من الدروعِ في العصور الوسطى إلى غاز الأعصاب في الحرب العالمية الأولى وحتى أسلحة الدمار الشامل الحديثة نسبياً، تخضعُ قواعدُ الاشتباك لتطوير وتحديثٍ مستمر، وعلى مَرِّ التاريخ كان يمثُّل خَرقُ هذه القواعد إعلاناً رسمياً للحرب. تُمثِّلُ «أزمة الصواريخ الكوبية» نموذجاً جيداً لتجلِّيات الالتزام بهذه القواعد، حين وقفَ العالم متوجساً لأسبوعَين في بداية ستينيات القرن الفائت خوفاً من انتهاك القواعد من قِبَل هذا الطرف أو ذاك، وإعلان بدء نهاية العالم كلّه ربما بالتالي. اليوم، لم تَعُد تلك القواعد بهذا الوضوح، إذ من الممكن مهاجمة «العدو» الآن بتقنياتٍ قليلة المخاطر المباشرة، وباتت أجزاءُ من الحرب أشبهُ بممارسة لعبة فيديو عنيفة تُدار من وراء الشاشات، فلم يَعُد معروفاً تماماً ما الذي يجعل الحربَ حرباً، وفي قلب ذلك الانقلاب في مفاهيم «الحرب» و«التصعيد» يَقعُ عنصرٌ ساهم بشكلٍ أساسي في وضع القواعد الجديدة؛ وهو المُسيَّرات.

استخدام المركبات الجوية من دون طيار في الحروب ليس جديداً بالطبع، بل يعود في الواقع إلى الحرب العالمية الأولى، عندما كشَفَت بريطانيا عن مُسيَّرة «الهدف الجوي» (The Aerial Target) المُتحكَّم بها بواسطة الراديو في آذار (مارس) 1917. لكن منذ ذلك الحين وحتى قبل الحرب الروسية على أوكرانيا، ورغم أنها كانت حاضرة في كل حرب ونزاع مسلح بين دولتين تقريباً، ولدى التنظيمات والميليشيات، اقتصرَ استخدامها على اغتيالات فردية محددة أو عمليات ضيّقة النطاق؛ لدرجة أن باراك أوباما باتَ يُلقَّب لدى البعض بـ«مجرم المُسيَّرات» لفرط استخدامها من قبل الجيش الأميركي خلال سنواته الثماني في البيت الأبيض في 563 هجمة (هناك مصادر أخرى تقول إنها كانت 542 ضربة)، وهو رقمٌ ضخمٌ بالطبع لكنه لم يَعُد مدعاةً للرعب كما كان منذ أقل من عقدين.

إذ أنَّ حرب بوتين التي شنّها في شباط (فبراير) 2022 أصبحت مسرحاً لقُدرات المُسيَّرات، سواءً كإطلاقها في أسراب تضُم العشرات منها في هجمة واحدة، أو بزوغ نوع جديد من نزال «واحد لواحد» لأول مرة، حيث وقَعَت أول حالة مُسجَّلة لمواجهة قتالية بين طائرتين من دون طيار في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، فوق منطقة دونيتسك في أوكرانيا، وتم تسجيلُ طائرة أوكرانية من طراز «DJI Mavic» وهي تصطدمُ بأخرى روسية من الطراز نفسه. إلى أن جاءت «ليلة المُسيَّرات» الإيرانية في 14 نيسان (أبريل) الفائت، التي شَهِدت هجوماً هو الأضخم في تاريخ المُسيَّرات بإطلاق أكثر من 300 مُسيَّرة من نوع «شاهد» باتجاه إسرائيل، وذلك ردّاً على تدمير الأخيرة القنصلية الإيرانية في دمشق، في تصعيدٍ غير مسبوق فيما يُعرف بقواعد الاشتباك، لكنه بقي محدود المخاطر وشبه عديم الأضرار، وللمُسيَّرات دورٌ كبير في كونه كذلك.

