كان مطلوباً منهم، من باب اللّباقة والكياسة على الأقلّ، أن يقولوا لنا: «لا تقلقوا، المُسيَّرات الّتي مرّت فوق رؤوسكم وأجسادكم الفانيّة وأسطح عماراتكم، وأفكاركم وأحلامكم ومخاوفكم وكرامتكم وكذلك ما تبقى من مدنكم، ليست مُهلِكة. وهي جزءٌ من الحبكة الروائيّة لسيرتكم التراجيديّة. هي ساعاتٌ فقط من المونودراما المتمرّدة على النصّ المكتوب سلفًا، نقف فيها لوحدنا على خشبة الجغرافيا الممتدة من حدودنا لبحركم، ومن ’بحرنا‘ لحدودهم. نميدُ على امتداد الخشبة، على امتداد المشرق العربيّ. نفتعل الشغب، من دون أن يكون للمُخرِج والجمهور والصحافة ولا قانون المسرح أي سلطةٍ علينا». 

كان بإمكانهم من باب اللباقة، قول ذلك. لكنهم اكتفوا بما فعلوه – هم المُحلّقون فوق رؤوسنا – في نهاية المطاف.

المجزرة الغزّاويّة وحال المشرق العربي في أزمان الحروب

في نصف السّنة الأخيرة ونيف، كان القليل من شباب المشرق العربي ما يزال مُكترِثًا لمآلات هذه البقعة المحروقة، وإذ يُشاهِد الواقعة الدمويّة النازلة بأهل غزّة، فإنه حتمًا كان يتوسّم المشهد بعيونٍ مغلّفة بشيءٍ من التوجس والتبرّم، مُوقنًا أن فرضيّة تَحقُّق ما يُشبه هذه النكبة (مُجدَّدًا في أغلب الأحوال) في مدن هذا المشرق التعس، واردةٌ جدًا، حدّ الدنو السّورياليّ (سنستعمل سورياليّ مرات عدّة في هذا النصّ). كان الشباب في هذا المشرق المنكوب، وإذ يحملقون بالجثث المشوّهة في المدن الغزّاويّة من خان يونس وتلّ الهوى وبيت لاهيا وغزّة، يستشرفون تفتّح النكبات والمجازر في مدنهم، في بغداد والبصرة ودمشق وحلب وحمص وبيروت وطرابلس الشام وصيدا، مجدّدًا. كانوا يتلمّظون دم «أبناء جلدتهم» – مشيج الأسى ولعنة المصير التراجيديّ الحتميّ وسخريّة المَحاور – فتختلط بدمائهم، هم، ضحايا هذه المقتلة المُتنقّلة، المستمرة من دون هوادة. مبهوتين تلقفّتهم المجزرة وتوغلوا في قلبها، وكأنَّ ذلك بدا مفاجئًا على رغم تكراره مئة مرةٍ وأكثر.

وربما كان هذا حال المشرقيين في أزمان الحروب دومًا. 

الحال، أننا لم نكن في غضون السّتة أشهر الفائتة، إزاءَ حدثٍ عَرَضيّ صادم سوف يَطويه التاريخ بالتقادم. بالأحرى، لم نكُن قطُّ في هذا الشرق إزاء أي حدثٍ عَرَضيّ، معزول، متفاعل ضمن خطٍّ زمنيّ موازٍ، أو ضمن حلقة تاريخيّة منفردة بذاتها. بل كلُّ حدثٍ ومجزرة ومقتلة وصاروخٍ ومُسيَّرة شهدناه في هذه الشهور السّت الأخيرة، كانت بمثابة تفاعلٍ جزئيّ ضمن سلسلةٍ من التفاعلات (chain reaction)، كل حدثٍ عنيف كان نذيراً لتحقق النبوءة الجهنميّة ذاتها. اللعنة المُتبرصة بتاريخ حواضر هذا المشرق، وحاضرها، وغالبًا مُستقبلها. 

تبدُّد حواضر المشرق العربي

في الأصل، كان سقوط بغداد: الاستباحة المغوليّة التاريخيّة، المشاهد الملحميّة للمسلخ البشريّ المرّوع، قتل العلماء والشعراء والفلاسفة، فرارهم، خراب المدارس والمكتبات والتراث المبنيّ والثقافة الماديّة وغير الماديّة، والحضارة برمتها. 

