مقدمة المترجمين:

الشعبوية والتحليل النفسي… هل يبدو وكأننا نتحدث عن موضوعين مختلفين؟ كلا على الإطلاق، فمنذ كتبَ غوستاف لوبون سيكولوجيا الجماهير في أواخر القرن التاسع عشر، لم تنقطع الآراء التحليلية النفسية عن طبيعة الجماهير والشعوب الحديثة، أشهرها كتابا علم نفس الجماهير وقلق في الحضارة لسيغموند فرويد، وكتاب علم النفس الجماهيري للفاشية لِفيلهلم رايش وكذلك كتاب الجماهير والسلطة لإلياس كانتي. في محاولته لفهم الشعبوية المعاصرة، يستعيد الأنثروبولوجي الهندي- الأميركي أرجون أبادوراي (Arjun Appadurai) هذا التقليد الفكري عن طريق اتّباع خُطى رائد مدرسة فرانكفورت هربرت ماركوزه في تحليل الأبعاد النفسية للمجتمعات البرجوازية، ويستكملهُ من خلال إعادة استخدام مفاهيمه النقدية في كتابه الحب الجنسي والحضارة.

ما يميز تحليل أبادوراي أنّه لا يقتصر على القادة الشعبويين، وكأن الجماهير الشعبوية معطىً بديهي أزلي الوجود، بل يمضي إلى تحليل الأسباب المعاصرة التي تسهّل من اعتناق شعوب الشمال العالمي وجنوبه للسياسات الشعبوية اليوم. يصل هذا الاعتناق إلى مستوى «الثورة الاجتماعية»، لكن ليس نحو اليسار الاشتراكي كما كان يأمل جميع اليساريين الثوريين، بل نحو اليمين الرأسمالي. تتجاوز هذه الثورة التقاليد النخبوية للسياسة اليمينية القديمة وتشكّل جيلاً «يمينياً بديلاً»، مثلما دفعت ثورات الشباب في ستينيات القرن الماضي نحو خلق جيل «يساري جديد» كان ماركوزه أحد رموزه البارزة.

تأتي ترجمتنا لهذه المادة لا بالضرورة لصواب كل ما قدمته من أفكار في تحليلها، إنما لصوابية ما تطرحه من أسئلة. فمن جهة لا تزال الإجابة محدودة جغرافياً، وقد لا تنطبق على شعوب أخرى؛ لنأخذ مثلاً شعبية لولا دا سيلفا في البرازيل، واليسار عموماً في أميركا اللاتينية، أو الدول العربية في بدايات الربيع العربي. كما أنّها محدودة لجهة عدم تَطرُّقها الكافي إلى دور إيديولوجيا رأس المال والأجهزة الإيديولوجية للدولة في تشكيل نفسية الجماهير.

والحال أنّ الأسئلة المُثارة في المادة تكتسي أهمية راهنة لكونها تُحفّز على تقديم تحليل ملموس عن ماهية الطبقة اليوم والتنظيم والخطاب الطبقي. إلى جانب ذلك، ترمي المادة إلى تفادي النظرية الهيدروليكية في تفسير صعود اليمين نتيجة تراجع اليسار، والحض بدلًا من ذلك على تحليل صعود اليمين وتراجع اليسار كلٌ على حدة ومن ثم النظر في وحدتهما معاً. أخيراً، تعد هذه التحليلات النفسية مقاربة مكمّلة مهمة تضاف إلى المقاربات الأساسية الاقتصادية السياسية والطبقية، وجزءاً لا يتجزأ منها، لفهم الظاهرة الشعبوية.

نُشر المقال المُترجم أدناه في موقع Post-Neoliberalism مطلع هذا العام، وقد حصل المترجمان على إذن الناشر لنقله إلى العربية.

*****

لا بدّ لنا إذ نشهدُ في أجزاء مختلفة من العالم حركات تمرد شعبوية أن نسأل لماذا اليسار بهذه الركاكة، واليمين بتلك المهارة، في السيطرة على الخريطة الشعوريةالخريطة الشعورية «terrain of emotions»: مصطلح استخدمه عالم النفس الأميركي وليام جيمس للتدليل على تنوع التجربة الشعورية واختلافها وتباينها وتعقيدها، مشبِّهاً إياها بالتضاريس، وقد آثرنا ترجمتها إلى خريطة عوضاً عن تضاريس لأنّ الأولى تمثّل الثانية إنما في صورة مختلفة، وبالتالي لا تضيع الحمولة المجازية للمصطلح ونتخفّف من ثِقَل التضاريس الشعورية وغرابتها في العربية. (المترجمان – يُشار إليهما لاحقاً بالحرف م)؛ الغضب والعشق والحب والرغبة. حريٌّ بنا الابتعاد عن «النظرية الهيدروليكية»، حيث يُقرَن صعود اليمين بتراجع اليسار، والتساؤل بدلاً من ذلك عن أيّ الادعاءات الديماغوجية هي التي لامست أحاسيس الناس العاديين في سياقين مختلفين مثل أميركا ترَمب وهند مودي. فأيُّ شيءٍ يجعلهما أرضاً مواتية لظهور نفسيةٍ معادية للديمقراطية؟

