أثارت حربُ الإبادة الإسرائيلية-الأميركية المتوحِّشة على غزة، وعلى الفلسطينيين-ات عموماً، مشاعرَ غضب وقهر وحزنٍ وعجز، وأصابَتنا جميعاً بالخوف والذعر على اختلاف انتماءاتنا وثقافتنا، ليس فقط في المنطقة وإنما على مستوى العالم، الذي لم يهدأ منذ السابع من أكتوبر الماضي في حركة تاريخية استثنائية على جميع المستويات.

وفي ظلِّ كل ما يحدث، وعلى وقْعِ التخوّف من سيناريوهات عدَمية تذهبُ إليها المنطقة، يعود اليوم جدلُ المقاومة المسلّحة، وتزدادُ النقاشات بشأن السلاح ودورِه، أو السلمية وأهميتها بديلاً عن العنف في سياق معارك التحرّر ومقاومة العدوان، وتبدأ الانقسامات والخلافات في الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية. وكثيراً ما يكون النقاش متعلّقاً بوجهة النظر بشأن «فعل القتل» في سياق «التحرير»، أو بشأن الدمار الذي يُخلّفه القتال والأرواح التي يُضحَّى بها في سبيله، لكن كثيراً ما تفوتنا النقاشات بشأن الجهة التي تحمل السلاح؟ وكيف كانت تجاربنا معها؟ وما هي الأجندة التي تُجهّزها لنا في سيناريوهات «انتصاراتها»؟ وفي خلفية الجدل كله، يبدو كما لو أن هناك حتميةً تقول إن كلَّ كفاح مسلح هو إسلاميٌّ بالضرورة، وحتمية أخرى تحاول أن تفرض علينا قبولَه وتأييده دون أي نقدٍ أو تحفُّظ.

كثيراً ما دارت نقاشاتٌ مشابهة متنوّعة في سياقات متعددة، وكثيراً ما كانت تُؤجَّلُ أو يتم تجاوزها، بسبب وقاحة ووحشية الإجرام والمذبحة التي يرتكبها الطرف الذي نسعى إلى التحرُّر منه، والتي تضعنا أمام مأزق أخلاقي وقلق وجودي، كان من بين نتائجه في العقدين الماضيين صعود حركات إسلامية ومركزية ذكورية إقصائية وقمعية محدودة الأفق، كثيراً ما تُوجِّه السلاحَ ذاته إلى صدورنا أو صدور من يسعون-ين للحرية في دول حلفائها. 

الإسلام المُسلَّح في سياق «التحرّر والتحرير»

كسورين وسوريات، وقَع كثيرون وكثيرات منّا في فخّ التماهي مع «رومانسية» حالة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وكثيرون وكثيرات منا آمنوا أن السلاح يمكن أن يكون أداة تحرُّر عادلة، خاصةً عندما تكون قوة عدونا ووحشيته، وقدرتهُ على استخدام القوة لِسحقنا دون محاسبة، تفوق كل التوقعات. ومع بداية العمل المسلح في الثورة السورية، ظننا أن التنظيمات والميليشيات وسلطات الأمر الواقع «حليفٌ» مؤقت، وغَضَضنا النظر عن سَلبِها لفِعلِنا النضالي التحرري بانتظار أن يتم إسقاط النظام الدكتاتوري المستبد، إلى أن أُخرجنا وأُقصينا جميعاً (وخاصةً النساء منا) من الحياة السياسية والاجتماعية والنضالية.

وعلى الرغم من التباين الشديد بين التنظيمات المسلحة و«المقاومات» التي تشكلت في سوريا بعد انطلاق الثورة، من حيث درجة عدوانها وهيمنتها على المجتمع وإقصائها لفئات واسعة من الناشطين-ات الذين لا تتقاطع تطلعاتهن-م مع المد الإسلامي المسلح، إلا أن معظمها أدّت إلى تجارب مهزومة تراجعَ بعدها الزخم الثوري المتنوع وحُدِّدت أدواته.

