لا يمكن لحوار سياسي اليوم عن منطقتنا وعالمنا إلا أن ينطلق من الأوضاع في قطاع غزة، وهو ما ينطبق على هذا الحوار مع الكاتب اللبناني حسام عيتاني، لكن المقابلة هنا لا تجعلُ من التعليق على التطورات اليومية غايتها، قدرَ ما تحاول أن ترسم سياقات تاريخية مختصرة وأن تستشرف شيئاً من التغيُّرات الحاصلة والمُتوقَّعة، وعلى أكثر من صعيد: إسرائيلياً، وفلسطينياً، وعربياً، وغربياً، وفي أماكن أخرى.

وإن كانت الحرب المستمرة في القطاع تستحوذ على صدارة الاهتمام، فإن الحوار أفسح المجال كذلك لأسئلة أخرى، عربية ودولية: لبنان بعد سنوات على انتفاضة تشرين وتفجير المرفأ، والثورات العربية المهزومة، ووضع الديمقراطية عالمياً، وربطاً على ذلك أخيراً الصعودُ المستمرُ لليمين المتطرّف..

حسام عيتاني، كاتب وصحافي وباحث لبناني، من مؤلفاته: «هويات كثيرة وحيرة واحدة- سيرة لبنانية»، و«الفتوحات العربية في روايات المغلوبين»

* * * * *

منذ ما قبل هجوم السابع من أكتوبر، وفي السنوات الأخيرة عموماً، تتردد عبارة تقول إن إسرائيل الحالية هي «أسوأ نسخة من إسرائيل»، وخاصة بعد وصول حكومة تضم تحالفاً من اليمين من جهة واليمين القومي واليمين الديني المتطرفَين من جهة أخرى. وبعد السابع من أكتوبر، بدت لافتةً حالةُ الإجماع الإسرائيلية بشأن الحرب وكيفية خوضها، وتواترت على وسائل الإعلام الإسرائيلية عبارات على ألسنة ساسة ومحللين وشخصيات عامة تدعو للإبادة الصريحة، وأحياناً إلى قتل الأطفال، دون أن تثير إلا اعتراضات خافتة ومتفرقة… إلى أين تتجه هذه النسخة من إسرائيل بعد الحرب الحالية؟

أيّاً كانت الوجهة، فإسرائيل ليست ذاهبة لوحدها، بل هي ذاهبة مع المنطقة، ومع الفلسطينيين بالدرجة الأولى. 

صحيحٌ أن عدداً من الأسباب لجنوح إسرائيل نحو اليمين يعود للتغيّر الديمغرافي الإسرائيلي وطغيان اليهود الشرقيين، ومجيء أعداد كبيرة من يهود أوروبا الشرقية الذين غيروا المناخ السياسي في إسرائيل في التسعينيات، ومن الممكن قول إن صعود اليهود الشرقيين ابتداء من عام 1977 مع انتخاب مناحيم بيغن مؤشر على أن اليسار العمالي الإسرائيلي كان في حالة أزمة، وإن انتعشَ هذا اليسارُ أوائل التسعينيات مع مشروع السلام. لكن، هنا ثمة خلفية تاريخية ونقطة مهمة تجب الإشارة إليهما، وهي أن التطرّف الإسرائيلي ليس صناعة محض إسرائيلية، بل هو صناعة إسرائيلية فلسطينية مشتركة، إذ علينا ألا ننسى أن من «ناضل» إلى جانب اليمين الإسرائيلي هي حركة حماس، والسنوات بين 1994 إلى 1996 شهدت سلسلة عمليات انتحارية لإفشال اتفاق أوسلو، وتم إفشال أوسلو بالتكافل والتضامن مع اليمين الإسرائيلي، وانتُخِبَ بنيامين نتنياهو للمرة الأولى رئيساً للوزراء عام 1996، وكان إسقاط حزب العمل الإسرائيلي مناسبة للاحتفال عند معسكر الممانعة.

ثم جاءت بعد ذلك الانتفاضة الثانية فتورّطت بالعسكرة وبالتفجيرات الانتحارية التي شاركت بها كل الفصائل الفلسطينية، ضمنَ وهمٍ مَفاده أن الانتفاضة الأولى حققت لنا أوسلو، فسيكون بإمكان الانتفاضة الثانية حالَ إيقاعها خسائر بشرية إسرائيلية أكبر أن تجلب لنا الاستقلال، وهذا الوهم كان فادحاً وتورطت به كذلك الفصائل الفلسطينية الرئيسية في منظمة التحرير، وما زالت تدفع ثمنه إلى يومنا هذا. بالإمكان القول إن هناك ما يمكن وصفه بتبادل خدمات بين معسكر حماس والإسلاميين من جانب واليمين الإسرائيلي المتطرّف من الجانب المقابل، كلاهما يقومان على مشاريع خلاصية تتضمن أوهاماً خرافية لا يمكن تحقيقها، وكلا الطرفين يعتمدان على تسويق الأوهام بين جمهوريهما. 

طبعاً في النهاية إسرائيل وحكومتها لديها حلفاء حقيقيون كما رأينا منذ السابع من أكتوبر ولغاية اليوم، فالغربُ كله، بيمينه ويساره، باستثناء أقلية صغيرة، يقف مع إسرائيل، بينما حماس وقفت لوحدها، والشعب الفلسطيني بالتالي وقف لوحده يتحمّل أوزار أخطاء حماس. 