الأُحجية بصياغة جديدة

انكبَّ عديدُ المفكرين والنقاد الاجتماعيين الليبراليين على محاولة تفسير صعود الأنظمة اليمينية حول العالم، المعروفة أحياناً بالأنظمة «الشعبوية» وأحياناً أخرى بالأنظمة «الأوتوقراطية»، والمنظورُ لها على الدوام بصفتها أنظمة معادية للديمقراطية. وهذه المحاولات، بما فيها محاولتي، يجوز انتقادها بأنّها تتبعُ نوعاً معيناً من النظرية الهيدروليكية، حيث يُقرَن صعود اليمين بتراجع اليسار، سواء كانت العلاقة تأثير وتأثُّر أو علاقة إحلال واستبدال. إلا أنّ طرحي في هذه المادة -في أحد جوانبه- محاولة للخروج من هذه النوعية من الفيزياء الاجتماعية، وطرح مقاربة أقل ميكانيكية وأكثر تنويراً. وقد أخذت هذه المحاولة بيَدي إلى ميدان الشعور، والمعروف مؤخراً بميدان «الوجدان» والمتطور سريعاً إلى «نظرية الوجدان». كما أنّها أخذتني إلى هربرت ماركوزه الذي كانت أعماله حاضرة بقوة حين وصلتُ إلى جامعة برانديس قادماً من الهند في عام 1967. كان ماركوزه أول من جمع بين النقد الاجتماعي الماركسي والتحليل النفسي الفرويدي ليتحرّى عن الشروط المواتية لوجود مجتمع بلا كبت، بيدَ أنَّه بات اليوم صوتاً هامشياً ومعتدلاًيرجع تهميش المنظور التحليلي لماركوزه فيما يرجع إلى تشبيع فرويد بأفكار لاكان على يد العديد من المنظرين النقديين.. أَنطلقُ في محاولتي هذه من علامةٍ يُساء فهمها أحياناً من علامات الشعبوية الأوتوقراطية، ألا وهي الظاهرة الاجتماعية النفسية المعروفة بالديماغوجيا؛ ميلُ القادة إلى اللعب على التحيُّزات الشائعة والعواطف، وليس المنطق، لحشد الدعم الشعبي.

الديماغوجيا

كلُّ ديماغوجيّ غاضب، لكن كلٌ غاضب بطريقته. تُعامَل مقولة «الديماغوجي»، على غرار فكرة البروباغندا، معاملة التفسير، بينما هي مجرد تسمية وخطوة أولى نحو تفسير صعود الإيديولوجيات وأُفولها. والتسميتان متصلتان، إذ يرتبط نشر البروباغندا في غالبية الأحيان بصعود الديماغوجيين، وتُعامَل البروباغندا معاملة خلافِ الحقيقة، وبالمثل يُعامَل الديماغوجيون معاملة الفئة الخبيثة من جماعة القادة الكاريزماتيين الحقيقيين. لكن أيّاً من المصطلحين لم يحظَ بتحليلٍ وافٍ، وكلاهما ينتمي إلى تقليد تسميةٍ ترجع جذوره إلى تفضيل استخدام مصطلح «إيديولوجيا» لتشويه ادعاءات الحقيقة عند الخصوم. تشيع هذه المصطلحات وتنتشر بتطبيعها ومعاملتها على أنّها مفهومة من الجميع، وبِذا تُزال من على طاولة البحث النقدي.

يُعرَّف الديماغوجي بأنّه شخص يُشعِل الغضب على النُخَب بإلهابه العواطف واللعب على مشاعر الناس العاديين. أما البروباغندا فتُعرَّف بأنّها طريقة لنشر الأكاذيب أو أنصاف الحقائق يمارسها في غالبية الأحيان الديماغوجيون الذين وصلوا إلى السلطة. وصارت «الإيديولوجيا» المصطلح الفضفاض عند الليبراليين للتدليل على أفكار مَن يستخدم الديماغوجيا والبروباغندا، وبذا خرجت عن معناها الأصلي في القرن الثامن عشر بأنَّها الرؤية إلى العالم في عصرٍ معين (Lichtheim, 1965).

يرى اليسار الليبرالي اليوم في شخصيات من أمثال ترَمب وبولسونارو وأوربان وإردوغان ومودي شخصيات ديماغوجية قبضت على السلطة بتسعيرها مشاعر العامَة، وهدفُها البقاء في السلطة من خلال تسخير البروباغندا. وهذا التحليل ليس بالخطأ، لكنّه يَقصُر عن التساؤل عن أيّ الادعاءات الديماغوجية لامست أحاسيس الجماهير العادية، لتكتسب بالتالي مكانة الشائع بين الناس. وبغياب تمييزات كهذه، تغدو هذه التسميات محضَ قدح وذم.

أنظرُ عن كثب في مثالَي دونالد ترَمب وناريندرا مودي؛ كلاهما يعمل في سياقات سياسية مختلفة بشدة وينشد البقاء في السلطة أو العودة إليها في 2024. وكلاهما ربحَ معركة المشاعر في بلده. فقد صارت مكانة مودي بين أتباعه بعد مكانة الرب وينظر إليه على أنّه السبب الوحيد في نجاح حزبه، براتيا جناتا، وهو من بين أكثر القادة شعبية على الساحة الدولية. أما ترَمب فلديه قاعدة أتباع متماسكة ولافتة بين الناخبين الجمهوريين، ويتقارب في عديد استطلاعات الرأي مع شاغل البيت الأبيض الحالي، جوزيف بايدن، على الرغم من جبال الأدلة على أكاذيبه وفساده واستخفافه بالدستور. كلٌ من مودي وترَمب ديماغوجيّ استغلت رسائلُهُ الشقاقية ساحةَ الوجدان الشعبي. بيد أنّ الاختلافات بينهما هائلة أيضاً. فمودي يستخدم بسلاسة وسحر ومهارة الانتخابات والقانون والإعلام في بناء قاعدة أتباعه، وهو مدير محنّك للرسائل الحماسية الناجعة على صعيد حملته الانتخابية، وللكلام المزدوج المهدِّئ المطلوب في الاتفاقات الدولية ونجاحات علاقاته على الصعيد العالمي، وهو في غاية العقلانية. أما ترَمب فهو بالطبع إعلان تجاري يمشي على قدمين للدليل المرجعي في الاضطرابات النفسية. وهذه التشابهات بالرغم من الاختلافات تدعونا إلى النظر أبعد مما تسمح لنا به التسميات. علينا النظر إلى الولايات المتحدة والهند على أنّهما ساحتان مختلفتان جداً إنما مواتيتان بالقدر نفسه لظهور نفسية معادية للديمقراطية.

