدخلون إلى لبنان عبر طرق التهريب، وذلك بتعليماتٍ من المنتجين المنفذين الذين يجنّبون شركة الإنتاج دفع ضرائب على هؤلاء العاملين الذين لن تعرف الدولة اللبنانية بعملهم حتى عبر الشارة التي لا تذكر أسماءهم، وبذلك يوفّرون المزيد من المال على الشركة. يفقد العامل الفني بهذا قدرته على اللجوء إلى القانون بطريقة سهلة، فعمله أصلاً غير قانوني في لبنان، ما يجعله في موقفٍ ضعيفٍ يُسهّل من عملية استغلاله في ساعات عمل أكبر من المتفق عليها وإزاء ظروف غير صحية، وبالطبع تحضرُ مشكلة الأجور المتكررة.

بدلاً من تقديم الدعم للعاملين خلال الأزمات، وضعت شركات الإنتاج العاملين في المسلسل في موقف حرِج، حيث اضطّر بعضهم لقضاء أوقات أطول في لبنان بسبب الحجر الصحي، ولكن من دون أي تعويض أو زيادة في الأجر، مما أدى إلى اضطرار بعض العاملين لدفع أجورهم لتغطية تكاليف معيشتهم في لبنان. ومع عدم وجود عقود تحمي العاملين بسبب التهرّب من الضرائب، تبقى المشكلة دون حل، وعند الشكوى يكون الرد: «إي شركة الإنتاج كمان عم تخسر شو بدنا نعمل».

تتعاقد شركات الإنتاج من خارج سوريا مع شركات تنفيذية سورية قادرة على التعامل مع كل شيء من شأنه توفير المال. وبحسب ما خَبِر بلال، يُعتبر المنتج التنفيذي السوري منتجاً جيداً حين يوفر أكبر مبلغ ممكن على  الإنتاج، وأسهل طريقة لهذا هي بخس العاملين الفنيين حقوقهم وأجورهم بالاتفاق مع عدة جهات وأشخاص، على رأسهم الشخص المسؤول عن الفريق الفني الذي يقوم باستغلال فريقه.

الفَرق بالنسبة لهلال بين العمل داخل سوريا وخارجها هو أن شركات الإنتاج الكبرى غير السورية؛ مثل شركة الصبّاح، تعطي خبرةً أفضل وسمعة، كما أنهم رغم كل شيء يدفعون أكثر من الشركات السورية. ورغم أن المبالغ ليست كبيرة، لكنها كافية لجعل من يعمل معهم يعود إليهم بالمقارنة مع الخيارات الأخرى داخل سوريا، ويدرك الجميع أن العاملين الفنيين وحتى الممثلين «يبوسوا إيديهن وش وقفا لأن صحّلهن شغل مع هيك شركة» بحسب كلمات هلال.

سيطرة رجال الحجي

يشبّه هلال عمل المنتجين السوريين بالتجّار و«عقلية الحجي» الذي تكون كلمته هي الفيصل. يصف هلال الأمر كالتالي: «كلمة رجال الحجي فيصل، يعني طلب العقد بيزعّل وينم عن تشكيك وعدم ثقة»، وأي شخص يطالب بعقد رغم كونه لا يتمتع بشهرة كافية لإنجاح العمل أو علاقات قوية في الوسط الفني لن يعمل معه أحد.

تؤكد منى كلام هلال وتضيف عليه: «نحنا الممثلين اللي لسه ما اشتهرنا يعاملونا كعبيد مقابل فرصة الشهرة، بس فرصة شهرة بدون أي حق تاني، وطبعاً الفنيين وضعهن أسوأ». تروي منى أن الممثل ما إنْ تأتيه فرصة عمل في مسلسل يسارع لتوقيع العقد الذي لن يساوم على شروطه، هذا إن فهمها أصلاً. خلال العمل تحدث الكثير من المشاكل، بدءاً من اختلاف توقيت التصوير المتفق عليه وربما حدوث إصابات أو مشكلات أخرى مثل تقديم طعام غير صحي وساعات العمل الطويلة غير الواردة في العقد وانتهاءً بالمماطلة في دفع الأجور أو سداد فتاتٍ من المبالغ الأصلية. يكفل العقد كامل حقوق الطرف الأول وهو شركة الإنتاج، وأيُّ تصرفٍ قد يبدر من ممثلٍ انزعج من المعاملة أو تعرضت صحته للخطر فإنه كفيل بإنهاء مسيرته الفنية. 

