يحتاج الدخول إلى قصر العدل وسط باريس تفتيشاً شبيهاً لما يتطلّبه الدخول إلى المطارات، ثم يأتي الجدار الخلفي لكنيسة «سان شابيل» العتيقة ليكون أوَّلَ ما يراه الداخلون من الباب الجانبي المُخصَّص للعموم. الكنيسةُ تحفة معمارية من العصور الوسطى، وهي ما تزال مفتوحة للزوار في أحد الباحات داخل المُجمَّع القضائي الضخم، الذي عاشت أبنيته وممراته وباحاته مراحلَ وتحولات كبيرة عبر تاريخه الطويل، منذ كان المقرَّ الرئيسي لملوك فرنسا من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، مروراً بالسنوات التي كان فيها مقراً للمحكمة الثورية الفرنسية التي حكمت بإعدام الآلاف بالمقصلة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي لا يزال يلعب فيها دورَ القصر العدلي الرئيسي في باريس.

للذهاب إلى القاعة الثالثة لمحكمة الجنايات الفرنسية، التي شهدت وقائعَ المُحاكمة الغيابية لعلي مملوك وجميل الحسن وعبد السلام محمود، كان علينا أن ننعطفَ يساراً في الباحة الذي تتوسطها الكنيسة، ثم أن نعبرَ ممراً طويلاً على جانبيه أبوابٌ خشبيةٌ قديمةٌ لغُرَف مغلقة يوحي شكلها بأنه قلّما يتم استعمالها، وصولاً إلى صالةٍ يتسرّب ضوء النهار من جزء زجاجي شبه شفّاف وسط سقفها الحجري. يتوسط الصالةَ مكانٌ مُخصَّصٌ لوقوف المصورين الصحفيين بكاميراتهم، تماماً في مواجهة المدخل الرئيسي الخشبي لقاعة المحكمة، التي يحتاج دخولها تفتيشاً دقيقاً جديداً.

بعد التفتيش الثاني ندخل قاعة كبيرة نسبياً يُمنَع التصوير واستخدام الهواتف النقّالة داخلها، جميعُ جدرانها مكسوة بخشب سميك وفيها كثيرٌ من المقاعد وأجهزة الصوت والإضاءة، في صدرها تجلس هيئة المحكمة، وعلى يسارها حجرةٌ صغيرةٌ بجدران زجاجية، وهي المكان الذي كان يفترضُ أن يجلس فيه المتّهمون. لم أستطع منع نفسي من النظر مراراً إلى المساحة الفارغة هناك: ما الذي تعنيه تماماً مُحاكمة متّهمين غير موجودين ولا يستطيع أحدٌ القبض عليهم؟ ذلك فضلاً عن منعهم من مواصلة جرائمهم أصلاً؟

لا شيء وراء الزجاج سوى الفراغ، الذي يصبح أصعبَ كلّما كانت الشهادات والوقائع المروية أكثر قسوة.

الشهادة

في الدقائق الأولى من حديث أحد الشهود عن التعذيب الذي تعرّضَ له في سجن مطار المزة العسكري التابع للمخابرات الجوية، كانت مشاعري مُتبلّدة تماماً كحال من يسمع حكاية سمعها مِراراً فلا يتوقّع منها جديداً. شعرتُ بالخجل عندما تذكرتُ لاحقاً تلك الدقائق القليلة، التي كنت أسمعُ فيها ببرود ما يُفترَض أن يخنُق أي إنسان لمجرّد سماعه. يحكي الشاهد بعد دقائق عن لحظة شاهد فيها صورة جثمان أحد أصدقائه بين صور قيصر لاحقاً؛ لقد استشهد صديقه ونجا هو من مصير مشابه كان مُحتملاً بشدة. كانت تلك لحظة انهيار الدفاعات الثلجية التي تُربّيها النفس بعد قراءة وسماع كثير من الشهادات عن التعذيب، كانت تلك لحظة استعادة الشعور الطبيعي؛ مزيجٌ من الأسى والألم والعار الذي لا يُحتمَل.

