تستعدُّ الشواطئ اللبنانية لصيفٍ حار. المهرّبون نشِطون، وأرقامهم تنتشر بين مجموعات السوريين المقيمين في لبنان على فيسبوك وواتس آب، حيث لا ينقطع الحديث عن عبور البحر كوسيلة للهرب من الحملة التحريضية الممنهجة ضدهم. يتبادل السوريون الأرقام، وفي بحثهم يسألون من سبقوهم إلى الضفة الأخرى عن المُهرّب «الأفضل» والأسعار الأكثر «منطقية». 

أنشأت الظروف السياسية والأمنية التي فرضتها السلطة اللبنانية على اللاجئين السوريين اقتصاداً مزدهراً للمهرّبين. فمنذ بداية العام 2024 تصاعدت أرقام المراكب المُنطلقة وتوسّعت شبكات التهريب وأدواتها، مستغلة المخاطر الأمنية والاقتصادية التي يواجهها اللاجئون. ويصل التنافس المُحتدِم بين شبكات التهريب إلى مجالات الترويج لرحلات الهجرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ووسط ذلك، لا تنفكّ الدول الأوروبية الهاجسة بموجات اللجوء القادمة تطرقُ باب دعم الدولة اللبنانية، لوقف هجرة أولئك الذين لا يتوقّف الخطاب السياسي لذات الدولة عن الدعوة لتهجيرهم منها. 

ماركيتيغ يُجيب عن سؤال المصير 

مضت حتى الآن أكثر من ثلاثة أشهر على احتدام الحملة التحريضية الأخيرة ضد السوريين في لبنان. العنف الذي ظننا أنه سوف يستكين مع الوقت ما زال مستمراً، وهذا جعلَ سؤال المصير أكثر تعقيداً. كانت هذه الأشهر الثلاثة كافية ليُفكِّر المُهرّبون باستغلال أزمة اللاجئين الأمنية، فانتشرت إعلانات التهريب على وسائل التواصل الاجتماعي: أسماء وهمية لشركات سياحة وسفر توحي بالجدّية، ولكن لا تنشر في صفحاتها إلا ما يبدو واضحاً أنه دعايات تهريب، أو مجرد معلومات تواصل مكتوبة على عجل في منتصف فيديوهات Reels، غالباً ما تكون خلفياتها مشهداً لباخرة كبيرة تفتح بوابتها الحديدية الضخمة لراكضين يَستعجلُهم المُهرِّب للّحاق بالباخرة. 

أنا الآن في بيروت. تجاوزتُ أخيراً الحواجز الأمنية المنتشرة في المدينة لكي أجلس على مقعد بلاستيكي مكسور الظهر في منزل عائلة خالد (28 عاماً). فورَ وصولي أمطرني أفراد العائلة بالأسئلة حول طبيعة الحواجز وأماكن تواجدها، ليشاركوا على الفور المعلومات التي سمعوها مني في تسجيلات صوتية تحذيرية على الواتس آب. لقد جعلَت هذه الحواجز حياة خالد مستحيلة، وحوّلت مشهد الباخرة وهي تفتح أبوابها لنا في خلفية مقطع الفيديو القصير حافزاً للمجازفة. تدفع الأوضاع كثيرين وكثيرات لهذا «الاحتمال الأخير»، وبتنا نرى من بين الباحثين عن «المُهرِّب الأفضل»، ريثما يبيعون مُقتنياتهم، أصدقاءَ ومعارفَ كنا قد سمعناهم مراراً وهم يرفضون فكرة اللجوء إلى خيار السفر تهريباً بشكل قاطع. 

يُخبرني وليد، الأخ الأكبر لخالد، أن أخاه أبٌ لثلاثة أطفال، أدّت مخاطر الحملة التحريضية الأخيرة إلى توقُّفه عن العمل. حاول خالد في البداية المجازفة بالوصول إلى عمله في منطقة الدورة، لكن تهديد السوريين بالترحيل المباشر إلى مناطق سيطرة النظام باتَ يُشكّل خطراً أكثر جدية من خطر بقائه بلا عمل، خاصة وأنه مُنشقّ عن جيش النظام ودخل إلى لبنان بشكل غير قانوني قبل ما يقارب الـ5 سنوات. سعى خالد كثيراً لتسوية وضعه قانونياً، إلا أن حلول التسوية لم تكن مُتاحة لجميع السوريين. وصار المهربون وابتزازهم الأمني الوسيلة الأخيرة لتجاوز المخاطر الأمنية.