اليوم، وبعد 766 سنة على تلك الكبوة، لم تتبدل بغداد (سقطت مجدّدًا)، ولا الموصل، ولا البصرة، ولا بابل، نفس آثار الدمار بل وبجرعاتٍ أكثر دمويّة، نفس الشعراء والفنانين والشباب والمثقفين وأصحاب المهن الحرّة والحرف، النساء والأطفال والشيوخ، سالت دماؤهم على خراب مدنهم وبيوتهم، الّتي سُوّيت بالأرض. وتصلّبت أحلامهم تحت وطأة الديكتاتوريّات الّتي حكمتهم (من صدّام حسين مرورًا بالغزو الأميركيّ وصولًا للمالكي ومقتدى الصدر)، بميليشياتها وحروبها و«غزواتها» ومُخابراتها واحتلالاتها، ومقابرها الجماعيّة وحروبها الأهليّة وإيديولوجياتها وشَرذمتها، ومِلَلها المتناحرة واستتباعها للمحاور، وعبوديتها الثقافيّة والاقنصاديّة وتصوراتها الدينيّة والإيديولوجيّة، ودولتها المهترئة. شاحذةً سكينها، لتطعن به حلم العراقيّ العتيق بالدولة والحقّ بالحلم والحرية، في وجهه، وفي خاصرة يومياته. 

وما حصل في بغداد والموصل والبصرة، رأيناه بأمّ العين، في حلب ودمشق وحمص وسائر المدن والأرياف السّوريّة، الّتي نزلَ عليها حقد النظام دفعةً واحدة مُختصِرًا سيرة هلاك العراق الملحميّة المبتدئة منذ قرون، بسنوات معدودات، بعد سنوات من سياسة العقاب الجماعيّ والتهميش والإقصاء والتسلط (حافظ الأسد ونجله). صبَّ الأسد ورفاقه جام غضبهم، على المدن وسكّانها، على شبابها وشيبها. وبذلك سُوّيت حواضر سوريا وأحلام شعبها وثوراتهم، كما سُوّيت حواضر العراق وثوراته بالأرض؛ حدَّ التماثل السوريالي.

وفي خضمّ كل هذا، كان الشباب اللّبنانيّ، يدنو مُجدّدًا نحو هلاكه، يتكثف عمره وينفجر تحت عجلة المحنة الوجوديّة: همُّ العيش، همُّ السّياسة، همُّ الطغمة الحاكمة، همُّ الميليشيات والاحتلالات (الإسرائيليّ، السّوريّ، الإيراني..) وقلاقلها، همُّ الفساد ومآلاته، همُّ «الديمقراطيّة التوافقيّة» المواربة الشبيهة بـ«ديمقراطية العراق». متأرجِحًا من على جرف شديد الانحدار، وقف اللّبنانيّ وسطَ ثورات الربيع العربيّ، موقفَ الالتباس، وسرعان ما أُجهضت انتفاضته، وهاجرَ (أو قُتلَ) جزء لا يستهان به ممّن كان يُسبِغُ على حواضره المعنى والوجود، ولقيت حتفها الديستوبيّ واضمحلت حركاته الثوريّة – المقاومة المدنيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، دفعةً واحدة. 

وصار لدينا جغرافيا جريمة واحدة مشتركة، مستباحة لكل من يرغب من مَحاور وأقطاب سياسيّة مارقة -اللهم عدا سكانها أنفسهم-. المحاور («الممانعة تحديدًا») الّتي بقيت وتوسَّعت وطغت واقترفت الفظاعات، كل ذلك باسم الفلسطينيّ المنكوب، و على حساب القضيّة الفلسطينيّة وباسمها، مُستخدِمةً حال الفلسطينيّ كسلاح سياسي وساحة للمساومة على النفوذ والثروات أيضًا (على طراز فساد «فتح»، وإشكاليّة الإيديولوجيّة «الحماسويّة») كما يحصل حاليًّا بما سُمِّيَ جبهات «المساندة» في العراق ولبنان واليمن وسوريا.. القضيّة الّتي دخلت «سوق القضايا» الشهير، سوق الجروح العتيقة الّتي لا تندمل. 

الانتقاعُ في حلقةٍ تاريخيّة مغلقة

وإن كنا لا نستحضر، بإسهابٍ وعموميّة، مآلات حواضر المشرق العربيّ، لتذكُّر المجازر الّتي لحقت بها، ولا وصفِ الغلواء الإجراميّة المعتملة، وحسب. إنما لإنعام النظر أكثر في حالنا نحن الشباب العربيّ، إزاء كل ما ذُكِرَ آنفًا، إلى موقفنا إزاء المسيرة الغسقيّة التي سار فيها هذا المشرق، وعن مآلاتنا ومصائرنا في ظلّ تبدُّد الخفة والانتقاع في حلقةٍ تاريخيّة مغلقة، ناهيك بالإذابة الإنسانيّة والثقافيّة والحضاريّة للمدن ونواتها التغييريّة في زمنٍ قياسيّ، وتَحوُّل معظمنا إلى لاجئين، بذاكرة جمعيّة مشوّهة. وتكريس المألوف واستحالة التبدل عند الشعوب المحكومة بالبؤس العرضيّ، التي فقدت تدريجيًّا المقدرة على فهم وتدبُّر مآلات سلسلة التفاعلات الناتجة عن «السيتسم» المعطوب عينه. 

