دفعت أكثر من عشر سنوات من الحرب في سورية، وما نتج عنها من أحوال معيشية متدهورة، إلى جعل القراءة أقل حضوراً في حياة السوريين والسوريات، فأغلقت عشرات المكتبات ودور النشر أبوابها أو تحوّلت إلى مشاريع تجارية أخرى لعدم القدرة على استيراد الورق وارتفاع أسعار الكتب وتراجع الإقبال على شرائها، وطال ذلك بسطات الكتب المنتشرة في دمشق. كما توقّفت الصحف والمجلات عن الصدور ورقياً، وانعكست هذه الأزمة حتى على الكتب المدرسية والجامعية.  

بسطات الكتب تحارب الاندثار

في زاويةٍ مهملة تحت جسر الرئيس وسط العاصمة دمشق، بقايا لبسطات وبعض الرفوف المركونة في الشارع وعليها كتبٌ من تصنيفاتٍ مختلفة، وإذا لم تكن تبحث عنها أو تقصدها بعينها، فلن تنتبه لوجودها في ظل الازدحام الكبير بالسيارات والميكروباصات والباصات وآلاف الناس الذين يقصدون هذه المنطقة لكونها كراج انطلاق. تحت الجسر أيضاً عشرات البسطات والأكشاك التي تبيع الكثير من لوازم الحياة اليومية.

يَقصدُ هذه المنطقة الكثيرون من محبي القراءة بحثاً عن كتبٍ نادرةٍ وفريدة في شتى مجالات الأدب والتاريخ والعلوم والفن والسياسة وغيرها بأسعار معقولة، وقد يجدون فيها عناوين أو ترجماتٍ فُقدت منذ زمن في المكتبات. توجّهتُ مساءً إلى المكان، وتجاوزتُ الازدحام لأصلَ إلى تلك الزاوية ووقفتُ متأملاً الكتب. بين ما هو مُكدّسٌ على الأرض وما هو مُرتّبٌ على الرفوف، ستجد طيفاً واسعاً من الكتب، من دوستويفسكي وأجاثا كريستي وجبران خليل جبران ونزار قباني ومحمود درويش إلى أدولف هتلر. 

وقفتُ أتأمّل عناوين الكتب وأسماء كتّابها مبتسماً، فقد عادت بي الذاكرة ثلاثين أو أربعين عاماً إلى الوراء، عندما كنت طفلاً صغيراً أقف أمام مكتبة والدي المتواضعة وأقرأ عناوين مشابهةً لقصص وروايات الثلج يأتي من النافذة، السيدة صاحبة الكلب، سوار العقيق، وأسماء كتّاب مثل حنّا مينا، وألكسندر كوبرين، وألكسندر بوشكين، وغيرهم. كنتُ أحفظ عناوين هذه الكتب بالنظر إليها فقط، دون أن أجرؤ على لمسها. هذه المرة كان عندي الجرأة لأُمسكَ بها وأُقلّب صفحاتها، فتقدّم نحوي رجلٌ يسألني إنْ كنت أحتاج مساعدةً، فوقعت عيناي على كتاب الأعمال السياسية الكاملة لنزار قباني. سألتهُ عن سعره، فقال إن هذا الكتاب لجاره ولا يعلم بكم يبيعه، ثم سألته: «كيف حركة البيع، أكيد ما في حدا عم يشتري!»، فأجابني: «الحمد لله في حركة بس مافيك تقول منيحة، عموماً لسى في عالم عم تشتري». وبينما كنا نتحدث جاءت سيدةٌ تطلب كتاب رياض الصالحين، فبحثَ قليلاً وأعطاها نسخةً كبيرة الحجم، فسألته إذا كان لديه نسخةٌ أصغر حجماً، فأجابها بالنفي. سألتُه بدوري عن ثمن هذه النسخة، فقال 50 ألف ليرة سورية، ثم أخذ يقلّب صفحات الكتاب ويشرح لي بأن هذه النسخة أصلية وليست مصورة. تركتهما يتباحثان في الأمر وعبرتُ إلى الجهة الخلفية لأجد مئات الكتب فوق الطاولات وعلى الرفوف ولوحة كُتب عليها «أبو عبد الرحمن لبيع وشراء الكتب». يجلس أبو عبد الرحمن وحوله ثلاثة شبان، تقدم أحدهم نحوي مسرعاً يعرضُ المساعدة، سألته أن يعطيني فكرةً عن الأسعار، فأجاب بأن هناك كتب بثلاثة آلاف وخمسة آلاف ليرة سورية فقط، وكأنه يشجعني على الشراء باعتبار أن هذه الأرقام تعتبر مبالغ زهيدةً مقارنةً بأسعار متطلبات المعيشة حالياً في سورية. تركتُه ورحت أتجوّلُ بين الكتب. كان المنظر لا يُصدّق، فهناك طيفٌ واسعٌ من الكتب القديمة والحديثة.

