من نحن؟

يظهر العنوان أعلاه قاطعاً في اتهامه للحركات المسلّحة، تحت أي غطاء إيديولوجي كان، بصفتها حركات مأجورة للرُعاة الإقليميين أو الدوليين، وفي مواجهة اتّهام قاطع كهذا قد يبدو أنّ الجدلَ لا معنى له، ولكن مع ذلك، كفلسطيني سوري عاش الكوارث المتتالية التي جرّنا إليها الفرع المُسلَّح من ظاهرة الإسلام السياسي، منذ مذبحة حماة 1982 إلى مذبحة غزة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وإلى يومنا هذا؛ أقول إن عذري في توجيه التهمة أعلاه هو أنني فعلياً، وبعد كل هذه العقود، ما عدتُ قادراً على الهروب من فكرة أنَّ جانباً مهماً من المشكلة، الجانب الذي يعنيني بشكل رئيسي، هو في طريقتنا نحن؛ الجمهور المنتمي إلى ما يسمى بالطيف الديمقراطي العريض ضمن الرأي العام العربي، في النظر إلى الأمور. وبالذات في النظر إلى تلك الحركات المسلحة، وبالأخص الإسلامية الجهادية منها، التي نراها في سياقٍ ما إرهابية مأجورة، ونراها في سياقٍ آخر جزءاً من حركة تحرر وطني، مع أن من أسَّسوا تلك الحركات وقادوها، وقادونا إلى تلك الكوارث، وعدا عن كونهم ينهلون من النبع نفسه ويحملون البنية الإيديولوجية الفاشية المغلقة نفسها، فإنهم أيضاً لم ينظروا إلينا، كرأي عام في عمومه، إلا بصفتنا ضحايا (دروعاً بشرية في حالة غزة) أو في أحسن الأحوال مروّجين لـ«بطولاتهم». فإن أحجمنا وقرَّرنا المراجعة أو طَرَحنا بعض الأسئلة، حَوّلونا إلى «خونة»، أي أعادونا إلى خانة الضحايا، ولكن على أيديهم بشكل مباشر هذه المرة، دون الاضطرار إلى انتظار ردة فعل… العدو. 

مُشكلتنا، نحن، كطيف ديمقراطي عريض، بعلمانييه وإسلامييه غير الجهاديين والمؤمنين بالديمقراطية كخيار أفضل للجميع، على نُدرتهم، هي في تفكيرنا الذي لم يكفَّ يوماً عن القفز بين السياقات فقط ليبرر وجوده أمام تلك الحركات وجمهورها، كائناً ما كان حجم هذا الجمهور وتأثيره الفعلي على مسار الأحداث، في عالم بات أكثر حساسية في مواجهة أي شكل من أشكال الإرهاب تجاه المدنيين، خصوصاً بعد جريمة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). 

طبعا سيقفز من يقول: وماذا عن مدنيي غزة، ماذا عن مدنيي سوريا قبلهم ومعهم، أليسوا ضحايا إرهاب؟! أقول بالمختصر، لا.. هؤلاء ليسوا ضحايا إرهاب، إنهم ضحايا إبادة جماعية، والفرق كبير بالطبع. وهو فرقٌ من المهم أن نأخذه بعين الاعتبار، ليس لنزيد «جرعة» الأسى على حالنا، بل لنعرف ما لنا وما علينا بالاستناد إلى تعريف واضح، عسانا نخرج من حالة الهروب التي نمارسها، والتي تنتهي بنا دائماً إلى الارتطام، وبكامل قوتنا، بالجدار نفسه. التجربة التي نخلص منها دائماً بـ«الحكمة» نفسها، وهي أننا مجرد ضحايا لعالم يريد أن يُسيء فهمنا، ويُؤطرنا، على طول الخط! 

 نحن، الموصوفون أعلاه، خائفون، بل شديدو الخوف. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها إن أردنا أن نخرج من الحالة المزرية التي نعيش فيها جميعاً، كرأي عام بكافة أطيافه، ديمقراطي وسواه، باتجاه وضع أكثر إنسانية يُعطي فسحة تنفّس وتعبير عن الرأي للجميع دون الخشية من البندقية، سواء كانت في يد سلطة غاشمة أو تنظيم إرهابي مأجور. مشكلتنا هنا، كانت وستبقى مستمرة مزمنة متقيحة، ما لم نَقُم بتحديدها ومواجهتها مباشرة: إنها البندقية، كائنة ما كانت اليد التي تحملها.