إذن وتحت هذه الحقيقة وفي مدارها، تتبدى المعضلة الكبرى، وهي خراب وفساد مدن المشرق العربيّ، لا بعمرانها فقط، بل تبدّدها وتحول أطوارها، وتحلُّلها، على نحو يبعث على اليأس والثقل والخزيّ والحسرة أيضًا على هذه المدن التاريخيّة – الكوزموبوليتانيّة في زمنٍ غابر، أمام «الإنجازات» في دول الخليج العربيّ – الّتي يقصدها شباب المشرق العربيّ، بحثًا عن فرصهم الضائعة.

وقد يكون السّؤال الأشدّ منطقيّة حاليًّا، كالتالي: في غمرة الامتناع العبثيّ هذا، أين يقف شباب هذه المدن والحواضر المندثرة؟ بالأحرى أي يقف ما تبقى من هؤلاء الشباب قسرًا، من دون أن يُتاح لهم الفرار إلى مدنٍ وحواضر أفضل؟

أخلاقوية مُفرطة: عن موقف الشباب العربيّ إزاء عجزه

نحن اليوم، إزاءٍ نمط شيّق من تَضافُر العوامل الّتي تجعل أي فرضيّة للتخلُّص من هذه «اللعنة» طوباويّةً وبعيدة فعليًّا عن الواقع، فمن جهة لا يُمكن التغاضي عن فكرة أننا ما زلنا مسحوقين تحت عجلة الاستبداد والتواطؤ والتحامل المحليّ والدوليّ، الذي أفرز عجزًا وشللًا، يجعلان من فكرة أي «ثورة» والتضامن معها، موضعًا لتساؤل وجوديّ حول ماهيتها وحقيقتها وشعاراتها ومفاعيلها. ومن جهةٍ أخرى فإننا لم نتغير إلى درجةٍ كبيرة فعليًّا كما أدعينا في ثوراتنا الّتي أطلقنا فيها الشعارات ووجهنا الاتهامات المباشرة، ووقفنا عند ذلك، قسرًا (في سوريا والعراق) أو طوعًا (كما في الحالة اللّبنانيّة مثلًا)، من دون معالجة تعقيدات هذه الأنظمة والواقع وتأثيراته بصورةٍ جديّة، ونزعنا للرميّ باللائمة على عناصر خارجيّة وعلى المعايير والأخلاق السّائلة والاستنسابيّة الحقوقيّة وعدم اكتراث «العالم» لمظلوميتنا ومأساتنا (وهو صحيح إلى حدٍّ بعيد)، من دون التورط في اشتباكٍ مع أنفسنا، ومعاييرنا وأخلاقنا وأولوياتنا وحقوقنا وتوجهاتنا السّياسيّة، بل اكتفينا غالبًا بنظرياتنا المطمئنة لسرديتها.

الأمر الذي فرض بالمقابل ما قد يُطلَق عليه بالأخلاقيّة المفرطة، أو الأخلاقويّة، إزاء المعايير المتبدّلة تماشيًّا مع التبدل العالميّ لا المحليّ، والعجز إزاء مواكبة هذا التبدّل. متقاعسين أو عاجزين، وقف شطر من الشباب عند هذه النقطة، بالنظر إلى مآلات الحواضر والمدن العربيّة وسكّانها بعيونٍ مستنكرة، وحالة من «الإدانة» المستمرة، فقط كفعلٍ وموقف في ظلّ انعدام القدرة على الإتيان بفعلٍ سياسيّ – إيديولوجيّ حقيقيّ. هذه الأخلاقويّة الّتي اقترنت بصورة أساسيّة، بالمجتمعات «ما بعد الصناعيّة» وبطروحات «ما بعد الإيديولوجيا»، التي تتّسم بزيادة تقدير المعرفة وتقدير الحقوق الفرديّة والتركيز على هذا الفردانيّة في النشاط والناشطيّة العامة، وتجعل بالتوازي إمكانيّة وجود حركة سياسيّة – حقوقيّة جماعيّة أمراً صعبًا. وبتأثر الشباب العربيّ بهذه الفردانيّة بارتداداتها على الخطاب الأخلاقيّ والحقوقيّ، اصطدم هؤلاء بحقيقة أن العالم – أميركا وأوروبا – ليس مؤمناً حدَّ التطرف بمثاليّة الأخلاق المفرطة هذه. وأيضًا بحقيقة أن الإعمار الحقيقي لهذه المدن، لا يقوم وحسب بالمبادرات الفرديّة بمعزلٍ عن سياق سياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ بديل ومتماسك.