يشغلُ أبو عبد الرحمن هذا المكان منذ أكثر من ربع قرن، وهو خريج معهد آثار. توجهت نحوه وجلستُ على كرسيٍّ بجانبه، ودار هذا الحوار:

– السلام عليكم. 

– وعليكم السلام.

– كيف الأحوال؟ إن شاء الله في حركة بيع؟

– متل مانك شايف، مافي حدا، كله بيجي بيتفرّج وبيسأل عن الأسعار وبروح.

– يعني الأسعار غالية؟

– لا والله. منحاول نبيع بأقل الأسعار منشان العالم تشتري، بس العالم صار همها تاكل وتشرب أكتر ما تقرأ، ونحن بالأساس الزباين تبعنا من الناس البسيطة الفقيرة بس مثقفة وبتحب القراءة. بس وقت بدك تخلي إنسان يختار، فأكيد رح يختار الأكل والشرب، لأنه الوضع صار مأساوي. بعزّ الحرب كانت العالم مدبرة أمورها وعايشة، بس هلق حتى الخبز ما عم يشبعوه.

– يعني بس منشان هيك العالم بطلت تشتري؟ ولا في شي تاني؟

– أكيد لأ. في أسباب تانية كتير، غير الوضع الاقتصادي، في عالم كتير سافرت برا البلد وخاصةً الشباب. عندك كمان موضة الكتاب الإلكتروني اللي كتير أثّرت على شغلنا، أسهل وأسرع وببلاش، بس رغم هيك في عالم كتير ما بتقتنع غير تمسك كتاب ورق بإيدها وتقلّب صفحاته.

– شفنا مكتبات كتير سكّرت وغيّرت شغلها لشي تاني. ممكن يوماً ما يبطل في بسطات كتب؟

– بصراحة إذا ظل الوضع هيك لا تستغرب يبطل في بسطات. على فكرة البسطات كانت أكتر من هيك بكتير، بس متل مانك شايف ضلينا كم واحد بس. عنا أمل تتحسّن الأوضاع وترجع الناس تشتري كتب، والله شي بيحرق القلب منظر الكتب هيك ونحن مو طالع بإيدنا شي.

