إضافةً إلى عدة عوامل تتعلق بالفقر الشديد وانتشار عمالة الأطفال، يواجه قطّاع التعليم في مدينة إدلب وريفها مشاكل كثيرة تسبّبت بتسرُّب آلاف الأطفال من المدارس؛ فكيف هو حال التعليم بالنسبة للأطفال من ذوي الإعاقة ومصابي الحرب وسط هذه الظروف الصعبة. لا يوجد إحصائيات أو أرقام دقيقة حول أعداد طلاب هذه الفئة المتسرّبين من المدارس بحسب مديرية التربية والتعليم في المحافظة، لكن النسبة الأكبر لا تلتحق بالمدارس، وهذا ما أكده ذوو الأطفال الذين التقتهم الجمهورية.نت.

ياسر صبحي طفلٌ يعيش في مخيم البيدر الواقع في قرية الحنبوشية بريف جسر الشغور في ريف إدلب الغربي، يبلغ من العمر تسع سنوات وهو متسرّب من المدرسة بسبب وضعه الصحي، إذ يعاني من ضمورٍ عضلي يُعيق حركته قليلاً، دون أن يؤثر على مستواه التعليمي وقدرته على الدراسة مع أصدقائه. لم ينجح ياسر في إكمال تعليمه لأسباب كثيرة، أبرزها المسافة بين المنزل والمدرسة، والتي تحتاج إلى ربع ساعة سيراً على الأقدام بحسب والدته، التي قالت للجمهورية.نت إن ياسر يحتاج إلى وقت أطول من زملائه للوصول إلى المدرسة بسبب صعوبة الحركة والمشي وعجز الأسرة عن تأمين سيارةٍ لنقله بسبب ارتفاع التكاليف التي قد تصل لأكثر من 300 ليرة تركية شهرياً، في حين أنهم أسرة تعيش حياة صعبة وتتحمل تكاليف العلاج وهو مبلغ كبير جداً بالنسبة لهم، فضلاً عن طبيعة الطرقات الترابية وغير الصالحة للمشي، حيث كانت تعيقه في الكثير من المرات التي حاول فيها الذهاب إلى المدرسة وتتسبب في سقوطه على الأرض، ما يجعل زملاءه يسخرون منه. قبل ذلك، كان يلتحق بالمدرسة أو ينقطع عنها مؤقتاً بحسب وضعه الصحي، لكن خلال الأشهر الثلاثة الماضية ترك المدرسة بشكلٍ كامل، فالتنمّر الذي تعرّضُ له أصابه بحزنٍ شديد ونوبات بكاء عند العودة إلى المنزل، ففقد رغبته بالذهاب مرة أخرى. 

هذا الحال ينعكس على وضعه النفسي ويسبب سوءاً في مزاجه ويُبطِئ عملية العلاج والشفاء بحسب والدته، التي تابعت أن المدرسة أيضاً غير مخصصة لاستقبال الطلاب من ذوي الإعاقة أو المتعرضين لإصابة حربية؛ من الحمامات إلى المقاعد وحتى المجتمع والأطفال الآخرين غير مؤهلين للتعامل معهم. وسط كل هذه الظروف يفضّل الأهل بقاء طفلهم في المنزل وعدم تعرُّضه لكل هذه المشاكل والصعوبات ومتابعة علاجه بدلاً من الدراسة .

أما حال الشاب أحمد الدكر، الذي يعيش في المنطقة ذاتها ضمن مخيمٍ آخر، فهو أسوأ. على الرغم من أنه بلغ  من العمر سبعة عشر عاماً، فهو لا يجيد القراءة والكتابة لأنه لم يلتحق بالمدرسة بسبب إعاقةٍ في قدميه تسببت بحرمانه من ذلك. يعاني أحمد من مشكلةٍ في الأوتار، وعلى الرغم من إجرائه لعملية جراحية ونجاحها وقدرته على المشي حالياً بشكل جيد، لم يعد قادراً على الالتحاق بالطلاب بسبب خجله، فيصعب عليه في هذا العمر العودة والدراسة مع طلاب الصف الأول.

قالت والدة أحمد إن عقله سليم، ويستطيع أن يلتزم ويدرس مثله مثل أقرانه، لكنه تعرّض للكثير من التنمر من قِبلهم، خصوصاً عندما حاول الذهاب إلى المدرسة لعدة أيام عندما كان في الصف الأول. كان حينها كثير السقوط على الأرض بسبب وضع قدميه وفي كثير من المرات هم من كانوا يدفعونه، معتبرةً أن المجتمع غير مؤهل للتعامل مع الأطفال المختلفين، وهو ما ينعكس على التربية، وهناك صعوبة أيضاً في المشي والوصول إلى المدرسة، والنتيجة كانت طفلاً أميّاً غير قادرة على القراءة و الكتابة بسبب هذه الأمور، موضِّحة أن وضعهم المادي سيء، ما يجعلها عاجزةً عن تدريسه في المنزل بشكلٍ خاص، واختتمت حديثها بتمنّي افتتاح مركز للأطفال المتسرّبين ليساعدهم على تحسين مستواهم التعليمي، معتبرةً أنه الحل الوحيد، وفي حال وجوده سيكون أحمد أول المُلتحقين به.