مهما قرأنا وسمعنا عن مصانع التعذيب والموت الذي يديرها النظام السوري، سيبقى هناك ما لا يمكن الاعتياد على سماعه، وما لا يجب الاعتياد على سماعه. يحكي أحد الشهود عن اعتقال كل أفراد عائلته الكبيرة تباعاً على مدى سنوات الثورة، الذين خرج بعضهم واستشهد بعضهم ولم يُعرَف مصير آخرين حتى اللحظة؛ ثم يقول عبارةً يقشعّر لها البدن: «لم ينجُ أحدٌ من عائلتي إلّا الذين ماتوا قبل اعتقالهم».

ويحكي شاهدٌ عن التعذيب المُروّع الذي تعرّضَ له في السجن نفسه؛ تحطيمُ أسنانه الأمامية وتكسير بعض أضلاعه وخروج عظم كتفه من مكانه، ثم يقول: «ما حصل معي كان بسيطاً بالقياس إلى ما تعرّضَ له آخرون». أي جحيم هذا الذي يحتاج معه شخصٌ تعرّضَ لمثل هذه الأهوال إلى قول عبارة كتلك؟ ثم ما الذي ينبغي أن يشعر به ويقوله من نجا تماماً من المرور على مصانع التعذيب الأسدية؟ ثم بعد ذلك نلوم أنفسنا لأننا نسير في شوارع مدن العالم حاملين على أكتافنا ذنب نجاتنا، نحن «المصابون بالسلامة» وفق تعبيرٍ بليغ صاغه عبد الحميد يوسف في عنوان نصٍّ له عام 2016.

في شهادات الشهود كثيرٌ وكثيرٌ مما يستحق الوقوف عنده، وقد اخترتُ منها هذه المَشاهد كي أقول إن إتاحة هذه الفرصة للشهود تمنح هذه المحاكمة، والمحاكمات الشبيهة التي جرت وتجري ويمكن أن تجري، قيمة وأهمية كبرى أياً تكن نتائجها السياسية الواقعية. نحتاج أن يسمع العالم شهادتنا على الأهوال التي عشناها، لكننا نشعرُ مِراراً أننا نواجه عالماً لم يَعُد يريد أن يسمع. أمام محاكم رسمية عديدة، من بينها محكمة الجنايات الفرنسية، وضع شهود سوريون حكايتهم في عُهدة العالم.

الحقيقة القضائية

يَحملُ كلٌّ من باتريك (عبد القادر) الدباغ ووالده مازن الجنسية الفرنسية إلى جانب السوريّة، وهكذا كانت محاكمة الجُناة أمام المحاكم الفرنسية أمراً ممكناً. وفي الوقائع، التي تم عرضها مراراً خلال جلسات المُحاكمة، فإن المخابرات الجوية السورية اعتقلت الشاب باتريك الدباغ من بيته، ثم اعتقلت والده مازن في اليوم التالي «لأنه لم يُحسن تربية ولده» كما قال العناصر الذي جاءوا لاعتقاله، والذين سرقوا سيارته أيضاً. ثم تمت مصادرة بيته بعد سنوات، ليسكُنه مؤقتاً العميد عبد السلام محمود رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية. تم إخفاء مصير باتريك ومازن الدباغ، قبل أن تعرف العائلة في العام 2018 عبر شهادات وفاة أنهما فارقا الحياة في الاعتقال. وتقول التواريخ التي تحملها شهادات الوفاة أن باتريك استشهد في العام 2014، وأن والده مازن استشهد في العام 2017.

من وقفة جرت في ساحة شاتليه القريبة من المحكمة يوم الثلاثاء الماضي (تصوير محمد بدرة)

هذه وقائع تم إثباتها قضائياً عبر إجراءات وتحقيقات صارمة جرت على مدى سنوات، ثم في محاكمة علنية استمرت أربعة أيام (من الثلاثاء 21 أيار إلى الجمعة في 24 منه). وقد قال المدعي الشخصي عبيدة الدباغ، شقيق مازن، أنه حاول بكل ما أوتي من قوة معرفة مصيرهما وإطلاق سراحهما، بما في ذلك اللجوء إلى أشخاص ذوي نفوذ داخل البلد، واللجوء إلى مؤسسات الدولة الفرنسية وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، لكن دون جدوى. وقد قال للقضاة إنه يقف أمامهم اليوم طلباً للعدالة، ولكن كذلك ليقول لأخيه وابن أخيه أنه فعلَ كل ما في وسعه.

