ملاحظات حول العفو الرئاسي في سوريا

عشرات النسوة يحتشدن ظهيرة يوم حارّ في أواسط حزيران عام 2014 أمام القصر العدلي في دمشق، بعضهنّ في أوضاع مزرية ومُهينة ينتظرن الإفراج عن أقربائهنّ بموجب مرسوم العفو الذي كان قد سبق لرئيس النظام السوري بشار الأسد أن أصدره، في حين تنتظر الأخريات أخباراً قد يأتي بها المعتقلون «المعفى عنهم»، أخباراً تكشف عن مصير أزواج أو أبناء أو أخوة سبق أن اعتقلتهم أجهزة الأمن السورية. بين أولئك النسوة امرأة من الرّقّة تحمل صورةَ قريبٍ لها وتسأل كل معتقل يخرج إذا كان قد رأى صاحب هذا الوجه، إلا أنها تفقد أعصابها فجأةً جرّاء الطقس الحارّ وغياب الأخبار عن قريبها وتصرخ في وجه حراس القصر العدلي: «قولوا لرئيسكم بشار الأسد أن جيشه لن يدخل الرّقّة ثانية»! يصاب أحد الحراس بالذعر ويناشدها أن تصمت، وترحل من أمام باب قصر العدل حفاظاً على سلامتها.

لعل هذا المشهد يكون تكثيفاً لعلاقة السلطة السورية بمحكوميها، العلاقة المبنية على القهر والخوف والعدوانية، وتكثيفاً لمفهوم العقاب والعفو لدى السوريين حكاماً ومحكومين. هذا المفهوم الذي لا يمتّ بصلة لما يُفترض أن يكون عليه الحال في الدولة الوطنية، إذ يتم احتجاز آلاف السوريين خلافاً لأي قانون في مراكز الاعتقال، ثم يعفى عن بعضهم بموجب مراسيم تبدو مَكرُمة من الزعيم الأوحد، لتبدأ لعبة الأمل واليأس لدى عوائل المعتقلين، ومعها لعبة الابتزاز والانتظار المُهين. يخرج بعض المعتقلين تباعاً في ظروف صحية ونفسية مريعة، ويبقى آخرون مغيّبين بانتظار المقابر الجماعية أو المحاكمات أو مراسيم عفو لاحقة. ولأن ثمة من حمل السلاح وطرد نظام الأسد من بعض المدن، أصبح بالإمكان أن نرى ردّةَ فعل غاضبة كتلك التي صدرت عن المرأة الرّقّاوية، فهي لا تجد ما يشفي غليلها من الإهانات والآلام التي لحقت بها جرّاء عقاب الأسد وعفوه إلا تحدي النظام بأن يعود إلى الرقة، وبصرف النظر عن الظروف البائسة التي تعيشها الرّقّة اليوم تحت حكم من سمّى نفسه «الدولة الإسلامية».

يرتبط مفهوم «العفو عن المجرمين» بمفهوم العقاب في أي منظومة سلطوية، وهو أداة من أدوات السلطة في تثبيت أركانها كما هو حال العقاب، ففي دولة العصور الوسطى، السلطانية، كان يتم عقاب «المجرمين» باسم الحاكم المطلق المؤيّد من الآلهة: الملك، الإمبراطور، السلطان، الخليفة... ولآن العقاب كان يُفرض على من ينتهك قوانين السلطان المقدسة، فإن العفو كان من اختصاص السلطان وحده. أما في أنظمة الحداثة، التي يفترض فيها أن الشعب مصدر السلطات سواء كان النظام جمهورياً أم ملكياً دستورياً، فإن العفو العام من اختصاص السلطة التشريعية، وهو يصدر في مراسيم ذات طبيعة قانونية تتضمن إلغاء أو تخفيف العقوبات عن جرائم معينة، وتشمل هذه المراسيم عادةً مرتكبي الجرائم قليلة الخطورة على النظام الاجتماعي العام، أو مرتكبي الجرائم ذات الصلة بنظام الحكم كالجرائم السياسية، وغالباً ما يكون العفو في مناسبات وأعياد وطنية أو عقب أحداث كبرى تفضي إلى تغييرات في العقد الاجتماعي، وأحياناً تكون بعد انتخابات تأتي بأحزاب وتيارات جديدة إلى السلطة، بحيث يساهم ذلك في توسيع القاعدة الشعبية التي تمنح السلطة مشروعيتها، وفي المزيد من الخضوع العام لسلطة الدولة الوطنية.