تقول منى إنهم يستخدمون كلمة مهنية «كغلاف للتشبيح» على حد قولها، وأحيانا يستخدمون «التشبيح المباشر»، فإذا حاول ممثلٌ الانسحاب لسببٍ مُحق مثل تعرُّضه لمخاطر الإصابة، فإن رجال المنتج المنفّذ، أو المنتج نفسه الذي غالباً ما يتمتّع بصلاتٍ أمنية، يمكنهم استخدام الوثائق لسحب الممثل أو العامل الفني إلى أقرب مخفر، ومع اتصال هاتفي ورشاوى فإن الممثل أو العامل الفني قد يُسجن أو يتعرض للضرب. وخيار المحامي ليس في متناول هؤلاء الذين يعملون فقط مقابل الشهرة أو لتسلُّق درجة واحدة في سلم النجاح الطويل في المجال، فأجورهم لا تغطي معيشتهم اليومية أصلاً، بالإضافة إلى أن رجال شركات الإنتاج التنفيذية يملكون من العلاقات ما يكفي لجعل أي شيء قانوني، ولتحويل كل ما يرغبون به إلى حق. الإجراء الثاني الذي سمّته «تشبيح مغلف بالمهنية» هو ما يحدث غالباً، فلا يريد أحد تلطيخ سمعته؛ فإذا طالب الممثل بأحد حقوقه أو بالحصول على معاملة أفضل أو حتى الانسحاب فتهمة «غير مهني» تنتظره: «ببساطة بيقولولك شو هاد! أنت المفروض مهني وهاد التصرف غير مهني ومو حلو بحقك ينسمى عليك»، وترجمة جملةٍ كهذه كما رأت خلال عملها وسماعها لتجارب زملائها هو تهديدٌ مفاده «ما عاد تحلم تشتغل لأنك مو قد المهنة، وبيتعمّم هاد الشي على كل الشركات».

وفي حالة كانت الشركة غير سورية فإنها تتعامل مع منتجين تنفيذيين سوريين قادرين على كل هذا، وتأتي سمعتهم من قدرتهم على توفير مبالغ كبيرة من المال للشركة وقدرتهم على السيطرة على فريق العمل بهذه الطرق. ولهذه الأسباب فإن التصوير خارج سوريا أكثر أماناً في الغالب، ولو ظلت العملية بيد المنتجين المنّفذين أنفسهم، لكنها أكثر قانونية، وتكون قدرتهم على التشبيح أقل، بحسب منى.

العودة إلى سوريا

تعود المسلسلات اليوم إلى سوريا مع مسلسل تاج من إنتاج شركة الصّباح، الأمر الذي فسره محمد قبنض، مالك شركة قبنض للإنتاج، بكون تكلفة الإنتاج داخل سوريا أرخص من غيرها وبأن تيم حسن «إجته توجيهات من شركته» للتصوير في سوريا. لا يضيف قبنض أكثر من ذلك حول الموضوع في المقابلة التلفزيونية التي تحدّث فيها.

بحسب الفني هلال، فإن التصوير داخل سوريا مع شركة الصبّاح بدأ من مسلسل الهيبة الذي شكر في شارته وزارة الدفاع السورية وذلك لاستخدامهم سجناً سورياً كموقع تصوير. ويعتبر هلال أن حكومة النظام السوري تُسهّل ما يمكن تسهيله لجذب شركاتٍ كهذه للتصوير داخل سوريا، مؤكداً وجود أوامر لتسهيل الحصول على الموافقات اللازمة. 

على الجانب الآخر فإن هلال يرى أن عودة ممثلين نجوم مثل تيم حسن إلى سوريا للتصوير مرتين متتاليتين (في الزند وتاج) هو بسبب محاولات التقارب السوري العربي، الأمر الذي تتّفق معه منى، فبحسب ما تسمع داخل «الوسط» فإن الشائعات تشير إلى أن ذلك يندرج في إطار «محاولة إعادة سوريا إلى الواجهة عبر نجومها الكبار، وتُوّج هذا بمقابلة بشار الأسد لعدد من أبرز الأسماء في صناعة المسلسلات السورية»، أما عن أثر هذا على حقوق الفنانين، فلا ترى منى ذلك باعثاً على التفاؤل ومؤشراً على تحسّن الأحوال.

الاستغلال نفسه مع إنتاجٍ فني أفضل

ترى منى أن لعودة تصوير المسلسلات ذات الإنتاج العربي يشتمل على جانبين؛ جيد وسيء. السيء بحسب ما تراه هو أن هذا النوع من الأعمال ذات الإنتاج الكبير والتابع لشركات غير سورية هو حلم أي ممثل أو عامل فني سوري، وذلك لأن الأمور في لبنان أكثر نظاميةً ونسبة التعرّض للنصب أو المعاملة السيئة أقل لأن سلطة التنفيذيين أقل خارج سوريا، لذا فتصوير مسلسلات مثل الزند وتاج في سوريا يعطي صلاحيةً أكبر لرجال شركات الإنتاج السوريين بأكل حق الممثلين والممثلات واحتكارهم والتسلُّط عليهم. أما الجانب الجيد فهو أن مخرجاً مثل سامر البرقاوي يُعد من القلائل الذين يهتمون بعملية اختيار ممثلين حقيقية، فالكاستِنغ في أعماله لا يخضع للعلاقات والمحسوبيات والاتصالات، وهذا ما حصل في مسلسل الزند. وبالطبع لا يلغي هذا الأمر وجود مشاكل العقود ذاتها، لكنه أفضل على المستوى الفني ويعطي فرصاً حقيقيةً للمواهب التي تستحق الظهور.

