إلى رامونا باديشكو

 

-الصدق في الخطأ- 

لم يسألني عن اسمي يوماً- الخبّاز التونسي الذي كنت أشتري منه الكرواسان الدسِم باللوز وقوداً لساعات المشي، وأسندُ بابتسامته بدايةَ صباحي. بسطَ راحته على صدره، مؤكّداً «حاضر يا عمّي» ليستلم عنّي، أثناء سفري، طرداً كبيراً لا يسعه صندوق البريد. حين يخلو لنا المخبز، نخوض الأحاديث، القصيرة بأي حال؛ فإذا قطعها علينا دخول زبون استأنفناها لاحقاً، في مساء اليوم نفسه أحياناً. واقفين وبيننا خزانة الحلويات الزجاجية، في دفء مخبز لا أظنّه مالكه، تُغلّفنا روائح السكّر المحروق والفانيلا والزبدة. مرة، استفسر: «صحيح أنّ صلاح الدين كردي، فهل سميرة توفيق أرمنية؟»، أجبتُ بأني لا أعلم، فيما أنا أستعدّ للذهاب مشياً في يوم مشمس، من سان دُني إلى ساحة مونج، قاطعاً باريس على قدمي من شمالها إلى جنوبها. راقَ له أن أتذكّر روعة النافورة العثمانية في قصر الأمير عبد القادر الجزائري في ربوة دمشق، هناك، في حديقة الصنوبر، ألقى أحمد شوقي قصيدته: «سلام من صبا بردى أرقّ/ ودمع لا يكفكف يا دمشق». حين قلتُ إنّ غرف القصر قد آوتْ لعدّة سنين عوائل مهجّرين بعد النكبة، تنهّد: «آه، فلسطين! آه، سوريا!»، وانقطع كلامنا بدخول سيدة تريد خبزاً بالشوكولا. بدت مسرورة بأنْ تسمعَنا نتحدّث العربية، أو هذا ما تراءى لي. صباح اليوم التالي، سألني: «قلت لي إنّ أمير الشعراء كردي، وتركماني، وعربي، ويوناني، وشركسي… كلّ هذا!؟» كنت أرتقبُ انعطاف حديثنا إلى المتصوّفين المغاربة في بلاد الشام، لعلّي أسمع منه، مرة أخرى، زلةَ اللسان «فلفسة الحياة»، يكرّرها أكثر من مرة: «فلفسة الحياة…»، ولا يطيعه لسانه، فيستعصي التصويب حتى يبتسم معتذراً: «سامحني»، ونغيّر الموضوع.

نغم حديفة. الخروج من المرآة، 2012.

-رومانيّو باريس-

على مبعدة خطوات من ساحة مونج، مقابل مدرّج لوتيس، درَجان حجريان مزيّنان بأصص الزهور، بينهما جدار حجري فيه نافورة برأس أسد، أعلاهما سُويحة «بنجامان فوندان»، حيث يبدأ شارع رولان الذي سكنه اللوتيسيون (أي الباريسيون القدامى في باريس الرومانية)، ثم تلاهم مهاجرون من جنوب فرنسا إلى عاصمتها. بدا لي الشارع الضيق موحشَ الهدوء، أو بالأحرى مسكوناً، رغم الاعتناء بترميم مبانيه، والحالة الممتازة للحجارة القديمة التي ترصفه. هنا عاش بنجامان فوندان، الشاعر الروماني الذي كتب بالفرنسية.

