باعتبارك المدير-ة الإبداعي-ة لمهرجان قديرة للدراغ، كيف تصف-ين أهمية الحدث؟ ما الذي دفعك لتأسيس حفلة قديرة؟ وكيف تطورت من المساعي السابقة أو بنَت عليها، وكيف تغيَّرت مع مرور الوقت؟

قديرة، في الجوهر، هي مساحة نسعى فيها للاحتفال بموسيقى البوب العربية، وخلق مساحة يمكن للعرب الكويريين والكويريات وحلفائهم-ن، وأي شخص يحب موسيقى البوب العربية، الاجتماع فيها والحصول على الدعم والشعور بالأُلفة. قديرة كانت أيضاً محاولة للحصول على الاستقلالية من خلال تنظيم أحداث كهذه، لأن الكثير من الأحداث التي تزعم أنها مُشابهة ينظِّمها أشخاص بِيض لا يعرفون الكثير عن ثقافة موسيقى البوب العربية الغنية.

قديرة استمرار لمشروع مماثل يدعى بارتي كويرية عربية، بدأ قبل الوباء (كوفيد-19). بعد الوباء، أعدنا تسميته ليصبح حفلة قديرة، لكن الفكرة ظلَّت كما هي: مساحة ضرورية جداً لاجتماع العرب الكويريين والكويريات في برلين. ومع كل ما يحدث في العالم الآن، وفي ألمانيا على وجه الخصوص، كنا بحاجة حقاً إلى تلك المساحة لتلبية احتياجاتنا، حيث نشعر بقدر أكبر من الأمان من الحفلات الأُخرى على الأقل. إنها ليست حفلة جذابة، إنها حفلة مجتمعية؛ مكانٌ يذهب إليه الناس مع أصدقائهم-ن لمقابلة الآخرين والرقص معاً. أقمنا أول حدث لنا في فبراير 2023، وقد أقمنا خمس دورات حتى الآن. 

إلى أي مدى خرجت المنظمات والمبادرات الأخرى التي كنت جزءاً منها، مثل تضامن كويري نقدي وهيرا كوليكتيف وبارتي كويرية عربية، من نفس الأهداف والاحتياجات والدوافع؟

باعتباري مؤدي-ة للدراغ، لطالما رغبت بأن أُبرز الدراغ أكثر. صحيح أن الدراغ أصبح جزءاً من الثقافة السائدة، لكن العرب الكويريين والكويريات ما يزالون في أسفل الهرم. في مسيرة فخر المثليين في برلين لا توجد كتلة عربية، هناك كتل أُخرى كثيرة، لكنني لم أرَ كتلة عربية. مهرجان قديرة للدراغ انبثق من هذا الشعور بالإحباط، بأن أحداً لم يخلق هذه المساحة بعد. 

جميع المبادرات العربية الكويرية التي عملت معها، مثل تضامن كويري نقدي وهيرا كوليكتيف وبارتي كويرية عربية وقديرة، انبثقت من الحاجة إلى خلق مساحتنا الخاصة بنا. تضامن كويري نقدي وجمعية رسمية منخرطة بتعليم الشباب على وجه التحديد. إحدى المشاريع التي قمتُ بتنظيمها وتيسيرها، مثلاً، كان يدعى «دراغ إت أب»، وهو مخيم تدريبي مدّته أسبوع شارك فيه حوالي 40 مشاركاً ومشاركة من مختلف البلدان الأوروبية. تمكَّنا كذلك من توسيع الدائرة عبر إشراك أشخاص من تونس وأرمينيا. 

هناك قلَّة منّا قاموا بتأسيس تضامن كويري نقدي وساعدوا في الحفاظ عليه. لا توجد هرميَّة في الطريقة التي نعمل بها. جميع أعضاء الفريق لديهم-ن اهتمامات مختلفة: البعض مهتم بالنشاط البيئي، البعض الآخر بإنهاء الاستعمار، وهكذا. كل شخص يعمل في مشروعه أو مشروعها الخاص، ونقدم الدعم لبعضنا البعض عند الحاجة. نحن أيضاً نرحب بالمتطوعين والمتطوعات الذين يقدمون لنا المساعدة.  

لقد شاركت سابقاً في تنظيم وأداء العرض الشهري الأصلي «جلسات علاج» لفتح نقاشات حول الصحة والتعافي والشعور بالوحدة في مجتمع الميم-عين. لماذا وكيف سعيت إلى تيسير هذه النقاشات؟ 

إننا نحاول، إلى حد ما، تفكيك الفكرة القائلة إن ملكات الدراغ إيجابيّات على الدوام ولا يظهرن إلا بغرض الترفيه وإضحاك الناس. ذلك، بالطبع، ما نفعله؛ ولكننا في نهاية المطاف بشر، والمهم هو تحفيز المحادثات والتواصل. يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة مخاطبةُ الفيل الموجود في الغرفة، والاعتراف بمواجهتنا المشكلات، أو بأن الأمور ليست على ما يرام، أو أننا لسنا بخير. 