المُسيَّرات كأداة تهرُّب من المسؤولية

بعيداً عن ما تقوله البيانات العسكرية وتفاصيل صناعة السلاح وتعقيدات سلاسل التوريد فيها، تُقدَّم الطائرات المُسيَّرة دون طيار فعلياً كحلٍّ «خالٍ من المخاطر» للمشاكل الأمنية التي تحملُها الخيارات العسكرية الأخرى؛ فمن خلال استخدام هذه الطائرات، التي يتمُّ التحكُّم فيها من غُرَفٍ مُغلقة ومكيّفة على بعد آلاف الكيلومترات لمحاربة «العدو»، مهما كان بعيداً عن شواطئ وأراضي البلاد، تُحفَظ سلامة السكّان وكذلك القوات المسلحة التي تستخدمها. لكن بخلاف ذلك، وإن صحَّ جزئياً، فإن المُسيَّرات قادرة في الوقت ذاته على تعميق انعدام الأمن، وليس الحدّ منه. إذ يَعرِفُ السياسيون أن الجمهور غالباً لا يُحبُّ رؤية شبابهم يُرسَلون إلى الخارج للقتال في حروب غالباً ما تكون أهدافها بعيدة وغير واضحة. إذ أن اللقطات التلفزيونية المُحتمَلة للعائلات المكلومة التي تنتظرُ المواكبَ الجنائزية تَعملُ بمثابة قيد واضح على القادة السياسيين الذين يدرُسون خيار التدخل العسكري. ولكن عند التخلُّص من هذه التكلفة السياسية المحتملة باستخدام أنظمة لا بشرية، فسوف يُصبِح من الأسهل أن يختار الساسة «حلاً» سريعاً وقصير الأجل يتمثَّل في «القضاء على الأشرار بعيداً»، بدلاً من الانخراط الدبلوماسي والسياسي الذي غالباً ما يكون صعباً وطويلَ الأمد، لتسوية الصراعات وحلّ النزاعات.

إن الحفاظ على سلامة «أبنائنا» من خلال استخدام مُسيَّرات يتمُّ التحكم فيها عن بُعد لشنّ غارات جوية له ثمن. فمن دون وجود قوات بشرية على الأرض، تكون طبيعة الضربات الجوية أكثر خطورة على المدنيين، وعلى الرغم من ادّعاءات القائمين على صناعة السلاح والمدافعين عن حرب الطائرات بدون طيار، فإنه ببساطة ليس من الممكن أن نعرف بدقة ماذا يحدث على الأرض من على بعد آلاف الأميال. وبينما ادّعت المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أن مدنياً واحداً فقط قُتل في آلاف الغارات الجوية التي شنَّتها الطائرات البريطانية دون طيار في العراق وسوريا، ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش، أفاد الصحفيون-ات ومنظمات تسجيل الضحايا عن مقتل مئات المدنيين في الغارات الجوية التي شنّتها قوات التحالف، ناهيك عن ما تفعله إسرائيل بمُسيَّراتها في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجارية، وهو ما سنأتي عليه لاحقاً.

في ختام كتابها حرب المسيّرات: القتل بالتحكّم عن بُعد، تقتبس الصحفية والناشطة الأميركية ميديا بنجامين من جون ريزو، المسؤول في وكالة المخابرات المركزية، ما كرّره عدة مرات في نقاشه مع أحد صحفيي مجلة نيوزويك، حين قال إنه يحب مراقبة عمليات الإعدام بالطائرات دون طيار من خلال لقطات حية في المقر الرئيسي لوكالة المخابرات المركزية لتخرُجَ «بأنظف طريقة ممكنة». ويتم تعريف النظافة في هذا السياق على أنها الحد الأدنى من الأضرار الجانبية، إذ تُعتبر الهجمات بطائرات دون طيار نظيفة لأنها لا تهدف إلى الاحتجاز أو نزع السلاح أو الأسر، بل إلى القتل، وإطفاء الحياة، وتجاوز مشاكل العلاقات العامة المُحتمَلة للهجوم على الفور. وهناك أيضاً قصة الهجوم الذي شنّهُ قائد مُسيَّرة من قاعدته الجوية في صحراء نيفادا على مجموعة من المتمردين في أفغانستان يقفون حول شاحنة على بعد آلاف الكيلومترات؛ وبمجرد إطلاق الصاروخ، ظهر فجأة طفلان على دراجة هوائية. يقول الطيار: «تسمّرنا عند إدراك اقتراب الكارثة، لم يكُن في وسعنا إلا أن نحدق برعب بينما يهبط الصاروخ الصامت عليهم من السماء. كان أحد إطارات الدراجة لا يزال يدور عندما كانت جثتا الصبيين الصغيرين ملقاة ومتكسّرة بين أجساد المتمردين».

