هناك الكثير من الأسباب لتسليط الضوء على تجربة الكاتبة السورية أمية عبد الدين، أبرزها أن هذه التجربة التي خاضتها الكاتبة في عقد التسعينيات غير معروفة على نطاق واسع في مجال الكتابة القصصية السورية.  يبدو وكأنَّ الحياة لم تُمهلها لقول كل ما تريد، بل سخرت بقسوة من الجملة التي قدّمت بها روايتها اليتيمة المعنونة أمّا بعد:

مازلنا أحياء 

مازال أمامنا متّسع من الوقت لنسعد

وسنسعد كثيراً

إلى جانب هذه الرواية، ومسرحية مترجمة عن الإسبانية بعنوان الثور الذهبي، يوجد في رصيد عبد الدين مجموعتان قصصيّتان، وداع الأحبّة و«سوق الإثنين، سوق الثلاثاء، سوق الخميس. الثلاثاء.. الخميس» الصادرة عن دار الينابيع عام 1993، وهي المجموعة التي نستطيع أن نلتقطَ فيها تميُّزاً في تجربة الكاتبة على عدّة مستويات، من الشخوص إلى الحدث وسرد الراوي والحكاية والاستعارات والصوت الخاص.

شخوص تنقلب على واقعيتها

الشخصيّة عند أميّة واقعيةٌ إجمالاً، غير أنّها تسلكُ في مرحلة ما من القصة سلوكاً مغايراً للمألوف، يمنح الشخصيات بُعداً مُتفرِّداً ويجعلها منتمية إلى عوالم القاصّة أكثر من انتمائها للواقع. والوقت الذي تشقُّ فيه هذه الشخوص عصا الطاعة على واقعيتها هو وقتٌ مُنتقى بعناية، ليخدم السياق الساخر الذي تنتهجه أميّة في القصّ.

أمّا الحدث في قصص أميّة فهو حدثٌ مألوف، مأنوسٌ في البداية، يبدأ بلقطات (اسكتشات) مُقتطعة من قلب الحياة اليومية، غير أنه يتّسمُ بالمبالغة عند الوصول إلى الذُرى، ففي قصص أمية ليس ثمة ذروة واحدة حتّى ضمن سياق قصّة واحدة. 

في قصّة جيل العدم تُقدّم القاصّة شخصيّة أسعد ماضي المتقوقع داخل صَدَفة الماضي، والذي يؤلّف كتاباً يَنتقدُ في سياقه الجيلَ الجديد الذي يُسمّيه جيل العدم. أثناء انكبابه على الكتابة، تهبُّ عاصفة هوجاء تُكسِّر نوافذ منزله، وتقتلع جدرانه، وتبعثر أوراق المخطوط، فتذرو مشروعَ كتابه أدراج الرياح. وهذا وصفُ العاصفة كما تُورده الكاتبة:

إنّهم طلاب الحقوق يتظاهرون أمام عقبة بن نافع وجيوش المسلمين.

إنّهم شباب يكسرون أبواب المسرح لمشاهدة المسرحيّة.. وإسقاطها. 

إنّهم مراهقون يرقصون.. يرقصون.. أقوى من الطائرات العربية.

إنّهم أطفال.. أطفال يلعبون بالحجارة.. يضربون بالحجارة.. وبالحجارة يرجمون.

فالأطفالُ الذين يلعبون بالحجارة في الحارات والأزقّة العربية، لا يختلفون عن الأطفال الذين صنعوا ثورة الحجارة في فلسطين، وهُم نفسهم الذين يرجمون بحجارة الجهل والتقوقع والتعظّي داخل قوالب مسبقة الصنع يضعهم فيها الآخرون. غير أن كل هذا التصعيد تمّت صياغته بمهارة القصّ الأصيل، ليتوارى خلف حبكة مُحكمة، متماسكة، تُسبغ عليه عنصر الواقعيّة.