تفاوتَ واختلفَ حجم الأذى الذي تسبّبت به هذه التشكيلات، إلّا أن بعضها أصبح شديد التدمير والإقصاء لنا جميعاً، وكان متوحشاً بشكل خاص تجاه المهمشين-ات والفئات الأضعف في المجتمع. فمنها تشكيلاتٌ توحّشت في تطرُّفها حدَّ قطع الرؤوس وفتح سوقٍ للسبايا «طفلات وبالغات»، وأخرى وَضَعت أطفالاً ورجالاً وشيوخاً ونساءً في أقفاص، أو اغتصبت وقتلت ورمت من شاهق مثليين-ات. وتشكيلاتٌ سلبت مناطقَ من أهلها وحاصرتها، أو فرضت مزيداً من السيطرة على جنسانية النساء والرجال فيها وغيّبت وعذّبت واعتقلت وقتلت ناشطيها وناشطاتها، وجنَّدت الأطفال وعرَّضتهم لعنف نفسي وجسدي وجنسي، وأيضاً تشكيلاتٌ أخفت الطعام والشراب وأدوات النجاة عن السكان المحليين، في ظلّ عمليات حصار كبرى فرضها النظام السوري وحلفاؤه، وساهمت بذلك في جعلهم يموتون من الجوع والفقر وقلة المصادر. وجميعها خرجت مهزومة بعد كل هذا، وكانت النتائج تهجيراً قسرياً لسكان المنطقة وتغييراً ديموغرافياً.

لعلَّ هذا المشهد الذي عشناه، وما نزال نعيشهُ، في سوريا منذ أكثر من عقد مضى هو تجربتنا التي خرجنا منها مهزومين-ات ومكسورين-ات ومنفيين-ات، وهو جزءٌ من سرديّتنا التي يجب أن لا نتوقَّف عن ترديدها وتفكيكها وتحليلها والتفكير فيها، وهو ما يضعنا اليوم أمام مأزق أخلاقي مرعب حيال ما يحدث في غزة، طبعاً مع الوعي الكامل بالتباين والفروقات بين سياقات النضال السوري والنضال الفلسطيني.

 فمن جهة تَفرضُ علينا تجربتنا أن نكون واعين-ات للنتائج التي أثبتت أن هذه التنظيمات لن تجلب لنا سوى الخراب المفتوح، من فقر وجوع وانهيار اقتصادي وغياب للخدمات الأساسية وتدمير البيئة والأرض، وتهديد أمننا الشخصي وحصار حياتنا الاجتماعية والسيطرة على أجسادنا وأرواحنا وذواتنا، واستهداف الفئات الأكثر هشاشة واستغلالها، وفرض إيديولوجيّاتها وحتى محاولة إعادة الهندسة الاجتماعية والدينية والثقافية لمجموعات بشرية، وسحق تُراثاتٍ واستبدال رموز وعبث بالتاريخ، ونفي وتهجير أعداد هائلة من السورين-ات الذين يعيشون الآن صراعات مع المنافي على هوامش مجتمعات «العالم المتحضّر». 

ومن جهة أخرى لدينا تجربة مؤلمة ومُعّقدة مع تركنا وحدنا بين خيارات كلُّ واحد منها متوحشٌّ ودموي ومرعب أكثر من الآخر. فنحن أيضاً كنا نغرق بدمائنا، اعتُقلنا وعُذِّبنا وغُيِّبنا، دُمِّرت مجتمعاتنا، واعتُديَ علينا نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، جسدياً وجنسياً ونفسياً، وقُصفنا بأسلحة محرمة دولياً من بينها السلاح الكيماوي، وارتُكبت بحقنا جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ونعرف تماماً الشعور بأن نكون مِن شعوب «العالم الثالث» الذي لا تنطبق عليه قيم وأخلاق وقوانين وحقوق شعوب «العالم الأول». 

حرب البيانات

بعد عملية «طوفان الأقصى» صدرت كثيرٌ من البيانات والمواقف لمنظمات وتجمُّعات نسوية في العالم العربي بيان وقّعت عليه مجموعة كبيرة من المنظمات النسوية والنسويات-ين. بيان حركة «فلقطنا» وهي حركة نسويّة كويرية راديكاليّة. بيان «أو ما تم تداوله كبيان» من مجموعة نحو وعي نسوي. ، منها مَن دعت للالتفاف «خلف» المقاومة المسلّحة دون شروط وبشكل مطلق، وأخرى أيدت  العنف الثوري ودعت إلى «عدم الانجرار خلف سرديّات النسويّات الليبراليّة والبيضاء»، ومنها ما تضمَّنَ اتهامات جاهزة ضد أي خطاب نقدي يمكن أن يطال «المقاومة»، عندما اعتبَرت النقد تماهياً مع الاستيطان والاستعمار، وتكراراً وتعزيزاً لخطابات استعمارية ليبرالية.