إلى أين من هنا؟ أنا لست متفائلاً. إذا أردنا أن نستعمل الماضي لقياس المستقبل، أعتقد أن الانتعاش الذي أظهره الجمهور «الديمقراطي» في إسرائيل خلال الاعتراض على التعديلات القضائية والحد من صلاحيات المحكمة العليا تعرَّضَ لضربة قاسية وقُضي عليه، لأن عملية السابع من أكتوبر هزّت المجتمع الإسرائيلي أعمق كثيراً مما نتصور، وأحيت مخاوف قديمة ترجع للهولوكوست. وبالطبع يجري استغلال هذه المخاوف وتضخيمها، ولكن بات من الصعب جداً اليوم أن نرى حركة اعتراض يقودها معارضون لليمين المتطرف، إن كان هناك من اعتراض فسينبثق من معسكر اليمين نفسه ويمثله يائير لابيد وبيني غانتس. أعتقد أن اليمينَين القومي والديني المتطرفين سيبقيان في المستقبل المنظور اللاعبَين الرئيسيين في الساحة الإسرائيلية، فيما قوى الاعتدال الإسرائيلية ستكون في غاية الضعف.

وبتقديرك، فإن أزمة اعتراض اليهود المتدينين «الحريديم» على مسألة التجنيد الإلزامي مثلاً ستمرّ من دون عميق تأثير؟

ستمرّ. هذه التيارات براغماتية، إذا عُدنا لتاريخ انخراط اليهود الشرقيين، سواء من الحريديم أو من غير الحريديم، بالحياة السياسية انطلاقاً من الستينيات، وكيف تمكنوا من تحسين مواقعهم على طريقة «خذ وطالب»، وعبر العمل من داخل مؤسسات الدولة، فسيتمكنون على الأرجح من إيجاد حلول وسط. ثمة تصورات يُقدّمها الإعلام تسعى إلى إيهام القارئ أو المشاهد العربي أن هناك أزمة عميقة ومصيرية وأن إسرائيل على وشك الانهيار بسببها، وأعتقد أن قراءة متأنية للواقع الإسرائيلي وتاريخ إسرائيل الحديث تدلّان أن هذه الأمور ليست بتلك الخطورة. أذكر تماماً أنه في أعقاب حرب 73 صدرت كتب ودراسات تتحدث عن التقصير وتُحذّر من انهيار الدولة. يمكن الحديث كذلك عن مدرسة إعلامية وفكرية إسرائيلية، قد يرجع أساسها إلى الدياسبورا القديمة، عبارة عن مدرسة نواح وشعارها «سنفنى الآن». إذا قرأت تقرير فينوغراد الذي أُعِدَّ بعد حرب 2006 ستصل إلى نتيجة تقول إن الجيش الإسرائيلي انتهى.. جيش متهالك ومترهل وقيادته فاشلة، وكذلك بعد السابع من أكتوبر كان الحديث عن فضيحة عسكرية واستخباراتية تاريخية، ولكن ما حصل بعد ذلك أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تماسكت وصارت أكثر تطرُّفاً. دائماً ما نفعله كقرّاء ومشاهدين عرب هو أن نعلّق أوهاماً على أدب النواح هذا، وعباراته التي تتحدث عن مؤسسات فاسدة وجيش فاسد. علماً أن الوضع قد يكون كذلك بشكل أو بآخر، ولكن عليك كذلك أن ترى من هو الخصم وما هي أوضاعه. قد تكون المؤسسات الإسرائيلية فاسدة والجيش مترهلاً بالفعل، لكن من يقاتل؟

هل تعتقد أن المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه ينتمي إلى مدرسة النواح هذه؟

هناك جانبان لدى الحديث عن إيلان بابيه، أولهما عمله كمؤرخ، وهو عمل محترم وأكاديمي وجاد ودقيق؛ وجانبه الثاني قائم إلى حد ما على الاستسهال. ألقى محاضرة قبل أشهر في حيفا، يبشر بها بانهيار إسرائيل، وعدَّدَ خلالها خمسة أسباب للانهيار، وبتقديري هي أسباب غير جدية ولعدة عوامل، منها مستوى الدعم الغربي لإسرائيل، إذ لا يمكنك أن تُخرِجَ هذا العامل من الحسابات، وبالإمكان أن نضرب مثلاً بتدخل الطيران الأميركي والبريطاني والفرنسي والبحرية الأميركية للدفاع عن إسرائيل ضد الهجمة الإيرانية المتوسطة في الثالث عشر من نيسان (أبريل)؛ هذا يقول الكثير.

ماذا عن الوجهة الفلسطينية، أنت كتبت مؤخراً مقالاً بعنوان لا يوماً تالياً فلسطينياً أيضاً، تشير فيه إلى غياب أي تصور لدى السلطة أو حماس بشأن ما بعد الحرب، هذا فيما لم تحمل الأشهر الماضية أي مؤشر على تقارب فلسطيني فلسطيني وإنهاء الانقسام رغم جسامة ما يحصل، هل المشهد قاتم بالمطلق؟

فلسطينياً، الكارثة ستستمر. السابع من أكتوبر إن لم يتسبب بالنكبة الثانية فهو ظهَّرَ النكبة الثانية، وأوضحَ بطريقة فاقعة أن القضية الفلسطينية في أزمة عميقة وهي غير قادرة بقواها الذاتية أن تخرج منها. وفي الوقت نفسه لا توجد حاجة دولية لحل هذه الأزمة.

الاقتتال الدموي بين حماس وفتح بدأ منذ 2007، ومنذ ذلك الوقت عُقدت عشرات جلسات المصالحة والحوار ومفاوضات تشكيل حكومات مؤقتة وانتقالية وغيرها بدون أن تُفضي إلى شيء. هناك أوهامٌ لدى الجانبين باحتكار تمثيل الشعب الفلسطيني وباحتكار الحق بالنطق باسم الشعب الفلسطيني، كل طرف منهما يستند إلى شرعية معينة، أحدهما يستند إلى الشرعية التاريخية والثورية وأحدهما إلى الشرعية الانتخابية والتي كرَّسها كذلك بشرعية المقاومة، وهو ما يشكل تناقضاً غيرَ قابل للتسوية.