لا أحد يثقُ بالمُهرّبين هنا. لكن ابتزازهم المالي ليس أشد وطأة من الضغط الاقتصادي الذي أعلنته مديرية الأمن العام اللبناني في استراتيجية ضبط وتنظيم الوجود السوري، عبر تعقيد إجراءات تنظيم وجودهم القانوني، إذ صعّبت تجديد واستخراج الإقامات واستخدمت نتائج ذلك ذريعة لـ«قوننة» الترحيل. كما عَدّلَت شروط تجديد الإقامات بموجب كفالة مالية للسوريين، ليصل مبلغ الإيداع إلى ما يقارب 17 ألف دولار للعام الواحد، وما يقارب 50 ألف دولار لثلاث سنوات، ذلك مع رفعٍ عام لجميع رسوم طلبات إقامات العمل والطلاب، وهو ما صعَّبَ عملية تنظيم أوضاع السوريين لتكون قانونية. 

يشير وليد بإصبعه على شاشة هاتفه المكسورة: «هدول كلهم أسماء مهربين، كلهم بيوعودك يوصلوك وين بدك حسب مصرياتك، أخي خالد تواصل مع هاد المهرّب»، ثم ضغط على زر الاتصال وهو ينظر في عيوني نظرة العارف سلفاً أن المجيب الآلي سوف يعلن خروج الرقم عن الخدمة. اتفق خالد مع المُهرِّب على تهريبه عن طريق مرفأ بيروت مقابل خمسة آلاف دولار، وهذا مبلغ هائل للسواد الأعظم من السوريين في لبنان، ولكنه مع ذلك غير كافٍ لتنظيم الوضع القانوني هنا، وهذا ما يعرفه المهربون جيداً، ويستغلونه أثناء الترويج لرحلاتهم. يتصرّف أغلب المهرّبين بمِنّةٍ وكأنهم يقدّمون معروفاً للسوريين، خاصة بعد أن شدّت السلطات اللبنانية من عزمها على تسليم السوريين للنظام السوري في برامج «العودة الطوعية». 

لا إجابات مضمونة عن سؤال المصير وراء الباب الذي فتحه المُهرّب لخالد، ولا حتى إمكانية التأكد أنه باب باخرة فعلاً؛ لكنه احتمال «أخير» للانتقال إلى واقع أفضل، وهذا ما دفع خالد لانتظار رحلته مع المُهرّب بعد الاتفاق معه على تسليم المبلغ في مرفأ بيروت، حيث تركه لساعات بعد أن وعده بالعودة مع المزيد من المهاجرين، ليتم القبض على خالد داخل المرفأ ويصدر بحقه قرارٌ سريعٌ بالترحيل إلى سوريا. الرحلة الآن هي السعي لمعرفة مصير خالد في أفرع الأمن. يقول وليد: «آخر شي عرفناه أنو خالد بفرع فلسطين، وما منعرف لأي فرع ممكن يحولوه، ما منعرف طبيعة الاعترافات يلي عم يعذبوه ليعترف فيها. خلصنا من سماسرة التهريب من البحر، صرنا مع سماسرة الأفرع الأمنية بسوريا، عم نفاوضهم لنعرف أي معلومة عن مصير أخي». 

الاعتقال والترحيل كانا مصير خالد في سعيه للبحث عن مَخرَج، والوقوع في يد عصابة خطف وابتزاز كان مصير الشاب محمد عماد خلف (27 عاماً). استُدرج محمد بعد تفاعله مع إعلان تهريب إلى أوروبا على تطبيق تيك توك، لتبدأ معاناة عائلته في سعيها لإنقاذه، إذ استهلّت العصابة المفاوضات معها بفيديوهات تُظهر تعذيب ابنهم بالصعق الكهربائي والشبح والجلد وكل الوسائل «الأمنية» المعروفة سوريّاً. تعمل هذه العصابات منفلتةٍ من أي رادع، إذ غالباً ما تتنصّل الأجهزة الأمنية اللبنانية من واجبها في حالة الجرائم التي تقع بحق سوريين، ونادراً ما تُوضَع في سياقها القضائي. 

لبنان كمشكلة وحلّ في مخططات الأوروبيين 

ضجّت نشرات الأخبار اللبنانية في الثامن من نيسان (أبريل) بمشهد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، وهو يمشي بخطى سريعة وحازمة ضمن أروقة السراي الكبير برفقة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. وقد اتّفقَ الطرفان على أن تقوم قبرص بمسعى لدى الاتحاد الأوروبي لتقديم المعونات المالية للبنان، والمساعدة على «تحفيز» اللاجئين السوريين للعودة إلى سوريا، وذلك بعد أن صرَّحَ الرئيس القبرصي للإعلام: «الأكثرية من النازحين هم نازحون اقتصاديون». وقد ختم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي اللقاء بالتأكيد على ضرورة أن يُعيد المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي النظر في سياستهم بشأن أمن سوريا، إذ أن معظم المناطق السورية قد أصبحت آمنة لعودة النازحين إليها. 