شهد فوندان الحربين العالميتين، الأولى بتَرَته عن لغته الأمّ. الثانية أبادته. كان عمره 25 عاماً عند قدومه إلى باريس سنة 1923، فخالطَ في البداية الرومانيين المنفيين مثله. كان بينهم يهود مثله، هربوا من العنف المتعاظم ضدهم في بوخارست، وأحدهم صديقه الشاعر إيلاري فورونكا الذي كتبَ بالفرنسية أيضاً، وظلّ متمسّكاً بالحياة يتغنّى بها وبالإنسانية طوال الحرب العالمية الثانية، ولمّا انتهتْ الحرب أنهى حياته. كتب فورونكا عن مشقّات المهاجرين في ديوانه إذن إقامة (1935)، فالوثائق، مثل بطاقة الهوية أو جواز السفر، أحد الموضوعات المألوفة في الشعر والفن الحديثين، شرقاً وغرباً. أسهبَ فوندان في تفاصيل حصول مارك شاغال على جواز السفر الفرنسي، في النص الذي كتبه عنه سنة 1934، مُحيّياً «الاستهتار الرائع لدى شاغال»، وعدم اكتراثه بأن يكون معاصراً، وعدم انتسابه إلى أي مدرسة أو تيار من تيارات الفن الطليعية السائدة بين الحربين العالميتين. 

ابتعد فوندان عن السريالية والبابا أندريه بروتون، لابتعادها عن الإنسان العادي. رأى المستقبلية والسريالية حركات إيديولوجية. لكنه (تهكّماً بالتطابق اللفظي بين «الأنا» و«اللعبة» بالفرنسية)، اقتربَ من شعراء «اللعبة العظيمة» le grand jeu، المعروفين باختصار (5R 1928-1930)، لأنّهم حاولوا إيقاظ «الروح البدائية»، إيقاظ الحياة النائمة بإلغاء الحدود بين المرئي واللامرئي. كان سؤالهم الأساسي غامضاً: هل وجود الإنسان ممكن دون بُعده الروحي؟ مَسعاهم إلى التحطيم الشعري للفكر العقلاني أتى منسجماً مع تساؤلات فوندان، «المناضل» ضد طاغوت العقلانية، لأن نظرياتها غالباً ما تُفضي، في نهاية كل مطاف، إلى الدمار والموت. في طغيان التكنولوجيا، يحتفظ الشعر «بالحنين إلى الحقيقة الأولى التي لم تستطع العقلانية اختزالها أو تدميرها». 

كتب فوندان أولى قصائده بالفرنسية سنة 1925. لم تدُمْ صداقته بتريستان تزار، الشاعر الروماني الآخر الذي سبقه إلى باريس، إذْ سرعان ما قاطعَ الدادائية التي رآها تدمّر كل شيء لتنتهي بتدمير نفسها. ولكن لم تتزعزع صداقته بكونستانتان برانكوزي، النحات الروماني الذي جاب أوروبا سيراً على الأقدام، آتياً من بوخارست إلى باريس مشياً، وأطلق اسم «مايكل أنجلو» على المبصقة في مَنْحَتِه؛ ورشَتُهُ ذات السطح المغطّى بأسراب الحمام، والملاصقة حالياً لمتحف بومبيدو في بوبور. أراد الاستفزاز هادئاً وبعيداً عن كل ضوضاء، إذْ ماذا سيتبقى للفنان إذا رضي بالسجن الفاره للمسموحات، ولم يشقّ طريقاً آخر للنظر إلى المجهول؟ كتب فوندان مقالاً طويلاً عن صديقه الذي لم يكن يوقّع أعماله، قائلاً: «برانكوزي لا ينتمي إلى يومنا هذا، ولا إلى وطنه، ولا إلى هذا القرن»، كان نحّاتاً متديناً بطريقته، بمنأى عن الدين والمبالغات، يقرأ الصحف يومياً فلا تهزّه الكوارث، ولا يكترث بصرعات عصره. 

إيميل سيوران، الفيلسوف الروماني الآخر، تحسّر لأنه لم يُدوّن تداعيات صديقه فوندان، واصفاً التذاذَهُ بلفّ السجائر التي لم يقلع عن تدخينها، رغم قرحة كادت تثقب معدته، وكيف كانت أفكاره تنعطف بغتة أثناء الحديث، ذاهبة في أيّ اتجاه، فيبدو مترنّحاً على شفيرٍ ما، «متنسِّكاً ذا حيوية فريدة، حماسته في الكلام تُنسيك ضعفه وهشاشته. كان نهماً إلى التناقضات، كأنه المذعور أبداً من الوصول إلى أيّ نهاية».