لهذا السبب نعتبر الجانب المجتمعي من الأحداث بالغ الأهمية، سواء اتخذ شكل حلقة نقاش أو أنشطة أُخرى على الجانب. هذا العام، على سبيل المثال، استضفنا وجبة إفطار كويرية خلال شهر رمضان. 

*****

كيف وجدت طريقك شخصياً إلى الدراغ كوسيلة للتعبير عن الذات؟ هل سبق لك أن قمت بأداء الدراغ في لبنان أو في أي مكان آخر في العالم العربي؟

جئتُ إلى الدراغ عن طريق المسرح، درستُ المسرح والتمثيل في الجامعة. عندما غادرتُ لبنان وانتقلت إلى برلين، وجدتُ صعوبة في أن أصبح ممثل-ة بسبب حاجز اللغة، لذا انجذبت حقاً إلى الدراغ كنوع من الفن الحر، فبدأت أستخدمه للتعبير عن نفسي، مما فتح أبواباً أُخرى علي. من خلال الدراغ، حققت قدراً كبيراً من الظهور، وسمح ذلك لي بالمشاركة في المسرح مجدداً، ثم في عروض الرقص والحياة الليلية، وتنظيم الأحداث، ولعب الدي جي وغيره، كان عليّ أن أذهب بعيداً لأعود للوطن. 

لم يسبق لي أن أدَّيت الدراغ في لبنان. كان من المفترض أن أقدم أداءاً في تونس في 2020، ولكن الوباء حدث وقتها. كان من المفترض أن أؤدي حفلاً في تونس هذا العام أيضاً، ولكن تأشيرتي رُفضت. لا أعود إلى لبنان كثيراً، ولكني أزداد قناعةً يوماً بعد يوم بأن قديرة يمكن أن تنبي جسراً بين لبنان وبرلين، وأن تيسِّر دعوة بعض الفنانين والفنانات من لبنان للمجيء إلى برلين. 

كيف استقرَّيت على اسم الدراغ حسندرا، وما هي الإلهامات وراء اختيار هذا الاسم؟ ما هي الشخصيات أو التأثيرات التي ساهمت في تشكيل أدائك للدراغ؟

جاء اسم حسندرا من شخصية كاساندرا في الأساطير اليونانية، لكنها قصة طويلة. أرى شبهاً كبيراً بيننا وأعتقد أن الأمر يتعلَّقُ أيضاً بالطريقة التي نرى بها أنفسنا كأشخاص كويريين وكويريات. إننا في الغالب نكبر شاعرين بالإقصاء الشديد، كما لو أننا دُخلاء، وأعتقد أن لذلك علاقة كبيرة بالطريقة التي كنتُ أرى نفسي بها عندما كنت في مرحلة الطفولة. كان ثباتي على اسم دراغ رحلةً بدأتُ فيها باسم «كاب كيك»، ثم أصبحت «ملكة العذرية»، قبل أن أستقرَّ على «حسندرا»، الأمر الذي بدا منطقياً بالنسبة لي، لأنني توقفت عن الشعور بالحاجة لتغريب اسمي. 

في كلية المسرح، كان علينا اختيار شخصية لتمثيلها في كل فصل، ولم تسنح لي الفرصة قط للعب دور ميديا، أو إحدى شخصيات شكسبير مثل الليدي ماكبث. لكنني ارتبطت بهن، وحتى ببعض الشخصيات الإنجيلية مثل مريم المجدلية، التي تمكّنتُ من تنفيذ مشروعي في إخراج المسرح عنها. أعتقد أنني أجد الإلهام في هذه الشخصيات لأنني أنا أيضاً تعرَّضت للظلم والتحيز نفسه الذي واجَهَته، لكنني من خلال الدراغ تمكّنت من تصوير هذه المحادثة على شكل حوار على خشبة المسرح: عروضي الأدائية غالباً ما تضم شخصيتين تتواجدان في نفس اللحظة على خشبة المسرح، إحداهما تؤديها أنا، والأُخرى تظهر في مقطع فيديو لي. 

أعتقد، بعدما فكّرت بالأمر لسنوات، أنني كنت أرى أمي وأختي في هذه الشخصيات، وأرى نفسي من خلال أمي وأختي. رأيتُ كيف واجهت النساء الكثير من التحيز، ومنحني الدراغ الوسيلة للتعبير عن ذلك. 

*****

هل تشعر-ين أن المناخ الحالي في لبنان قد أثر على مدى راحة فناني وفنانات الدراغ في الأداء هناك؟

أعتقد أن ما حدث مؤخراً في مقهى مدام أوم قد أثار مخاوف بشأن زيادة إجراءات السلامة، ولكن حسبما أرى ما تزال تُقام عروض دراغ في بيروت. فنانو وفنانات الدراغ دائماً يواجهون مشكلات مختلفة في كل مكان، والمشكلات مختلفة على الدوام. هنا في برلين، هناك مخاوف مماثلة تتعلق بالسلامة، فضلاً عن الرقابة. 