ولعل الجانب الأكثر إثارة للجدل في المُسيَّرات هو استخدامها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة في عمليات «القتل المستهدف». ويُعرِّف علماء القانون القتل المستهدف بأنه القتل العمد مع سبق الإصرار لأفراد مختارين على يد دولة ليسوا في عهدتها. وعندما يُطبَّق القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب فيه خاصةً)، قد يكون القتل المستهدف للمقاتلين قانونياً. أما خارج حالات القانون الدولي الإنساني، حيث ينطبقُ القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يجوز استخدام القوة المميتة إلا عند الضرورة القصوى لإنقاذ حياة بشرية معرّضة لخطر وشيك. لا يبدو أن هذا هو الحال بالنسبة للعديد من عمليات القتل المستهدف بطائرات دون طيار التي نفذتها، على سبيل المثال، الولايات المتحدة في باكستان واليمن، أو إسرائيل في لبنان (ناهيك عن حجم الأضرار الجانبية)، أو إيران في شرق سوريا وتركيا في شمالها.

وفي حين يرى البعض أن سياسة القتل المستهدف هي الخطأ، وليس السلاح المُستَخدَم لتنفيذها، فمن الصعب للغاية أن نتصوَّر أن التوسُّع الشامل في تنفيذ تلك السياسة بشكل صار شبه يومي كان سيحدُث بدون المُسيَّرات. ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، دعا النشطاءُ الحكومة منذ فترة طويلة إلى تحديد سياستها بشأن استخدام الطائرات المسلحة دون طيار خارج حالة النزاع المسلح، وهو أمرٌ رفضت الحكومة القيام به حتى الآن، كذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل وروسيا وإيران والولايات المتحدة.

الحرب كلعبة فيديو

هناك فكرة أخرى، مرتبطة بفكرة أن الطائرات دون طيار تُخفِّضُ عتبة استخدام القوّة المميتة، وهي فكرة «عقلية البلاي ستيشن»؛ التي تُشير إلى أن المسافة المادية الشاسعة بين أولئك الذين يُشغِّلون الطائرات المسلحة دون طيار والهدف، تجعلُ عملية القتل هذه أسهل بكثير، حيث يؤدي البُعد الجسدي إلى نوع من «التباعد» النفسي. إلا أن هناك اعتراضات قوية على هذه الفكرة، خاصة من قبل المعنيين بها، إذ يُقال إن مُشغّلي المسيرات مدرّبون تدريباً عالياً وقادرون على التمييز بين ألعاب الفيديو والحياة الواقعية، وإن هنالك تقارير وكتباً تشير إلى أن بعضهم يعانون من الإجهاد اللاحق للصدمة بسبب اضطرارهم إلى رؤية نتائج ضرباتهم، وهو ما لا يعد مؤشراً على الانفصال، كما وثَّقَ الملازم الأميركي المتقاعد وين فيلبس في كتابه عن القتل عن بعد: سيكولوجية القتل بالمسيّرات.