-القصائد السينمائية-

كتب فوندان سنة 1933: «لو كنتُ حراً، حراً حقاً، لقمتُ بتصوير فيلم عبثي عن شيء عبثي إرضاءً لذائقتي العبثية». دعته فكتوريا أوكامبو إلى بوينس آيرس ليخرج فيلمه الوحيد تاراريرا (1936). اختفى الفيلم والسيناريو، ولم تنجُ من موسيقاه غير بضعة ألحان يديشية. كان قد بدأ، سنة 1928، كتابة «القصائد السينمائية» بالفرنسية، وهنّ «بنات يأسه من اللغة»، في فترة الانتقال من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة (أو «السينما الثرثارة»، سينما العالم الشعري للدعايات). أجهزت الحرب العالمية الأولى على إيمانه بأي تبرير جمالي للكون: «بدأت في الليل صراخاً بلا كلمات»، وعاد، في كتابه الرسالة الزائفة للجماليات (1938)، إلى إيمانه بأن الشعر قد يكون الصرخة أو الصلاة أو الرؤيا والسحر. كانت اللغة، بأنماط تعبيرها وحدودها ولَغوها، قد صارت سجناً. لاحت السينما الصامتة كمخرَج من مخارج النجاة المحتملة. سمى قصائده السينمائية أفلاماً لا يمكن تصويرها، كل سطر من سطورها مرقّم، محاولة لنقل صورة موجودة مسبقاً أو مختلَقة. أجرى تجاربه جُزافاً ضد الكلمة وضد الصورة في آن معاً. بالنسبة إليه، كان العبث والمأساة هما مادة الشعر، فلولاهما يستحيل الهروب من كابوس العقل أو مجابهته.

نغم حديفة، شهرزاد، 2010

-سنوات اليأس من العقل-

كانت يهودانية فوندان تيهاً روحياً. درس أسفار التوراة بالعبرية، اللغة التي تعلمها صغيراً في مسقط رأسه، مدينة لاشي الرومانية المولدافية. لعل الكتاب المقدس ودستويفسكي هما اللذان قاداه إلى ليف شستوف، الفيلسوف الروسي-اليهودي، الهارب إلى باريس بعد ثورة أكتوبر 1917، والرافض لشمولية العقل في التاريخ (تجاهله سارتر تجاهلاً تامّاً حين كانت «صرعة الوجودية» في أوجها). مُشتَّتاً أمام فظاعة العبث، جنحَ فوندان إلى تخوم الفلسفة، ضد هايدغر وضد هيغل، وظلَّ ناقماً متخبّطاً حتى التقى شستوف. عثر لديه على ضالّته. عدّه معلّماً روحياً دلّه إلى أنّ الفلسفة لا تبدأ بالتساؤل، بل تنطلق من اليأس. العقل سجن. سؤال التمزق هو جذر الفلسفة، لأن المأساة في صميم الوجود، ووراء كل ما يحدث. 

ليس الله من يتخلّى عن التائهين والمنبوذين في الأرض، أياً كانت مِلَّتهم، بل بُدلاؤه العقلانيون مدراء تطور البشرية. احتدّ فوندان في انتقاده لوي فردينان سيلين (قبل موالاة الأخير للنازيين) على «أنانية الحطّ من شأن الإنسان»، وكان رفضه قاطعاً للبهلوانيات الأسلوبية، واستغلال موسيقى اللغة تعويضاً عن الغياب التام للفكر الحقيقي.