إذا عدنا للوراء قليلاً، ومنذ بدء الانتفاضة الثانية عام 2000، جرى الكلام كثيراً عن مشروع وطني فلسطيني مُتوافَق عليه، على الأقل لإيصال الانتفاضة الثانية إلى نتيجة ملموسة مثلما وصلت الانتفاضة الأولى إلى نتيجة ملموسة في أوسلو، طبعاً مع التذكير بأن لأوسلو سياقه الخاص بفترة ما بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفيتي ومؤتمر مدريد للسلام، ولكن لم يتم الوصول لنتيجة بسبب تشبّث الطرفين بعنادهما وأوهامهما. هذه الأوهام تجلّت في هجوم 7 أكتوبر. لا أعرف إن كان هناك شخص جاد يمكنُ أن يصدق أن حلفاء حماس سيتدخلون في اليوم نفسه تلبية لنداء القائد العسكري لحماس محمد الضيف. هل هذا تفكير جدي؟ هل يصدر عن أناس يعرفون ماذا يحدث في العالم حولهم؟ عن أناس واعين لما يجري في المنطقة وحسابات القوى وحسابات الربح والخسارة، وكيف يمكن أن تتصرف مختلف القوى، بما في ذلك المتحالفة مع حماس؟ بتقديري كان هناك وهمٌ لدى العقل الذي صاغ فكرة 7 أكتوبر. كان هناك وهمٌ كبيرٌ عن إمكانات وقدرات الحلفاء سواء إيران أو حزب الله أو أي جهة أخرى. ولكن هذه الأوهام ليست جديدة، إذا عُدنا إلى أواسط الستينيات وألقينا نظرة على الأدبيات التي كانت حركة فتح تُحضِّرها لانطلاقتها المسلحة، حين كتبوا مجموعة أوراق وبيانات ما زالت موجودة، وهي تتشابه بشكل مزعج مع البيانين اللذين أصدرهما محمد الضيف. الأدبيات القديمة والبيانان الحديثان تتشارك جميعها في وهم أن جماهير الأمة ستزحف مع أول طلقة. هذا موجود في أدبيات فتح في الستينيات وموجود في بيانات حركة حماس، كلاهما غير صحيحين، كلاهما يعتمدان على رؤية منفصلة عن الواقع لموقع القضية الفلسطينية عند العرب، لفهم خاطئ لمعنى كلمة عرب أصلاً. من هم العرب؟ العرب ليسوا جسماً واحداً ولا مجتمعاً واحداً ولا دولة واحدة، العرب عشرات الانتماءات والهويات والطبقات والفئات الاجتماعية التي قد لا يجمع بينها شيء.

قادة فتح في أواسط الستينيات راهنوا على ما أسموها استراتيجية التوريط، التي بمعنىً ما ساهمت في إنتاج أسباب حرب 1967، وترى أن كل الشعوب والدول العربية ليس لديها ما هو أهم من صدور بيان من فتح أو من محمد الضيف يدعوها للانضمام للحرب كي تنضم للحرب. العالم ليس هكذا، والعرب ليسوا هكذا، والمجتمعات والسياسات العربية ليست هكذا، هذا تجاهلٌ لوقائع قائمة. وحماس تجاهلت حتى حقيقة حلفائها الذين تبرؤوا من 7 أكتوبر في 7 أكتوبر، وقالوا ليس لنا علاقة بالهجوم، الجهات التي راهنْتَ عليها منذ اليوم الأول تبرأت منك، فما بالكَ بأعدائك.

وما هو تصورك العام لوضع المسألة الفلسطينية في مستقبلها القريب؟ 

تصوري سيء.

من الممكن أن يكون هناك اعترافٌ بدولة فلسطينية، ولكن ما شكلُ هذه الدولة؟ دولة منزوعة   السيادة وأشبه بمنطقة حكم ذاتي وبدون أي سلطات وبدون أي سيادة على أراضيها ومواردها. لا أظن أن موازين القوى حالياً تسمح بالسير خطوة للأمام لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني واسترجاع حقوقه الأساسية.

يجب هنا توضيح مسألة كذلك، التظاهرات والمقالات ومواقف الشخصيات المعارضة للإبادة الإسرائيلية حول العالم لا تستطيع أن تنتج تسوية معقولة، فهذه القوى أضعف بمراحل من أن تُحوِّلَ احتجاجها إلى واقع سياسي أو إلى فعل سياسي. سأضربُ مثالاً كنتُ قريباً منه، وهو مظاهرات تشرين الأول في عام 2019 في لبنان، كنتُ أقول حينها إن مئات الآلاف الذين كانوا في الشوارع لا يملكون فعالية سياسية، وبالتالي حراكهم سينتهي إلى لا شيء، وذلك لسبب غاية في البساطة: عدم وجود أقنية يصبُّ هذا الحراك فيها، أي أن 200 ألف متظاهر في ساحة الشهداء ببيروت سيصوتون في 30 دائرة انتخابية مختلفة، وبالتالي هم ضعفاء في مختلف المناطق وتذهب أصواتهم سدى.

وكذلك الوضع بشأن التظاهرات حول العالم، سواء كان هناك مليون متظاهر في لندن أو 500 ألف في نيويورك، هؤلاء ليس لهم وزن سياسي أو فعالية سياسية، وبالتالي، وبغض النظر عن القيمة الأخلاقية والمعنوية التي تشكلها هذه المظاهرات، إلا أنه من غير الممكن تَجييرُها أو توظيفها في عملية سياسية معقولة.

لا أريد أن أُغرِقَ بالتشاؤم، لكن بسبب السابع من أكتوبر رجعنا خطوات إلى الوراء على المستوى الفلسطيني، و7 أكتوبر كان تعبيراً عن غياب القدرة على تحقيق حلّ، سواء عبر المفاوضات التي اندثرت أو عبر القتال. هاتان الوسيلتان اللتان قامت عليهما الحركة الوطنية الفلسطينية على مدار ستين عاماً انتهتا.