أما عند النظام السوري الذي يحكم بمنطق الدولة السلطانية مستخدماً هيكلاً حداثياً شكلانياً هو النظام الجمهوري، فإن العفو كان دائماً يصدر عن رئيس الجمهورية بموجب موادّ الدستور التي منحته اختصاصاتٍ تشريعيةً في أوضاع معينة، وكذلك كان حال العفو العام الأخير في 10 حزيران الماضي عقب فوز الأسد بولاية دستورية ثالثة بموجب انتخابات شكلية تم إجراؤها على بحر من الدماء، إذ إن العفو صدر عن رئيس فاقد لكل شرعية وطنية ليكون إعلاناً عن استمرار السلطة الحاكمة في نهجها الاستبدادي نفسه.

تم الإفراج عن بضعة مئات فقط من المعتقلين خلال أربعة أسابيع مرّت على إصدار مرسوم العفو، في حين ما يزال عشرات آلاف المعتقلين والمغيّبين في مراكز الاعتقال. كذلك أصدر القضاء عشرات قرارات إخلاء السبيل بموجب مرسوم العفو دون أن يصار إلى تنفيذ مضمونها فوراً كما ينصّ القانون، إذ قام كثير من الأشخاص بزيارة أقربائهم في السجون المركزية بموجب طلبات زيارة قانونية تمت الموافقة عليها بعد توقيع قرارات إخلاء السبيل، وهذا في حدّ ذاته انتهاك صارخ للقانون، واعتراف علني موثّق باختراق مؤسسات السلطة لقوانينها نفسها ساعةَ تشاء.

فضلاً عن ذلك لم يشمل العفو مرتكبي «الجرائم» ذات الصلة بصراع السلطة مع خصومها، كالجرائم السياسية فقط، بل شمل معهم مرتكبي جرائم جنائية عديدة، ومن ذلك العفو عن كامل العقوبة لمرتكبي جنح التزوير واستخدام المزوّر وإصدار شيك بلا رصيد وإساءة الائتمان، وعن ثلث العقوبة في جرائم الرشوة وسرّقّة المال العام المنصوص عليها في قانون العقوبات الاقتصادي، ليأتي هذا تأكيداً على خلو العفو من أي مضمون ذي صلة بالسير على طريق معالجة المسألة الوطنية، وتأكيداً على إصرار السلطة على معاملة خصومها السياسيين بوصفهم مجرمين حالهم كحال اللصوص والمرتشين وقطاع الطرق.

ليس العفو في مفهومه العام سوى أداة من أدوات السلطة في تمكين حكمها، وقد استخدمته «الدولة الإسلامية» بعد الأسد عقب إعلانها للخلافة. فقد أصدر «أبو بكر البغدادي الحسيني القرشي» عفواً عن 100 من المعتقلين لدى دولته؛ وكذلك فعل المالكي في العراق في سياق مواجهته مع خصومه. وكما يكون العفو أداة لتدعيم سلطة الدولة الوطنية، فإنه يكون مجرد أداة لتثبيت الاستبداد في الدولة المستبدة، حتى لو أدى إلى إنهاء معاناة بضعة مئات من المعتقلين كما حصل في سوريا، لأنه لم يتم عقاب هؤلاء المعتقلين ثم العفو عنهم بوصفهم مواطنين، وإنما بوصفهم رعايا طاغية، يعفو عنهم ساعة يشاء ويحتجزهم أو يزهق أرواحهم ساعة يشاء.