-المجد والأربعون خالداً-

واحدٌ من أشهر تجهيزات الخلود المستقبلية/ما بعد الحداثية، هو النسخة الزجاجية من الأهرامات في باحة اللوفر. مجسّم مثلّثُ العناصر يبرز جيداً الولع الهندسي بالتناظر وحدّة الزوايا، وصرامة التراتبيات في تاريخ فرنسا ومعمارها. التصنيف أحدُ أسقام الحضارة، سقم لا مناصّ منه ولا منجى. بنجامان فوندان، في ظلال الأعلام والمكرّسين، شاعرٌ من مرتبة لا أعرف لها ترقيماً، لكنه لن يكون بأية حال في الصفوف الأولى، المتروكة للأموات عادة. دور النشر، أياً كانت أسبابها، تحيي الموتى أحياناً، وتبعثهم من رفات الكتب المنسية، فتستردّهم، كما يقول خطباء المنابر، من ظلمات التبخيس إلى أنوار التعظيم، وتُكرِّسهم بالتكرار والدعايات. عادت أعمال فوندان إلى التداول أواخر القرن العشرين، دون أن «تخلّده» غاليمار في أيّ من سلاسلها، إذْ ما حاجة هذه البلاد إلى شاعر أو فيلسوف إضافي لا يرقى إلى كوكبة النجوم؟ فرنسا تعجّ بالمفكرين والكتّاب والشعراء والرسامين… كم قنينة نبيذ، فاخرة أو رخيصة، تُفْتح يومياً، للذوّاقة أو للمشرّدين، في افتتاحات المعارض الباريسية؟ كم ورقة بحثية، هامّة بالفعل ومظلومة بقلة القراء، ألقيت عبر عقودٍ من السنين، في هذه الأزمنة الخطرة أو تلك، في «كولوك» أو «سيمينار»، أمام منفيي هذا العالم؟ كم مفتخراً، أنيقاً وقَلِقَ العينين، يبتسم في حفلات التوقيع الحزينة، في سوق الشعر بساحة سان سولبيس، مطلع كل ربيع، حيث لفّقَ الدبلوماسيون يوماً عالمياً للشعر في 21 آذار (مارس)، يُجاري ما في هذا العالم من أعياد وكوارث لا تنتهي،… فكّرْ بكل تلك النقاشات الساخنة الشنيعة، سواء تهجّماً على الحق أو ذوداً عنه، سلاطة العيون وسلاطة الألسنة ولؤم التعليقات خارقة الذكاء، على شاشات يملكها فانسان بولوريه وأضرابه، تعجَّبْ لمشاهديها كيف لا يخرجون من بعدها إلى الشوارع شاهرين السواطير والمسدسات على المارّة أو بعضهم على بعض، هائجين بعيون تقدح شرراً  كمرضى هَوَسيينَ في المصحات لم يُزْرَقوا حقنتهم اليومية من المهدّئات؛ فكِّرْ بالنجوم الصاعدين والنجوم الآفلين واعترافاتهم بأسرار نجاحاتهم وإخفاقاتهم على إذاعة فرانس كولتور، الذين سئموا مقاهي سان جرمان الأسطورية (ألن تفكّر أيضاً بالهرب حين تعلم، في مقهى «لي دو ماغو»، أنّ جان بول سارتر قد أنفق على هذه الطاولات نصف عمره؟) كانوا سيفرّقون لك بين الأنانية والنرجسية والاستقلالية والفردانية… إلخ مثلما يشرح المطرودون من بلدانهم إلى هنا الفروقَ الدقيقة بين اللجوء والهجرة والمنفى، فيحيّرك استبداد الأنا بكل شيء، بين الجميع، المُعزَّزين والمُهانين، مرفوعة على رأس الأولويات، حتى لدى تربية تلاميذ المدارس وفي ورشات الكتابة الإبداعية. كل تلك الأسماء، مدعوّين إلى الاستعراض العظيم أو مستبعَدين منه، واقفة على شفا الخلود. «شُمُّ الأرانب»، كما يقول أبو العلاء المعرّي. ربما عيون بعضهم تستشرف المستقبل، فترى ذكرها يزخرف لوحة نحاسية كتلك التي تُرصّع مدخل «فندق العظماء»، مقابل مثوى العظماء «البانثيون»، قائلة إن أندريه بروتون وفيليب سوبو قد كتبا نصهما التأسيسي المشترك «الحقول المغناطيسية» في هذا الفندق.