باعتبارنا فناني وفنانات دراغ، فإننا لا نشعر بالأمان التام قط. إنني أعيش في برلين ولا آخذ وسائل النقل العام بالدراغ. أنا لست وحدي أبداً بالدراغ، لأنني لا أشعر بالأمان. 

لقد قلت إن قديرة حدثٌ مرتبط بالشعور بالحنين. إلى أي مدى تجد-ين العروض الأدائية وحلقات النقاش في قديرة مرتبطة بتاريخ مجتمع الميم-عين في العالم العربي؟ 

قديرة مصطلح شاع في البداية بفضل باسم فغالي، ملكة الدراغ الرائدة على التلفزيون اللبناني. كان من المهم بالنسبة لنا أن نختار اسماً يكون جزءاً حقيقياً من العاميَّة المثليَّة الشاميَّة الأصيلة، وليس مجرد كلمة مبتذلة. هذا هو الشيء الذي نريد تكريمه، لذلك، مثلاً، أؤدي عرضاً كاملاً يحيل إلى الكثير من أعمال باسم. عدا ذلك، توجد الكثير من الشخصيات في ثقافة البوب العربية التي تظهر بالدراغ وبهيئة كويرية تماماً، بعضهن من أشهر مغنيات البوب العربيّات، لذا أظن أن المجالَين يتقاطعان في العديد من المواضع. حيثما توجد الموضة والثقافة الشعبية، يوجد الكامب، وتوجد الكويرية والدراغ. أعتقد أنه لو لم تكن هناك مثل هذه الحاجة والرغبة بوجود مساحة كهذه، لما أُقيم مهرجان قديرة، ولما تحمَّس الناس جداً لحدوثه. 

إن موضوع حلقة النقاش هذا العام هو الحنين؛ الذكريات وكيفية تعاملنا معها على المسرح. نحن في الشتات العربي نميل إلى عرض ذكرياتنا في أعمالنا في أغلب الأوقات: كيف نستخدم هذه الذكريات؟ كيف نعرضها؟ وبعد اكتمال العملية، ماذا نفعل بعدها؟

يصف مهرجان قديرة نفسه بأنه «مهرجان للدراغ المناهض للنظرة الاستشراقية وفرصة للاحتفال بموسيقى البوب العربية». كيف يتجلى الاستشراق ومناهضته في عالم الدراغ، ولماذا اخترت إدراج مناهضة الاستشراق على وجه التحديد في وصف الحدث؟

ما تزال الصور الاستشراقية موجودة. غالباً ما نتعرّض إلى إساءة التفسير أو الاستخدام أو القولبة بما يناسب تصورات مسبقة. السبب الذي جعلنا نقول على وجه التحديد إنه مهرجان مناهض للنظرة الاستشراقية هو رغبتنا باستعادة أو استرداد شيء من القوة والاستقلال، وإرادتنا العمل بنشاط على محاربة الصور النمطية الاستشراقية لدى الناس حول العرب. لا تتوقعوا منا الرقص الشرقي طوال الوقت (لا خطب في الرقص الشرقي، لكننا لن نرقص لكم طوال الوقت!) 

هذه مساحة يمكننا فيها الاحتفال بفنوننا مع أُناسنا، ومع الآخرين الذين يقدِّرون ذلك. ذلك لا يحدث كثيراً، لأنه في أغلب الأحيان يتعيَّن علينا تنظيم عروضنا الأدائية بطريقة تجذب النظرة البيضاء، وبأسلوب سهل بما يكفي حتى تستوعبها. هذا المهرجان مختلف: بإعلاننا بوضوح أنه مناهض للنظرة الاستشراقية، فإننا نطلب من الحضور البحث، والتعرف على المساحة، والتمتع بالفضول. 

الحدث مخصص في المقام الأول للعرب أو الناطقين بالعربية من الكويريين والكويريات، ولكنه أيضاً لحلفائنا؛ إنه للأشخاص الذين يحترمون ويدركون قيمة هذه المساحة. لم نرفض يوماً دخول شخص غير عربي، لكننا نمنح الأولوية للعرب الكويريين والكويريات. 

أين ترى-ين قديرة في المستقبل؟

الأوقات صعبة حالياً، خاصة مع موجة العنصرية في ألمانيا؛ وللصدق، فإن مشاعرنا متضاربة حيال تنظيم حدث مثل هذا الآن. ولكن ذلك سبب إضافي لتعزيز وجودنا بشكل أكبر في الوقت الذي يتم فيه دفعنا إلى الهامش.

آمل أن يشجع المهرجان المزيد من العرب الكويريين والكويريات على البدء بممارسة الدراغ. كما آمل في المستقبل أن أرى قديرة في بيروت، مع باسم فغالي!