البندقية، بدولة وبدونها

إذاً، ليست بندقية الحركات الجهادية الإسلامية وحدها القابلة للإيجار، إنها أي بندقية، هكذا بالمُطلَق، في يد أي تنظيم ميليشياوي خارج عن الدولة؛ بالتحديد تلك الدولة المحكومة فعلياً بنتائج صندوق الاقتراع، وبالتالي بإجماعات مواطنيها وحدهم، ولخدمتهم. وهنا نجد أن التعريف أعلاه يعطينا فهماً أعمق لسبب خوفنا من تلك البندقية، الميليشياوية بالذات، ذلك أنها ببساطة، وعلى شاكلة البندقية في يد «التنظيمات الحاكمة» في دولنا غير الخاضعة لنتائج صندوق الاقتراع، يمكن أن تُطلِقَ على الجميع دون تمييز، وبالاستناد فقط لإرادة ومصالح قادة تلك الميليشيات ومموليها ومُحرِّكيها. وهنا فإن فعل الخوف ليس تقليلاً من قدر صاحبه، بقدر ما هو دليل تَعقُّل في الحقيقة، ولكن ذلك التَعقّلَ إن بقي في مكانه مُراوِحاً، فإنه لن يلبث أن يشلَّ أي حركة ممكنة للخروج من تلك الورطة. 

يُشير حازم صاغية، في أكثر من مقال وموضع، إلى تفشي ظاهرة الميليشيات في المشرق العربي، وعلى حساب الدولة. والحقيقة أن الإحالة إلى بداية هذه الظاهرة، مع بداية ظهور «المقاومة الفلسطينية» في الأردن أولاً، وبعدها لبنان، وما قادت إليه من حروب وكوارث، أمرٌ دقيقٌ كلَّ الدقة. وهو من خلال تصديه، وبشجاعة على عادة صاغية، لواحدة من «المقدسات» في تفكيرنا السياسي المعاصر، أي ظاهرة المقاومة الفلسطينية المسلحة، إنما يشير وبوضوح إلى تلك المشكلة المزمنة التي بقينا نعاني منها عقوداً طوالاً في مواجهة استبداد لا رحمة فيه، سواء في مواجهة أنظمة قمعية حتى آخر نَفَسٍ فيها، أو في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي. ومع أن الدولة، في حالة الأنظمة القمعية، سوريا والعراق بشكل رئيسي، لم تلبث أن خضعت لحكم الميليشيات (مع استثناء الحالة اللبنانية، السابقة على الحرب الأهلية، من خضوعها لحكم استبدادي كما كان الحال في الدول المحيطة)، إلا أن الحالة الإسرائيلية بقيت «دولتية» بامتياز، وبقي الجيش فيها خاضعاً للمستوى السياسي، الذي يخضع بدوره لنتائج «صندوق الاقتراع». أي أننا في الحالة الإسرائيلية نواجه شيئاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي واجهناه في ظل أنظمة قمعية اكتسبت شرعيتها من البندقية نفسها.

وما دمنا عاجزين في مواجهة بندقية، وهذا طبيعيٌ في حالة أي شخص مدني وجد نفسه في تلك الورطة، فمن باب أولى أن نُطلق مخيلاتنا قليلاً لنُعوِّضَ حالة العجز الجسدي، ونبدأ فعلَ تفكيرٍ يحاول مراجعة ما حصل معنا، وكيف وصلنا إلى هنا، وما هي تلك الأخطاء التي ارتكبناها بأنفسنا، ومَكَّنت مجموعة من الأشخاص، يتراوح وصفهم هنا بين المتطرفين الدينيين، بعضهم مُخلِص لفكرته (وهذا بحد ذاته كارثة)، إلى شذّاذ الآفاق وقطّاع الطرق، كائنة ما كانت أشكالُ اللِّحى التي يطلقونها والإيديولوجيات التي يتبنونها؛ مَكَّنتهم من التحكم برقابنا بعد أن كنا مناضلين من أجل الحرية.