مقارنة دومون

طرح الأنثروبولوجي الفرنسي لوي دومون مقارنة وجيهة بين الهند والغرب، فقد لاحظ أنّ الفردانية تمثِّل الإيديولوجيا الحاكمة للغرب الحديث، أما في الهند فكانت الهرمية إيديولوجيتها الجامعة، ترفع الكلِّ الاجتماعي (المُنظَّمَ هرمياً) على الفرد (Dumont, 1966, 1977). وقاده هذا إلى المقارنة بين إيديولوجيات التفاوت الغربية والهندية على أساس الاختلاف الجذري بين إيديولوجيّاتها الأم. وعلى الرغم من الاعتراضات العديدة على تحليلات دومون، فإنّ رؤيته الأساسية مفيدة، لكونها تُساعد على التمييز بين الهرمية والتقسيم الطبقي، بين الكاستالكاست (Caste): نظام تراتبية اجتماعية في الهند تنقسم فئات المجتمع بموجبه على أساس المولد والمهنة والمكانة الاجتماعية، لكن كلمة كاست نفسها ترجع إلى اللغة البرتغالية (Casta: العرق) بعد اصطدام البرتغاليين بالنظام الاجتماعي المعقد في الهند. أما الأصل الهندي (فارنا) فيرجع إلى الفيدا، الكتاب الديني للهند. وفي الكاست أربع مجموعات (البراهمة والكشاتريا والفايشا وشودرا) وكل منها يتخصص في مهنة معينة، وبخلاف هذه المجموعات الأربع، توجد مجموعة دنيا منفصلة عنها تدعى الداليت (طبقة المنبوذين). ألغى الدستور الهندي هذا النظام، لكن لا تزال مفاعليه واضحة في المجتمع الهندي. (م)والطبقة، وبين مبررات التفاوت الدينية والعلمانية.

إنّ صعود الأصولية الهندوسية وحزب مودي ونجاحه الانتخابي المتواصل منذ 2014 ظاهرة لافتة، إذ يأتي في أعقاب أكثر من ستة عقود من حكم حزب المؤتمر الوطني ونهجه العلماني الاشتراكي التنموي حيال نضالات الهند ضد الفقر والتفاوت. وقد شكَّلَت الانتصارات الأخيرة لبراتا جناتا في انتخابات مجالس الولايات في خمس ولايات، ضربةً صاعقة لحزب المؤتمر بقيادة سونيا وراول غاندي، وَريثا نهج نهرو الذي جمع بين القومية المُناهِضة للاستعمار والإنسانوية العلمانية والالتزام بالديمقراطية الاجتماعية. يرى العديد في هذه الانتصارات دليلاً على شعبية مودي المتواصلة واحتمال تحقيقه فوزاً انتخابياً ثالثاً في 2024 وولاية ثالثة في منصب رئيس الوزراء. فما السبب في شعبية قائدٍ سياسي قطعَ مع الإرث التقدمي لنهرو وغاندي؟

إنّ مودي في نظر عدد كبير من الناس جاهلٌ في الاقتصاد، وقد واجه انتقادات لسماحه بالمحسوبية على نطاق واسع وفشله في القضاء على الفساد الانتخابي الهائل. لكن ذلك كلّه لم يقف أمام تنامي جاذبيته الشخصية والسياسية. لقد استفاد مودي في مكانته العالمية من الفوضى في أميركا اللاتينية والرؤية الغربية القاتمة للصين وروسيا، والقاعدة غير الديمقراطية صراحةً للدول العربية والنظام القمعي بازدياد في إسرائيل. بيدَ أنّ أيّاً من هذه التحليلات الهامة لا يفسِّر براعة مودي في السيطرة على الخريطة الشعورية الشعبية من خلال استجابته للاحتياجات النفسية للفردانية المعادية للديمقراطية الآخذة في التطور داخل الهند المعاصرة. تبدو فكرة الفردانية المعادية للديمقراطية متناقضة من منظور ليبرالي غربي. لكن في الهند تتمحور الفردانية الناشئة وأحياناً الطموحة عند العديد من المواطنين حول الارتقاء وليس المساواة أو الجدارة أو الإنصاف. إنّها معادية للديمقراطية لبقائها هرمية أثناء سعيها نحو الترقي.

وليستوعبَ المرءُ براعة مودي في ميدان الوجدان في السياسة الانتخابية الهندية، عليه النظر إليه من خلال عدسة دومون، ويرى كيف ثوَّر هذه الخريطة. فالهند مجتمع تغلب عليه الجماعة (على عكس المجتمع الفرداني)، كما يتبدى بجلاء في بقاء وصمود نظام الكاست كإيديولوجيا مهيمنة على هذا المجتمع لما يقرب من ألفي عام. والكاست نفسه نظام خلوي ولا-فقاري ينتشر ويعيد إنتاج نفسه دون أي تنظيم مركزي أو كنيسة أو قيادة مرئية. يوجد قادة من الكاست ولكن ليس للكاست. وما من حزب سياسي بوسعه تجاهل الكاست في حساباته الانتخابية، وما من حزب يتحكم بآليات عمل الكاست. لكن ما فعله مودي أنّه سمح بظهور فردانية غربية الطراز في جميع مستويات نظام اجتماعي شديد التراتبية، بمعنى ظهور فاعل يصنع سوقه ويخدم مصالحه وينمّي طموحاته وينشد الاعتراف بشخصه وتحقيق المكاسب الشخصية، بينما يقدّم فروض الطاعة ظاهرياً لقيم الجماعة والأمة والإثنية والدين والكاست والعائلة. والحال أنّ الفردانية في الغرب ربَّت نوعاً من المساواة الاجتماعية (سمةٌ امتدحها توكفيل واصفاً إياها بأساس الديمقراطية في أميركا)، أما مودي فقد أتاح ظهور فردانية دون تحقيق مساواة في المكانة الاجتماعية، فردانيةٌ ضمن تراتبيات هرمية تقليدية تتناقض مع الديمقراطية، لا بل تعاديها. إنَّ ديماغوجية مودي رسالةٌ سياسية مبطنة لجمهوره لينسوا الرفاه العام ويعززوا مصلحتهم الشخصية في إطار الكيان المؤسسي الذي ينتمون إليه. في الهند، هجومٌ كهذا على الاجتماعي والعلائقي يرقى إلى شكلٍ من أشكال الخيانة الثقافية في ضوء ما رآه دومون توجهاً نحو الكل الاجتماعي (المُنظَّم هرمياً).