وهل من الممكن لحماس أن تنتهي كما تسعى إسرائيل؟

حماس لديها مبررات وجود تُعبّرُ عن حساسيات معينة، من الممكن أن تستمر بشكل أو بآخر، ولكن ليس بالشكل الذي كانت عليه قبل 7 أكتوبر.

في النطاق العربي، يجري الحديث عن فراغ فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني، ويبدو مثيراً للانتباه هذه المرة غياب أي انقسام عربي واضح بشأن ما يجري، حتى التراشق اللفظي المعتاد بين بعض الأنظمة لم يعد مسموعاً. 

هناك اتفاق على التعاطف الإنساني، بمعنى أن ما يحدث هو كارثة إنسانية، بيد أن خطورة هذا الموقف أنه ينزع عنها الصفة السياسية، ويُجرِّدها من المعنى السياسي، أي أن هناك مجموعة من البشر يتعرضون للإبادة ونحن كبشر نتعاطف ونتضامن معهم، لكن ليس أكثر من ذلك. 

عند الانتقال إلى الحقل السياسي قد تبدأ الخلافات. فالتضامنُ الإنساني هو الحد الأدنى المُتوافَق عليه، لكن الكلام السياسي مختلف تماماً، وهذا بسبب وصول كثير من الدول العربية إلى قناعة باستحالة الاستمرار بالتنمية أو بالحكم القائم في ظل الانقسام الفلسطيني. ليس بإمكانك أن تؤيد طرفاً فلسطينياً ضد آخر، وفي الوقت نفسه أن تنحازَ إلى فكرة عامة عن فلسطين. تنتفي في هذه الحالة الفكرة العامة، إما أن تؤيد هذا الطرف أو ذاك. 

وقبل تحميل الأنظمة العربية المسؤولية وتوجيه الاتهامات والشتائم لها بشأن عدم تقديمها العون اللازم وما إلى ذلك، دعنا نرى من أين نَبَعَت هذه المشكلة. نبعت من مصدرين: الانقسام الفلسطيني وكذلك من التناقض الذي ظهر في أوائل السبعينيات بين محاولة الدول العربية «التقدمية» استغلال القضية الفلسطينية ومقولة «القرار الوطني الفلسطيني المستقل»، وهذا المصدر الأخير تسبَّبَ بحروب أشهرها الحرب بين ياسر عرفات وحافظ الأسد. ما أريد قوله هو أنه لا إجماع عربي حول معنى القضية الفلسطينية: هل هي قضية إنسانية؟ هل هي قضية تتعلق بمستقبل الدول العربية؟ الجواب عن السؤال الثاني هو لا. هي بالنسبة للأنظمة العربية قضية إنسانية يمكنُ التعاطف مع ضحاياها ولكن ليس لها مغزى سياسي في المستقبل العربي، وهذا ما يرفض الفلسطينيون الاعتراف به، أنهم لم يعودوا يؤثرون على صياغة المستقبل العربي، لأن كل دولة عربية اختارت طريقها وتَوجُّهها السياسي المستقبلي، وكل هذه الدول العربية أجرت حساباتها على أساس أن لا مكان للموضوع الفلسطيني فيها.

هناك من يرى أن هزيمة 67 مثلاً كانت بداية غير مباشرة لتراجع المد القومي وصعود العواطف والأفكار الإسلامية، وفي مواجهة حدث مفصلي بهذه الضخامة وهذا التأثير كالذي يحدث في غزة، هل تعتقد أن ما يحصل قد يؤدي لتغييرات فكرية وثقافية عميقة على المدى البعيد؟ سواء سلباً أو إيجاباً؟

هذا يُحيلنا على السؤال السابق، موقع القضية الفلسطينية ليس مؤثراً ولا مقرِّراً في المجتمعات العربية ولا في الدول العربية. فكرة القضية المركزية لم تعد موجودة، كل دولة عربية لديها قضيتها المركزية.

خُذ على سبيل المثال الخلاف المغربي الجزائري؛ إذا استمعت لما يقوله الجانبان تخرج بانطباع أن هذا صراعٌ وجودي، قبل فلسطين وغيرها من المسائل. أسباب الخلاف المغربي الجزائري ليست محلَّ الحديث هنا، ولكن القضية الفلسطينية ليست الأولوية، وإنما تُستخدَم عبر اتهامات بالتطبيع مثلاً أو بالانحياز للجانب الإيراني، أي لتسجيل النقاط دون أن تكون محورَ الخلاف.

اختفت تماماً الفكرة القائلة بأن حلَّ القضية الفلسطينية يساهم في تَقدُّم وتنمية الدول العربية، واختفت كذلك فكرة أن إسقاط الأنظمة العربية الموالية للغرب هو الطريق لحل القضية الفلسطينية، وهما فكرتان سيطرتا لوقت طويل على منظمة التحرير وعلى اليمين واليسار الفلسطينيين. القضية الفلسطينية لم يعد لها موقع مركزي في الوعي العربي أو في المصالح العربية. 

بعض المواقع والأشخاص ما زالوا يفكرون بالطريقة التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دون أن يروا ماذا حصل في المجتمعات العربية وما شهدته هذه المجتمعات، من هزيمة 67، إلى الربيع العربي، إلى هزيمة الربيع العربي. هناك من لا يزال يتكلم بشعارات السبعينيات نفسها، وهناك من أدخلَ عليها طريقةَ ما بعد الكولونيالية في التفكير، عبر رمي كل المسؤولية على الغرب واتهام الغرب بتدمير المجتمعات العربية، لكن هذا كله لا ينفي أن المجتمعات العربية تعيش في أزمة، وهي غير قادرة أن تخرج من أزماتها إلا عبر الطرق التقليدية التي تُؤمِّنها وتُمثِّلها الأنظمة القائمة.

