خلال الفترة ما بين عامي 2021 و2023 عكفتُ على ترجمة «الكرّاسات الثماني» لفرانتس كافكا، وخلال رحلة بحث توصّلتُ إلى ترجمة هذه النصوص في نسختها الأصلية وفقاً للطبعة العلمية النقدية الصادرة عام 1992، التي كانت مختلفة بقدر كبير من حيث الحجم والترتيب عن النسخة التي نشرها ماكس برود عام 1931 بعد وفاة كافكا بسبع سنوات. وخلال هذه الترجمة اكتشفتُ أيضاً شذرات كافكا التي كتَبَ نسختها الأولية في الكُرّاستين الأخيرتين، خلال تواجده في مزرعة أخته أوتلا في تسوريم، غير بعيد عن براغ، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد اكتشاف إصابته بالسل ودنوّه من خطر الموت. وقد قام بإعادة صياغة هذه الشذرات وكتبها على قصاصات خارجية ورَقَّمها. وقد عكست هذه التأملات، كما سمّاها، تصوراً مكثفاً عن رؤيته لمأزق وجود الإنسان في هذا العالم. خلال السطور التالية سأحاول تسليط الضوء على هذه الرؤية وتناقضاتهافيما عدا الاقتباسات من رواية «المفقود» ومن تحقيق وشروح الشذرات لراينر شتاخ، وسفر التكوين، فإن كل الاقتباسات الواردة في النص من ترجمتي للكراسات الثماني والشذرات الصادرة عن دار الجمل، بيروت 2023..

يدفعُني الفصل الأخير في رواية المفقود أو أمريكا لفرانتس كافكا (كتَبها ما بين عامي 1911 و1914 ونشرها ماكس برود عام 1927) دائماً للابتسام بسخرية وتعاطف شديدين، فبعد رحلة الفشل والضياع التي يمرُّ بها بطل الرواية التلميذ كارل روسمان، بعد أن طرده خاله الثري عقاباً له على عدم امتثاله لأوامره، يجد إعلاناً عن فرص للتوظيف لدى «مسرح أوكلاهوما الطبيعي» الذي يُعلن عن استعداده لتوظيف كل الأشخاص مهما كانت مؤهلاتهم، ويعقدُ مقابلات التوظيف في مضمار لسباق الخيل بمراسم وترتيبات ضخمة. لا يتردد كارل في الذهاب إلى هناك، وللمفاجأة، ورغم انعدام مؤهلاته، يُقبَلُ كعامل تقني دون أي تعقيدات، ثم تُقام وليمة كبيرة للمقبولين، يُقدّم فيها لهؤلاء المهمّشين الفقراء أطايب الطعام والنبيذ استعداداً لنقلهم إلى أوكلاهوما. في لحظةٍ ما يبدو وكأن مسرح أوكلاهوما الطبيعي سيكون الخلاص والنجاة لكل المستضعفين، لكن الرواية تنتهي بالفقرة التالية:

في اليوم الأول سافروا عبر سلسلة جبال عالية. كتل صخرية ضاربة إلى السواد كانت تقترب في أسافين مدببة حتى تصل إلى القطار، كان المرء ينحني ويبحث عبثًا عن قممها. كان ثمة أودية معتمة ضيقة تنفتح. كان المرء يتتبع بالإصبع الاتجاه الذي كانت تتلاشى فيها. كانت أنهار جبلية تأتي بسرعة كأمواج ضخمة كثيرة التلال وهي تسوق في نفسها آلافاً من أمواج الزبد الصغيرة، كانت تندفع تحت الجسور التي كان القطار يندفع فوقها وكانت قريبة إلى حد أن نفحة برودتها كانت تدع الوجه يرتعش.

المفقود، ترجمة إبراهيم وطفي 

توحي الفقرة الأخيرة في الرواية غير المكتملة بأن الطريق إلى مسرح أوكلاهوما الطبيعي أشبه برحلة إلى المجهول، بالغرق في أعماق لا يُسبر غورها، أي أن ما يوحي بالأمل هو شيء أقرب إلى السراب، لأن الوصول إلى أوكلاهوما لا يبدو في الأفق، لكن النهاية تبقى مفتوحة مقارنة برواية القضية التي تنتهي بذبح البطل يوزف ك مثل الكلب. تُذكرني هذه النهاية أيضاً بشذرة كتبها كافكا في الكرّاسات الثماني:

إننا، من منظور العين ذات الوصمة الدنيوية، في وضع المسافرين الذين ينقلب بهم القطار داخل نفق طويل، وتحديدًا في موضع لا تعود رؤية ضوء بداية النفق ممكنة فيه، لكن ضوء نهايته يبدو ضعيفًا جدًا بحيث تسعى العين دائما لتتبعه ودائمًا ما تفقده، رغم أنه لا البداية ولا النهاية أكيدتان. إلا أنه في ظل اضطراب الحواس أو في ظل الحساسية القصوى للحواس يوجد حولنا وحوش كثيرة ولعبة مِشكال مسلية أو مرهقة حسب مزاج وإصابة كل شخص على حدة.