ومع أنّ القاصّة اعتمدت على الراوي بالضمير الأول في معظم قصصها، وهو الأسلوب الأكثر شيوعاً في القصص الواقعية، إلّا أنّها استطاعت أن تُحرّر هذا الراوي من الوقوع في فخ التنظير والأدلجة والمباشرة والتقريرية والجمل الإنشائية، وغير ذلك من مطبات السرد التي تجعل صوت القاص يعلو على صوت الراوي في النص القصصي.

وإذا كانت الحكاية عند القاصّة بسيطة واضحة، إلا أنّها لا تخلو من التشويق، وهي ذات جاذبية خاصة، استثنائية، ذات عين تصويرية في رصد حكايتها، دون أن تصل البساطةُ حدَّ الابتذال والتكرار، ودون أن تكون الحكاية على حساب قوة السرد، أو اللغة، بل توحي هذه المجموعة أنها نتاجُ سيرورة عمل صارمة، ترصد التطور الحكائي للسياق القصصي بعينٍ صارمة لئلا ينزلق إلى أخطاء مشابهة، وأنها نتاجُ كاتبةٍ تسكنها روح القصّ بامتياز.

غير أنّ أهمّ الاتّكاءات التي تُميّز تجربة أميّة عبد الدين القصصيّة هي الاتّكاء على المجاز، ففي قصة الطريق إلى المسلخ الشرقي ينفتح فضاء التأويل على اتّساعه، ابتداءً من تسمية العنزات والنعاج؛ تلك التسمية التي تُشكّل في جوهرها لازمات صفاتيّة، وربّما لونيّة أيضاً. في القصة، تهرب العنزة الفكحاء مع تيسٍ أعور، والنعجة المجزوزة تشكو قائلة:

لماذا يا ربّي فعلتَ بي ذلك ؟! أيّ ذنب ارتكبته ؟؟ علامَ تعاقبني؟ بحياتي كلّها لم أقترف ما هو شائن، طوال عمري أطيع الأوامر ولا أتردد في تنفيذها، ماذا فعلتُ يا الله لتفعل بي هذا!

لقد ألقت باللائمة على اللّه بدلاً من أبي محمد الذي قام بجزّ صوفها، مع إيحاء بأن الخنوع والاستكانة من طبائع الأمور، خاصة وأن هذه السخرية جاءت على لسانٍ مؤنث. 

أمّا بالنسبة للنعجة البيضاء التي أسبغت عليها القاصّة صفات الذكاء والنزوع إلى الحرّيّة، والتي حاولت طويلاً تحريض زميلاتها على المطالبة بحقوقهنّ من دون جدوى، فقد اغتنمت فرصة مرور قطيعٍ آخرٍ، فهربت من قطيعها الذي يتّجه إلى المسلخ الشرقيّ وانضمّت إلى ذاك الآخر الذي يتجه إلى المسلخ الغربيّ، في مفارقة ساخرة، مفتوحة على عدة تأويلات.

في القصّة التي تحمل عنوان المجموعة: سوق الاثنين، سوق الثلاثاء، سوق الخميس يتخاصم سليم وأميرة حول مسألة شراء مُسجّلة أو تلفاز، يتدخل مازن – الصديق المشترك – لصالح سليم، فيدور الحوار التالي:

–  آه طبعاً.. لأنك رجل مثله، فجأة، وعند المواقف العملية تتبخّر كلّ النظريات، ويقف الرجل إلى جانب الرجل، ويظل لسانه فقط إلى جانب المرأة.

–  أنت دائماً تعملين من الحبة قبة، ما علاقة الرجل والمرأة الآن؟ نحن نتحدث عن التلفاز والمسجلة. 

–  أنت تتحدّث هكذا لأنك لا تعرف أنّ كل مشترياتنا حتّى الآن له.