يتواجد على هذا الرصيف باعةٌ باتوا شخصياتٍ مشهورة يعرفها مرتادو المكان، وكوّنوا معهم صداقات وعلاقات امتدت لعشرات السنوات. عدا عن أبو عبد الرحمن، هناك أبو عبدو؛ الرجل الثمانيني الذي يحمل شهادةً ابتدائيةً فقط، والذي يعمل في هذه المهنة منذ عام 1958 أيام الوحدة بين سوريا ومصر بحسب تعبيره،؛ وعبد الله حمدان الملقب أبو زينب، خريج كلية الشريعة المنحدر من مدينة دير الزور والذي يشغل هذا المكان لأكثر من عقدين؛ وبائعٌ آخر يدعى أبو مؤيد، وهو محمود حسن الكاتب والصحفي فلسطيني؛ وبائعٌ يدعى أبو سارة، ومثلهم كان أكرم كلثوم الملقب أبو طلال، والذي نعته الأوساط الثقافية والكثير من القراء أواخر شهر سبتمبر (أيلول) عام 2019، ابن مدينة السلمية والحاصل على الشهادة الابتدائية، وقد شغل مكاناً بين هذه البسطات منذ تسعينيات القرن الماضي، وظل وفياً لروّاده حتى وفاته، وقد حظي بألقابٍ عديدة مثل شيخ الورّاقين وعمود الجسر. اشتهر أبو طلال بتأمين الكتب النادرة والنسخ الأصلية «لا الكتب التجارية» كما كان يقول لزبائنه، وكانت مكتبته الرصيفية تحتوي في الغالب على الطبعات الأولى، سواء من الروايات العالمية أو السير الذاتية والنوادر التي لا يمكن الحصول عليها عادةً إلا عبر شرائها من بيروت.

وينتشر في أوساط الباعة والقرّاء أن وزيرة الثقافة السابقة نجاح العطار، التي شغلت هذا المنصب بين عامي 1976 و2000، لعبت دوراً هاماً في انتشار مكتبات الرصيف في دمشق وقدّمت لأصحابها الحماية من مضايقات البلديات، ويدلّلون على ذلك بالقول إنه بعد إعفائها من منصبها عملتْ محافظة دمشق على حصرهم في زاوية واحدة تحت جسر الرئيس مع الكثير من المضايقات، لكن هذا الواقع يمكن أن يتغيّر خلال العام الحالي، إذ أعلنت محافظة دمشق في الشهر الأخير من عام 2023 نيّتها إعادة تأهيل جسر الرئيس في النصف الثاني من العام الجاري، بكلفة تقريبية تصل إلى 6 مليارات ليرة سورية تشمل صيانةً كاملةً للمنطقة الواقعة تحت الجسر من خلال تأهيل عددٍ كبيرٍ من المرافق، ومن ضمنها «تخصيص ركن مغلق لبيع الكتب داخل الحيز الجنوبي من الجسر»، وهو المكان الذي تتواجد فيه حالياً البسطات المُهملة منذ سنواتٍ طويلة.

تركتُ بسطة أبو عبد الرحمن وغادرتُ المكان من تحت الجسر باتجاه شارع الحلبوني، الممتد من جسر الرئيس وصولاً لساحة الحجاز. يُعدّ هذا الشارع سوق الكتب الأشهر في دمشق ومركز تجمّعٍ يضمّ بعض أقدم دور النشر. في هذا الشارع أيضاً العديد من بسطات الكتب المستعملة، لكن هناك بعض البسطات التي تبيع كتباً جديدةً اشتراها أصحابها من المكتبات بسعرٍ أقل من سعرها الأصلي بسبب رداءة الطباعة أو نوعية الورق. في هذا الشارع أيضاً ينتشر العديد من الشبان الذين يبيعون ما يُعتبر «كتباً تجارية»، مثل كتب الترفيه وتحفيز الذات وكيف تصبح مليونيراً في عشرة أيام أو كيف تتعلّم لغةً ما في خمسة أيام، فضلاً عن كتب الأبراج والدين وبعض الروايات التي تحمل عناوين «رنّانة» تستقطب جمهوراً محدداً. وسارت بعض المكتبات في هذا الشارع على النهج نفسه في نوعية كتبها بحثاً عن البيع السريع، حتى أنهم يضعون بسطات مماثلة أمام مكتباتهم. العديد من هذه المكتبات والبسطات باتت مقصداً لأشخاص يبيعون كتبهم، فالكثير من السوريين الذين تركوا بيوتهم أو هُجِّروا منها تركوا وراءهم مكتباتٍ أمضوا سنوات طويلة في جمع وترتيب الكتب فيها، وقد صارت هذه المكتبات تُباع من قِبل مَن استولوا عليها. وبالطبع هناك الكثير من المكتبات المنزلية التي احترقت، وهناك مَن صار يبيع كتبه لتأمين مستلزمات حياته من إيجار وطعام ودواء. ولكنّ سرقة الكتب من البيوت وبيعها هو ما يفسّر انتشار الكثير من الكتب المحظورة في شوارع دمشق، ويفسّر جزئياً وجود كتب عليها توقيع المؤلف أو كتب أجنبية بعضها يتجاوز عمره المئة عام، وذلك بسبب مغادرة الغالبية العظمى من الأجانب لسورية عام 2011 تاركين وراءهم كتباً لم يكن بالإمكان حملها إلى بلدانهم، وباتت هذه الكتب، بحسب أصحاب البسطات، مطلباً لكثيرٍ من الأشخاص، وبعضهم يأتي من لبنان للبحث عنها.