تتقاطع لغة هذه البيانات في معظمها عند فكرة الالتفاف «خلف» المقاومة، أو خلق هالة من القدسية حولها، بالإضافة إلى التحريض والتخوين الذي شنَّته بعض النسويات على مؤسسات إعلامية وكتّاب-ات كتبن-وا رأياً مغايراً، أو ممن عبرن-وا عن رفضهم-ن لمساهمة «محور المقاومة» في جرّ المنطقة إلى حروب جديدة؛ ما يضعُنا أمام الحاجة للتوقُّف والتفكير بعمق في هذا الخطاب النسوي، وفي موقف نسويين-ات كثيرات من المقاومة وأدواتها وسلوكها، الذي يربط فكرة التحرّر من الاستعمار والنسوية المناهضة للاستعمار بحتمية الالتفاف «خلف» المقاومة الحالية دون أي تحفُّظ أو محاسبة. وإذ تدعونا هذه البيانات إلى أن «نتذكَّر السياقات التي تحكمنا»، فهي في الوقت ذاته تريدُنا أن نوجّه غضبنا إلى «النسوية البيضاء» و«نسوية الشمال» المهيمن؛ فهل حقاً ما نحتاجه اليوم كشعوب في هذه المنطقة هو توجيه غضبنا إلى الخارج فقط، وتلميعُ صورة الخراب الداخلي وأسبابه؟

قد يكون هذا الطرحُ مفهوماً إذا جاء في سياق تضامن إنساني غاضب وعاجز، أمام حجم التوحُّش المدعوم دولياً للمجزرة المفتوحة، والآفاق المسدودة التي تقفُ في وجه أي أمل حقيقي بالتغيير والتحرُّر، لكنه بالتأكيد لا يمكن أن يكون مفهوماً كموقف نسوي في ظل الواقع البائس والمُنهار الذي تعيشه شعوب المنطقة، ونساؤها على وجه الخصوص، والذي لعبت فيه «حركات المقاومة»، وما تزال، دوراً أساسياً. وهو يبدو كدعوة للمساومة والرضوخ أمام حتمية خيار الخراب، وإعادة إنتاج مركزية ذكورية تُعزِّز قوى القهر والإخضاع الذي تمارسهُ قوى محور «المقاومة» على شعوب المنطقة.

في الوقت الذي نجد فيه تنظيرات وإنتاجات مذهلة للنسوية المناهضة للاستعمار ونسوية ما بعد الاستعمار، وما أنتجته نسويات فلسطينيات وعربيات وعالميات من وعي نسوي تفكيكي، يُظهِرُ طبقات العنف والتمييز والقهر والظلم والفصل العنصري الذي تُنتِجهُ منظومات الاستعمار كما في حالة الاحتلال الإسرائيلي؛ نجد أنفسنا أمام شحّ وفقر في التنظير النسوي حول المقاومة وأدواتها، ما يُفسح المساحات الأكبر أمام خطاب «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وأمام مركزيةٍ ذكورية إسلاميةٍ رجعية تُعيد إنتاج الخطابات المأزومة ذاتها، التي شكّلت جزءاً كبيراً من هويتنا ووعينا السياسي المهزوم خلال العقود الماضية. والتي تستثمرُ أيضاً في المظلومية ولَوم الآخر أكثر من استثمارها في بناء هياكل اقتصادية واجتماعية وسياسية لدول جديدة، مبنية على العدالة والمساواة الحقيقية.

بدل النسوية الداعية إلى العنف الثوري المسلَّح، والتي «تلتفُّ خلف» المقاومة بشكلها الحالي وتُحصّنها من المحاسبة، فإنني أُدافعُ هنا عن نسوية تقاطعية وبيئية تؤمن بالتفكيك والتحليل، وبإعادة بناء كل الهياكل على أساس العدالة الاجتماعية أولاً، كأحد أهم ركائز نضالاتها في تناولها لقضايا المنطقة وما تتقاطع معه من قضايا المهمشين والمهمشات على هذا الكوكب، والتي بدون شكّ تتقاطع مع القضية الفلسطينية والنسوية المناهضة للاستعمار، ومع نضالها ضد الاحتلالات وأشكال الاستعمارات في المنطقة.