–  له؟!! كيف له؟

–  طبعاً، البراد والفرن غاز له، للرجل، لأن الرجل يحبّ بطنه، أعرف أن الغسّالة الأوتوماتيك أبعد من أن أحلم بها، أنا من يغسل وليس عندي غسّالة، طيّب ليكن عندي على الأقل مسجّلة.

لا يبدو اختيار الأغراض مُصادفةً بحسب مواقعها في الحوار، فالتلفاز والبرّاد وفرن الغاز ألفاظٌ مذكّرة، بينما الغسّالة والمسجّلة ألفاظٌ مؤنثة.

في قصة الفرّوج قدّمت القاصّة أسرة فقيرة يساريّة النزعة، حمل فيها الأبناء الثلاثة على التوالي أسماء جهاد ونضال وكفاح، ولكن حين يقع جهاد في غرام فتاة من الطبقة البرجوازية، يعلن جميع أفراد الأسرة بأنهم لن يُعاملوها بأفضل مما تستحق، غير أنهم لا يكتفون فقط بالتنافس على إرضاءها، بل يغفلون عن أنّها تستولي على الفروج بكامله. في القصة سخريةٌ من الشعارات الجوفاء ورؤيةٌ للقوة الطبقية القادرة على إفراغ أي محاولة للتغيير من محتواها لتستولي على (الفروج)، مرموز السلطة والمال. وفي قصة جيل العدم تقدم القاصة شخصيتين لا تؤمنان بالتغيير، ثم تدعو أحدهما: (أسعد ماضي) والآخر: (سعيد غابر)، جاعلة من الاسم أسلوباً للسخرية من العقلية البائدة .

ثمّة خاصية رئيسية من خصائص القصة القصيرة حسب ما يراه الناقد الإيرلندي فرانك أوكونور في كتابه الصوت المنفرد، الذي يُسمّي هذه الخاصية «الوعيَ الحاد باستيحاش الإنسان»، فإذا أخذنا بهذا التعريف نجدُ أن القاصّة استطاعت إشباع صوت القارئ الخاص، المتوحد، الناقد. فرحلةُ أميرة أثناء بحثها عن سليم في سوق الاثنين وسوق الثلاثاء وسوق الخميس تشبه إلى حد بعيد رحلة أكاكي أكاكيفيتش في بحثه عن معطفه في القصة الشهيرة لنيقولاي غوغول. كما كان أكاكي يبحث عن ذاته الجديدة من خلال بحثه عن المعطف، كانت أميرة تبحث عن ذكرياتها المُباعة في سوق الاثنين بصيغة برّاد، وفي سوق الثلاثاء بصيغة قميص نوم، وفي سوق الخميس بصيغة حبيب مفقود. إنّها تعلم منذ البداية أن أختها هنيّة قد تزوجت سليم حبيبها وزوجها السابق، ولكنها تأبى إلّا أن تعيش ذاتها المُتوحِّدة. ومع كلّ خطوة ترسمها القاصّة لبطلتها أميرة، تبدأ لازمة تُكرّس الصوت المنفرد شيئاً فشيئاً من خلال جملة: (ينزلق اللوح الجليدي)، فاللوح الجليدي هنا يكرّس عزلة أميرة واستيحاشها، وبالتالي تَوَحُّدها، وهذا ما قصده فرانك أوكونور بمفهوم الصوت المنفرد. 

لا أحد يضاهيك قوّة يا رب.. فلتكن رحيماً مع الغجر الفقراء.. ستبقى حيّاً إذا ما انتهى العالم.. ولكن في المرّة القادمة.. عندما تخلق العالم من جديد.. أرجو أن تكون أكثر حكمة.

هكذا قدّمت أميّة مجموعتها القصصيّة مُقتبِسة من ديوان أغان غجريّة، وبهذا النصّ أختم قراءتي في تجربة أميّة عبد الدين التي أبحر بها الموت إلى ضفّته مبكّراً، ليُغلق الباب في وجه صوت قصصي مميّز كان يَعِدُ – لو طالت به الحياة – بالكثير.