اعتمدت المُحاكمة أيضاً على شهادات ناجين من التعذيب والقتل في مراكز الاعتقال التابعة للمخابرات الجوية، وعلى شهادة عن السياق السياسي والظروف الواقعية التي جرت فيها عمليات الاعتقال، قدّمها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM) الذي انضمّ كطرف مدني إلى الدعوى، والذي تم اعتقال أغلب الناشطين فيه في دمشق واقتيادهم إلى سجن المزة العسكري نفسه، ومن بينهم مازن درويش مدير المركز الذي تحدّث باسمه في المحاكمة. وكذلك اعتمدت على شهادات خبراء عن السياقات العامة التي تُمارِس فيها المخابرات الجوية عملها، من بينهم الكاتب والأكاديمي اللبناني زياد ماجد، وفرانسوا بورجا الباحث وأستاذ العلوم السياسية الفرنسي، والكاتبة الصحفية غارانس لو كيزان مؤلفة كتاب عملية قصير (وقد عُرضت بعد صور قيصر على الشاشة في أحد جلسات المحكمة)، وكاثرين ماركي-أويل رئيسة الآلية الأممية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا. كما اعتمدت على مرافعات مفصّلة صاغها وقدّمها محامون ومحاميات محترفون ومحترفات من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان (LDH).

بنتيجة كل ذلك، ثبتَ على نحو لا يدع مجالاً للشك أن المخابرات الجوية ارتكبت جريمتها بحق باتريك ومازن الدباغ في سياق ارتكابها جرائم ممنهجة ضد الإنسانية، وأن العميد عبد السلام محمود واللواء جميل الحسن واللواء علي مملوك مسؤولون شخصياً عن هذه الجرائم ومن بينها الجريمة بحق باتريك ومازن. وقد يُقال إن هذه النتيجة معروفةٌ على نحو لا يحتاج معه إلى محاكمات وإجراءات معقدة كهذه، لكنها لم تَعُد «حقيقة واقعية» فقط بل باتت «حقيقة قضائية»، والحقيقة القضائية لا تعتمد على ما يراه أحدٌ بعينه أو يسمعه بأذنه، ولا تعتمد على تصورات يستنتجها المرء من تلقاء نفسه باستخدام أدوات المنطق، بل تمرّ عبر قواعد إثبات تقنية وقانونية صارمة، انتهجتها المحكمة وأصدرت بناءً عليها حُكمها الغيابي على المتهمين بالسجن المؤبد.

هكذا باتت مسؤولية النظام السوري عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مثبتة بموجب «حقيقة قضائية» يتبناها القضاء الفرنسي، ولا بديل عن السعي إلى إثبات «الحقيقة القضائية» وتحصينها بعمل مؤسسات احترافية، لأنه بدون «حقيقة قضائية» مستقلّة يغدو السعيُ إلى العدالة سعياً إلى انتقام يشفي صدور الضحايا دون أن يجلب عدالة لأحد. يُضيف هذا أهمية أخرى إلى هذه المحاكمة والمحاكمات الأخرى التي تجري في سياقات مشابهة، إلّا أن سؤال «العدالة» وإنفاذها يبقى مفتوحاً بسبب استعصاء معاقبة الجناة واستعصاء منعهم من مواصلة جرائمهم.

المحامية كليمانس بيكتارت (محامية الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير وعائلة الدباغ) والمحامي باتريك بودوين (رئيس ومحامي الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ومحامي الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان) في حديث مع الصحفيين في أول أيام المحاكمة (تصوير محمد بدرة)

سؤال العدالة المفتوح

ثمة مسارٌ مستمرٌ من محاكمة ضباط في النظام السوري على جرائمهم أمام محاكم وطنية في دول غربية، بالاستفادة من الولاية القضائية العالمية التي تُتيحها قوانين بعض الدول في ظروف معينة، أو بالاستفادة من جنسيات الضحايا كما في هذه المُحاكمة. لكن الوقائع تقول إن هذا المسار لا يساهم في كفّ يد النظام السوري ولا في تغيير واقع الإفلات من العقاب الذي تعيشه سوريا، ولم يُفضِ حتى اللحظة سوى إلى احتجاز ومعاقبة مجرمين صغار في آلة قتل كبيرة جهنمية تواصل عملها، وإلى إصدار مذكرات توقيف وأحكام سجن بحق مجرمين كبار لا مجال لاعتقال أي منهم، ما يجعله مساراً قاصراً إلى حد بعيد.