دور النشر والمكتبات: محاولات يائسة للاستمرار

عددٌ من دور النشر في دمشق توقّفت عن العمل، ومن بينها دور نشرٍ عريقة يعود تاريخ تأسيس بعضها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وباعت هذه الدور كتبها ومحتوياتها بأسعار زهيدة للتحوّل إلى أعمال أخرى، مثلما حدث مع دار دمشق للنشر التي تأسست عام 1954 ثم تحولت إلى مكتبة لبيع القرطاسية. رغم ذلك، ما يزال هناك دور نشرٍ تُصارع من أجل إبقاء أبوابها مفتوحة، مثل دار أطلس التي تقلّصت إصداراتها من 15 عنواناً في السنة إلى 5 عناوين «بسبب ظروف الحرب وكورونا»، وقد حاز عنوانان من إصدارات الدار على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في قطر عام 2018. أما دار الفكر التي تأسست عام 1957 كانت تطبع من 100 إلى 200 عنوان في مختلف المجالات، لكنها تراجعت في السنوات العشر الأخيرة إلى 10 عناوين فقط. وما زالت دار معابر التي تأسست عام 2000 مفتوحة الأبواب، ولكنها أصدرت 27 كتاباً فقط، وكذلك دار نينوى التي حازت في عام 2021 على جائزة الاتحاد العربي للثقافة. بدورها تأثّرت دار التكوين كثيراً بجائحة كورونا على مدى ثلاث سنوات، فتقلّص عدد العناوين التي كانت تطبعها من نحو 50 عنواناً إلى حوالي 20 عنواناً فقط. دار كنعان التي تأسست عام 1989 تطبع حالياً من 30 إلى 40 عنواناً سنوياً. دار الحصاد لا تطبع اليوم سوى 3 أو 4 عناوين في السنة. دار سرد التي تأسّست عام 2018 تُصدِر من 10 إلى 12عنواناً سنوياً. دار ياسمينا تأسّست عام 2021 وتهتمُ بالأدب الصوفي. دار ورد، والتي بدأت في السنوات الأخيرة الاهتمام بالنشر الإلكتروني. وكان عدد دور النشر السورية المُسجلة رسمياً في وزارة الإعلام يبلغ نحو 400 دار، إلا أن غالبيتها كانت محدودة النشاط.