البندقية مرتدية ثوب «القداسة» 

اختيار غطاء إيديولوجي مُحكَم، والاختباء خلف قضية «عادلة»، من ضرورات الترويج لتلك البندقية، بينما الحقيقة، التي نعرفها جميعاً، هي أن تلك البندقية ما كان لها أن تُوجَد لولا جهات قادرة على تمويلها وضمان استمراريتها لخدمة أهداف محددة، وأنه ما كان لتلك الجهات أن تُغامر بالدخول في هذا المشروع لولا تلك الأهداف بالذات. أي أن أمر «الإيجار» سابقٌ على وجود البندقية نفسها، ولعلّنا لا ننسى أنه وقتَ كان التيارُ اليساري هو «الترند» السائد، كانت هناك الكثير من الفصائل المسلحة ذات «التوجه اليساري المُتطرّف»، والتي كانت تُزاود على الجميع في «وطنيتها» بينما كامل عملياتها «النضالية»، ذات الطابع الإرهابي في مُجملها، موضعَ اشتباه في كونها جرت بأوامر من الممول ولخدمة مصالحه. هل يكفي طرح مثال «أبو نضال» وتنظيمه، أو حتى «القيادة العامة»، بنُسختيها اليسارية والإيرانية، كعيّنات هنا؟

ما جعلَ الأمر ملتبساً بالنسبة للقطاع الأوسع من الرأي العام العربي في مواجهة تلك البندقية، «يسارية» كانت أم «إسلامية»، هو «قداسة» قضيةٍ ما، غير القابلة للجدل أبداً. في حالتنا، «فلسطين» هي قدسُ أقداس القضايا كلها (وتلك مشكلة كبيرة جداً بات من المُلحّ أن تُناقَش، ولكن في سياق آخر تماماً). وبالتالي فإن ظاهرةً كـ«المقاومة الفلسطينية المسلحة»، والتي يعود ظهورها العلني إلى النصف الثاني من عقد الستينيات في القرن الماضي، هذا الظهور الذي كُلِّلَ بنصرٍ عزَّ انتظاره بعد هزيمة منكرة، والنصر المقصود هو معركة الكرامة التي جاءت مباشرة بعد هزيمة حزيران، هذه الظاهرة اكتسبت بدورها قداسة هائلة مرتبطة بذلك النصر، وكذلك بوجود اسم فلسطين في اللُّبِّ منها. ولكن مراجعةً ما، لتلك الظاهرة، على ضوء المياه الهائلة التي جرت تحت جسر ذاك النصر طيلة عقود لاحقة، باتت أمراً لا مفر منه. ليس فقط بشأن نقاش ما إذا كانت بندقية تلك «المقاومة الفلسطينية المسلحة» قابلة للإيجار أم لا، وهذا أمرٌ سأتناوله بعد قليل، بل أيضاً، والأهم، من ناحية ما جرَّته تلك «البندقية» على كامل المشهد السياسي في منطقتنا من ويلات بتشريع وجود «بنادق» لاحقة، تلطّت خلف تلك «البندقية» بالذات وأخذتها مثالاً يحتذى. 

في السياق الذي نشأت فيه «المقاومة الفلسطينية المسلحة» كان من الصعب جداً الحكم على موضوع «الإيجار»، أو حتى التفكير فيه بالصيغة التي نراها الآن، وذلك لأسباب عدة. أولاً، كانت ظاهرة «المقاومة» جديدة وتُمارَس للمرة الأولى في منطقتنا. تنظيمات فلسطينية مسلحة، وضعت مشروع تحرير فلسطين شعاراً لها، ومضت في محاولة تحقيقه بشتى السبل الممكنة، وبالاستناد إلى أي «ساحة» تُتيح لهذا المشروع أن ينطلق. وما كان من الممكن أبداً الإنكارُ على «المقاومة الفلسطينية المسلحة» أنها بقيت وفية فعلا لاستقلال قرارها، رغماً عن كل الضغوط التي مُورست عليها من قبل أنظمة عدة تريد تجيير الموضوع الفلسطيني لصالحها. 