المدرِّسة هبة العاملة في منطقة جسر الشغور بيّنت أنه لا يوجد في المنطقة كلها مدرسة مجهزة لاستقبال الأطفال ذوي الإعاقة أو مصابي الحرب، رغم أن أعدادهم كبيرة جداً بسبب الحرب التي أدت لوقوع إصابات بين الأطفال، معتبرة أن قلة الدعم وعدم الاهتمام بهذه الفئة المهمشة هما السبب الأساسي في عدم وجود مدارس خاصة بهم، ومشيرةً إلى صعوبة اندماجهم مع بقية الأطفال في معظم الحالات.

أكدت هبة أنهم في الكادر التدريسي يسعون بشكلٍ دائم لتوجيه الطلاب وتعريفهم بالاختلاف فيما بينهم، وباختلاف قدراتهم وضرورة احترام زملائهم المختلفين، لكن يصعب تحقيق هذا والوصول إلى وضعٍ أفضل في ظل كل المشاكل التي يمرُّ بها التعليم.

وأضافت أنه من الضروري وضع جهودٍ خاصة لمساعدة هذه الفئة خصوصاً من قبل المنظمات العاملة في إدلب وريفها، والذين يركزون في أغلب الأوقات على الوضع الصحي مهملين الحاجة إلى التعليم والاندماج في المجتمع، وما يمكن أن يسببه العجز والعزلة لهذه الفئة عن باقي الأطفال، إضافة إلى معاناة الأهل والمستقبل المجهول. وحثّت هبة مديرية التربية على النظر بشكل جدي ووضع خطط فعالة لتقليص العوائق أمام تعليم هؤلاء الأطفال.

كذلك قال الأستاذ رشيد الدكر، مدير ثانوية الساحل للبنين الواقعة في ريف إدلب الغربي، إن نسبة التسرُّب بين هذه الفئة من الأطفال تصل إلى 99 بالمئة، وذلك ليس بموجب أرقام دقيقة ولكن من خلال معرفته بأوضاعهم، فعلى سبيل المثال ضمن مدرسته التي تضم دوامين مختلفين، يوجد حوالي 400 طالب، منهم واحدٌ فقط من ذوي الإعاقة، والسبب الذي يساعده في مواصلة تعليمه هو قرب منزله من المدرسة، حيث يبعد حوالي 400 متر فقط، مشيراً إلى أن جميع الظروف لا تساعد الأطفال من هذه الفئات، فعدا عن أن وضع القطاع التعليمي هو الأسوأ في المنطقة، يوجد عوامل خاصة بالأطفال أنفسهم، منها الحرج والخجل الشديد وعدم تلقيهم أي تأهيل أو دعم نفسي، وعدم وجود كراسٍ للتنقّل أو مقاعد خاصة وحمامات. ونوه الدكر إلى أنهم يقدمون للطفل الوحيد الذي يتوافد إلى المدرسة من هذه الفئة حفاضات خاصة لكي لا يضطر إلى استخدام الحمامات كحلٍّ إسعافي، لكنها مرتفعة الثمن ويتم تأمينها من خلال تبرعات المدرسين-ات.

وتابعَ أن الوضع المعيشي بالنسبة للأسر سيء جداً، وهو عائق إضافي، والمنطقة تفتقر لأي مركز أو مبادرة تعليمية لهذه الفئة بشكل خاص، هناك مراكز في مناطق أخرى وغرف لكنها بعيدة جداً، معتبراً أن هناك حلول كثيرة يمكن أن تساعد؛ منها موضوع إقامة مركز خاص لتعليمهم يتوفّر على كافة الشروط اللازمة، بما يشمل المواصلات ووسائل النقل المجهزة والمخصصة لخدمتهم، مع وجود طبيب ومختص نفسي، منوهاً إلى أن بعض المدارس تضم غرف حماية توفر أنشطةً حركية ورسم ودعم نفسي ومختص، ولكن ذلك مرهون بالمنظمات التي تدعمها، لكنها متاحة لجميع الأطفال ولا تختص بهذه الفئة.