أيُّ كرمٍ أنْ تكون لقمتك من الخلود هي أنَّ مان راي، ملكٌ من ملوك الصف الأول في مونبارناس، قد التقطَ لك صورة بعدسته، أو أنّ شاغال قد رسمك؟ من تظنُّ نفسك أيها الغريب كالغجر الروم، يا ذا الأسلوب المفكّك والأفكار المهلهلة أمام الرِّصان الأفذاذ؟ لم يُدفَن فوندان في مقبرة مونبارناس أو بير لاشيز. لم يرقد في ضريح من تلك الأضرحة المهيبة، مقدود من الجرانيت الأسود والاسمُ محفورٌ فيه بماء الذهب، لامعٌ كسيارة كاديلاك، يحجّ إليه سيّاح الأدب القليلون بباقات الورد، فتُعزّيهم كلماته، وتُشعَل له الشموع أو لفافات الحشيش. لا قبر لمن انتهى إلى غرفة غاز في أوشفيتز-بيركناو، حاملاً معه إلى السَحاب دخانَ الجنسية الفرنسية التي نالها سنة 1938.

-أشباح شارع رولان-

كان عنوان فوندان الأخير هو 6 شارع رولان، الدائرة الخامسة. استأجره بشقّ الأنفس، وسكنه منذ 1932، بعد زواجه جنفييف تِيسييه. كان صديقه برانكوزي شاهدَ زواجهما. كان هذا الشارع خارج سور باريس القديمة التي قرّرَ حرمها الملك فيليب أوغوست في القرن الثاني عشر. 

أثناء الاحتلال النازي لباريس، كان فوندان يُخفي هويته عند الذهاب إلى محاضرات غاستون باشلار، لكيلا يُتّهم فيلسوف السوربون بالتعاطف مع اليهود. إلا أنه استهتر بمحاذير أخرى. ظلّ خطرُ الاعتقال محدقاً به بضع سنين. لم يكن يخفض صوته في ثرثرات المقاهي، فيما ضباط نازيون يجلسون إلى طاولات مجاورة. لم تصله بالبريد التأشيرة التي أرسلتها إليه أوكامبو ليغادر باريس إلى بوينس آيرس، لاجئاً هذه المرة. 

في 6 شارع رولان، يوم 7 آذار (مارس) 1944، اعتقلته الشرطة الفرنسية، منفّذة الأوامر في حكومة فيشي، واعتقلت معه أخته لين، ممثلة المسرح التي كانت تقطن المبنى نفسه. ظل الأخ وأخته الكبرى سجينين في معسكر درانسي، شمال باريس، من 14 آذار (مارس) إلى 29 أيار (مايو) 1944 يوم جرى ترحيلهما إلى أوشفيتز في قطار الرحلة 75، المنطلق من محطة بوبيني في 30 أيار. يوم 29 أيار، راسل جنفييف زوجته الفرنسية التي عُفِيت من الاعتقال. أخبرها في رسالته الأخيرة كيف سترتب «شرّ الأشباح»، قصائده الفرنسية التي أعاد الاشتغال عليها مراراً من 1927 إلى 1944، ونصفها قصائد غير منتهية (تَراوحَ عنوانها في الترجمة الإنكليزية بين «خسارة الأشباح» و«حزن الأشباح»، ولا يسمح لنا الشطط بترجمة خاطئة هي «الحنين إلى الأشباح»).