ومن ناحية أخرى، تتزايد الأدلة على تنامي عقلية «البلاي ستيشن» في حروب المُسيَّرات. ففي عام 2010، تعرَّضت قافلة من المركبات الأفغانية لضربة جوية أميركية استُخدمت فيها طائرات دون طيار، ما أسفر عن مقتل 23 مدنياً. توصّلَ تحقيقٌ لاحق للقوات الجوية الأميركية إلى أن طاقم طائرة بريداتور أراد الهجوم و«تجاهل أو قلل من أهمية» الأدلة التي تشير إلى أن القافلة لم تكن هدفاً مُعادياً. وفي مكان آخر، في كتاب دكتور علوم الحاسوب الأميركي ورئيس الذراع البحثي في شركة مايكروسوفت بيتر لي، قوة حاصدة (Reaper Force)، والذي يحتوي على مقابلات مُفصَّلة مع أفراد أطقم سلاح الجو الملكي البريطاني، تحدَّث العديد منهم عن المهام التي كانوا يركزون فيها على هدف معين، وكانوا مستعدين للضرب على الرغم من وجود المدنيين.

وفي حرب الإبادة التي يشنُّها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، لَمَعَ نجمُ مُسيَّرات «كوادكوبتر» كعنصر أساسي في حملة إعلانية تنفذها الدولة العبرية لاستعراض أحدث منتجاتها على أجساد الفلسطينيين. أبرزها طائرتي «ماتريس» (وتعني المصفوفة) و«لانيوس» (وتعني الطير الجارح) الصغيرتين المجهزتين بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يسمحُ لهما بالتنقل في المباني و«اكتشاف الأهداف»؛ الأهداف التي تمثَّلت بصبيَّين من عائلة أبو جامع، أخ وأخته من عائلة العصار، وعشرات الأهداف من المدنيين الذين «انقضّت عليهم» الكوادكوبتر وهم يَسعَون للحصول على الدقيق. ويقول من يرى ضحايا تلك الطيور القاتلة، إن جثث معظم ضحاياها تظهر عليها آثار طلقات نارية غير عادية، من حيث أنها تترك شكلاً مختلفاً على جسد الضحية عندما تخترقه، بما يميزها عن القاتل البشري، عدا عن التقارير التي تُفيد باستخدام الكوادكوبتر لإصدار أصوات سيدة تستغيث أو طفلة تبكي لاستدراج الناس إلى موقع محدد ومن ثم استهدافهُم.

إضافة إلى ذلك، يَعِدُ مُشغِّلوا المُسيَّرات بضربات جوية دقيقة ومحددة تقتل الهدف وتترك الأبرياء دون مساس، وذلك بهدف الإغراء بفكرة أن المُسيَّرات تستطيع السيطرة على فوضى الحرب من خلال التكنولوجيا. لكن لا يوجد شيء اسمه ضربة جوية دقيقة ومضمونة على أي حال. وفي حين أن الأسلحة المُوجَّهة بالليزر أصبحت بلا شك أكثر دقة مما كانت عليه قبل 20 أو 30 عاماً، فإن وعد «الدقة المضمونة» يبقى مجرد أسطورة. وحتى في ظل ظروف الاختبار، من المتوقَّع أن تصيب 50 بالمئة فقط من الأسلحة ضمن نطاق «خطأ الاحتمالية الدائري»، بمجرد أخذ نصف قطر انفجار الأسلحة في الاعتبار، وفي أرض الواقع، يبقى عامل تأثُّر هذه الأنظمة بأشياء مثل الطقس، فمن الواضح أنه لا يمكن ضمان «الدقة» بأي حال من الأحوال.

«الذكاء الاصطناعي فعلها»

تسعى الدول الرائدة لتطوير واستخدام المُسيَّرات حالياً إلى رفع أتمتتها إلى الحدود القصوى، لتقليص الدور البشري قدر الإمكان، كما في مبادرة «المُقلِّد» (Replicator) التي أعلنها البنتاغون في نيسان (أبريل) الفائت، والتي تهدف إلى نشر الآلاف من أنظمة الأسلحة المؤتمتة عبر مجالات متعددة خلال مدة 18 إلى 24 شهراً منذ الإعلان، أو كما أعلن الحرس الثوري الإيراني عن دمج الذكاء الاصطناعي في مُسيَّراته البحرية والجوية وصواريخه البالستية. وعليه، ستتجه الأطراف المتحاربة، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، إلى ضربات الطائرات دون طيار المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تتواصل مع بعضها البعض وتعمل معاً (ومع البشر) لتدمير البنى التحتية وغيرها من الأهداف.