ثانياً، ثمة نقطة مهمة جداً يجدر الانتباه إليها، وهي التي أكسبت تلك «البندقية» منعَتَها في مواجهة الأنظمة التي أرادت فرض سطوتها عليها، وهي أن تلك الأنظمة لم تكن المُموِّلَ لتلك البندقية (نظام الأسد)، أو المُمولة لها بشكل جزئي فقط (نظامي صدام والقذافي)، بل كان مصدر التمويل الرئيسي في ذلك الوقت خليجياً، كويتياً سعودياً بالدرجة الأولى. وكلا الدولتين لم تكونا في وارد فرض سطوة على أحد في ذلك الوقت، بقدر ما كانتا تسعيان لتلميع صورتيهما أمام رأي عام عربي. تلك الصورة التي حاول نظام ناصر، وبقية جوقة الأنظمة «القومجية»، تشويهها بشكل مستمر على طول الخط، وصولاً إلى حرب تشرين 1973، والدور الكبير الذي لعبته السعودية عبر سلاح النفط فيها. 

ورغم نجاح «المقاومة الفلسطينية المسلحة» بالحفاظ على استقلالية «بندقيتها» بالسير على خطوط الصراع شديدة التوتر بين الأنظمة العربية المختلفة، مستغلّة السياق المشار إليه أعلاه، لا يمكن إنكار الأثمان الباهظة التي دفعتها المجتمعات الأهلية التي تبنّت هذه البندقية (أو «الساحات»، عوضاً عن المجتمعات الأهلية، وهي الكلمة التي عادت للاستخدام مؤخراً). فمن حرب أيلول الأسود في الأردن، إلى الحرب الأهلية في لبنان، لغاية الاجتياح الإسرائيلي المدمر 1982، مروراً طبعاً بـ«درة تاج» تلك الظاهرة، والمقصود «جمهورية الفاكهاني» في بيروت، كنا فعلياً في مواجهة مجتمعات تتفتت لصالح قضيةٍ نُفِخَت حتى صارت «أم القضايا كلها»، في تغطية على قضايا لا تقل إلحاحاً وقداسة، قد يكون أهمها قضية «الديمقراطية» على سبيل المثال لا الحصر.

فلسطين، مرة أخرى، ودائماً!

على الجانب الآخر، وعندما بدأت «بنادق» أخرى بالظهور، فإنها حاولت سلوك الطريق نفسه الذي سلكته «المقاومة الفلسطينية المسلحة» لتكريس شرعيةٍ لها. لا يمكن مثلاً أن نتجاوز ما طرحه عبد الله عزام في جولاته لتأمين متطوعين للقتال في أفغانستان، من أن القتال هناك هو مجرد بداية للوصول إلى الوجهة الأسمى: فلسطين. وكان هذا «مهد» ظاهرة الجهاد الإسلامي المسلح، وبصفتها «مُقاولة» لصالح الراعي الدولي والإقليمي، وبداية طريقها نحو ما تلا من كوارث لا عدَّ لها ولا حصر. 

بقيت «فلسطين» هي النقطة التي تُلجَم ألسنة الجميع عندها، حتى في سوريا، إبّان ربيعها، وعند الدخول في نقاش المقاومة المسلحة لنظام مسلح حتى أسنانه، وشديد التوحش تجاه محكوميه، كنا جميعاً، مؤيدين لهذا الخيار ومعارضين له، لا يغيب عن بالنا أبداً تلك «التجربة الفلسطينية». بل إن الميل نحو الأخذ بـ«البندقية» في الحالة السورية كان يستند بشكل كبير على «نجاحٍ» ما حققته التجربة الفلسطينية! ناسين جميعا أن هذا «النجاح» ما حصل إلا بعد أن أُخرجت «البندقية» الفلسطينية من كل «الساحات»، وأن الذي أعاد «المقاومة الفلسطينية» إلى المشهد هو شيءٌ آخر غير تلك «البندقية»، بل وعلى الضد منها: الحجر في يد مدني أعزل في مواجهة «بندقية»؛ البندقية الإسرائيلية هذه المرة. إنها الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي أوصلت «المقاومة الفلسطينية» إلى طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين، والتي أوصلتنا جميعاً إلى «اتفاق أوسلو»، الذي بالرغم ممّا عليه، وما عليه كثير، فإن ما له هو أفضلُ ما تَمكَّنت تلك «المقاومة الفلسطينية» من إحرازه في تاريخها كله، وبعد تضحيات جسام من جهة الفلسطينيين والعرب في البيئات التي احتضنت تلك «المقاومة»: بداية الطريق نحو دولة فلسطين. 