كان فوندان يطلّ على ميدان لوتيس من غرفته في الشقة الصغيرة، مجاوراً الأشباح لا ينقطع عن محاورتها. فباسكال وديكارت سكنا هذا الشارع قبله. قارن بين فكريهما، ميالاً إلى روحانية باسكال ضد عقلانية ديكارت. من يدري كم شبحاً آخر تسلّل إلى قصائده الأخيرة؟ أشباح الممثّلين الغابرين على مسرح لوتيس الرومانيّ، أشباح المقطوعة رؤوسهم بالمقاصل في احتفالات الإعدام في ساحة الكونكورد، أشباح مأساة «فال ديف» بعد اعتقالات «رياح الربيع» النازية التي اجتاحت أوروبا، أشباح الضباط النازيين في فندق ليتيسيا في مونبارناس (الفندق نفسه، بعد انتهاء الحرب، آوى بعض العائدين من مصانع القتل في بيرغن بيلسن)… الأشباح هم الذين خسروا الوجود، تائهين يعودون إلى أمكنتهم دون أنْ يعودوا حقاً. الشاعر نفسه كان شبحاً في البلاد التي كتب بلغتها، مفخرة أمم الأرض، ثم أرسلته إلى الموت. يقول: «العالم يموت. أيتها الأشباح القديمة، انطلقي! […] كنتُ بينهم أتكلّم لغتي/التي ما عدتُ أفهمها».

-قشعريرة أنْ تسمع «مُوزولمان» ملفوظة بفم ماريون ماريشال-

الوصول إلى «غار دي نور»، كبرى محطات باريس، في ساعات الذروة، تمرينٌ على القيامة. تتهيّأ بالنهوض حين يتباطأ القطار، ممسكاً كالبهلوان المبتدئ بعمود من أعمدة التوازن، محتاطاً لرجّة الوصول قبل أن تتوقّف العربات وتُشرَعَ الأبوابُ تحت سقف المعدن، العالي كهنغارات الحبوب. أسلاك ثخينة في الهواء توازي السكك الكثيرة التي تتشعّع، بالفعل كالشرايين، شمال هذه المحطّة، حيث تعلو أمام عينيك جدران الحجر، المسودة بالأدخنة والملوّنة بالغرافيتي (تظنّها مائلة، كأنها أسوار دفشها ضحايا التاريخ، ولا تزال تواصل سقوطها الذي لا ينتهي)، تلوح وراءها، على تلة مونمارتر، كنيسة القلب الأقدس. تحت الأرض، عند طرفي كل رصيف من أرصفة قطارات الضواحي، شاخصات التحذير الحمراء «خطر الموت»، وإذا رفعت ناظريك هناك، فوق زحام الرؤوس، السوداء والسمراء والصفراء والشقراء، رأيتَ نفسك في شاشات مراقبة بالأبيض والأسود، فيصعب عليك تمييز نفسك بوضوح بين المنتظرين، ويمرّ أحياناً جنودٌ هادئون، مسلّحون بكامل العتاد، يمرّ رجال شرطة أشدّاء الأبدان لا تعلم كيف تميّز نوع اختصاصهم المكتوب على ملابسهم الكحلية.

رأى ماكس جاكوب يوم الحشر قائماً في محطة الشمال هذه، في إحدى قصائد «الأخبار الأبدية»، المنشورة بعد وفاته. اعتُقلَ في شتاء 1944 وأرسِل إلى معسكر درانسي وقضى نحبه فيه، لأن الماضي لا يمضي، لأنّ الشاعر ظلّ يهودياً في ملفّات ضبّاط الموت، الألمان والفرنسيين، برغم انعزاله لسنوات طويلة في قرية «سان بونوا سور لوار» وصلواته اليومية في كنيستها.

*****

ما كنتُ لأرى بعض الشوارع في ضواحي باريس لولا اضطراب مواعيد القطارات أو إضرابات عمّالها، أو إقفال محطاتها أيام العطلات لأعمال الصيانة والترميم التي لا تنتهي.

توقفت في محطة درانسي ذات نهارٍ ممطر من خريف 2017. بالقرب منها جسرٌ رماديّ، جانباه محصّنان بإشارات إكس ضخمة من الإسمنت المسلّح. كان معي كتاب لرسوم جان دغوتكس المينيمالية. لعلَّ لوحاته المتأخرة التي رسم فيها قضبان الأبواب المتقاطعة كإشارات ضرب، هي ما جعلتني، بيني وبين نفسي، أسمّي جسر «درانسي لُو بورجِه» «جسر المحذوفين».