وعلى عكس حرب الطائرات دون طيار التقليدية، التي يتم فحصها والتحكُّم فيها من قبل مُشغِّلين بشريين، وبقدر ما تحمله من مخاطر على المدنيين، فإن حروب الطائرات دون طيار الجديدة ستكون أكثر آلية. وسوف يسودُ التعاون بين الإنسان والآلة تقريباً في كل مرحلة من مراحل دورة الاستهداف، من اختيار الأهداف وتحديدها، كما كشفت الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة في نظام «حبسورا»، إلى المراقبة والهجوم، كما كُشف في نظام «لافيندر» الإسرائيلي؛ حيث تكفَّلت الخوارزميات بمهام التدقيق في كميات كبيرة من البيانات الاستخباراتية وموجزات الطائرات دون طيار، لتجميعِ قوائم الأهداف والحصول على موافقة الإنسان النهائية.

وفي حين قد يستمرّ البشرُ في التوقيع على استخدام القوة المميتة، فإن الذكاء الاصطناعي سوف يلعب دوراً أكثر انتشاراً في تشكيل الاختيارات الأساسية حول من يعيش ومن يموت، وما الذي يبقى أو يتم تدميره. ومع تقليص الذكاء الاصطناعي للتورُّط البشري في القتل، فمن المرجح أن تصبح حرب المُسيَّرات أقل قابلية للتفسير وأقل شفافية مما هي عليه الآن، حيث سيصعبُ على البشر فهم أو شرح النتائج التي يُولّدها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، وهي مشكلة أوسع مع الذكاء الاصطناعي ولا تقتصر على ضربات الطائرات دون طيار. إذ تميل الأنظمة الحسابية التي تعتمدُ على الذكاء الاصطناعي إلى أن تكون مبهمة لأنها تتضمّن معلومات خاصة، وتتطوّر مع تعلُّمها من البيانات الجديدة، وهي معقدة للغاية بحيث لا يمكن لأي جهة فاعلة أن تفهمها. ما يجعل تفسيرَ سبب استهداف فرد ما وقتله، عن طريق الخطأ، شبه مستحيل على المسؤولين الحكوميين.

وسوف تعمل مشكلة التفسير هذه على تعزيز الافتقار إلى المساءلة في حروب المُسيَّرات المقبلة، وهو الأمر الذي أصبح نادراً بالفعل، كما شهدنا في الحرب الروسية على أوكرانيا أو التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل، الذي انتهك سيادات مجموعة دول أخرى خارج الطرفين المتصارعين. وعندما يُقتَل مدنيون عن طريق الخطأ في غارات الطائرات المُسيَّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، سيكون مُشغلو تلك الطائرات قادرين أيضًا على إلقاء اللوم على الآلات في هذه «الأخطاء المأساوية». فمع بدء المُسيَّرات في التحدث مع بعضها البعض وكذلك مع البشر، من المرجَّح أن تتّسع فجوة المُساءَلة والشرعية بين القرار البشري بالقتل والآلات التي تُنفّذ العمل المميت.

خَلُصَ تحقيقٌ داخلي أجرته القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط إلى أن غارة مُسيَّرة أميركية في منطقة قرقانيا شرقي إدلب قتلت العام الماضي راعي الأغنام السيد لطفي حسن مستو، الذي يبلغ من العمر 56 عاماً، بعد الخلط بينه وبين «زعيم من تنظيم القاعدة»، ولم تُتِح القيادة المركزية كثيراً من التفاصيل بما يتجاوز القول إنها «ستتخذ إجراءات داخلية» و«سيكرّس البنتاغون جهوده لتقليل هكذا حوادث».