ثمة تهمة مُكرَّرة عند الحديث عن التطبيع مع إسرائيل أو إهمال القضية الفلسطينية بأن هذه أنظمة غير شرعية وتمالئ الغرب وتطبق سياساته، لكن يجب النظر إلى نقطتين هنا؛ أولاهما أنه بمجرد وصول أنظمة لا تمالئ الغرب إلى الحكم تحصل كوارث في هذه الدول، والأمثلة كثيرة من صدام حسين لحافظ الأسد لوضع العراق وسوريا حالياً، والثانية أن هذه الأنظمة يصبحُ همها الرئيس بمجرد الوصول للحكم هو كيف تمالئ الغرب.

لنتحدث عن المسألة من الجانب الغربي الآن، أودُّ أن أسألك عن نقطتين، هل سيستمر الدعم الغربي لإسرائيل بشكله الحالي، وهل ترى أن هناك تأثيرات سلبية حصلت على حرية التعبير في بعض الدول الغربية وخاصة في ألمانيا مثلاً، أم أنها مجرد سحابة صيف عابرة؟

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، نعم، التحالف الغربي مع إسرائيل سيستمرّ. دائما ما ننسى جوانب أساسية في هذا الإطار، أن إسرائيل أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة، وأن إسرائيل هي الحل الذي توصل الغرب له للمسألة اليهودية التي بدأت بالقرن التاسع عشر وبلغت ذروتها بالهولوكوست، ولا يُفهَم التمسك الغربي بإسرائيل لا عبر تأمينها مصالحه أو حماية الخطوط الإمداد، ولا بصفتها قاعدة استراتيجية غربية في الشرق الأوسط، من دون العودة إلى حقيقة أن إسرائيل هي الحل الذي توصَّلَ له الغرب للمسألة اليهودية.

بشأن النقطة الثانية، علينا أن نسأل: حرية التعبير لِمن؟ نلاحظ أن أكثرية المعترضين على وضع الحريات ينحدرون من بلاد لا حريات فيها، أي أننا نسمع فلسطينيين ومناصرين لهم يتحدثون عن تعرُّضهم لمضايقات في ألمانيا، لكننا لا نسمع الألمان يحتجون، نسمع أصوات مهاجرين وعرب ومنتمين لليسار الراديكالي، لكن المناخ العام في ألمانيا لا يعترض، وذلك لأسباب تراوح بين القبول الكامل بالسلوك الإسرائيلي والتماهي مع فكرة حق الدولة بالدفاع عن نفسها، وصولاً إلى فكرة التماهي الضمني بين الألمان واليهود كما كتب أحد النقّاد في لندن ريفيو أوف بوكس، أي أن الألمان ليس لديهم مانع بما يحصل لأن إسرائيل برأيهم هي امتداد للحضارة الغربية إلخ.

لكن ألا توجد أصوات لمثقفين أو يهود ألمان يعترضون على التضييق على حرية التعبير؟

أفرادٌ فقط، ودائماً ما يهتم بهم الإعلام العربي ويُبرزهم بشكل أكبر بكثير من حجمهم الحقيقي، فهم لا يمثلون حالة عامة ولا يمثلون فاعلاً سياسياً. هناك عدد كبير من المثقفين والأكاديميين والمفكرين اليهود أبدوا اعتراضات على سلوك الحكومة الإسرائيلية واعتراضات على الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967 إلى اليوم، لكن هؤلاء في وادٍ وصُنعُ القرار والأكثريةُ الشعبية والسكانية، سواء في إسرائيل أو في الغرب، في وادٍ آخر. ما الفرق الذي يصنعه مثقف يهودي يقدم دائماً البراهين على عنصرية إسرائيل بينما في المقابل يتشكل الكنيست الإسرائيلي من عنصريين؟ ما الفائدة الواقعية هنا؟

نعود إلى فكرة الفعالية السياسية التي لا تُنتجها مقالة في جريدة أو مقابلة تلفزيونية، وإنما تُنتجها كمية من الناس المقتنعين أن القضاء على الفلسطينيين هو حلّ القضية الفلسطينية! وهؤلاء موجودون بالملايين في إسرائيل، أو من المقتنعين بأن أي كلمة لتأييد الحق الفلسطيني هي مُعاداة للسامية كما هو المناخ العام في ألمانيا. لا أزعم أنني خبير بالشأن الألماني، ولكن من نسمعهم يعترضون على ما يحدث هناك هم أفراد، ليسوا أحزاباً مثلاً.

ماذا عن القوى الدولية الأخرى؟ وهنا أقصد بشكل أساسي ثلاث دول، الهند الصاعدة التي تميلُ بشكل متزايد رسمياً وشعبياً نحو إسرائيل، وكل من الصين وروسيا اللَّتين صدرت عنهما مواقف متفرقة دون تأثير حقيقي على المشهد.

قد تكون الهند هي النموذج الفاقع بين هذه الدول الثلاث، فدلهي كانت تُعتبر مركز ثقل للعالم الثالث وحركة عدم الانحياز والجنوب العالمي، وتحولت إلى واحدة من أشرس الحلفاء لإسرائيل. هذه الظاهرة ليست بسيطة، وتفسيرها لا يُعزَى إلى أن العرب لم يهتموا أو لم يبدوا العناية اللازمة بالحليف الهندي، وإنما لأنّ الهند نفسها تحولت، والمناخ الهندي الداخلي يركز على القومية الهندية وعلى إنتاج إجماع وطني قائم على الهندوسية والثقافة الهندية، وهذا الإجماع الوطني جعلَ من المسلمين الهنود عدوه الأول، واستطراداً المسلمون الهنود يمثلون العرب والفلسطينيين، وبالتالي من الطبيعي أن يكون العدو للهند الجديدة هو الفلسطينيين.