وتعاني دور النشر اليوم من صعوباتٍ عديدة، فخلال حديثنا مع صاحب إحداها قال للجمهورية.نت: «أولى المشاكل قلة العمال، فبعض العاملين في هذه الدار هاجر وبعضهم مات، وقسمٌ منهم سيقَ إلى التجنيد الإلزامي، وآخرون وجدوا عملاً آخر يعود بأجرٍ أعلى». وتابع حديثه: «الليرة السورية بالأرض واستيراد ما في وأسعار الورق والحبر وغيرها بالعالي، وعندك كمان انقطاع الكهرباء لفترات طويلة جداً وشح البنزين والمازوت يعني إنه المطابع موقفة. هاد بدون ما ننسى الضرايب وأجور الشحن والسفر. المصيبة الأكبر هو موضوع قرصنة الكتب. بيقولوا إنه أكبر عمليات القرصنة للكتب بتصير بدمشق، وبما إنه ما عنا حقوق للملكية الفكرية نضطر أنه نشتكي ونرفع دعاوي لحالنا بشكل شخصي حتى نرجّع حقنا». ويعود سبب ارتفاع أسعار الكتب إلى ارتفاع سعر الورق وتكاليف الطباعة لأكثر من 500 بالمئة خلال العقد الأخير، إضافةً لأجور اليد العاملة. وبالتالي تبلغ اليوم قيمة أي كتاب مطبوع أكثر من راتب موظّف حكومي تقريباً، لذلك لا نجد دور نشر تبيع الكتب في الداخل، وهي تكتفي بالمشاركة خارجياً في المعارض لعلّها تحقق أرباحاً معقولةً تجعلها قادرةً على الاستمرار في العمل. وصار الكثير من الكتاب والروائيين والمترجمين المقيمين حتى الآن في سوريا يفضّلون التعامل مع دور نشر لبنانية وخليجية، لأغراض التسويق ولكون بعضها يقدّم مقابلاً مالياً، وهو ما ليس بمقدور دور النشر السورية فعله، وأكثر من ذلك قد تطلب من الكتّاب تحمّل نفقات الطباعة على حسابهم الشخصي.

ومن دور النشر إلى المكتبات، إذ تتوالى أخبار إغلاق مكتبات عريقة في دمشق وعموم المحافظات السورية وتحويلها إلى مهن أخرى نتيجة تراجع حركة بيع الكتب، وصارت مكتبات عديدة في دمشق تبيع الهدايا والألعاب والقرطاسية وغيرها لتقاوم الإفلاس وتتمكن من الاستمرار. 

من المكتبات الدمشقية العريقة التي أغلقت أبوابها مكتبة اليقظة العربية بموقعها المعروف قرب مقهى الهاڤانا، وذلك في عام 2014 بعد رحلة ثقافية دامت نحو 80 عاماً، وحل مكانها محلٌّ لبيع الأحذية؛ ومكتبة ميسلون التي تحولت إلى مركز صرافة؛ ومكتبة الذهبي في الشعلان التي تحولت إلى محل بيع فلافل؛ ومكتبة التنبكجي؛ ومكتبة الملاح في منطقة الحلبوني؛ ومكتبة ودار الإعلام بالحلبوني؛ مكتبة النهضة في شارع خالد بن الوليد؛ مكتبة الجامعة بجانب مقهى النوفرة؛ مكتبة الزهراء بجانب سينما الزهراء؛ ومكتبة أطلس في طريق الصالحية؛ وعام 2021 أُغلقت مكتبة نوبل للأخوين جميل وأدمون التي كانت في شارع ميسلون بعد 5 عقود من العمل الأدبي والثقافي.

اليوم ما يزال هناك عددٌ من المكتبات التي تصارعُ الإغلاق، منها مكتبة النوري التي أغلقت فروعها وحافظت على مكتبتها المركزية فقط؛ ومكتبة دار النمير؛ والمكتبة العمومية؛ وبعض المكتبات التي تبيع الكتب التراثية والدينية. يقول صاحب إحدى المكتبات في الحلبوني للجمهورية.نت عن سبب إغلاق بعض المكتبات أو اتجاه مكتبات أخرى للإغلاق: «لا يمكننا القول إنه لم يعد هناك قُرّاء أو راغبون في شراء الكتب، لكنّ ارتفاع الأسعار بات يفوق قدرة المواطن السوري، عدا عن قرصنة الكتب والتزوير ومزاحمة الكتاب الإلكتروني، ويبقى السبب الأهم هو عدم اهتمام الوَرَثة من أبنائنا بهذه المهنة، فقد بات هذا الجيل يبحث عن الربح السريع بغضّ النظر عن القيمة المعنوية والثقافية لما يقومون به، ولكن هذا يجد ما يبرّره بالنظر إلى صعوبات الحياة وقسوة المعيشة في ظروفنا الراهنة».