لكنّ مهارة مودي تكمن في تغليفه هذه الخيانة في خطاب حكم الأغلبيةحكمُ الأغلبية (Majoritarianism): عقيدة سياسية أو نظام سياسي يجعل السلطة في يد الأغلبية، وقراراتُها تؤثر في جميع السكان، وفي أغلب الأحيان تكون قراراتها في غير صالح الأقلية، وفي بعض الحالات قد ينتهي هذا الشكل من الحكم إلى تهميش الأقلية/الأقليات أو التمييز ضدها أو قمع حقوقها. (م)الهندوسية والمشاعر الجياشة المُعادية للديمقراطية، وعليه يوفِّق بين الفردانية والهرمية بطريقةٍ تتناقض مع النظرية الاجتماعية الليبرالية. وفي هذه الحالة، لا تكون الرسالة الإلهية (القومية الهندوسية) الرسالة المبطنة الفعلية. فالرسالة المبطنة الحقيقية هي الدعوة إلى الخروج من الاجتماعي الاستيعابي إلى الاجتماعي الإقصائي؛ إنّها دعوة إلى الخروج من الديمقراطية.

كل الأوتوقراطيات تدعو إلى خروج من الديمقراطية. لكنّ جاذبية هذه الدعوة تختلف باختلاف سياقاتها. ولا تنسى ملاحظتي السابقة بأنّ البروباغندا والديماغوجيا لا تنجحان على الدوام. في الهند، تحظى دعوة مودي بتركيبة خاصة. أولاً، خلَّفت هيمنةُ الكاست الطويلة تأثيراً محافظاً ومعادياً للثورة في المجتمع الهندي لقرون (Moore 1966). ثانياً، إنّ الرؤية الدينية إلى العالم التي يقوم عليها نظام الكاست ترى على الدوام في الملوك تجسيداً للإلوهية، وهي رابطة عُقِدَت للقادة الكاريزماتيين أمثال مودي. ثالثاً، تبدَّدت جاذبية إرث نهرو من الاشتراكية والعلمانية والتخطيط المركزي كما في عدد من البلدان الأخرى، لكن في الهند يرجع هذا على وجه التحديد إلى فشل حزب المؤتمر (حزب نهرو) في التغلُّب على سمعته في الفساد وحكم العائلة والتدخل البيروقراطي المفرط في الاقتصاد. أخيراً، أضاف مودي دفعة من المشاعر السامة المتمثلة في خلق كبش فداء، بتذرُّعه أنّ المسلمين أقلية خطيرة معادية للوطن وحلفاء بالسر لباكستان وإرهابيون متخفُّون.

والآن ماذا عن السياق المختلف كلياً لنجاح ترَمب في السيطرة على المخيلة الوجدانية لما يقرب من ثلث الناخبين الأميركيين؟ ما سيطر عليه ترَمب كان شعور الغضب عند الأميركيين من بطش الفردانية النيوليبرالية. كانت رسالة ترَمب المبطّنة دعوةً لا إلى الغضب من المفكرين والليبراليين و«أنصار العولمة» فحسب، بل أيضاً إلى الغضب من تلك الفردانية الليبرالية التي تسعى لحماية الحرية الأكاديمية والتنوع الديني والتعددية السياسية. وقد نجحَ في تصوير هذا النوع من الفردانية على أنّه حصان طروادة للاشتراكية التي تهدف في حقيقتها –بحسب سرديته– إلى تحرير الأقليات العرقية والتضحية بوظائف الأميركيين وإخضاع الأميركيين البيض.

إنّ تحليل أتباع ترَمب ولامبالاتهم الكاملة بسجلّه المثبت من الجشع وكراهية النساء والأكاذيب، وازدرائه لكل مؤسسة من مؤسسات الليبرالية الديمقراطية، لا يزال يربك معظم النقاد. وقد ظننتُ في السابق أنّ نجاح ترَمب شكلٌ من أشكال «السأم من الديمقراطية» على صعيد العالم، ومستوى جديد من نفاد الصبر مع تباطؤ الديمقراطية التداولية، ومستوى جديد من تقبّل القادة الذين وعدوا بإصلاحات سريعة وشاملة (Appadurai 2017). وقد غذّت هذه المتلازمة العالمية «خروجاً» مُعمَّماً (بتعبير ألبرت هرشمان) من الديمقراطية بوسائل ديمقراطية، ولا سيما بالانتخابات. واليوم، بعد ثماني سنوات تقريباً من انتصار ترَمب الانتخابي، علينا إضافة شيء ما إلى فكرة «السأم من الديمقراطية» والالتفات إلى تَشكُّل أفقٍ جديد للاجتماعي يعارض كلياً الفردانية الليبرالية. وتشترك هذه الظاهرة الجديدة بقاسمٍ معين مع أشكال «الخروج» من الديمقراطية السابقة التي طَبَعتْ فترة صعود الفاشية في أوروبا بين العشرينيات والثلاثينيات، لكنّها بالمقابل نِتاج قوى جديدة طَبَعتْ العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. وأهم تلك القوى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع على زيادة الأخبار الكاذبة وبث الرأي الواحد والتجمعات الخاطفة من كل نوع. ويأتي بعدها في الأهمية النمو الفاحش لثروة الـ1 بالمئة الأعلى، ما يعزز خلطة جديدة من الحسد الطَموح وسط الطبقتين العاملة والوسطى الدنيا المستغلَّتَين. وبعد هذه وتلك، يأتي المزيج الجديد بين العنصرية والقومية ومعاداة النخبوية المميزة لجماعة «الماغا»الماغا (MAGA): الشعار الانتخابي لحملة ترَمب الرئاسية في 2016 وهو اختصار لـ(إجعل أميركا عظيمة من جديد). (م). وقد وجد ترَمب وسيلةً لتحويل كل هذه العوامل إلى استراتيجية فعالة للسيطرة على الخريطة الشعورية.