وبالنسبة للمتسربين ومتلقّي العلاج، فمن خلال عملهم الدائم والتواصل مع الأهالي يقومون بعمليات سبر دائمة واجتماعات مع أولياء الأمور، وعند معرفة أن هناك أطفال يرغبون بالعودة إلى المدرسة يقومون بافتتاح شعبة خاصة بهم، وبعد تلقيهم المستوى العلمي المطلوب يتم دمجهم ضمن الصفوف التي تناسب أعمارهم. وكذلك أشار إلى أنهم كمعلمين يتلقون دورات تدريب وتأهيل بشكل دائم من خلال المنظمات، معتبراً أن هناك تقصيراً كبيراً في ملف هذه الفئة من الأطفال، خصوصاً من قبل مديرية التربية والتعليم التي يقتصر عملها في المدارس التابعة لها على تقديم الرواتب وبعض المنح للمعلمين.

من جانبه بيّن أحمد الحسن مدير التربية والتعليم في إدلب للجمهورية.نت أنه يوجد حالياً 60 مدرسة تابعة للمديرية في إدلب، لا يوجد بينها واحدة مخصصة لهؤلاء الأطفال، لكنهم أسّسوا داخل كل مدرسة غرفة للتربية الخاصة يتم استقبال عشر طلاب فيها من ذوي الإعاقة والمصابين، وتقدّم لهم خدمات الدمج التعليمي. لكن رغم ذلك فإن الصعوبات التي تواجه هذه الفئة من الطلاب كثيرة جداً، معتبراً أن كل واحدة تحتاج إلى شرح مفصّل، وأبرزها غياب البنية التحتية، فعادةً لا تكون المدارس مجهّزة بما يكفي لتلبية احتياجاتهم مثل المصاعد أو الحمامات المخصصة. كذلك قد تعاني بعض المدارس من قلة التمويل لتوفير الدعم اللازم لهؤلاء الطلاب، مما يؤثر على الخدمات المقدمة لهم.

وأضاف أن هناك مشاكل متعلقة بالتمييز والتنمر من قبل الطلاب الآخرين، مما يؤثر على تجربتهم التعليمية ويؤدي إلى خفض مستوى ثقتهم بأنفسهم، وكذلك نقص التوعية والتدريب، وهو أمرٌ مرتبطٌ بالكوادر التعليمية والإدارية، فمن المحتمل أن يكون لديهم نقصٌ في التوعية والتدريب حول كيفية التعامل مع ذوي الإعاقة. يضاف إلى ذلك التحديات الأكاديمية والتعليمية، فقد تحتاج هذه الفئة إلى تعديلات في المناهج الدراسية أو استخدام تقنيات تعليمية مخصصة لتلبية احتياجاتهم الفردية.

وتابع أنه رغم وجود غرف خاصة ضمن المدارس، إلا أنها بحاجة للكثير من التجهيزات وتعاني من نقص كبير في المستلزمات، كالأجهزة التقنية المساعدة، فيجب توفير التكنولوجيا المساعدة مثل الحواسيب الخاصة والبرامج المخصصة والأدوات التكنولوجية الأخرى التي تساعد الطلاب ذوي الإعاقة على الوصول إلى المواد التعليمية بشكل أفضل، إضافة إلى مواد تعليمية متنوعة مثل الكتب الصوتية والرسوم المتحركة والألعاب التعليمية والأدوات السمعية البصرية، فضلاً عن توفير المرونة والتنوع وتخصيص مساحة كافية للتحرك وتنظيم الأنشطة التعليمية، منوهاً إلى أهمية تصميمها بشكلٍ يوفّر الراحة والأمان لجميع الطلاب، بما في ذلك توفير مساحات للتأمل ودورات المياه المجهزة للاحتياجات الخاصة، وتوفير إمكانيات الوصول السهل إليها، أيضاً تحتاج هذه الغرف إلى وجود مختصين وكادر مؤهل مثل معلمي الدعم التعليمي والمعالجين.

وأضاف مدير التربية أنهم يقومون ضمن الامكانيات المتاحة ببعض الحلول لتحسين الوضع التعليمي لهذه الفئة، من خلال القيام بحملات توعية وتثقيف يتم من خلالها توعية الطلاب والموظفين وأولياء الأمور حول التنمر وآثاره السلبية، كما يتم العمل على تشجيع ثقافة الفهم والتعاطف وتوفير تدريبات للموظفين والمعلمين حول كيفية التعامل مع حالات التنمر، وتطبيق إجراءات فعالة لمنعها ومعالجتها، والسعي لإيجاد حلول لمشكلة التنمر من خلال تشجيع الإبلاغ والدعم الفوري، إضافة إلى تنظيم برامج دعم نفسي واجتماعي.