وقد تجاهل اللقاء اللبناني- القبرصي العديد من التقارير الحقوقية حول ظروف اللاجئين السوريين في لبنان، والمخاطر الأمنية التي تهدد حياتهم في حال العودة إلى سوريا. ليكون السؤال الجوهري الذي طرحه المراسلون بعد انتهاء زيارة الرئيس القبرصي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري: «في عتب مِن قبرص على دور لبنان؟»، ليرد بري: «في تعاون مثمر إن شاء الله». 

«التعاون المثمر» هذا يعني حصول لبنان على مساعدات مالية مقابل إغلاق البحر في وجه اللاجئين السوريين، خاصة بعد تقاعست السلطة اللبنانية عن القيام بدورها في ملاحقة شبكات التهريب والمهربين. نحو 3000 سوري وسورية ركبوا البحر من لبنان خلال الثلث الأول من العام الجاري فقط، مقارنةً بـ4500 خاضوا هذه الرحلة خلال عام 2023، وذلك وفق ما كشفته المنظمة الدولية للهجرة لوكالة أسوشيتد برس على لسان المديرة العامة للمنظمة إيمي بوب. وتتنصّل السلطات اللبنانية من واجبها في عمليات البحث عن المراكب المفقودة وإنقاذها، فيما تلجأ قبرص في كثير من الأحيان لإعادة المراكب المُكتشَفة إلى المياه اللبنانية، لتعلق هذه القوارب في عرض البحر. كذلك، يتم توقيف محاولي الهجرة من قِبل الجيش اللبناني، ويزداد الاعتماد على تسليم السوريين منهم للنظام السوري. 

ما نراه الآن من لقاءات وتداولات وإعلانات بهذا الشأن هو محصّلة معادلة لا إنسانية بسيطة: تتصاعد الضغوط ويشتدُّ العنف على السوريين في لبنان فيلجأون إلى مهربين يضعونهم، في «أحسن الأحوال»، في مراكب نحو قبرص. وتتخذ السلطات القبرصية مزيجاً من سياسة مُناشَدة الاتحاد الأوروبي لكي يضع ثقله في الحد من تدفق اللاجئين السوريين من لبنان من جهة، واستخدام وسائل غير قانونية في «التصدّي» لقوارب اللاجئين قبالة السواحل اللبنانية، بشكل استدعى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتوجيه لومٍ علني للسلطات القبرصية على سلوكها.

وفور عودته من زيارته إلى لبنان، أعلن خريستودوليدس إيقاف بلده قبول طلبات لجوء السوريين الواصلين إليها. ليعود مطلع شهر أيار (مايو) مُجدَّداً إلى بيروت برفقة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، مع وعودٍ بمعونات تصل إلى مليار يورو، تَنصَبُّ بشكل خاص على دعم الجيش والقوى الأمنية بالمعدّات والتدريب الكافيين «لإدارةٍ أفضل» للحدود اللبنانية. وقد حصلت هذه الزيارات والإعلانات في مرحلة التحضير لانتخابات البرلمان الأوروبي في التاسع من حزيران (يونيو)، حيث تسعى فون دير لاين إلى تجديد منصبها وسط حملات انتخابية تضع الحدّ من الهجرة واللجوء إلى أوروبا في موقع شديد المركزية والسخونة في السجال السياسي الأوروبي.

وقد تزامنت زيارة فون دير لاين وخريستودوليدس مطلع أيار مع بيان مشترك أطلقته 8 منظمات حقوقية ومدنية، أدانت فيه طبيعة الاتفاقات الأوروبية مع لبنان والمساعي لاعتبار مناطق من سوريا آمنة والتساهل مع ترحيل السوريين إليها. وفي الاتجاه نفسه جاءت إحاطة المفوّض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، أمام مجلس الأمن في نهاية أيار المنصرم.

وإذ يُشير متابعون لحركة القوارب من لبنان باتجاه قبرص إلى أن عدد رحلات التهريب قد تقلّصَ بشدّة خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن ذلك لا يعني توقّفَ نشاط شبكات التهريب، كما لا يؤثّر التباطؤ على استراتيجياتهم التسويقية، إذ ليس هذا الركود إلا مرحلة تعديل أساليب ووجهات، مثل عودة ازدهار الوجهة الليبية للانتقال إلى إيطاليا مؤخراً. ريثما، لا أجوبة على سؤال المصير إلّا السعيُ كيفما أمكن للنجاة من إجراءات حلّ معضلة اللاجئين السوريين في لبنان عبر تضييق الخناق على أيّ وجودٍ لهم.