أما الصين فلديها جدول أعمالها المستقل وتوجهها وقضاياها واهتماماتها التي لا تُعنى كثيراً بمنطقتنا. إذا استمعت إلى خطاب ممثل الصين في مجلس الأمن خلال الجلسة التي تم التوافق فيها على قرار لوقف إطلاق النار برمضان الفائت، فإن خطابه كان يُزايد حتى الدول العربية، لكنه ينتهي هنا. بكين غير مستعدة للذهاب أبعد من ذلك، فهي في النهاية جزءٌ من النظام العالمي، وهناك تريليونات الدولارات بالتبادل والصلات مع شركات التكنولوجيا العالمية لا تسمح لهم بأن يزيدوا عن الدعم اللفظي أو أن يتحولوا إلى فاعل حقيقي في الشرق الأوسط أو غير الشرق الأوسط. يدعمونك لفظياً وعاطفياً ومعنوياً فقط.

لروسيا وضعٌ مشابهٌ إلى حد ما، ولا يحول دون فاعليتها انشغالُها بأوكرانيا فقط. وكذلك إذا استمعت إلى خطاب المندوب الروسي في مجلس الأمن، فهو يتحدث عن الجرائم الإسرائيلية والإبادة.. إلخ، لكن لموسكو حساباتها الخاصة ورؤيتها للعالم.

لننتقل إلى لبنان الآن. أكثر من 4 سنوات مرت على انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) 2019، بينما نقترب من الذكرى الرابعة لتفجير المرفأ في آب (أغسطس) 2020، وأنت تحدثت في مناسبات عدة عن مسؤولية المجتمع اللبناني نفسه عن وضعه الحالي وركوده الرهيب. هل ترى أن لبنان حالة ميؤوس منها!

أعتقد نعم، هو حالة ميؤوس منها، إذا استخدمنا المنظور القائل إن المجتمعات يجب أن تسير نحو طريق ما، هناك من يسميه التقدُّم، هناك من يسميه العدالة الاجتماعية، وفريقٌ ثالث يدعوه المساواة، وآخرون الدولة. أي أن المجتمعات النامية يجب أن تسير في هذا الطريق، أن يكون هناك وجهة ما. قد تنحدرُ هذه الفكرة من العقائد الخلاصية، واستُكمِلَت مع الماركسية ومع الدول القومية في أوروبا ثم مع القومية العربية..إلخ. المجتمع اللبناني هو نموذج اللّا وجهة. تتشاركُ مجموعاتٌ شكلاً من أشكال الهيمنة على أكثرية سُكّانية راضية.

إذا أخذنا انتخابات 2018 وهي آخر انتخابات قبل الأزمة، وانتخابات 2022 وهي انتخابات ما بعد تفجير المرفأ والمظاهرات والفضائح والانهيار الاقتصادي وسرقة الودائع، نجد أن ما أنتجته كل هذه الأزمات هو 7 أو 8 نواب متصارعين ومختلفين، بينما عاد إلى البرلمان نحو 115 إلى 120 نائب من القوى التقليدية الأكثر رثاثة والأكثر تَورُّطاً في صناعة الأزمة وفي الاستفادة منها. ما السبب؟ هو اعتقادٌ عند أكثرية اللبنانيين أن حماية وجودها وسلامتها تضمنه هذه الزعامات الطائفية أكثر مما يضمنه مشروع غائمٌ وضبابي عن الدولة غير الموجودة أساساً. أي أنا أضعُ رهاني على شيء موجود وملموس ولديه مؤسساته، وحتى جيشه إن شئت، ونفوذه القادر على خدمتي وعلى أن يدخلني إلى المستشفى أو يدفع أقساط المدارس أو يؤمن لي فرصة عمل، على أن أراهن أو أتعلَّقَ بمشروع وهمي اسمه الدولة أو الديمقراطية أو العدالة أو التقدُّم.

إذا عُدنا مرة أخرى إلى تجارب قديمة، القوى اليسارية في لبنان كانت تدرك هذا الجانب، كان لديها مستوصفات، كانت تشقّ الطرقات، وترسل طلاباً لاستكمال دراستهم في الاتحاد السوفييتي، كانت تُؤمّنُ مصلحة، تُؤمّنُ فرصة للتطور في الحياة العادية. القوى التي تقول اليوم بمعارضة المنظومة الطائفية ليست لديها القدرة على أن تفعل شيئاً مماثلاً أو أن تُقدِّمَ خدمات. ما فائدة أن يكون لدي نائب آدمي ومحترم وفهمان، دون أن يكون قادراً على أن يفيدني.

هؤلاء الفاسدون الطائفيون المتخلفون قادرون على تقديم أشياء ملموسة تُفيد قواعدهم الانتخابية، ولا يمكن استبدال ذلك بالكلام فقط، بل عليك إحلال ما هو أفضل منه، وبالتالي نبقى ضمن المعادلة نفسها، وليس من مَخرج. 

الحرب الأهلية كانت دخلت بما يشبه الدائرة المُفرغة بين 1975 و1990، ولم تنكسر هذه الدائرة المُفرغة إلّا عند تدخّل الخارج، لمّا اتَّفقَ الأميركيون والسعوديون والسوريون أن الحرب يجب أن تنتهي وبات هناك مشروعٌ عنوانه رفيق الحريري. اتَّفقَ الجميع حينها لعدة أسباب إقليمية وعالمية فرضت نهاية الحرب الأهلية، وانتهت على شكل تفويض عربي ودولي لنظام حافظ الأسد أن يدير لبنان، وأَدارَهُ بما يَعرِفْ، بأسلوبه الذي يُديرُ الأشياء به، فاستمرت الحياة بشكل ما. بعد اغتيال الحريري عُدنا للنقطة صفر، الانقسامات نفسها عادت لتترسّخ، والمناطق تقريباً مُقسَّمة والمؤسسات مُنهارة والوضع مشلول، ولا يوجد توافق دولي لإنهاء الأزمة لأن لا أحدَ يحتاج لبنان، لا فائدة لأحد من حلّها، بالعكس هي عبء. من العبء التورّطُ مع مجموعة من الفاسدين والكاذبين ومجرمي الحرب والميليشيات، ومن أجل ماذا؟ لا جدوى. في الفترة السابقة بين 75 و90 كان لبنان يمثل ساحة تُفرَّغُ فيها كل احتقانات المنطقة، والآن ما الفائدة من حل الأزمة اللبنانية من وجهة نظرة قوة دولية كبرى؟ وضعُ سكانه كوضع ملايين آخرين حول العالم. 