طبعا لم تلبث «المقاومة الإسلامية في فلسطين / حماس» أن أطلت برأسها تريد تدمير هذا الاتفاق بشكل تامّ، بدعم كامل من الأسد، الكبير، وبعدها بدعم من إيران وقطر، ولأسباب لا داعي لسردها هنا، حتى لا نضيع الوقت في أشياء يعرفها الجميع.

ومع ذلك، فإن استطراداً هنا، ليس بسيطاً في الحقيقة، لا بدّ منه. كثرٌ يرون أن «حماس» لم تأت من فراغ، وأنها لم تكن مجرد «عميل» لقوى إقليمية، إنما كانت تعبيراً عن مصالح قوى موجودة فعلياً داخل المجتمع الفلسطيني، أبعدتها القيادة «التقليدية» للمنظمة، ممثلة بعرفات ورجاله. كان هذا الكلام وازناً فعلاً لو أن «حماس» اختارت طريق الانضمام إلى «منظمة التحرير الفلسطينية» والدفاع عن مصالح تلك «الفئات» التي تمثلها من داخل ما أجمع الفلسطينيون على أنه «مكسبهم السياسي الأبرز»، تلك المنظمة التي باتت رسمياً هي الناطق الوحيد باسمهم وبعد تضحيات هائلة. نعم، لم يكن الطريق سهلاً للاعتراض من داخل «جسمٍ» كان عرفات ورجاله قد سيطروا عليه تماماً، ولكنه في النهاية كان «البيت» الفلسطيني الوحيد المتبقي للجميع، وكان يمكن لحماس أن تحميه فعلاً بصفته «بيتاً» للجميع، وتكتسب بذلك «شرعية» لا تُنكَر، ليس أمام من يُفترَض أنها تمثلهم فقط، بل وأيضاً أمام عموم الفلسطينيين بدون تمييز. 

ما حصل كان العكس تماماً، رفضت «حماس» الانضمام إلى المنظمة، بحجة خضوعها لإملاءات عرفات. ما حصلَ هو تركُ المنظمة للموت تحت سطوة «حزب السلطة»، فتح، والالتفاتُ إلى مقارعة هذا «الحزب» عبر أي وسيلة يمكن الوصول إليها، ومن أي طرف إقليمي مستعد لتقديم العون للوصول إلى هذا الهدف. إذن فنحنُ لسنا أمام ارتهان ما، كائناً ما كان حجمه ومبرراته، بسبب الحاجة إلى بندقية، بل إنه ارتهانٌ سياسيٌ عن سبق إصرار وتصميم، بُغية الوصول إلى هدف محدد: السلطة ولا شيء سواها! 

وهذا للأسف حال جميع القوى التي تريد الوصول إلى الهدف نفسه: السلطة المطلقة. وبالطبع فإن الأداة الأكثر فاعلية في هذا المسعى هي البندقية مع ما تستتبعه من «التزامات» تجاه الراعي. وبالتالي فالموضوع ليس موضوعَ «قوى محلية» مُنِعَت من التعبير عن رأيها أو تم قمعها بواسطة سلطة ما، بل موضوع «قوى محلية» تريد أن تحلّ محل «قوى محلية» أخرى تمسك بالسلطة عنوة بدورها، بينما «الغالبية الصامتة»، ولأنها غير مسلحة، ليس عليها إلا أن تتفرج وتدفع من دمها لكلاً الطرفين، منتصراً كان أو مهزوماً. 