يُذكر أن اتحاد الكتاب العرب في سورية والهيئة السورية للكتاب كانا من الجهات البارزة في طباعة الكتب الأدبية، ولكن كعادة القطاع الحكومي في البلاد، فإن الفساد والمحسوبيات كثيراً ما يتحكّمون في إصدارات الكتب. بدوره، يقول رئيس الاتحاد محمد حوراني في حديثٍ لوكالة سانا الرسمية: «هناك بعض العلاقات التي تحكم مسألة الطباعة في بعض المؤسسات، وكذلك بعض الانحياز إلى أمور يفترض أن ينأى المثقف والأديب الحقيقي بنفسه عنها. من الواجب علينا جميعاً (مؤسسات خاصة أو عامة) أن نبتعد عن إجازة الكتاب ونشره فقط لتحقيقه مردوداً مادياً، بعيداً عن محتواه الفكري والأدبي والثقافي، لأن هذا من شأنه أن يُسهِم في تفاهة المشهد الثقافي وتراجعه».

الصحافة المطبوعة لا تلزم: هكذا قرّرت الحكومة

شهدت سورية في السنوات الأولى من القرن العشرين صدورَ عشرات الصحف والجرائد والمجلات الورقية، ولعبت الصحافة دوراً في الحياة السياسية آنذاك. حالياً يوجد ثلاث صحف فقط: البعث منذ 1946، والثورة منذ 1958، وتشرين منذ 1974. وكانت هذه الصحف توزّع بمعدل 40 ألف نسخة يومياً للصحيفة الواحدة قبل عام 2011، وهناك صحيفة محلية في كل محافظة تتفرّع عن مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر التي تتبع لها صحيفتا الثورة وتشرين، بينما تتبع صحيفة البعث لحزب البعث. وعندما ورث بشار الأسد حكم سورية عن والده عام 2000 سمح بإصدار بعض الصحف الخاصة، لكنها لم تدُم طويلاً، باستثناء بعض الصحف التي أصدرها المقرّبون من النظام، ومنها صحيفة الوطن التي تأسست عام 2006 وكان يملكها رامي مخلوف قبل تجريده من ممتلكاته، وهي ما زالت مستمرة حتى اليوم وتحظَى بنفوذ واسع.

نقطة التحول الكبيرة التي عاشتها الصحافة الورقية كانت في 22 آذار (مارس) 2020، عندما قرّرت وزارة الإعلام في حكومة النظام تعليق صدور الصحف الورقية، وجاء في البيان: «ضمن الإجراءات الحكومية الاحترازية للتصدي لفيروس كورونا، وفي إطار الخطوات الاستباقية للحفاظ على الصحة العامة، قرّرت وزارة الإعلام تعليق صدور الصحف الورقية حتى إشعار آخر على أن تستمر بالصدور إلكترونياً». وجاء القرار خلال اجتماع في وزارة الإعلام ترأسهُ وزير الإعلام عماد سارة، وضمّ رؤساء تحرير صحف الثورة وتشرين والبعث والوطن، حيث تمّ الاتفاق على «تعليق الصدور الورقي والإبقاء على النشر الإلكتروني بهدف استمرار الصحف في القيام بدورها الإعلامي التوعوي في هذه المرحلة للتصدي لفيروس كورونا، وكذلك الحفاظ على الصحة العامة باعتبار مادة الورق من الأسطح الناقلة للفيروس» بحسب البيان. ولكن بعد انقضاء 4 سنوات على هذا القرار تبيّن أن السبب لا يتعلق بجائحة كورونا، وهو مالي بحت له علاقة بالتقليل من استخدام الورق بسبب العجز الحكومي عن مواجهة الانهيار الاقتصادي ونقص السيولة المالية. ويؤكد على ذلك البلاغ الصادر عن رئيس مجلس الوزراء في السادس من آب (أغسطس) من العام الفائت، وقد طلب فيه من الجهات العامة «إيقاف طباعة المفكّرات السنوية حتى إشعار آخر بهدف ترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءته والاستخدام الأمثل له وترشيد استهلاك مادة الورق».