يبدو السؤال عن الثورات العربية مُحيِّراً، فأوضاع كل الدول التي شهدت انتفاضات أو ثورات تتراوح بين سيئة وأكثر سوءاً، بين استقرار هشّ يُرافقه إما قمع أو تردٍّ اقتصادي في أفضل الأحوال واحتلالات وحروب أهلية متفجرة في أسوئها، هل من الممكن أن نشهد أي تغييرات أو اضطرابات بسبب تفشي الفقر مثلاً؟

أستبعدُ ذلك، الأسباب التي أدّت إلى هزيمة ونهاية الثورات ما زالت موجودة، وهذه الأسباب عميقة وحقيقية، بمعنى أن دُولاً ومجتمعات عربية راسخة ومتناسقة اجتماعياً وطائفياً مثل مصر لم تستطع أن تنتج قوة منظمة تتولى السلطة إلّا الإخوان المسلمين، وكانت النتيجة التي رأيناها، والإخوان رُفِضوا من الشارع قبل وصول العسكر إلى السلطة.

الكلام العاطفي والرومانسي الذي شاعَ في بدايات الثورات حول قدرة الثورات على إنتاج النخبة التي تديرها وتقودها تبيَّنَ أنه خاطئ بالمطلق، والقوى المتضررة من الثورات أكثر تنظيماً ووعياً وأكثر إمساكاً بأدوات التخريب والإدارة، وكما حدث دومينو ثورات، حدث دومينو ثورات مضادة أسقطتها. بتقديري هذه الأسباب ما زالت موجودة وتتعمّقُ بشكل أكبر. 

المجتمعات العربية تفقد، ليس قدرتها على تنظيم نفسها فحسب، بل وقدرتها على إنتاج ثقافة ومعرفة وعلى النظر إلى نفسها ونقد نفسها، وذلك من خلال صعود الشوفينية والقضايا الضيقة، فالشوفينية تُريح العقل وتُجنِّبه التفكير والنقد. وكذلك كثيراً ما يتم إلقاء اللوم على قوى قاهرة خارجية شريرة لديها نوايا سيئة تقطف ثمار الثورات. لا تطرحُ أسئلةً على نطاق واسع عن ماذا تمثّل داعش أو جبهة النصرة، ولماذا تمكنوا من الاستمرار كل هذه الفترة، وحتى لو وجدنا إجابات عقلانية ومنطقية ومقنعة، فهذه الإجابات بينها وبين الفعل السياسي سنواتٌ ضوئية.

إذاً لا مخرج أيضاً في هذه البلدان أيضاً..

لا يوجد طلبٌ على الديمقراطية، فالديمقراطية كما يفهمها الغرب ليست مرغوبة لدينا، أي الديمقراطية التي تنطوي على حريات فردية وتحرر اجتماعي، هذه الديمقراطية غير مرغوبة وغير مقبولة وليس لديها الأساس الاقتصادي والاجتماعي الذي يحملها. الشكل المقبول والمطلوب هو نوع من الحكم البطريركي الذي يحافظ على القيم التقليدية والعائلة المتماسكة تحت سلطة الأب، ورأس الهرم الذي يمثله رئيس الدولة، هذه نحن غير قادرين على التخلي عنها. أنور السادات كان يقولها بصراحة «أنا كبير العيلة»، وهذه الطريقة هي الأسهل والأكثر قُرباً من الثقافة السائدة، وبتقديري فهي مستمرة، بينما المجتمع ما يزال يعيش القيم نفسها والأفكار نفسها وطريقة الإنتاج نفسها. 

ربما يكون عدد الانتخابات التي أقيمت وستقام هذا العام هو الأكبر في التاريخ، وفي دول متفاوتة من حيث الأهمية الدولية ومستوى وشكل الديمقراطية فيها، من إندونيسيا أكبر ديمقراطية في العالم الإسلامي، مروراً بالهند أكبر ديمقراطية في العالم، وصولاً للولايات المتحدة أهم الديمقراطيات وأكثرها تأثيراً. ومع ذلك حذَّرَت الإيكونوميست، ليس وحدها بطبيعة الحال، خلال استشرافها العام الحالي، من أن الديمقراطية في خطر. إلى أي درجة تتفق مع هذا الرأي؟

عندما نتكلم عن الديمقراطية، علينا أن نتحدث بشكل واضح؛ هل المقصود هو الديمقراطية الليبرالية أم الديمقراطيةُ الإنتخابية أم أشكالٌ أخرى من الديمقراطية، والأمثلة المذكورة في السؤال ليست متطابقة بالطبع. النموذج السائد غربياً هو الديمقراطية الليبرالية، وبعودة سريعة للماضي، فالديمقراطية والليبرالية مسألتان مختلفتان، وزواجهما كان متأخراً، ربما بعد الحرب العالمية الثانية. في البداية كان هناك ما هو ديمقراطي يعتمد على الأكثرية بغض النظر أين تصب، وهناك ما هو ليبرالي يترك الأشياء لحركة السوق ويركز على حريات من دون قيود وخصوصاً حرية رأس المال. زواج الديمقراطية والليبرالية هو ما أنتجَ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب ودولها الحديثة وضبطَ دور الدولة ودور الاقتصاد. هذه الديمقراطية الليبرالية تتعرض منذ أيام مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى محاولة للتضييق لمصلحة الليبرالية.