لقد صاغ ترَمب دعوةً جذابة لا إلى العنصرية والسخط الاقتصادي والتهميش الثقافي المتصور فحسب، بل أيضاً رسالةً مبطنة لثورة «الاجتماعي» وثورة «في الاجتماعي» تجذب «الأفراد» المظلومين إلى شكلٍ من الاجتماعي معادٍ « للاشتراكية» أشدَّ العداء. إنّ إغواء الوجدان هنا مصدره جاذبية الوعد بكسر سلاسل الفردانية الليبرالية بصفتها أساس المجتمع الاستيعابي والمساواتي وتمكين ظهور ليبرالية أغلبيةأطلق آزار داكوار وألبينا آزمانوفا (Dakwar and Azmanova, 2019) على ذلك «المجموعة الما بعد وطنية المعكوسة» حيث يجري تبني الليبرالية لتميّز مقربين مختارين وتُستخدَم ضد غرباء مختارين.تحثُّ على القطع مع صرح ليبرالية التنوير برمته. ولا بد لهذا الإغواء أن يتوجه إلى المنطقة الحوفية، حيث ينشأ الوجدان والغريزة والشعور ويندمج بعضها مع بعض، وحيث يمكن خلط وطمس التناقضات المنطقية (الليبرالية مقابل الإقصاء، الكونية مقابل الأغلبية، الديمقراطية مقابل الأوتوقراطية). وذلك الإغواء يُسوّغ دعوتي إلى الالتفات من جديد إلى هربرت ماركوزه.

عودة جديدة إلى ماركوزه

من المعروف أنّ أعضاء مدرسة فرانكفورت (هوركهايمر وأدورنو وماركوزه وفروم) جمعَ بينهم اهتمامٌ عميق بفرويد، مَردُّهُ اهتمامهم المشترك بأسباب تواطؤ البروليتاريا في الغرب على قمع نفسها. وقاد كلاً منهم إلى استكشاف أفكار فرويد عن الليبيدو والأنا العليا والدوافع الإنسانية والشبقية المعروضة في أعماله. بعدما انتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة في 1934، تعمَّق ماركوزه في أشد الأنظمة الاجتماعية رأسمالية في التاريخ حيث جرى التخلي عن الإرث الاشتراكي الأوروبي من أجل إنتاج «الإنسان ذي البعد الواحد» الذي عرّفه ماركوزه في 1964، لكنه أظهر في عمله الكلاسي المبكر، الحب الجنسي والحضارة (1955)، الوسيلة التي يمكن بها تحويل تشاؤمية فرويد بشأن الإمكانية الاجتماعية لليبيدو في مواجهة الكبت الحضاري نحو اتجاه أكثر إيجابية وتفاؤلاً. ولا يتّسع المَقام هنا للنظر في التفاصيل التقنية لآراء ماركوزه في الحب الجنسي والتحرر والكبت والتسامح والانحراف متعدد الأشكال كدافع إنساني قابل للاستعادة. فما يهمنا هنا إنما هو فكرته الثاقبة القائلة بعدم وجود نظام كبت يمكن له، مهما بلغ «تسامحه»، التسامي فوق الاقتصاد الليبيدي الذي يبقى نشطًا حتى في ظل أشدّ الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة إدارة وأخبثها ثقافة. انشغلَ ماركوزه بما أطلق عليه «الكبت الفائض» (Marcuse, 1955)، وإذْ أرى في هذا المفهوم أداة أساسية لفهم سيطرة اليمين العالمي على خريطة الوجدان، أجدني في حاجة إلى تبيان موقعه في مشروع ماركوزه النقدي.

يرى ماركوزه وجود نوعين من الكبت، أحدهما أساسي والآخر فائض، وكلاهما يساهم في تثبيت القمع. يمثّل الكبت الأساسي الحد الأدنى اللازم من التحكم في الليبيدو ليتمتع البشر بثمار الحضارة والتعاون من دون التعدي على حرية الآخرين، أما الكبت الفائض فيمثّل الكبت الإضافي اللازم في نظام رأسمالي متقدم يتطلب التوسع المستمر في فائض القيمة لمصلحة نظام السيطرة. ومن ثم، يلتقي مبدأ المردود بمبدأ الواقع (الأول يتطلبه اقتصاد الندرة المصطنعة والثاني يعبر عن تصور فرويد عن الحد الأدنى اللازم من الكبت في أي حضارة قابلة للحياة)، وبذلك يصبح العمل مغترباً ويكدح العمال من أجل الحاجات المتزايدة للنظام التي تصبح مُصطنَعة بازدياد. نعرف جميعاً أنّ فوكو ولاكان، وحتى جيجك المثير للجدل، رأوا آراء ماركوزه في الكبت والاغتراب والاستلاب والتحرر إنسانوية أكثر من اللازم قياساً على أذواقهم، لأنّها رأت في الحياة الإنسانية المتحضرة هدفاً بالإمكان تحقيقه. لم تتشرّب إنسانوية ماركوزه بنقد فوكو لمقولة «الإنسان»، ولا حجة لاكان الشهيرة القائلة بامتلاك الآلات حرية تفوق حرية البشر، ولا إقرار جيجك بفكرة لاكان القائلة بتأسُّس الذات على النقص. واليوم يتضح أنّ مَن يدمر الأرض ليس الإنسانويين، بل بنو الإنسان. 