يعرف الغرباء تلك الوحشات التي تعتصر القلب في قطارات الفجر. قد ينتابك إحساس هائل بالبؤس، عينك تحاول أنْ تتحاشى دعاية عملاقة لبيع شقق في مراكش، بأسعار مخفضة وبالتقسيط، وأنت على الطريق، تحت مطر عاصف، تهجس بأنك ربما نسيت نافذتك مفتوحة، فتخال كتبك وملابسك القليلة غريقة الآن، طافية على الغمر في ستوديو سكنك، والمصباح الذي نسيتَ أنْ ترفعه عن الأرضية المشمّعة يكهرب المبنى ويصعق الجيران. أحياناً يُموّه المطر تعرُّقَ وجهك، وأنت ترى تلك المباني الرفيعة، المحاذية للسكك، فتتساءل كيف يمكن العيش في بيت بهذا الضيق، سامعاً هذه الجلبة المعدنية ليل نهار، والقطارات تُرقّص النباتاتِ البرية على الأرض وزهورَ الأصص في النوافذ، ترجّ الهواء والجدران من حولك، تذبذب الأرض تحت قدميك؟

كنتُ راكباً قطار الضواحي RER B، راجعاً من مطار شارل ديغول، وليس معي إلا حقيبة ظهر سوداء، كتلك التي رأيتُ التائهين يحملونها على طريق البلقان. عجوز جالس وراء المقعد المقابل لمقعدي، تقاطعت نظراتنا على زجاج النافذة فأشاح كلانا وجهه فوراً. حاولتُ إلهاءَ نفسي بانعكاسات وجهي. كنتُ أرفع رأسي بضع سنتمترات وأخفضه فتتطاول ملامحي، أو تنكمش وتتشوّه، في عتمة النفق. بغتة، على مشارف درانسي، انفتح المشهد، واسعاً كحقول الرماية، ملتمعاً بأسلاك شائكة في البعيد. هناك تتوازى سكك عديدة، تترامى على مدّ النظر، فوقها عربات شحن صدئة اللون، مغطاة بقماش متين كالخيام العسكرية، ربما محتوياتها رمالٌ للبناء أو أشجار تنّوب وسنديان، مريضة، مقطوعة. تبدو تلك العربات قديمة أو معطّلة، كأنها لا تزال واقفة هناك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مشيتُ تحت مطر أيلول، في شوارع موحشة من درانسي (يبدو أنها لم تنعم بهبات الصندوق الذي خصصته إمارة قطر للمشاريع الصغيرة في ضواحي باريس، بعد ما شاع عن «أسلمتها» و«تغييتها» [من الغيتو]). كنتُ أبحث عن «سِيْتِه دو لا مويت» التي تبعد عن المحطة حوالى كيلومترين: وحدات سكنية، مُصمَّمة على شكل نعل فرس، ضخمة رباعية الطوابق، لم يكن بناؤها قد انتهى حين تحوّلت إلى معسكر اعتقال لعشرات الآلاف من اليهود في الحرب العالمية الثانية، ثم صارت، في الوقت الحالي، سكناً اجتماعياً للمهاجرين. «لأن الوقت لا ينتظر»، يكفي تغيير الاسم لتتغير وظيفة المكان. قد يغدو ملعب كرة القدم معتَقَلاً، صالةُ الحديد واللياقة البدنية قاعةَ تعذيب، ساحةُ الشهداء ساحةَ المومسات والصرّافين…

ألبرت هِرتر، الجنود يغادرون إلى الحرب، آب 1914 (1926)

تحت جدارية ألبرت هِرْتر، محطّة باريس الشرقية-

ما أشقَّ الخُطى

     على رصيفٍ مضى 

       من الِهباتِ إلى الشُّكر.