وعن الكاستِنغ تقول منى إنه لا توجد عمليات كاستِنغ حقيقية في الأعمال داخل سوريا، وغالباً ما يتم اختيار الممثلين بالمحسوبيات، وتلمّح إلى تدخل الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية في هذا الأمر. أما اختيار العاملين الفنيين فغالباً ما يكون عبر اختيار مسؤول الديكور، مثلاً، فريقاً من الأكاديميين المتخرجين حديثاً مع مجموعة أخرى من ذوي الخبرة القليلة ويسيطر على أجورهم وعملهم بنفسه، أما هو فيحصل على العمل بعلاقاته.

تطرح منى المخرجة رشا شربتجي مثالاً، وتقول إنه كما لاحظ الجميع قامت شربتجي باستخدام خريجي معهد دراما رود الذي تمتلكه وصنعت ممن دخلوا تدريباتها نجوماً في أحد مسلسلاتها، الأمر الذي أعطى معهدها شهرةً كبيرةً وهو الآن يستقبل مبتدئين بأحلام كبيرة، على عكس عامه الأول الذي استقبل فيه خرّيجي المعهد العالي للفنون المسرحية. يحصل المعهد عند ترشيحه لأحد ممثليه على نسبة من الأجور بموجب عقدٍ بحسب منى.

هِبة الحلم

يعزو يوسف ومنى قبول الممثلين والعاملين الفنيين بالعمل بأجور زهيدة قد لا تصل إلى أيديهم إلى «الأحلام التي تقدّمها النجومية». تقول منى: «يدخل الممثل إلى المعهد العالي للفنون المسرحية أو إلى إحدى مدارس التمثيل الخاصة الأخرى وهو يتخيل نفسه نجماً كبيراً يوماً ما. يرغب البعض في العمل المسرحي أو السينمائي أكثر، لكنها مجالات لا توفِّر لقمة عيشٍ لأحد، فحتى لو لم يحلم بالنجومية، سيحلم بالعمل في أدوار تتيح له مادياً قدرة البقاء في المجال الفني». على أرض الواقع يلزم الممثل الكثير من السنوات والعلاقات والطرق المختلفة للوصول إلى مرحلةٍ يمكنه فيها تأمين لقمة عيشه من عمله. في الجانب الآخر تستغل شركات الإنتاج هذه الأحلام وتعتمد على ما أسمته منى «الرغبة القهرية في العمل والظهور على الشاشة» لتشغيل العديد من الفنانين بأجر ممثلٍ واحدٍ في أعمال قد لا تنجح أصلاً، لكنّ الممثلين يستمرون بالعمل رغم كل هذه الظروف أملاً في فرصةٍ جيدة مع مؤسسات مثل MBC. أما بالنسبة للفنيين والتقنيين فالأمر يختلف قليلاً، إذ لا يمكن أن يؤمن لهم المجال أي نجومية وليسوا راغبين بها في الغالب، وإن كانوا أكاديميين فإن الدراما ليست سوى باب رزق لا يؤمّنه المسرح أو السينما بحسب ما رآه زياد خلال سنوات دراسته وعمله. يترك الكثيرون منهم المجال بعد عملٍ أو عملين ويتجهون لمجالات أخرى يمكنهم استخدامات مهاراتهم فيها، لكن آخرون يبقون بهدف تأمين العلاقات اللازمة للحصول على فرصة أفضل، كما يفعل عادةً «الممثل غير النجم». 

«صورة الرفاهية الوهمية تميز العمل الدرامي عموماً»، يختم الفني هلال حديثه بنظريةٍ بناها من ملاحظاته خلال عمله ومشاهداته: «أزياء تنم عن رفاهية ولو لشخصية فقيرة، وموائد طعام مليانة بكافة الأصناف. هيك بينزرع براس المشاهد إنو العالم يلّي بالتلفزيون مرفّه، ويشبه الحلم»، ومن هذه النظرية يعتبر أن الفنان العامل في الدراما التلفزيونية يحصل على نظرة احترام من الناس وهي قيمة مفيدة أحياناً تفيد في الحياة اليومية وإن لم تكن «جايبة حقها».