هذا، وبدون مبالغة، يُلخّص حال «القوى الإسلامية» كلها في عموم منطقتنا، وليس «حماس» وحدها؛ مسعىً دؤوبٌ نحو سلطة يرون أنهم الأحق بها، حيث الاعتراض الوحيد على المُمسك بتلابيب تلك السلطة، سواهم، لا يقوم على مبدأ أنه طاغية مستبد، بل فقط لأنه لا يمتلك الحق «الإلهي» بممارسة ذلك الطغيان على بقية العباد كما يمتلكونه هُم.

البندقية الإسلامية، إلى أي مدى يمكن إن تكون مستقلة؟!

الحقيقة أننا لو حاولنا إحصاء الحالات التي ظهرت فيها «بندقية» الفصائل الجهادية الإسلامية كبندقية مؤجرة سلفاً للراعي الرئيسي، فإننا سنعجز عن إيجاد حالات تثبت العكس تماماً، وفي أي سياق تناولنا فيه تلك الظاهرة، بِدءاً من مرحلة «الجهاد» الأفغاني، وصولاً إلى حماس، مروراً بالفصائل الجهادية السورية، سريعة التكاثر، شديدة الشراسة، ليس فقط تجاه عاثري الحظ من المدنيين الواقعين تحت قبضتها، بل وتجاه بعضها بعضاً؛ هذا طبعاً دون أن ننسى الميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان. ولكن، وكما ذكرتُ أعلاه، فإنه كائناً ما كان الاتجاه الإيديولوجي الذي يتبنّاه الفصيل المسلح، هو في النهاية دخل في مشروع «إيجار» مُسبَق، منذ اللحظة التي قرَّرَ فيها حمل «البندقية» مع كامل احتياجاتها. 

حالات نادرة استطاعت فيها «البندقية» أن تكون خاضعة لقرار قيادة الفصيل، منها تلك الحالة التي مَثَّلتها «المقاومة الفلسطينية المسلحة»، نتيجة للظروف المُفصَّلة أعلاه، ومنها أيضاً حالة «القاعدة» التي اعتمدت، في مرحلة المواجهة المباشرة مع الراعي السابق، الولايات المتحدة الأميركية، على تمويل قائدها ومؤسِّسها بن لادن. دون أن ننسى طبعاً أن «القاعدة» نفسها ما كانت لتوجد لولا أنها استندت إلى البنية التنظيمية والعسكرية للمرحلة الجهادية الأفغانية، المُموَّلة والمُدرَّبة والمسلحة من قبل المخابرات الأميركية والمخابرات السعودية. ما عدا ذلك، فبالتأكيد لا يمكن لـ«أبو عبيدة»، على سبيل المثال، أن يقوم بهذه المهمة وحده، مهما رفع إصبعه مُهدِّداً في وجوه الجميع، وفي وجوهنا نحن، ومعنا أهل غزة، قبل الجميع.

المشكلة إذاً في تركيبة «المشروع»، جهادياً كان أو «نضالياً» من أي لون كان، وفي الأداة الرئيسية فيه: البندقية. 

هل كنا واعين إلى هذه الحقيقة، ونحن نناقش في سوريا، عشية بدء ربيعها، ذلك الخيار وإكراهاته؟ ما نشاهده الآن من نقاش حول تلك النقطة بالذات، وفيما يتعلق بـ«المقاومة الإسلامية في فلسطين» وبنادقها وصواريخها وأنفاقها وخطابات ناطقيها الرسميين، وبعد كل الهول الذي عاناه أهل غزة، ونراه على مدار الساعة بأم أعيننا، يقول بوضوح إننا لم نفتقد فقط إلى ذلك الوعي المطلوب، سابقاً والآن، بل إننا أيضاً ما نزال في مرحلة التخبُّط باحثين عن إجابات لأسئلة ما زالت مطروحة منذ مرحلة الربيع حتى يومنا هذا، رغم أنهار الدم التي سالت في عموم منطقتنا حتى الآن!

ما العمل؟!