على الرغم من وجود هذه الخطط والمعرفة بالحلول التي تساعد هؤلاء الطلاب على مواصلة التعليم، لا يوجد فرص تطبيق حقيقي على أرض الواقع، وتتركز في بعض المدارس على حساب مدارس أخرى بحسب المدرّسة هبة، حيث يلعب عامل البعد عن مراكز عمل مديرية التربية وتواجُد المنظمات دوراً هاماً في تطبيقها، إضافة إلى الاحتياج الكبير للكوادر المختصة والمدارس المجهزة بتقنيات متطورة وبنية تحتية من الطرقات وبناء وتصميم المدرسة ذاتها، والتي تكون مجرد خيامٍ في الكثير من الأحيان، وصولاً  إلى توفير وسائل النقل المجانية، وهذه الإمكانيات غير متوفرة، ما يجعل فرص وحظوظ فئة الأطفال من ذوي الإعاقة ومصابي الحرب بالدراسة قليلة في بعض مناطق إدلب، فيما تتلاشى بشكلٍ تام في بعضها الآخر.

تعمل العديد من المنظمات في قطاع التعليم من خلال دعم المدارس وتأمين احتياجات الطلاب والمعلمين من رواتب وقرطاسية وترميم وغيرها، وبعضهم يأخذ بعين الاعتبار وضع هذه الفئة ولو ببعض الأمور البسيطة كوضع حمامات خاصة ومساحة خاصة للعب، لكن تبقى هذه المشاريع بسيطةً جداً أمام الاحتياجات.

يتحدث حسان سعيد، مدير برنامج التعليم دون الجامعي في مؤسسة تعليم بلا حدود – مداد، التي تشرف على دعم وتنفيذ العديد من البرامج والأنشطة التعليمية لكافة المراحل التعليمية في شمال وشمال غربي سوريا: «نحن نقدّم الدعم المالي واللوجستي للكوادر والمدارس، كما نقدم البرامج والدورات التدريبية لرفع كفاءة العاملين في قطاع التعليم، وكان آخرها ندوة حول اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط عند الأطفال ADHD».

وأضاف أنه في ما يتعلق بالتعليم لفئة الأطفال ذوي الإعاقة، فهم يعانون كمعظم منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال التعليم من عدم توفّر البيئة المناسبة في المدارس، وخاصة كون عملهم يتركز في الغالب ضمن مناطق المخيمات.

يعتبر سعيد أن عدم وجود بنية تحتية تُلبّي احتياجات ذوي الإعاقة هي من أكبر التحديات التي تقف عائقاً في طريق حصول أطفال هذه الفئة على حقهم في التعليم، إذ قلّما توجد غرف مخصصة لهم، وإن وُجِدت على قلتها، فهي لا تراعي الاختلاف في الإعاقة، فنجد في بعض المدارس غرفاً تضم أطفالاً ذوي إعاقة ذهنية مع أطفال ذوي إعاقات جسدية وحسية متنوعة، وذلك ضمن غرفة صفية واحدة تحمل اسم «شعبة ذوي الاحتياجات الخاصة».

وتابع أنه رغم أهمية البنية التحتية في تعزيز البيئة المناسبة لتعليم ذوي الإعاقة، يعتقد أن التحدي الأكبر الذي يقف عائقاً في وجه تعلُّم هذه الفئة يتمثل في غياب العنصر البشري المؤهل للتعامل معهم. وفي سبيل رفد القطاع التعليمي بكوادر مؤهلة، قاموا بالتعاون مع جامعة حلب في المناطق المحررة على إطلاق برنامج تدريب الصحة النفسية، الذي يستهدف طلاب كلية التربية – قسم الإرشاد النفسي، ويشرف على البرنامج التدريبي مجموعة من الخبراء التربويين، ويضم شقّين: نظري وعملي، من خلال استعراض نماذج من الواقع والتدرُّب على كيفية التعامل معها. كما تعمل المؤسسة على إطلاق المؤتمر العلمي الأول لتعليم الأطفال ذوي الإعاقة بالتعاون مع جامعة حلب في المناطق المحررة بمشاركة العديد من المؤسسات المدنية ومنظمات المجتمع المدني التي تقدم الرعاية لهذه الفئة.

حال المدارس وعملية التعليم سيءٌ للغاية، وهذه الشريحة من الأطفال -ذوو الإعاقة ومصابو الحرب- هي الأكثر تضرراً من دمار قطاع التعليم، فهي من أكثر الفئات هشاشةً وتهميشاً ضمن المجتمع، وليست ضمن أولويات الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بسبب صعوبة التمويل والكلفة العالية للبنى التحتية وعدم استقرار الوضع الأمني والنزوح المتكرر الذي لا يسمح بالاستقرار لبناء مثل هذه المنشآت، ليبقى حق التعليم لهذه الفئة غير متاح.