مثلاً في هنغاريا، لدينا رئيس الوزراء فيكتور أوربان، وهو ديمقراطي وغير ليبرالي، والأغلبية الساحقة من الهنغاريين انتخبوه، علماً أن منافسه مسيحي محافظ. 

الخطر الحقيقي هو على الديمقراطية الليبرالية القادرة على الموازنة بين دور الدولة ودور المجتمع بالرقابة على الدولة وبين الحريات العامة والفردية، بما فيها حرية رأس المال التي يجب أن تخضع للرقابة إلى حد ما. 

الولايات المتحدة تجسّد ذروة الديمقراطية الليبرالية وساحةَ اختبارها الأولى، وما يمثله دونالد ترامب وأشباهه هو عملياً أزمةٌ في الديمقراطية، والتي وصلت إلى مكان أصبحت معه تُهدِّدُ الحريات، وليس صدفة أن الحديث عن التعديل الثاني في الدستور الأميركي، والذي يتيح امتلاك السلاح، دائماً ما يتم ربطه بالحرية، وبرأي المدافعين عنه أن الحكومة يمكن أن تنحو إلى الطغيان وعلى المواطن أن يكون مُسلحاً لمقاومتها. ضمن هذه القسمة الأخيرة، الحكومةُ يمثلها الحزب الديمقراطي والمواطن يمثله الجمهوريون الذين يقدمون أنفسهم حماة الحريات الدستورية ومن ضمنها الحق في حمل السلاح. ومن الأسباب الأخرى التي يجب أخذها بالاعتبار أن المسار الاقتصادي الذي سلكته الولايات المتحدة في آخر خمسة عقود أدى للقضاء على ما يسمى الحلم الأميركي، لم يعد متاحاً لشخص لا يحمل شهادة جامعية كما كان سابقاً أن يؤمن معيشته ويؤسِّسَ أسرة ويرسل أبناءه للجامعة، ويختلف تشخيصُ سبب ذلك من جهة لأخرى، سواء كان السبب هو الضرائب، أو الـ outsourcing أي نقل الأعمال إلى خارج أميركا، أو تغوُّلُ عقلية الربح السريع؛ كلُّ ذلك قضى على آلية التراكم التي كانت تعمل لعشرات السنين وأنتجت ما يسمى الحلم الأميركي، حيث يحصل كل شخص على فرصة. هذا ما يفسر لماذا اليسار الراديكالي واليمين المتطرف في الولايات المتحدة أصبحا أكثر قوة بشكل متزامن، وذلك نتيجة انتفاء القدرة على المبادرة الفردية، والارتباط إما بمؤسسات أو التفلّت من القوانين، وهذه ظاهرة موجودة بدرجات أقل وبأشكال مختلفة في كل الدول الأوروبية، حيث يصعد اليمين المتطرف في ألمانيا، وكذلك حزب الإصلاح في بريطانيا، ومارين لوبان في فرنسا، وجميعهم يمثلون الديمقراطية غير الليبرالية.

هذا يقودني إلى سؤال آخر، حال انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية المرتقبة مع نهاية العام، وهو الانتصار المُرجَّح بشكل طفيف حتى الآن، هل سنكون أمام موجة جديدة من صعود اليمين المتطرف عالمياً؟ هل الربط الآلي بين المسألتين دقيق؟  

هناك رهانات تذهب بهذا المنحى، أنَّ الانتخابات التي ستشهدها دول أوروبية بعد انتصار مُحتمَل لترامب في الانتخابات الأميركية ستنعكسُ عليها الموجة التي سيسببها انتخاب ترامب مجدداً، حتى أنَّ ثمة استعدادات للاستفادة من هذه الموجة. بيد أنه إذا جرَّبنا النظر إلى النقاط المشتركة بين الجميع، وهي المهاجرون والأزمة الاقتصادية وسخافة بعض الاتجاهات في ثقافة الووك Woke Culture ووصولها إلى مساحات غير مجدية وغير مقنعة، واللعب على هذه القضايا جميعاً واستغلال عواطف شرائح من الناخبين تجاهها، وهي مسألة مشتركة بين كل الدول الغربية ودول الشمال، فمن الوارد جداً أن تمتد هذه الموجة.

لكن بالمقابل، وبالنظر إلى التجارب التي شاهدناها، مثل تجربة اليمين الراديكالي في إيطاليا سواء خلال الحكومة السابقة أو مع حكومة جورجيا ميلوني، فإنها تشير إلى وجود حدود لم يتمكن هذا اليمين من اختراقها، كالضوابط التي يضعها الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، إذ لا تستطيع أي حكومة داخل الاتحاد الأوروبي أن تخرقها، سواء فيما يتعلق بالمهاجرين أو حقوق الإنسان أو الحريات وغيرها. من هنا يمكن فهم الهجوم على هذه المؤسسات وعلى الاتحاد الأوروبي بدعوى أنه مؤسسة بيروقراطية غير مُنتخَبة، وأن لديها صلاحيات أكبر مما يحق لها، وأنها تتدخل بالشؤون الداخلية للدول الأعضاء ذات السيادة.. إلخ. أعتقدُ أن العام المقبل سيكون مثيراً للاهتمام.

سأختم مع سؤال شخصي، هل تُحضِّرُ لأي كتاب جديد، وخاصة مع النجاح المعقول الذي حققه كتابك الأخير «الفتوحات العربية في روايات المغلوبين»، والذي صدرت له أربع طبعات لغاية الآن؟

لدي مشروعان الآن، لا أعرفُ أي منهما قد أتمكن من إنجازه أولاً، ما زلتُ في المراحل الأولية، والفكرة لم تختمر بشكل كامل. يُفترَض أن يتناولا مسائلَ عن المسلمين وعلاقتهم ببعضهم وغيرهم. عندما يُتاح لي الوقت، سأعمل عليهما.