لا زلنا هنا نرى مساحةً من عدم اليقين فيما يخصُّ المصير الإنساني، ليست أملاً واضحاً بل ضوءاً ضعيفاً يُفضي إلى اضطراب الحواس. وضعية المسافرين هنا تشبه وضعية «الصياد غراكوس» (الكراسة ب) الذي مات لكنه بقي، كما في البرزخ، في قارب يطوف به العالم، ويفشل في الوصول إلى العالم الآخر:

لقد أخطأ قارب موتي طريقه. لفة خاطئة لدفة القيادة، في لحظة عدم انتباه لقائد المركب الذي انشغلَ عن الدفة بموطني الرائع، لا أعرف ما الذي حدث، أعرف فقط أنني بقيت في الأرض وظل مركبي منذ ذلك الحين يطوف بحارها، وهكذا أسافر، أنا الذي أراد فقط أن يعيش في الجبال، بعد موتي عبَر كل بلاد الأرض.

لكن رغم التيه البرزخي للصياد غراكوس (الاسم يعني بالإيطالية طائر الزاغ الزرعي وهو ترجمة لاسم كافكا بالتشيكية، أي أن الصياد غراكوس هو الصياد كافكا)، فإن كافكا يُطوّر في الشذرات مفهوماً خاصاً عن علاقتنا بالزمن، وعن وجودنا في الجنة والطرد منها، ويمهّد له بالشذرة التالية:

لا يمكن أن تَعقُّبُ الآخرة الحياة الدنيا، لأن الآخرة أبدية، أي أنه لا يمكن لها أن تكون في علاقة زمنية مع الحياة الدنيا.

يسعى كافكا إلى خلخلة منظورنا المألوف للزمن، ويطرح فكرة مُلغّزة عن وجود عالمين، أحدهما حسي زائل والآخر فكري أبدي، هو العالم الحقيقي: «يوجد فقط عالم فكري ولا شيء سواه، ما نسميه بالعالم الحسي هو الشر في العالم الفكري. وما نسميه شرًا هو مجرد ضرورة للحظة تطورنا الأبدي».

بل ويطوِّرُ الأمرَ إلى أننا لم نغادر الجنة التي طُرد آدم وحواء منها: «الطرد من الجنة في جزئه الأساسي هو حدث أبدي خارج الزمن. صحيح أنه طرد نهائي من الجنة، ولا مناص من الحياة في الدنيا، لكن أبدية الحدث أو من منظور زمني تكراره الأبدي يتيح لنا رغم ذلك ألّا نتمكن من البقاء على الدوام في الجنة فحسب، وإنما أن نكون هناك باستمرار، بغض النظر إن كنا نعرف ذلك هنا أم لا».

هنا يبزغ التناقض الواضح، فلو افترضنا أننا موجودون في الجنة حتى من دون علمنا، فهذا يعني أننا لن نحتاج إلى الخلاص. في قصة «الصياد غراكوس» يسأل عُمدة ريفا الصيادَ العجوز: «وليس لك نصيب في الآخرة؟» فيجيب: «أنا دائمًا على هذا الدرج المؤدي إلى هناك، على هذا الدرج الكبير الواسع أتجول، تارة صاعدًا وتارة هابطًا، إلى اليمين مرة وإلى اليسار مرة أخرى، في حركة دائبة. وإذا ما قمت بأكبر قفزة وأضاء لي الباب في أعلى الدرج، أجدني أستيقظ في قاربي القديم القابع مهجورًا في إحدى البحار الأرضية. يحيطني الخطأ الأساسي الذي تسبب في موتي الأول في كابينتي بابتسامة ماكرة».

يقدم مؤرخ كافكا راينر شتاخ (من مواليد عام 1951) في خاتمة تحقيقه للشذرات تفسيراً لتَصوُّر كافكا عن الوجود في الجنة: «يوجد في الشذرات عالم حسي وعالم فكري. العالم الفكري بعيد المنال بالنسبة لنا، ومع ذلك فإن كل واحد يعيش فيه ‘حقًا’. في رواية القصر هناك القرية والقصر بعيد المنال، ومع ذلك هذه القرية ملكٌ للقصر، ومن يعيش هنا أو يبيت، يعيش أو يبيت نوعًا ما في القصر».

يُوظِّفُ كافكا هنا الميثولوجيا التوراتية من أجل التأكيد على إيمانه بالوجود البشري غير القابل للتدمير، وعلى أن خطيئتنا الأساسية ليست أننا أكلنا من شجرة المعرفة وإنما أننا لم نأكل من شجرة الحياة، أي شجرة الخلود:

لسنا آثمين لأننا أكلنا فحسب من شجرة المعرفة، وإنما لأننا لم نأكل بعد من شجرة الحياة. آثمٌ هو الوضع الذي نحن فيه، بعيدًا عن الذنب.