ولم يقاوم مشغّلوا المُسيَّرات الآخرون في المنطقة إغراء هذه الحادثة من منطلق أنَّه «إن كان بإمكان أميركا فعلها، فيمكننا ذلك أيضاً»، إذ كتب المحلل السياسي ميكا هالبيرن لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية مقالاً بعنوان نفاق الولايات المتحدة مثيرٌ للغضب، علّق فيه على الحادثة وقال: «من الواضح أن الولايات المتحدة أيضاً ترتكب أخطاءً. والولايات المتحدة أيضاً تقتل المدنيين في الحرب. ومن المؤسف أن موت المدنيين يشكل جزءاً من تكلفة الحرب. الدول الطيّبة لا تستهدفُ المدنيين الأبرياء. إن الدول الجيدة، مثل إسرائيل والولايات المتحدة، تبذل قصارى جهدها لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين. ومع ذلك، في حين تعترف الولايات المتحدة علناً بخطئها ــ ولو بعد مرور عام كامل، فإنها تصلب إسرائيل بسبب مقتل مدنيين، وتصلب إسرائيل بسبب ما يطلق عليه البنتاغون مجازاً ’الأضرار الجانبية‘. الجزء المثير للغضب هو أن الولايات المتحدة تعترف بأنها تفعل بالضبط ما تطلب من إسرائيل ألا تفعله. وكأنها تقول: افعل كما أقول، وليس كما أفعل». ثم تابع باستعراض الحوادث التي قتلت فيها مُسيَّرات الولايات المتحدة مدنيين عن طريق الخطأ.

حرب المُسيَّرات التي لا تنتهي

لقد انجذب السياسيون ومسؤولو الدفاع أيضاً إلى أسطورة الحرب الدقيقة، وفتحوا أمام الضربات الجوية مناطق كانت في السابق خارج الحدود بسبب وجود المدنيين. ولعلَّ الأمر الأكثر دلالة هو أن البيانات العسكرية الداخلية، التي تتعارض مع السرد السائد بأن الطائرات دون طيار أفضل من الطائرات التقليدية المأهولة، تبقى ببساطة سرية ما لم يكشفها تحقيق استقصائي أو منظماتي. وربما يكون الجانب الأكثر خطورة في ظهور حرب المُسيَّرات عن بعد هو أنها تُؤذِنُ بحالة حرب دائمة. ومع عدم وجود قوات (أو عدد قليل للغاية) منتشرة على الأرض، وحين يصبح من الممكن تنفيذ غارات جوية بالطائرات دون طيار مع إفلات مُشغّليها من العقاب، فإن الضغوط العامة أو السياسية ضئيلة لوضع حد للتدخلات بواسطتها.

تعملُ الطائرات دون طيار على تمكين الدول من تنفيذ هجمات دون إشارة تُذكَر إلى معايير القانون الدولي. وفي هذا الصدد، زعمت أستاذة القانون الأميركية روزا بروكس في مقال مثير للقلق في مجلة فورين بوليسي أنه «لم يعد هناك شيء اسمه وقت السلم» بعد الآن. كتَبَت: «منذ أحداث 11 سبتمبر، أصبح من المستحيل تقريباً التمييز بوضوح بين الحرب وعدم الحرب». وبدلاً من تحدي تآكل الحدود بين الأطر القانونية المتميزة بشكل حاسم، ترى بروكس أننا يجب أن نقبل ببساطة أن «الحرب الأبدية موجودة لتبقى». وتؤكد أن القيام بخلاف ذلك هو «مضيعة للوقت والطاقة إلى حد كبير». وتُصرُّ على أن «زمن الحرب هو الوقت الوحيد الذي لدينا». إن الانزلاق نحو الحرب الأبدية يجب رفضه ومقاومته، أما ما تفعله حرب المُسيَّرات، بشكلها الحالي على الأقل، فهو تمهيدٌ للطريق نحو تلك الحرب.