 

هنا، أمسِ والآن،

    ماذا جنى الهاربون من الكفافِ إلى الكفاف؟

كالشوكِ دخلوا لحمَ هذا المكان.

كنجمةِ الخوف اصفرّتِ الوجوهُ بالمرارات-

         المغادِرون المودّعون المتعانِقون الباكُون الواجمون المعتذرون…

 

مُطوّقٌ بالزِّحامِ بضوضاءِ الظهيرة

خافقٌ بكلمةٍ لم أسمَعْها

                   حين زُرِعت في لحمي

                       مَن ذاقَها صمَت

خائفٌ دمي 

           خوفَ اليهود في القطارات أنْ يَسمعوا:

                  «المحطة الأخيرة. اِنزِلوا» 

-التصويب بنظرة-

عند صعود تلة سانت جنفييف صيفاً، قد يصفو الضوء في آخر جادّة مونج كأنّ هناك بحيرة على الجهة الأخرى. صعدتُ إلى ذلك السراب الجميل. وصلت إلى جادّة سان جرمان فسلكتُها ثم انعطفت قبل نهايتها، لأنتهي عند 15 شارع جاكوب، أول العناوين الأربعة التي سكنها فوندان في الحي اللاتيني. قبالة هذا العنوان غاليري دافيد غزلباش، حيث رأيت، للمرة الأولى صيف 2016، بعضاً من اللوحات الصغيرة لنغم حديفة. كان عنوان إحداها الغولِم؛ الإنسان الحزين طينيّ اللون، المخلوق بأيدي الأحبار من كلمات الكتاب المقدس في غيتو براغ. مصيره مكتوب على جبينه: كلمة «الحقيقة»(إِمِت بالعبرية) تُعيده إلى الحياة مطلعَ كل صباح. يكفي حذف حرفها الأول «الألف» لتتحوّل إلى فعل أمر «متْ»، فيتلاشى من الوجود.

الغولم، 2010

خريف 2023، أثناء انهماك نغم بتحضيرات معرضها الأخير، زرتُ مرسمها القريب من المدينة الجامعية الدولية في باريس. كنتُ في هذه المدينة الجامعية، أثناء ندوةٍ ببيت الطلبة الكنديين أواخر 2016، فأقبلنا على الكلام، بشهية مفتوحة وقتذاك، أنا والشاعرة الرومانية الفرانكوفونية فاليري روزو، مترجمة أشجار الشتاء لسيلفيا بلاث إلى الفرنسية. تطايرت تداعياتنا شرقاً وغرباً، منطلقَين من شعراء رومانيا، الذين كتبوا أو يكتبون بالفرنسية، وعائدَين إليهم. ثم ظهرت كلير مالرو بين الضيوف والمدعوّين، ولمّا اندفعتُ لأعانقها، فوجئت الشيخة المعمّرة بحرارة العناق من شاب غريب، ممتنّ لترجمتها إيميلي ديكنسن ووالاس ستيفنز (الأولى تَلطَّفَ بها الموت فتوقّف ليقلّها معه لأنها لم تستطع التوقف لأجله، فقادها في عربته التي لم تحمل أحداً غيرهما والخلود؛ الثاني رأى الموت أمَّ الجمال. كلاهما عاشا عميقاً رتابة الأيام، في مأمن أصلهما في بلدهما الأمين أميركا، ولم يسافرا). كنت أتوسل الكتب مزدوجة اللغة في محاولات الدخول الأولى إلى الفرنسية عبر الإنكليزية. رافقتني ترجمات مالرو لبعض الوقت، في أكثر من مقهى وقطار ومطار، حتى خُيّلَ إليَّ أنني أعرفها، ولكن بدت حرارة عناقي تهوّراً في الامتنان، أو تعدّياً على تحفّظها وهشاشتها في المقلب الأخير من العمر، بشفتيها الرقيقتين الحمراوين، وشعرها الأبيض الرقيق، القصير. جسد «لو توكأت عليه لانهدمَ». لا أنسى لمعانَ خطئي في نظرتها.