على أي حال، يمكن لمفهوم ماركوزه عن الكبت الفائض أن يصبح مفيداً على نحوٍ غير متوقع في تفسير نجاح اليمين العالمي في استعمار مجال الوجدان. لكن لكي نُنشئ هذه الصلة، علينا أن نسلك في مقاربتنا نحو التحرر والكبت والطاقة الليبيدية طريقاً مغايراً لطريق ماركوزه نفسه، وطريق العديد من نقاده من أمثال فوكو وفروم وكولاكفسكي (Foucault, 1978; Fromm, 1941; Kolakowski, 2005) الذين جادلوا بأنّ للرأسمالية دوراً مهماً في التحكم بالطاقة الليبيدية، لكنهم لم يمتلكوا، شأنهم شأن خلفائهم اليوم، أي رؤية واقعية عن اليمين البروليتاري.

كيف لنا تحديد بعض الأمثلة الملموسة على الكبت الفائض في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة؟ خذ مثلاً صعود ثقافة الإنسلز (العزوبة غير الطوعية)، التي جرى تحليلها بوصفها شكلاً من القومية الكارهة للنساء وثيقة الارتباط بالانعزال الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي والضغينة العرقية بين الشباب في الولايات المتحدة. أمامنا هنا حالة واضحة من أنماط الانضباط المدمرة للذات، تتميز بمعاداتها للنزعة الليبيدية وتمثّل عَرَضاً واضحاً لتجاوزات الاستخراجية الرأسمالية. ولنا في ظاهرة الانسحاب الاجتماعي «hikikomori» في اليابان مثال آخر على الكبت الفائض. لقد صنَّفَ الطبُّ النفسي هذه الظاهرة في فئة نفسية قوامها شباب انسحبوا من أغلب أشكال التفاعل الاجتماعي الروتيني كالعمل والدراسة والشبكات الاجتماعية. وهؤلاء الشباب، على نهج «المتبطلين عن العمل» في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، واجهوا الندرات المصطنعة في الاقتصاد من خلال تعطيلهم الكامل لكل الطاقات الليبيدية والاجتماعية. ولنا في جميع أنواع أنظمة اللياقة البدنية والحميات الصحية مثال آخر على الكبت الفائض. فهذه الأنظمة، من رياضات اللياقة البدنية المتنوعة (كروس-فيت) إلى العمليات التجميلية، شجعت على أفكار متطرفة عن النحافة والجمال والجاذبية الجنسية. تشتركُ الأمثلة أعلاه بإفراطها في الضبط الذاتي للجسد كاستعاضة عن تبدد الوظائف والأمان الاجتماعي والارتقاء الاقتصادي.

أسعى إلى استخدام منظور ماركوزه لكي أُفسِّر سيطرة اليمين على خريطة الوجدان، وأزعم أنّ أرض المعركة الحقيقية ليست في الاقتصاد بأي حال، بل في الوجدان بمعناه الواسع. لقد خسرت قوى يسار الليبرالية المعركة في الاقتصاد بسبب الزيادة العالمية في الثروة والأجور والفوائد الاجتماعية ووفاء الرأسمالية بوعدها بالوفرة ولو لم تُوزَّع بالتساوي. في الواقع، لقد ازداد الفقراء فقراً أو صاروا أقل مساواة على الصعيد العالمي، لكن الزيادة المطّردة في الثروة والناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول فتحت الباب لتطلعات الارتقاء الاجتماعي، نحو آفاقٍ جديدة يبدو أنّها تتطلب بعضاً من الصبر وشيئاً من الحظ، حتى مع اشتداد اللامساواة. 

ويبدو اليسار وكأنه يخسر المعركة في ساحة الوجدان أيضًا. لكنني هنا أركز على السؤال من زاوية أخرى: كيف استطاع اليمين السيطرة على هذه الساحة؟ والإجابة المُعتادة لا تُذكَر صراحة إلا نادراً، لكنّها تستند إلى الرؤية الليبرالية للديماغوجيا والبروباغندا، ومؤداها أنّ الديماغوجيين يخاطبون الغرائز الإنسانية البدائية، الطريقُ الأيسر إلى قلوب وعقول الجماهير التابعة الأفقر والأقل تعليماً. فهذه الجماهير ينظر إليها على أنّها راعية التحيزات الشيطانية والمتع الفجة والضغائن الرائجة، وأنّها نسخة إيديولوجية عن عروض السيرك الساعية إلى تشتيت الانتباه عن ندرة الخبز. باختصار، يحظى اليمين في هذه الرؤية بالجاذبية الطبيعية عند الجماهير الغوغائية الجاهلة، ما دامت حياة المشاعر تبسيطية وملتهبة وسابقة على العقلانية. ومن الجلي أنّ هذه الرؤية إلى الديماغوجيا والبروباغندا نخبوية ومتحيزة، إذْ تنظر إلى خريطة الوجدان من خلال عدسة اختزالية، يمثّل فيها اليسار العقل واليمين الشعور، لكن ثمة طريقة أوجه لتفسير العملة الشعورية التي أصبحت في قبضة اليمين.