لا يمكن تَصوُّر أن تتقاطع مصالح نسويات-ين المنطقة مع هذه التنظيمات المسلّحة، خاصة بعد أن عايشنا وجرَّبنا قُدرتها على فرض هيمنتها وسُلطتها «بقوة السلاح ذاته» على المجتمعات ومصير الشعوب، واستعدادها للتضحية بأرواح عشرات الآلاف من البشر من أجل مغامرات سياسية وبطولات عبثية لا يمكن تسميتها بأنها «تحريرية»، ليس فقط لأنها تستهدف المدنيين-ات ولا تضعُ خططاً لحمايتهم-ن في عملياتها، بل لأنها لا ترانا جميعاً ولسنا موجودين-ات في أدبياتها إلا كآخَرٍ يجب سحقهُ ونفيهُ، أو في أحسن الأحوال إخضاعه. تتحرَّك هذه التنظيمات دون مشروع وطني أو هوية وطنية جامعة، وهي لا تحمُل قيَمَ الفعل التحرٌّري ولا تدافع عن العدالة الاجتماعية، وليس في سلوكها وخطابها بصيص أمل لواقعٍ تكون فيه النساء موجودات كشريكات في سياقات المقاومة وبنيتها وتكوينها وسلوكها وفعلها.

لقد ارتكب حزب الله مجازر بحق السوريين-ات وحقق انتصارات على جثثهن-م أكثر من «انتصاراته ضد العدو الإسرائيلي»، كذلك خطفَ جيشُ الإسلام وقتلَ وعذَّبَ ووضع البشر في أقفاص، وتحكُم هيئة تحرير الشام المجتمعات بقوة السلاح وتسلب ذواتهم وهوياتهم وحقهم بالمعرفة والتعلُّم، وتسيطُر على جنسانياتهم-ن وأجسادهم-ن وعقولهم-ن وطريقة عيشهم-ن، وكذلك يفعل الحوثيون وقوات الدعم السريع والصدريون، وعشرات التنظيمات التي ارتكبت وما تزال جرائم مرعبة بحق مجتمعاتها دون أي محاسبة. لا يمكن لكل هذه التنظيمات وغيرها أن تكون حليفة لنسويات المنطقة بسلوكياتها الحالية، ولا يجب استسهال تصنيف بعضها كـ«حركات تحرر» رغم التشابهات الكبيرة بينها في الأساليب والخطابات. 

خيال عن نضالات ومقاومات أخرى

كنسويات-ين، نمتلكُ امتياز النظر إلى كلّ ما يجري حولنا من عدسة نسوية تقاطعية، بيئية ومناهضة للاستعمار، وعلينا استخدام هذا المنظار في كل الاتجاهات، ومن الداخل إلى الخارج، ومن الهامش إلى المركز. خاصة أننا نعلم تماماً أن بلداننا ومجتمعاتنا ونضالاتنا النسوية لن تصمد طويلاً في وجه هذا المد الهائل «للمقاومة» الإسلامية، بعد ما باتت «المقاومة» بشكلها الراهن تعزز أدوات القهر والعنف، التي تتجذّر وتمتدُّ في المنطقة كلها وليس فقط في فلسطين، في ظل انهيارات كبيرة وعنيفة تصيب كلّاً من سوريا والعراق واليمن والسودان ولبنان، والتي تعيش شعوبها في حالة ارتهان كامل تحت سلطات إسلامية أو عصابات حاكمة فاسدة وقمعية، في ظلّ مؤسسات منهارة تماماً على كافة المستويات.
إن النسوية التي تُريد أن تحارب «الرجل الأبيض» و«النسوية البيضاء الليبرالية الرأسمالية» على حدّ تعبيرها، لكن على حساب شعوب منهكة ومتعبة ومُنتَهكة وفاقِدة لحريتها، هي نسوية غير مرتبطة بالواقع، تُعيدُ توجيه منظارها إلى المكان الخاطئ، وتعيدُ تدوير مراكز القهر، وتُقدّم وهمَ الانتصار والتفوق على طبق من الألماس لحركات تلعبُ دوراً أساسياً في سلب حقوق شعوب المنطقة، وإخضاعها بصورة أقوى، بعد أن خَلَقت خطاباً مأزوماً مُعتمِداً على المظلومية والضحية. فـ«الرجل الأبيض» موجودٌ على رأس كل دولة من دولنا، وموجودٌ على رأس كل سلطة أمر واقع، وفي عمق هياكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومؤسساتنا الدينية.