هذه الحقائق الّتي فرضت نفسها كحلقة محكمة الإغلاق، ودفعت الشباب لاعتناق ما قد يُطلَق عليه مثنويّة الخير والشرّ، هذه العقيدة المثاليّة في النظر إلى الأمور، المتذبذبة بين قطبين متعاكسين وحسب، والتي تتطرّفُ نحو أحد سيناريوهين لا ثالث لهما: التفاؤل المطلق أو التشاؤم العرضيّ الملازم، الأدلجة المتطرفة (باليسار السّياسيّ وكذلك التطرف الدينيّ) أو اللاانخراط والانفصال السّورياليّ.. وفي السياق السياسيّ، فإنّه يتجلى باحتمالين، إما التضخيم والمبالغة في التوقعات والآمال السّياسيّة والانحياز للخطاب الأخلاقي المفرِط المُطمئنِّ لسرديته، أو الهروب والانسحاب وبالتشبث بالمألوف الذي تسمح به «السّويّة» المنغلقة على نفسها. بل يتعدى ذلك ليصير تَمنُّعًا عبثيًّا عن التبدّل وانتهاز فرصة التغيير، على اعتبار أن هذه الفرص اضمحلت بسقوط هذه الثورات؛ ولا شكّ أن بعضًا من ذلك هو واقع حقيقيّ.

وقد يكون أقرب نموذج على هذه «الفورة والشطط الأخلاقيّ المثاليّ»، هو ما شهدناه في جامعات لبنان والعراق والضفة الغربيّة، في الأيام القليلة الماضيّة، الّتي اندفعَ فيها الشباب والطلبة لإقامة تظاهرات مُندِّدة بالمقتلة الغزاويّة باستماتة لتظهير موقفهم الداعم، أسوةً بالجامعات الأميركيّة والأوروبيّة، من دون أن نشهد «الزخم الثوريّ» نفسه كما يحصل حاليًّا في جامعة كولومبيا على سبيل المثال، حيث يُعبر الطلاب الأميركيون عن تضامنهم مع القضيّة الفلسطينيّة وأهالي غزّة، من باب المسؤوليّة الأخلاقيّة. ومع ذلك، لا يُمكن إلا وضع التظاهرات الطلابيّة في «الغرب» في سياقها الحاليّ، أي سياق الناشطيّة وخطابها الحقوقيّ المُفرط في الحماس العاطفيّ (وأيضًا في الغيرة القوميّة) الذي أطلق بالمرتبة الأولى شعلة هذه التظاهرات، وما من شأنه بالمقابل تبرير سلبيّة الشوارع العربيّة وتحديدًا الشبابيّة والتذكيرُ بأن هذه المجتمعات المحرومة (وخصوصًا ما بعد الربيع العربيّ) من الحريّة، والتي تنظر إلى حقوقها البديهيّة بوصفها كماليات تخاذلَ العالم عن رؤيتها، لا يمكن أن تتصرف كما لو أنها حرّة بصورة «موسميّة» أو انتقائيّة. وطبعاً لا ينفي هذا بالمقابل أن لا شائبة في نيتها الأصليّة وتضامنها مع القضيّة، لكنهم واقعيًّا لا يحملون المطالب نفسها الّتي يحملها الأميركيون. ففي حين تُموِّلُ واشنطن الحرب وتُمكِّنها، هم تحت رحمة الأنظمة الممعنة بالبطش من دون دون تدخل مباشر ماليّ وسياسيّ مثل موقف واشنطن. 

ومقابل ذلك كلّه، ثمّة تيارٌ آخر، وقد يكون التيار الذي يحظى بشعبيّةٍ أوسع، وهو ذلك الذي وقف أمام دمار مدنه وأشاحَ بنظره عنها، هذا التيار الذي وجد أن لا آمل في هذه البقعة المنكوبة. ولنكن واضحين، لا أحد ينشأ وهو يعتقد أن قَدَرَهُ أن يصبح محكومًا بالعجز أو حتّى مُتطرِّفًا لمثاليته، لكن في حالتنا نحن، الشباب العربيّ، كانت هذه المساراتُ شكلاً من أشكال التعويض القاسي، وطريقةً محزنة للتعبير عن انهيار طموحٍ عزيزٍ علينا، ومحاولة مستميتةً لجعل أنفسنا نستحق الحسرة، وجديرين بالحياة. وأيضًا، لإيجاد مُسوِّغات كافيّة لاحتضار مدننا. على أملٍ بأن تنتهي هذه المهزلة.