الشعبوية متعددة الأشكال

أَستَعملُ مصطلحَ «الشعبوية متعددة الأشكال» لكي أستدعي فكرة فرويد عن الانحراف متعدد الأشكال الذي أبدع في تطويره ماركوزه في كتابه الحب الجنسي والحضارة. رأى فرويد أنّ الطفل يعيش في عالم يمكن لكل نقاط التواصل الحسي أن تخلق لديه متعة جنسية، وأنّ تكييفه الاجتماعي في إطار البلوغ والحضارة يقلّص هذه الشبقية المتفرقة المصادر ويحصرها في الأعضاء التناسلية بقدر ما يفعل تركيزه على الحسية الجنسية المباحة. وكان من رأي فرويد أنّ هذا التقليص ضرورة مستحبة. لكن ماركوزه، مثله مثل بعض أتباع فرويد المتمردين كشاندور فيرينتزي (1938)، رفض هذا التقليص. وبدلاً من ذلك، جعل ماركوزه استعادةَ الانحراف متعدد الأشكال الاستراتيجيةَ الرئيسة في المعركة ضد «الكبت الفائض»، وآمنَ بأنّ الانحراف متعدد الأشكال يمكنه فتحُ خريطة الوجدان على مروحة حسية أزهى وأوسع، وبذلك يقدّم مكملاً جنسياً عميقاً للمعركة ضد الانضباط الرأسمالي والعمل المغترب والجنسانية الموجهة. اشتدت الجدالات اللاحقة حول تعديل ماركوزه لفرويد، لكن تلك النقاشات ليست وثيقة الصلة بموضوعنا هنا.

إذاً، ماذا تقدم لنا فكرة الانحراف متعدد الأشكال في محاولتنا فهم صعود اليمين؟ أرى أنّ اليمين حوّلَ موضوع الانحراف متعدد الأشكال -اقتصادٌ شبقي بمصادر متعة متعددة ومتفرقة يقاوم التقييد أو الأقلمة- من الجسد إلى الشعب الذي يُصوَّر اليوم على أنّه كائن شبقي حسي عديم الشكل، يَرفُضُ اختزالَهُ إلى الصفات الانتخابية أو المواطنية أو السكانية أو أي معيار ديموغرافي آخر. والشعب، في هذا التصور متعدد الأشكال، لا يحتاج إلى مَحاكم أو دستور أو إعلام رسمي أو حتى الأشكال المعتادة من الرأي العام. تمثّل الشعبوية متعددة الأشكال اتصالاً عميقاً بين قادةٍ مختلفين، اختلاف ترَمب عن مودي، وتجعل من الشعب فئة شبقية ما قبل سياسية بلا حدود مسبقة أو ضوابط. لقد سيطرَ اليمينُ على خريطة الوجدان عبر إحلاله محل فكرة الديمقراطية فكرة الشعب ككيان ما قبل سياسي وشبه بيولوجي. وهذه الفكرة لا تُناشد الجماهير والحشود والجموع، أي النماذج السوسيولوجية المعتادة للخضوع للمشاعر، بل تناشد أفقاً جماعياً مختلفاً، أفقاً تؤسسه شبكات المشاعر وليس الفاعلون والجهات الفاعلة والأشخاص المرتبطين في مجموعات. ترتكز هذه المشاعر المتشابكة على مركز جماهيري للحواس يُحوّل المواطنين إلى أتباع للقادة المستفيدين من هذه الشعبوية متعددة الأشكال.

لا يمكن الإحاطة بهذا التأثير من دون الإشارة إلى الحقيقة الاجتماعية الأوقع في زمننا، وأعني هنا رقمنة كل شيء، وإلى الحقيقة المرتبطة مباشرة بخريطة الوجدان، وأعني هنا بروز منصات التواصل الاجتماعي -فيسبوك وإكس (تويتر) وإنستغرام وتيك توك وغيرها من المواقع المحلية المنافسة. كيف لهذه المصفوفة من وسائل التواصل الاجتماعي أن تعزز من شبكات المشاعر المذكورة سابقاً؟ لقد ساهمت وسائل التواصل في سيطرة اليمين على خريطة الوجدان لأنّها قبل كل شيء عززت الشعور بالاتصال والتواصل من دون الحاجة إلى تضامن حقيقي أو مصالح مشتركة. فهي غير مقيدة وتسمح للتعبير العفوي عن الكراهية والغضب والحقد ضد المعارضين بالتدفق عبر الدوائر الرقمية، مُضخِّمةً بالتبعية أفكارَ وقيمَ شبكةٍ حسية هي أسرع وأمضى في تأثيرها من الحشود التقليدية والاجتماعات والمظاهرات. إنّها نوع من الديمقراطية الخاطفة -أو الفعل المباشر- يتغذى على ضجر اليمين من الديمقراطية التداولية. لم يشهد ماركوزه العالم الرقمي، لكنني أَخالُ أنه لو قدم نقدًا للسياسات الرقمية، فلعله يتضمن ضرباً من فكرته عن الصراع بين الحب الجنسي (الإيروس) والموت (ثاناتوس) في المجتمع الرأسمالي الجماهيري.

عودة إلى المحلي

في بداية هذه المادة، قارنت بين جاذبية دونالد ترَمب وناريندرا مودي، في دولتيهما، من خلال الاعتماد على المقارنة المثالية النموذجية للويس دومون بين «الفردية» الغربية و«الشمولية» الهندية («الهرمية» في مصطلحات دومون). وجادلت بأنّ ترَمب قد قدَّم ثورة ضد طغيان الفرد ومودي ثورة عكسية ضد طغيان الشمولية، (تعريف دومون للهرمية)، وهذه لا تعني ثورة ضد الطبقة بل هي محض دفعة جديدة نحو الترقي الاقتصادي للأفراد.