لا خيار أمام نسويات-يي المنطقة إلا الخوضَ في هذا الحوار بشكل جدي ومُلحّ. يجب أن يكون لنا مساحات حرة وعلنية لفتح النقاش، وأن نكون قادرات-ين على تفكيك خِطابَي الاستعمار والمقاومة وموقعيّتنا فيهما، بل ومحاولة الانقلاب عليهما، والتفكير في خياراتنا السياسية في المنطقة، التي من الواضح أنها ذاهبة إلى انهيارات على كل المستويات، ولن تجلب إلا واقعاً أكثر قسوة وتوحشاً لجميع الفئات المهمشة والفقيرة، ولن يستفيد من هذا الخراب إلا من سعى له.

كما أن هناك حاجة لتفكيك خطاب الاستعمار والاحتلال، وكل ما يدعمه من قوى الليبرالية الحديثة الرأسمالية، التي لم تخرج من عقلية التفكير الاستعمارية كثقافة مُهيمنة ترسم حدوداً وشكلَ حياة وفق تصورات نمطية عن ملايين البشر على الكوكب، ولا تريد بناء علاقة معنا خارج إطار أننا شعوب لا تستحق خيارات أفضل. ضد هذا الخطاب وما يترتّب عليه من فوقية وتهميش وجلد وقمع، ومن سلب استحقاقنا بأن يكون لدينا خيارات أخرى غير العيش في ظلام هذه التنظيمات دون إرادة وحلم بواقع أفضل، أو أن نخضع لدكتاتوريات واحتلالات، أو الهجرة والمنافي.

ونحتاج أن يكون موقف النسويات-ين في كل المنطقة نقدياً تجاه «ثقافة المقاومة» بصيغتها الراهنة، بحيث يستطيع تقديم تنظيرات ونقاشات جديدة -وعلى هذا أن يحدث مع الموجة النسوية الراهنة بالذات والآن-، وإلا فإن عملية تحرُّر شعوب المنطقة من عبودية السلاح الإسلامي الذكوري وميليشياته، ومن طغيان الدكتاتوريات والاحتلالات والاستعمارات، ستكون أكثر دمويةً وبؤساً، وستكون المعارك أمام نسويات-يي المستقبل أكثر شراسة.

أخيراً، على الرغم من وعينا وإدراكنا للواقع القاسي والمتدهور، والأفق المسدود الذي تعيش في ظله شعوب المنطقة اليوم، لا نملك إلا خيالاتنا النسوية والنضالية لنطرحَ أسئلتنا وهواجسنا وأمنياتنا. فهل يصعب على خيالنا النضالي النسوي أن يتصوَّر مقاومة غير مبنية على أساس ديني وإيديولوجي مهيمن وإقصائي؟ وغير مرتهنة لسياسات دول هي أيضاً استعمارية بدورها؟ 

هل من الصعب علينا التفكير في مقاومة تسعى بشكل حقيقي إلى العدالة الاجتماعية، وإشراك النساء في المقاومة والنضال وكل القرارات المرتبطة بهما؟ هل مقاومة معنية بحقوق الإنسان والنساء والحريات والديمقراطية هي مقاومة «ما بتلبقلنا»؟ 

في ظل هذا التوحّش الدولي الذي يعبّر عن نفسه في هذا الدعم غير المحدود للإبادة الإسرائيلية، ومعه توحّش الإسلام الإقصائي المسلَّح والحكومات الفاسدة والقمعية ومؤسساتها المنهارة، أرى أنه لا خيار أمامنا إلا محاولة الحُلم بمقاومات تحريرية في بنيتِها، متعددة الثقافات، ومناهضة للاستعمار والاستبداد في وقت واحد، تضع يدها بيد نساء المنطقة من أجل قلب كل هذا الواقع المتدهور، ولا خيار أمام النسويات-ين إلا النضال من أجل مقاومة تمشي بجانبها ومعها، لا مقاومة تلتفّ «خلفها»، وهي محملة بكل طموحاتها بالتغيير، دون تنازلات تدفعها لتكون شريكة في إطالة عمر القمع والتهميش والإقصاء لأجيال قادمة.