ومع ذلك، يبقى هناك سؤال لم يتم التطرق إليه في هذا السياق: ماذا كان بإمكاننا أن نفعل، نحن الطيف الديمقراطي العام في المنطقة، بمختلف تياراته (أودُّ هنا أن أضيف صفة «المدني» أيضاً إلى الطيف هذا)، في حال أننا تصدَينا للأسئلة المطروحة بكل الجرأة المطلوبة وأَجبنا عليها؟! هل كان هذا سيمنعُ تلك التيارات المُسلَّحة، على فرض أن هناك اتفاقاً عاماً على أنها جميعاً مأجورة، من المضي في مشاريعها رغماً عن إجاباتنا وأنوفنا معاً؟! هل كان هذا سيُقلّل من «الشعبية» التي تتمتع بها تلك التيارات، خصوصاً بعد إحرازها لـ«اختراق» بحجم ذلك الذي حصل صبيحة السابع من أكتوبر، أو بحجم جريمة الحادي عشر من أيلول؟! 

ثم من أين جاءت تلك «الشعبية»، وهل، بعد كل هذا الهول والهزائم التي مُنينا بها بقيادة تلك التيارات «الإسلامية»، ما زالت تلك التيارات تتمتع بـ«الشعبية» فعلاً؟! أما آن الأوان للحديث عن «خامس من حزيران إسلامي» بعد؟! كل هذه الأسئلة تشكل موضوع مبحث آخر، لا مجال للخوض فيه الآن. ولكن، تكفي فقط الإشارة إلى أن من يريد الحديث عن «شعبيةٍ» ما، لأي تيارٍ كان، عليه أن يأخذ في الاعتبار أن النازيين في ألمانيا، مع بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، تمتعوا بشعبية كاسحة جداً. وكذلك يمكن أن نضيف أن «الأسديين» في سوريا كانت لهم شعبية هائلة في أوساط البيئة «العلوية»؛ فهل هذا يعني أن الألمان عموماً، والعلويين في سوريا في عمومهم، كانوا موافقين على التوحش النازي أو الأسدي، أم أن الأمر برمته كان بسبب لعب كلا الطرفين، النازي والأسدي، على أوتار الخوف المسيطر على الجموع؟

وفي كل الأحوال، كنتُ قد فصّلتُ سابقاً في توضيح الملامح «الفاشية» للتيارات الإسلامية في عمومها، السلفية الجهادية بشكل خاص، وقدرتها على الحشد بالاستناد إلى اللعب على وتر الخوف من الآخر، في عدة مقالات منشورة هنا في موقع الجمهورية

تتطلّبُ محاولة الإجابة على الأسئلة كلها أعلاه الاستناد إلى شيء واحد بشكل رئيسي، وقبل أي شيء آخر، وهو مدى ثقتنا بأنفسنا وبما نحمله من رأي. وهذا ليس كلاماً «رومنطيقياً»، بل إنه الأساس «الأخلاقي» الذي لا غنى عنه، الذي يقف عليه كل من يرى أنه صاحب حق غُبنَ حقه من قبل من يفوقونه قوة وبطشاً، وأن عليه أن يمضي خلف حقه هذا، أياً تكُن الظروف. وبالأصل، ماذا كان الدافع خلف الربيع العربي كله، إن لم يكن هذا اليقين عند كل من شاركَ فيه؟! فإن لم تكن «الأخلاق» وحدها كافية للقيام بثورة، فإن غياب تلك «الأخلاق» سيعني أن «الحراك» مجرد تمرّد سيقود في النهاية إلى حرب أهلية… هذا ما وصلنا إليه في سوريا، وأجزم، بأن «البندقية» لعبت دوراً حاسماً في الوصول إلى هذه النتيجة. 

عندما بدأنا تلك «المغامرة»، ثورة ربيعنا، كانت «فلسطين» موجودة في أذهاننا جميعاً… فهل يمكن لـ«فلسطين» الحجر في يد المدني، عوضاً عن البندقية في يد المُلثَّم، أن تأخذ مكانتها الجديرة بها فعلاً؟ بهذا يمكن أن ندرك بأن من انتفضوا في ظرف هو استحالةٌ قائمةٌ بذاتها، إنما ابتكروا، بعد أن جُرِّدوا من بنادقهم. في حالتنا، يجب أن نقوم بتجريد تلك «البندقية» أياً كانت، من قداستها… لنبدأ بدورنا بالابتكار.