لكن أشدَّ ما لفتني في ماركوزه عند اشتباكه مع هذه الشعبويات المختلفة كان تمسكه بالانحراف متعدد الأشكال بوصفه علامة على تحرر المُستغَلين في المجتمع الرأسمالي. لكن لم يخطر له أنّ اليمين قادرٌ على الاستيلاء على ذلك الانحراف وإعادة تعريفه ليخفي الكبت الفائض خلف قناع الشعبوية المتعددة الأشكال. وفي هذه النقطة تكمن قيمة ماركوزه لفهم أوتوقراطيين من أمثال ترَمب ومودي. في الحالة الأميركية، قدّمَت الروح المنتشية للجموع التي هاجمت الكونجرس الأميركي في السادس من كانون الثاني (يناير) 2021 دليلاً دامغاً على أنّ أتباع ترَمب خلطوا بين تجربتهم الشعبوية الحسية ليهربوا من خسارة الوظائف ووباء المواد الأفيونية والصعود الاجتماعي للأقليات العرقية. في الهند، لذة العنف ضد المسلمين، والبروباغندا المستمرة حول الدفاع عن الوحدة القومية ضد باكستان والصين، والتحويل المستمر لمساجد المسلمين إلى معابد هندوسية، تُشيع جميعها نشوةَ الشعبوية الهندوسية لإخفاء حالات انتحار الفلاحين وفيديوهات الاغتصاب وتجنب الفساد الهائل في الانتخابات واستيلاء مشاهير المجرمين على العديد من المجالس الإقليمية. هذه الأشكال المتنوعة من الشعبوية نجحت في إعادة تقديم الكبت الفائض في صورة انحرافٍ متعدد الأشكال، وما هذا إلّا اختطاف صارخ لليوتوبيا الاشتراكية على يد البروباغندا الفاشية الجديدة.

في ضوء هذه المناقشة لماركوزه، أُقدِّمُ تطويراً لمقارنة مودي وترَمب بالقول إنّ كليهما يلجأ إلى خريطة الوجدان من خلال تحويل الاجتماعي إلى المساحة متعددة الأشكال للشعب، وبالتالي تحرير الهنود العاديين من طغيان الديمقراطية التمثيلية والأميركيين العاديين من طغيان الفرد. يلجأ هذا التحويل للاجتماعي إلى خريطة الوجدان من دون اختزالها إلى موضوع أو مركز واحد. ويسمح في كلتا الحالتين، الهندية والأميركية، بالهجوم المباشر على القضاء والدستور والمجالس التشريعية ونظام الديمقراطية التداولية بالكامل بوصفه شكلاً من أشكال التحرر لكائن «الديموس» [الشعب – المترجم] ما قبل السياسي من القيود الحضارية. وهنا أطرح فرضية مؤدّاها أنّ القادة اليمينيين (أوربان وإردوغان وميلوني وميلي وويلدرز) قد حوّلوا على نحو متماثل الاجتماعي في بيئاتهم الثقافية، غير أنّ هذه الفرضية الفضفاضة تحتاج إلى تأطيرٍ متأنٍ.

إنّ الهدف الرئيس من هذه المادة تبيان حاجتنا إلى فهم صعود اليمين العالمي، لا عن طريق اختزال قادته أو أتباعه إلى قاسم مشترك غير عقلاني يشار إليه بمصطلح «الشعبوية» البسيط والمستهلك، بل عبر رؤية هذا الصعود على أنّه مجهود ثوري في أنحاء متفرقة لتحويل الاجتماعي إلى صورة طاقة متشابكة متعددة الأشكال.

إنّ إخفاق اليسار في كسب أي أرضية حقيقية في خريطة الوجدان يتطلب تحليلاً يبدأ بملاحظة أنّ الكلمات المفتاحية لليسار، ما دام يهمه الاجتماعي، غارقة في المصطلحات القديمة من عينة الوعي الطبقي والمصالح الطبقية، والهويات المؤسسية القديمة كالعمال والبروليتاريا والمنظمين. لكن دعوني أغامر بطرح رأي عن فشل اليسار في ميدان الخريطة الشعورية. لا يمكن تفسير هذا الفشل بالكامل بالركون إلى الجهود الهائلة لتحطيم النقابات وعرقلة منظمي الطبقة العاملة وتشويه كل أشكال الاشتراكية في أوروبا والولايات المتحدة لأكثر من قرن. ولا يمكن رؤيته بالكامل كنتاج للجهود الموسعة لترويج النزعة الاستهلاكية، وأساطير الترقي الاجتماعي وثقافة ثراء المشاهير حول العالم في النصف الأخير من القرن. لا ولا يكفي لتفسيره بالكامل الركونُ إلى استعمال القومية لتحييد الوعي الطبقي.

الحقيقة المُرّة بشأن فشل اليسار في السيطرة على الخريطة الشعورية؛ الغضب والشغف والحب والرغبة، بين الخاسرين في عالمنا الرأسمالي اليوم تعود إلى أنّه لا يزال يتسم بإخلاصه إلى الفضائل الكبرى للعقلانية العلمية الغربية، المؤمنة بالحقائق والأدلة والتفكير المنطقي والحجج الرصينة والتوقعات المعقولة. آمن ماركس بهذه الفضائل في كتاباته على مدار حياته (مع أنّها لم تظهر في أسلوبه الشخصي). بل إنّ كبار القادة الشيوعيين في القرن العشرين من أمثال لينين وستالين وماو وهوشي منه وكاسترو لم يَدَعوا حجة فكرية قوية تضيع سدى. هذا العنصر «العلمي» في كل الحجج الاشتراكية التي عرفناها غيَّبَت دائماً منطق المشاعر. وحين حرَّكَ القادةُ الشيوعيون العظام مشاعرَ جماهيرهم حدث ذلك في الغالب عبر مخاطبة المشاعر القومية (الروسية والصينية والكوبية والفيتنامية وسواها)، وليس مخاطبة السخط الفطري ضد استغلال الطبقات الثرية واقتلاعها وقمعها. لقد دأب اليسار على تقديم حجج عقلانية حول استيلاء الطبقات العاملة على أدوات الإنتاج، لكنّه لم يولِ انتباهاً كبيرًا، سواء نظريًا أو عمليًا، للاستيلاء على أدوات إنتاج المشاعر، وهنا يتقدم عليه اليمين العالمي بأشواط. فما من حركة في اليسار العالمي تستعمل الوجدان لتُحاجج من أجل إنسانية متحررة. وهنا، يقف اليسار العقل ذكرى وشاهداً على هذا الفشل.