وقد ذهبت بعض الدوائر الحكومية كمديريات المياه وجهات أخرى إلى التوقف عن استخدام الورق في الفواتير والإيصالات، واستعاضت عنها برسائل نصية قصيرة على الهاتف المحمول، وتقول مؤسسة مياه حماة إنها «أول من قام بهذه التجربة ووفّرت 450 مليون ليرة سورية كانت تُنفَق على الورق». ويُذكر في هذا السياق أن سورية تستورد شهرياً من الورق ما تتراوح قيمته بين 4 و5 ملايين دولار وفقاً للأرقام الرسمية، وتُعدّ المؤسسات الحكومية الأكثر استهلاكاً له، لا سيما المصارف والمطابع، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة في صناعة الورق الأبيض وكرتون الطباعة لصعوبة استيراد المواد الأولية.

بغض النظر عن أزمة الورق، فإن الصحف والمجلات العربية التي كانت تصل إلى سورية من لبنان ومصر والخليج ما تزال ممنوعةً  من الدخول منذ العام 2011.  

الكتاب في المدارس والجامعات 

تشتكي أم أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال، من المصاريف الإضافية التي تترتّب عليها بسبب الاختبارات والامتحانات في كل فصلٍ دراسي. تقول: «عندي 3 أولاد في المدارس، في كل مذاكرة أو امتحان تَطلب إدارة المدرسة من أولادي مبالغ مالية من أجل طباعة الأسئلة بحجّة عدم وجود ورق في المدارس. وتحت التهديد بمنع المتخلّفين عن الدفع من تقديم الامتحان، يقوم الطلاب بجمع مبالغ مالية وشراء مواعين ورق. تكلفة الماعون الواحد اليوم أكثر من 60 ألف ليرة سورية، وهذا الأمر يتكرر في كل فصل منذ سنوات. هل يعقل أن المدارس بدون ورق؟». ولا تقتصر شكوى أم أحمد على دفع تكاليف ورق الامتحانات، فهناك مشكلة أكبر وأصعب يواجهها طلاب المرحلتين الإبتدائية والإعدادية هي توفّر الكتاب المدرسي: «مع بداية كل فصل دراسي تقوم المدارس بتسليم الطلاب كتباً قديمة ومهترئة. بعض الأهالي يدفعون أموالاً لأمناء المكاتب في المدارس فيحصلُ أبناؤهم على نسخة جديدة، والبقية يرضون بالواقع. وفي حال أراد الأهالي شراء كتب جديدة من خارج المدرسة، فعليهم البحث طويلاً ودفع أموالٍ كثيرة، هذا إن وُجِدت الكتب. المصيبة أن المدارس، مع نهاية كل فصل، تُغرّم الطلبة ثمن الكتب المهترئة التي استلموها بمبلغ 10 آلاف ليرة عن كل كتاب، ليعاد توزيعها على حالها في العام الدراسي التالي». وعن عدم توفّر الورق في المدارس، يقول تقريرٌ نشرته جريدة الوطن شبه الرسمية إن مدارس في صحنايا أجّلت مذاكراتها لعدم توفر الورق قبل عامين، وقد بلغ عددها 12 مدرسةً.