صحيحٌ أنه مسارٌ محدودُ التأثير السياسي، ذلك أن أي افتراضات تقول إن هذه المحاكمات ستجلب عدالة عامة للسوريين أو ستقوّض سلطة النظام السوري ليست في محلّها، لكن هذا لا يمكن أن يعني بحال أن هذه المحاكمات لا لزوم لها، لأن مكافحة الإفلات من العقاب بأي وسيلة متاحة مهما قلّ تأثيرها الواقعي تبقى ضرورة لا بديل عنها بالنسبة لمن يسعى إلى العدالة، ولأن هذه المحاكمات حلقاتٌ في مسار تاريخي طويل من السعي إلى العدالة أمام محاكم وطنية ودولية متنوعة، ولا تقتصر حلقاته على المحاكمات ذات الصلة بالشأن السوري، بل شهدنا فصولاً منه منذ ولادة مفاهيم حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية، ونشهد اليوم أيضاً فصولاً أخرى في عمل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ضد قادة إسرائيل.

و«العدالة» في الأصل مقولة فلسفية مجرّدة لا مجال لتمثيلها في الواقع، ذلك أن الباحثين عن عدالة ناجزة ونهائية لن يجدوها في هذا العالم. و«قرارت مؤسسات العدالة» ليست هي العدالة نفسها، بل هي أدواتٌ وعلامات على الطريق الصعب والشائك نحو الاقتراب خطوات أخرى من مثال العدالة. لا يستطيع السوريون اليوم معاقبة قتلتهم الكُثُر في النظام السوري وسلطات الأمر الواقع الأخرى، ولكن بانتظار مسار عدالة فعّال في سوريا، ليس أمامنا سوى اللجوء إلى كل هامش مُتاح لطلب العدالة.

تجعل هذه المحاكمات من التطبيع مع النظام السوري مهمة أصعب وأكثر تعقيداً أمام الراغبين بالتطبيع معه، وهم ليسوا قلّة في أي مكان من العالم بما في ذلك في فرنسا نفسها على ما يبدو واضحاً. وهي تسمح للشهود والناجين وذوي الضحايا برواية حكايتهم على مسامع العالم، وتُساهم في إعداد ملفّات تحمل «حقائق قضائية» صالحة للتأسيس عليها عند انطلاق مسار العدالة المأمول في سوريا مستقبلاً، هذا إذا قُدِّرَ له أن ينطلق. أما الجُناة الكبار أنفسهم، فإن جلبهم الفعلي إلى أقفاص زجاجية يحتاج أكثر من هذا بكثير، يحتاج ظروفاً مواتيةً قد تكون هذه المحاكمات خطوات صغيرة على طريق إنتاجها.

أخرجونا من هنا، إننا نختنق

قال السيد عبيدة الدباغ إن آخر عبارة تم نَقلُها من داخل السجن عن لسان شقيقه مازن كانت: «أخرجوني من هنا، إنني أختنق»، وذلك بعد أن تمّ حشره في زنزانة ضيّقة مُكتظّة. تستحقُّ هذه الصرخة أن تدوي في كل مكان باسم جميع المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام السوري، وأن تكون صرخة في سماء العالم يُطلقها ملايين السوريين والسوريات المحشورين في أوضاع لا تُحتمَل، ويطلقها جميع المتروكين لمصيرهم في أوضاع بالغة القسوة والبربرية كما هو حال أهل غزة اليوم. وقد تستعصي ظروف العالم السياسية على تلبية نداءات المخنوقين، لكن لا أقلّ من محاولة إسماع صداها في كل مكان مُتاح، ولا بديل عن طلب العدالة لأصحابها مهما بدا الطريق مستحيلاً.

السيد عبيدة الدباغ متحدثاً في وقفة في ساحة شاتليه في باريس (تصوير محمد بدرة)