ويجدر هنا أن نُذكِّرَ أن شجرة الحياة تُذكَر في سفر التكوين بشكل عابر، بعد أن يكون آدم وحواء قد أكلا من شجرة المعرفة وفوّتا الفرصة على نفسيهما: «وقال الرب الإله هوذا. الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا للأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة». (سفر التكوين، 3، 22، 23)

إذًا يتعلق الأمر هنا بسعي وأمل أو رجاء في الخلاص من العالم الحسّي الذي هو تجسيد الشر بحسب توصيف كافكا. لكن هذا الخلاص لا يلوح حقاً في الأفق بإرادة حرة أو غير حرة، فهو ذاته يُفنّد وجود مثل هذه الإرادة:

للإنسان إرادة حرة وتحديدًا بثلاثة أشكال:

 

أولًا إنه كان حرًّا عندما أراد هذه الحياة؛ لكن الآن لم يعد باستطاعته الرجوع في الأمر، لأنه لم يعد ذاك الذي كان يريد ذلك في الماضي، إلا لو كان ذلك إلى الحد الذي ينفذ فيه إرادته السابقة من خلال أن يحيا.

 

ثانيًا إنه حرٌّ في أنه يستطيع اختيار طريقة مشيه وطريقه في هذه الحياة.

 

 ثالثًا إنه حرٌّ بوصفه ذاك الذي سيكونه ذات مرة مجددًا، لديه الإرادة في أن يخوض غمار الحياة تحت أي شروط ويتيح لنفسه بهذه الطريقة العودة إلى ذاته وتحديدًا عبر طريق اختياري حقًا ولكنه على أي حال متاهي، بحيث لا يترك بقعة من هذه الحياة دون أن يمسها.

 

هذه هي الأشكال الثلاثة للإرادة الحرة، لكنها أيضًا، ولكونها متزامنة مع بعضها، سواء، وهي في الأساس سواء للغاية بحيث لا يوجد مكان لإرادة ما، حرة كانت أو غير حرة.

لكن هذا الدحض للإرادة يتناقض مع الرغبة في الوجود الأبدي المنشود، أو حتى مع مجرد فكرة الأمل في الخلاص أو في مَخرج كما في حالة القرد بيتر الأحمر بطل قصة تقرير إلى أكاديمية (الكراسة ث)، الذي اضطَّر بعد اصطياده لأن يصبح قرداً مُدرَّباً على تقليد البشر. وهو لا يقصد بالمَخرج انعتاقاً حقيقياً أو حرية:

لا، لم أرغب في الحرية. فقط في مَخرج. ولو وصلت إلى أي موضع ما، لم أكن لأرغب في أن أكون مثبتاً في حائط صندوق أو ما شابه وإنما أردت مَخرجاً، على اليمين أو اليسار، في أي اتجاه، لم أضع مطالب أخرى، ولو كان المَخرج مجرد خداع، فإن المطلب كان صغيراً، ولن يكون الإحباط أكبر منه.

ورغم ذلك يبدو أن البحث عن مَخرج ليس بالأمر اليسير، ولكنه السلوى الوحيدة كما تُشير الشذرة التالية: «هل من الممكن التفكير في شيء يائس؟ أو بالأحرى في شيء يائس دون هذه النفحة من السلوى؟ قد يكمن المَخرج في كون المعرفة بمثابة هذه السلوى». ويبقى الأمل الوحيد مجدداً في الإيمان بالوجود البشري: «لا يمكن القول إن الإيمان ينقصنا، فوحدها الحقيقة البسيطة لحياتنا لا يمكن أن تُستنفد من حيث قيمتها الإيمانية. هنا يُفترض أن تكون القيمة الإيمانية؟ لا يمكن للمرء ألَّا يحيا. تماماً في هذه الـ’لا يمكن’ تكمن الطاقة الخرافية للإيمان؛ إنها تكتسب شكلَهُ في هذا النفي».

لكن الوصول لهذا الإيمان يحتاج للغواية: «ليس من الضروري أن تخرُج من المنزل. ابقَ عند طاولتك وأنصت. لا تنصت حتى، انتظر فقط. لا تنتظر حتى، ابق ساكنًا تمامًا ووحيدًا. سيعرض العالم نفسه عليك لكشفه، فهو لا يستطيع شيئًا آخر، مفتونًا سيتلوّى أمامك»، والاختبار فردي بامتياز: «أنت المهمة. لا تلميذ سواك في أي مكان».

ما يبعث على الحيرة هنا هو التناقض في شذرات كافكا بين الإيمان الراسخ بالوجود الإنساني الخالد من جهة، وانعدام اليقين بشأن إمكانية الخلاص أو الخروج من ورطة العالم الحسّي وشروره، أو حتى الانسداد التام للأفق في بعض الأحيان، لكن تلك مجرد قراءة شخصية عابرة لنصوص تحتمل تأويلات كثيرة.