أما بالنسبة للجامعات، فقد وجدت حلّاً في العام الماضي، وجاء في عنوان لصحيفة الوطن: وداعاً للكتب الورقية في الجامعات… التعليم العالي: لا طباعة للكتب الجامعية بعد الآن وتحويل الملفات إلى صيغة PDF. تقول الصحيفة: «أخيراً قرّرت وزارة التعليم العالي عدم طباعة الكتب ورقياً في كل مديريات الكتب والمطبوعات بالجامعات إلا بموافقة مسبقة ومعلّلة من رئيس الجامعة حسب الحاجة والضرورة، الأمر الذي يوفّر مبالغ كبيرة كانت تُصرف على أعمال الطباعة وتكديس الكتب في المستودعات دون أي إقبالٍ عليها من الطلاب، وبالتالي خسائر كبيرة للكتب على حساب الملخصات والنوط الجامعية المنتشرة في الأكشاك». وتضيف: «إجراءات الوزارة جاءت بعد ما طرحته ‘الوطن’ ضمن تقارير صحفية عدة حول أزمة الكتاب الجامعي ومبالغ مالية تقدر بمليار و200 مليون ليرة تكلفة للآلاف من الكتب المطبوعة منذ سنوات، من دون أن تَلْقى أي طلبٍ عليها من الطلاب، وتم الاستغناء عنها على حساب التوجّه إلى الملخصات الجامعية ليباع عددٌ محدود من النسخ في كل فصل دراسي، وبنسب مبيعات لا تتجاوز 10 بالمئة، لنشهد بعدها تحركاً كبيراً من الوزارة لإقرار الكتاب الإلكتروني». 

سألنا عبد الله، وهو طالب طب بشري في السنة الثالثة، عن دقّة هذا الكلام ومدى اتفاقه معه فأجاب: «هذا الكلام غير صحيح. الجميع يعلم بأن طلاب كليات الطب والصيدلة وبعض التخصصات العلمية الأخرى يعتمدون بشكلٍ أساسي على كتب المنهاج. ربما بعض طلاب كليات العلوم الإنسانية يكتفون بالملخصات دون الكتب، لكنها ليست حالة عامة. الارتفاع الكبير في أسعار الكتب الجامعية يجبر الكثيرين على استعارة الكتب من زملائهم في السنة نفسها أو من السنوات الأقدم، وهذا السبب الكامن وراء ضعف الإقبال على شراء الكتب. الجميع يعلم أيضاً أن هناك أزمة اقتصادية وخاصة في موضوع الورق، ولذلك توقفت طباعة الكتب، ولكني لا أجدها حجةً مُقنعة، فتوفير الكتاب من مسؤوليات وزارة التعليم العالي». 

معامل الورق ومحاولاتها اليائسة

بعد سنواتٍ من الحرب، ونتيجة الدمار الكبير الذي لحق بمعامل الورق مما أدّى إلى توقُّفها، عاد بعضها للعمل منذ العام 2017، وذلك بعد وعود من الحكومة بالسماح في استيراد الورق الفلوت، وزعمها رصْد نحو 30 مليون دولار لهذا الغرض مع وعود أخرى بدعم الصناعيين وتقديم قروض بدون فوائد. وبالفعل عادت المصانع للعمل، بل إن أصحاب بعض المصانع أضافت خطوط إنتاج جديدة بملايين، وبدأت إنتاج الورق الفلوت محلياً عام 2019 بدلاً من استيراده من الخارج. ولكن بعد فترة قصيرة صار يتعذّر الحصول على المواد الأولية اللازمة لإنتاج الورق، وكذلك النفايات الورقية من الأسواق المحلية، وبناء عليه تقدّم أصحاب معامل الورق بطلبٍ إلى الحكومة للسماح باستيراد «نفايات وفضلات من ورق أو ورق مقوّی مُعدّة لإعادة التصنيع». وكانت المفاجأة بأن مادة النفايات الورقية غير مسموح استيرادها وغير مدرجة ضمن النفايات الخضراء، الأمر الذي أدى إلى توقف هذه المنشآت البالغ عددها 21 منشأة لإعادة تدوير النفايات الورقية بإنتاج إجمالي يفوق المليون و350 ألف طن سنوياً. 

وفي عام 2021 توقّفت 5 معامل ضخمة في دمشق وحلب عن الإنتاج كلياً، فتوقف الإنتاج والتصدير وتوقّف العمال عن عملهم، وطلّ الإنتاج متوقفاً حتى شهر شباط (فبراير) من العام الحالي، عندما أشفقت الحكومة عليهم وأصدرت قراراً سمح لهم باستيراد النفايات الورقية حتى نهاية العام فقط.